رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الرابع4بقلم ايه محمد رفعت
(شياطين وكرهم كالجحيم لا عودة منه)
وقف أمام جذورع الأشجار المُنعرجة بشكلٍ شائك، لاحت ابتسامة ماكرة على وجهه، استخرج بطاقة من جيب بنطاله الأسود،غمسها بشكلٍ احترافي بعدما أبعد أحد الأغصان، فتباعد جذعها الضخم حتى كُشف عن الباب السري من خلفه.
ولج "زين" إلى الداخل، وهو يحرص أن يأمن المكان جيدًا، والذي كان مدخل سري لإحدى المنازل السكنية، التي يعد بابها الرئيسي مُغلق من الخارج بأقفال تشهر أن أصحاب المنزل مسافرون منذ زمنٍ بعيد.
كان المنزل عبارة عن طابقين، غرفة نوم بيريرين بالاسفل وآخرى بالأعلى، إلزام صريح لانعزال مرين عنهما، وكأن الجوكر والاسطورة يحرصون على حمايتها حتى دون وجودهما.
وضع زين حقيبته على أحد الآسرة، ونزع عنه جاكيته، ثم ألقى بذاته على الفراش، يفرد ذراعيه العريضين وهو يهدر بتعبٍ :
_ودول هشيلهم أحولهم هنا ولا أريح ساعتين وأروح أجبهم!
وربع يده من أسفل رقبته وهو يتمتم بسخرية:
_حاسس إني ساحب ولاد أختي معايا!
وأضاف وهو يضحك بسخرية جعلت منه نسخة أكثر جاذبية من "رحيم زيدان":
_فينك يا أسطورة تيجي تشوف قائد الفريق وهو مريح جنب مروان اشطا صف أول، فرفر من أولها، عشان تعرف بس إن ابنك بيصمد في أي شيء.
ومال على جنبه ومازال مستندًا على ذراعه، وبتهكمٍ هدر:
_أساسًا صبري على تدريباتك اللي ملاحقاني من وأنا في تانية ابتدائي هو الصمود نفسه!!
ونهض يتحامل على ذاته، وهو يجذب البلطو الخاص به هاتفًا بنزقٍ:
_هنام ازاي والهانم نايمه جنب راجل غريب، بدل ما تعينوه قائد عليها كنتوا ضربتلهم ورقتين رسمي، أو حتى عرفي وخلصتوني من عذاب مراقب اللجنة ده!!
وخرج يستل سلاحه والشفرة السرية، ومازال يتمتم بحنقٍ:
_طيب أنا هشيله ولا هشيلها!
عاد من نفس الطريق المنعرج، وهو يقسم أنهما لن يتمكنا من عبوره مثلما فعل، حتى لو تخطتوه رفقته مرارًا، فاذا به يجدهما على نفس وضعهما، فربع يديه أمام صدره وهو يراقبهما بسخرية يحاوى طمسها بشفقة:
_يعيني على الرومانسية البريئة! والمفروض إننا ماشين طريق طويل عشان منلفتش الانتباه!
ورنا خطوتان، يرفع من صوته بعض الشيء:
_جارحـــــي!!
لم يجيبه، فزفر زين غاضبًا واتجه إليه وهو ينحني هاتفًا:
_قوم يا حضرت القائد، هتأمن الفريق ازاي وإنت مريح جنب منه!!
وما أن لمس كتفه حتى تهاوى زين أرضًا، بينما يعتليه ياسين، مسددًا يده حول عنقه، في لفتة جعلت الاخير بنتبه مساسه بالعرق الذي إن زاد من ضغطه عليه سيفقد الوعي على الفور، فبقى ثابتًا ريثما يتخلى عن حركته الخطيرة، وقال:
_سمي الله يا حبيبي ده كابوس!
شمله ياسين بنظرةٍ ساخرة، ودفعه للخلف بقوةٍ ثم عاد يستند للشجرة، ناطقًا بتهكمٍ:
_بقالك ساعة واقف تكلم نفسك، ده اللي مش هيلفت الانتباه يعني!
زحف حتى وصل إليه، ومال جواره ضاحكًا:
_يعني إنت بتمثل إنك نايم عشان أقوم بالمهمة لوحدي، ولا غرضك أيه بالظبط؟
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، وقال وهو يلهو بأحد الاعشاب من جواره:
_عنيدة هانم كانت تعبانه، وإنت عارف إنها مش هتتنازل وترتاح غير لما تلاقي الأمر عادي ليا أنا بالذات، كأنها بشر وأنا كائن فضائي!!
وتابع وعسليته تتلألأ بسحرٍ ينطوي فيه العشق:
_بحاول أقنعها إن ده سيستم الحياة الطبيعي، ربنا سبحانه وتعالى قال "الرجال قوامون على النساء" هل ده مش كافي للاقناع؟!
خطف نظرة منزعجة إليها ثم عاد يتطلع له وهو يقول بضيق:
_بقولك أيه؟ إنت لسه مبقتش جوزها، كل اللي خدته موافقة مسبقة لام دي جوازة، وتعيين من إبليس توابيت بالقيادة، فمتستغلوش الحاجتين دول وتتقرب منها، انت مبقتش جوزها لسه.
وصاح وهو ينهض عن الارض بغضب:
_أنا مسؤول عنها لحد ما تتنيلوا تتجوزوا ولحد ما ده يحصل اتعامل معاها ببرود وخليك بعيد.
حافظ على ثبات نظراته، وقال مبتسمًا بمكر:
_وأنا عملت أيه يا زيزو! الفريق كله مسؤوليتي ومن واجبي إني أتخذ القرار المناسب وقت ما أشوف عضو من الفريق تعبان ومش قادر يكمل، وواجبي بردو حمايته وأنا عملت كده!
زوى حاجبيه بانزعاج:
_مش عليا المكر ده يا جارحي!
وتمتم وهو يتجه إلى ابنة عمه:
_أنا عارف إني مش هأخد معاك حق ولا باطل، معرفش ملبسكوش في بعض ليه بدل ما يلبسني أنا!!
وانحنى يوقظها بانزعاجٍ، وهو يناديها:
_مـــــــرين!!
فتحت عينيها ورددت بنعاسٍ:
_صاحية، وسامعة تفاهاتك من أولها.
ونهضت عن الفراش المصطنع وهي تتخطاهما مرددة:
_متحلمش إن ده يحصل!
حمل ياسين الحقبتين، ولحق بها وهو يشير إليه:
_هتيجي ولا هتريح هنا ساعة تفك فيها عقدة عنيدة هانم!
********
اتبع "حيدر" الحارس الشخصي الخاص بأخيه، فقاده إلى غرفة المكتب، حيث وجدها تنطوي على الأريكة بأحد الاركان، بينما يتابع أخيه عمله ببرودٍ كأن هناك زبابة بالغرفة غير عابئ بها.
شملت حرارة طفيفة جسدها البارد فور رؤيته، فانتصبت بوقفتها مرددة بسعادةٍ:
_نـوح!
رنا إليها يسألها في لهفةٍ:
_إنتِ كويسة؟
هزت رأسها وهي تزيح دموعها، ورددت برجاءٍ فشلت أن تخفي فيه دموعها ورعشة جسدها:
_عايزة أمشي من هنا.
انحنى يحمل الكتب الخاصة بها، وحقيبتها قائلًا بحنان:
_هخرجك حالًا متخافيش.
أتاه صوتًا صارمًا يقول، ومازال يضع توقعيه على الأوراق بتركيزٍ:
_هي هتخرج إنت لا.
انخطف لونها لما استمعت إليه، فتعلقت بجاكيته من الخلف، وهي تهمس ببكاء:
_متسبنيش يا نوح بالله عليك.
أراد أن يضم كفها المتعلق به، ولكنه يعلم إنزعاجها الشديد لأي لمسة تصيبها منه، حتى أنها رفضت التمسك بكفه وتمسكت بطرف جاكيته الواسع، تغاضى عنها ورنا صوب مكتب أخيه، يواجهه بضيق:
_ليه بقى إن شاء الله.
رفع بنيتاه عن الأوراق، وقال بهدوءٍ خطير:
_عشان أنا قولت كده! حيدر هيوصلها خلصنا.
رفض الانصياع لقوله، وباصرارٍ قال:
_مش هخليها تركب مع القطر ده، أنا هوصلها يا كِنان.
تنهد بإرهاقٍ، فاذا به يعود بظهره للمقعد ملقيًا قلمه على المكتب، وعينيه ترتفع صوبه بنظرة حازمة:
_بتندمني إني كلمتك أو فكرت أتدخل في الحوار!
أبعد نوح كف تالا عن جاكيته ومنحها نظرة يطمئنها بها. بينما يتجه لاخيه، وانحنى أمامه يترجاه بصوتٍ منخفض غير مسموع الا لكلاهما:
_عشان خاطري يا كِنان، تالا بقالها 6 شهور بعداني عنها، دي فرصتي الوحيدة عشان أتكلم معاها، أرجوك!
زفر وهو يجاهد ألا يحطم عنقه، فرفع بنيتاه يتأمل الشاشة الضخمة، يراقب موقع هارون الحالي، والمتوقع وقوفه لاختيار النادلات التي ستعمل هنا، تهميدًا لبيع العقار النسائي بعد أن يتأكد من أن الامور شبه مستقرة.
عاد كنان يخطف نظرة إلى تالا التي ترتجف بشكلٍ ملحوظ، وإلى أخيه الذي مازال ينحني تجاهه، ثم هتف بغضب:
_ماشي يا نوح، بس هي نص ساعة وتكون بتكلمني من القصر.
ارتسمت ابتسامة سعادة على وجهه، ومال يقبل وجنته بقوة وهو يهتف:
_والله مهما تعمل نفسك قاسي قلبك قلب خصاية خضرا.
شمله بنظرةٍ قاتلة، فردد برعب:
_ده تعبير مجازي يفيد بشهامتك!
همس له بصوت منخفض حتى لا يهين كرامته أمام حبيبته:
_هعدهالك عشان دور الرجولة اللي ظاهرلي بيه قدام عصفورة الكناريا بتاعتك بس!
عاد نوح يشير إليها، فاتبعته وما أن انفتح باب المكتب حتى طل "حيدر" بجسده العريض المخيف، يحجز محل الخروج بيده ولم يبتعد حتى حصل على اشارة من كِنان الذي أشار له:
_وصل نوح لعربيته من الباب الخلفي.
أخفض رأسه في طاعة، وغادر رفقتهما ، بينما يميل كنان على يديه المتشبكة ببعضها البعض، فاذا بصوتٍ مقيت يتسلل له:
_أيه اللي مخليك متأثر كده، خليني أخمن! خبر جواز رزان؟!
طحن نواجذه غضبًا، ورفع رأسه صوب هارون، يقابله ببرودٍ لحق نبرته:
_لا مهو مفيش جواز من أصله.
تهللت آسارير هارون، وردد بتخمين:
_نويت تتجوزها؟
بنفس صلابته قال:
_ولا هتجوزها.
سحب المقعد وجلس قبالته، يرمق غموضه بغضب:
_مش فاهم.
اقترب كنان من سطح المكتب، واستند عليه:
_كلامي مفهوم وواضح يا هارون، رزان مش هتكون ليا ولا لحد غيري.
أنهى نظراته المندهشة وانفجر ضاحكًا وقال بسخرية:
_فزورة دي! لو حابب نجمدهالك لحد ما تقنع نفسك بيها مفيش مشكلة على الاقل تلاقيها صغيرة لسه بالسن ومحتفظة بأسنانها.
اخشوشنت نبرته الصارمة:
_أنا مبهزرش يا هارون، اللي عندي قولته.
تلاشت ضحكته ومال يقابل وجهته، وهو يفوح بنبرة شيطانية:
_وماله يابن عمي، هعملك اللي إنت عايزه، بس خد بالك أنا قراري بيتغير في لحظة، فشوف إنت هتقنعني بأيه كل مرة؟
زم شفتيه بنفورٍ منه، بينما يستطرد هارون وهو يضع قدمًا فوق الاخرى بثقة وتعالي:
_تسليم الألماظ هيكون النهاردة بليل، المكان والتوقيت هيتبعتلك قبلها بنص ساعة.
واستكمل وهو يسحب سيجار من عُلبة كنان الذهبية، يرتشفها وهو يتابع بنظرة حادة:
_هتحتاج معاك رجالة أد أيه؟
انزوت شفتيه ببسمة مخيفة، وقال:
_إنت عارف إني مبعتمدش على حد زيك.
استشاط هارون غاضبًا، وسدد كلماته اللازعة له:
_مهو ده اللي خلى الديزل يستغنى عنك بعد ما كنت دراعه اليمين!
ظن أنه سيثير غضبه، ولكنه منحه ابتسامة باردة وقال:
_عثمان ميقدرش يستغني عني أنا بالذات وإنت عارف كده كويس، ومش عثمان بس انت قبله.
ونهض عن مقعده يدور حتى وصل قبالته:
_أنا وتيام كنا كمالة ليك ولشخص بذكاء عثمان، عشان كده بتحاول بكل السبل تقيدني جنبك بجوازي من أختك عشان تضمن إني معملش زي تيام وأفارقكم
وأضاف وهو يسند ذراعه على المكتب ويميل صوب مقعد هارون:
_بتحاول تعجزني عشان تخليني مغروز وسطكم، وميكنش ليا أي مخرج، تيام عشان يخرج كسرته برحيق، لكن أنا ماليش كسرة.
ورفع اصبعه بوجهه وهو يسترسل:
_ويوم ما تفكر ترمش بس في وش أخويا هَبيدَك من على وشّ الدنيا إنت والعالم اللي بنيته!
استقام هارون قبالته، يفضى ما بداخله من شر:
_إنت بتهددني وناسي ان رقبتك تحت إيدي!! أوعا تفكر إن عثمان بعدك عشان رفضك لتنفيذ أوامره، عثمان بعدك واخترني عشان عارف اني معنديش قلب، واني الوحيد اللي قادر أنفذله كل شيء بدون ما أحط حدود للشر لاني شيطان زي ما بتقول، فحاسب من كلامك عشان متندمش عليه يا كِنان.
تراجع كنان للخلف خطوة، مازال يده معقودة بأخيه، وقد باح هارون يالصدق، إن هذا اللعين ليس له حدود، إن كان قتل الجميع سيحقق مصلحة أو غاية تهمه لفعلها دون ان ترف له جفنًا!
طال الصمت بين كلاهما، حتى فاه هارون قسرًا على ما سيقول والغيظ يميل به:
_من بكره تقدر ترجع تستلم مكانك بين الرجالة، وأنا هرجع أمسك الكافيهات والـ Night Club.
اندهش كِنان وردد بعدم تصديق:
_غريبة،إنت اخدت مكاني عشان تكون كلمتك مسموعه على الرجالة أكتر،فأيه غير رأيك.
أخفى غضبه وقال:
_عادي، عشان متحسش بالملل، راحتك بردو تهمني يا جاك.
تخلف عنه بسمة ماكرة وقال:
_راحتي أنا!! عمومًا كلنا بنسعى لراحة الديزل!
استشاط غضبًا فطاح بالمزهرية أرضًا قبالته، وغادى وهو يحجب شيطانه ويرقده بصعوبة، والوعيد داخله يتضاعف للثأر منه في نقطة ضعفه الوحيدة!!
*****
أوقف سيارته على بعد من المطعم الخاص بأخيها، والحزن يقبض على ملامحه لعدم تمكنه من أن يرضخها إليه أو حتى إلى حديثه، وها هي الآن تهبط من السيارة وتكاد تمر للداخل، أسرع نوح خلفها يستغل أخر فرصة ربما تجمعه بها فناداها:
_تـــالا.
وقفت محلها تقضم شفتيها بضيقٍ من عدم استسلامه من التحدث بنفس الأمر مرارا، أغلق باب السيارة ولحق بها، يهاتفها برفقٍ:
_طيب على الاقل اديني وعد إنك هتقبلي تكلميني بالموبايل!
ما كادت أن تجيبه حتى تهاوى له صوتًا يناديها غاضبًا:
_تـــــــــالا!!
جحظت عينيها رعبًا، وهي تستدير صوب الصوت، مرددة بخفوت:
_تيـام!
اختفى اللون العسلي من عينيه ولم يتبقى الا حمرة من شدة الغضب الذي اشتمله مما رآه، اندفع صوبهما حتى أنها ودت لو أنها لم تذهب للجامعة اليوم والا لما تعرضت لكل ما يحدث، خشيت أن يبرحه ضربًا أو أن تزداد الامور سوءًا، فأسرعت تقطع طريقه قبل أن يصل إلى نوح الذي ينتظر وصوله إليه، وأسرعت بالقول:
_كان في شاب بيضايقني قدام الجامعة، فنوح دافع عني وأصر يوصلني، أوعدك مش هتتكرر تاني.
لم ينحاز بصره من عليه، حتى تحرر صوته المخيف:
_ادخلي استنيني جوه.
تدفقت دمعاتها من شدة الارتباك، فحاولت أن تشرح له مجددًا:
_ صدقني آآ..
أخفض عينيه للاسفل محل وقوفها قبالته، حيث كان يطول عنها بجسده الرياضي المفتول، وبنظرة تحذيرية جعلها تنسحب دون قول كلمة واحدة.
مد تيام يده صوب نوح، وقال بحدة:
_مفاتيح عربيتك.
تعجب من طلبه الغريب، ومع ذلك انحنى وجذب المفتاح من السيارة ثم قدمه له وهو يهتف بهدوء:
_ أنت كده بتظلم تالا وبتظلمني، احنا مالناش علاقة بكل الصراعات دي!
تجاهل ما يقول وألقى المفتاح لأحد الموظفين وهو يشير له أن يصف السيارة بجانب منعزل عن وجهة دخول المطعم، ومن ثم أشار لنوح أن يتبعه للدرج القصير حتى ولجا للوجهة الرئيسية للمطعم والتي تتفرع على البحر والأشجار فيما يمتاز به مطعم "تيام"، بينما الآخر ينتظر أن يستمع لما سيقوله بعد حالة الصمت الطويلة تلك، فإذا به يأمره:
_كلم أخوك وخليه يجيلي هنا
ارتبك"نوح" مما قال، وحاول الحديث:
_تيام موضوعي أنا وتالا محدش له دخل آ...
ابتلع باقي جملته حينما صاح بصوته الهادئ الأكثر خطورة:
_نفذ اللي بقولك عليه بدون جدال!
ضم شفتيه بعدم رضا لما يُرغمه عليه، دس يده بجيب سرواله الجينز، وإلتقط الهاتف يحرر زر الاتصال بأخيه!
****
مر بين الطاولات ليتأكد أن الامور على ما يرام، بينما يخطف أنظار من حوله، ببنطاله الأسود، وقميصه الابيض الذي يعلوه جاكيت من الجلد الأسود الفاخر، وسيجاره لا يفارق يده.
مال "كِنان" على المقعد الطويل الموضوع أمام الرخام المحاوط للبار، يتابع العمل بذاته وعقله شارد بما فعله صباح اليوم مع "رزان" ، التي قررت أن تلعب معه!
اجتاحته بسمة ساخرة من عقلها البريء الذي يصوره لها بصورة بريئة، تجعلها تعتقد أنه ضعيفًا غير قادر على التصدي لأخيها!!!
أفاق من سطوة شروده على هاتفه الذي يعلن عن أخيه، اطمئن قلبه لاعتقاده أنه قد وصل القصر، والآن ينفذ تعليماته بالاتصال به، غمس السيجار بالمطفأة وحرر الاجابة ليجيبه، أتاه صوت نوح المتوتر:
_كِنان!
تنشط سمعه بإنصات وقلق، وخاصة حينما قال:
_أنا عند تيام، ينفع تيجي؟
سحب الهاتف على الفور، دون أن يضيف كلمة، وخوفه على أخيه جعله كالنيران التي تقتاد بين طرقات المدينة!!!
***
أغلق "نوح" الهاتف، وقال:
_هو بالمطعم الجديد اللي جنب جامعتنا، ممكن يوصل بعد نص ساعة، ولحد ما يوصل ينفع نتكلم شوية!
_نــــــــوح.
تغاضى تيام عن حديثه، واستدار للخلف يقابل ذاك الذي يرتدي جاكيته الاسود فوق قميصه المفتوح باهمالٍ.
جحظت عيني نوح صدمة حينما وجد أخيه قبالته، بينما مازال الهاتف بيده، ولكن تيام لم يبدو متفاجئًا بقدره، بل مضى بخطواته الرزينة يقابل من أمامه، ويقذفه بمفاتيح سيارة أخيه، فعلم كنان اشارته الصريحة، فما أن اقترب منهما نوح حتى قذفه إليه قائلًا:
_ارجع القصر.
لم يفق بعد من صدمته، وخاصة حينما تمكن من رؤية محيط مطعم تيام بأكمله، فعاد يهمس:
_عربيتك فين؟ وازاي جيت بالسرعة دي؟؟؟
ابتسم تيام بسخريةٍ، بينما يشمل كِنان أخيه بنظرة حازمة:
_سمعت أنا طلبت منك أيه؟! ارجع القصر حالًا.
إنصاع له وترك الساحة لهما، فمن ذاك المعتوه الذي يقرر الدخول بين شياطين آل "التميمي"
ترقب كلاهما رحيل سيارة "نوح" حتى كسر تيام حاجز الصمت بكلماته:
_عشت عمرك كله بتحميه من هارون، وهتكمل اللي باقي من عمرك تحميه مني.
وأضاف قبل أن يتحدث:
_إبعد أخوك عن تالا يا كِنان، والا إنت عارف اللي أقدر أعمله كويس.
أتاه رده الساخر يجيب به:
_وأيه اللي عملته زمان عشان تقدر تعمله دلوقتي!
ورنا كِنان إليه وهو يتابع:
_إنت قررت تنهي كل حاجة وإنت عارف إنك مش هتطلع من بينا سليم، ومع ذلك كملت وعارضت نصايحي ليك، خسرت حب عمرك بسبب عنادك ومازلت بتكابر إن الخسارة مش هماك وعايز تكمل في طريقك بس الخسارة الجاية هتدمرك يا تيام.
صرخ بوجهه بجنون كأنه سطى عليه بسوط من جحيم:
_ إنت فاكر إن الكلبة دي سببت خسارة ليا!! بالعكس ده المكسب الوحيد اللي عمله هارون عشان أشوف وشها الحقيقي، ثم إني جبتك هنا عشان أكلمك عن تالا متسحبنيش لسكة كلها قذارة وعفن.
حبس حديثه التي قد يأجج الحرب من بينهما من جديد، وقال بهدوء:
_مهو ده اللي أنا بكلمك فيه، تالا!
تهيئ تيام لحديثه وقال وهو يسيطر على ملامحه المتوترة بنجاح:
_مش فاهم!
زم شفتيه بضيق، وهو يستدير صوب مياه البحر، يتأملها بتعبٍ:
_هارون مش هيسيبك في حالك يا تيام.
وعاد يتطلع له من جديد، ويتابع حديثه بقوة:
_إنت عرفت تجبني هنا وإنت عارف مين اللي هيخليني أسيب اللي ورايا وأجيلك زاحف، زي ما أنت عارف إني خاضع لهارون لنفس السبب، فياريت تدور على نقطة ضعفك وتفكر تحميها ازاي منهم بدل ما أنت واقف تستعرض عليا نقطة ضعفي.
جف حلقه وكأنه اصطدم بصحراء اتنزعت عنه الرطوبة، فاذا به يصيح بعنفوان:
_أحميها بجوازها من أخوك!!! اللي مهما عملت عشان تحميه هيجي عليه الدور وهيبقى أبشع مني ومنك!! لا شكرًا مش عايز الحماية دي، أنا قادر أحميها كويس.
وأضاف والشر يقتاد من عينيه:
_أنا لو كلب فيكم فكر يأذيني في أختي لأكون هادد كل اللي عيشتوا عمركم كله تبنوا فيه.
قطع كِنان المسافة الصغيرة بينهما، حتى بات قبالة عينيه يذكره بما يتميز به:
_إنت خارج من بينهم وإنت وعارف إني بره العداوة والأذى اللي ممكن يمسك، وواثق إن لو في يوم حصلك حاجه هارون اللي هيكون ورا الأذى ده.
وأضاف كنان بعقلانية كانت قاتلة لتيام:
_بلاش تكابر أكتر من كده يا تيام، احنا اتكتب علينا نمشي في طريق إتمهد لينا من قبل حتى ولادتنا.
واستدار وهو يرنو من حبات الرمال، بينما يستطرد بوجعٍ:
_يمكن لو كنا بطولنا ومعندناش اللي يستغلوه عشان يخضعونا ليهم، كان هيكون معانا فرصة للنجاة.
واستدار صوبه مجددًا يسترسل:
_لكن طول ما تالا في رقبتك ونوح في رقبتي مفيش عندنا خيار تاني يا تيام.
تحرك تيام بتثاقل حتى جلس على أقرب درجة أحاطته، يجاهد ذلك الغضب المشتعل بداخله، بينما يهمس بانهاكٍ:
_مش عايز أكون معاكم! قرفت من القذارة اللي احنا فيها دي، عايز أعيش زي أي بني آدم طبيعي، أذنبت إني عايز أعيش حياة نضيفة؟!!!!
اختلج الحزن ملامح وجه كِنان، فاتجه يجاور جلوسه، ومازالت نظراته تحيط مياه البحر:
_لا مأذنبتش بس أڤورت في حلمك.
تطلع له تيام بضيق، فابتسم كنان وقال:
_إنت عارفني صريح، ممكن أرسملك حلم جميل وأقولك من حقنا إننا نحلم نعيش حياة طبيعية زي أي حد بس تفتكر بعد كل اللي عامله أبوك وأعمامنا واللي سبوه وراهم ده يمهدلنا إننا نكون بني آدمين طبيعين!
وأضاف وهو يتعمق بعينيه عسى أن يهتدى:
_تيام إحنا لو لينا فرصة النجاة من هارون ومن عثمان مش هيكون لينا فرصة مع اللي وراهم، ولولا إننا مخبين عليهم إنك خرجت من بينا كان زمانا كلنا في خبر كان، ويمكن ده اللي مخلي هارون نايم قايم يفكر إزاي يرجعك تاني.
ونصب قامته وهو يودعه بحديث أخير:
_خد قرارك صح قبل ما يفكر يضربك في أعز ما تملك.
قالها كنان وغادر على الفور، بينما بقى تيام محله يتطلع للمياه بغضب ونفور، لن يحتمل أن يصيب شقيقته أي مكروه، ولكنه لن يحتمل أيضًا العودة لذلك المستوقع العفن، الذي دُنس بأفعال أرغمته أن يكون شيطانًا!
*****
انتهى من صنع كوب من النسكافا الخاص به، وإتجه للشوية يتأكد من نضوج اللحم الذي أعده، حمله"ياسين" ووزعه على ثلاثة أطباق، ثم حمل المشروم والسلطة التي أعدها وزين الأطباق بشكلٍ رائع.
وضع الأطباق أمام الثلاث مقاعد المتطرفين على الطاولة، ثم وضع النسكافا أمام محله، بينما يصيح عاليًا:
_الغدا جاهز.
وتمتم بصوتٍ خافت:
_مش عارف أنا طباخ الفريق ولا القائد!!
هبطت "مرين" من الاعلى، وهي ترتدي بنطال من الجيز وتيشرت أوڤر سايز من الصوف باللون البينك، وشعرها مرفوع للأعلى بدبوس شعر بأنه ليس غريبًا عنه.
أخفض ياسين عينيه عنها وهو يسحب رشفة كبيرة من النسكافيه، كأنه يحاول أن يبتلع ذلك المشهد الذي جعل قلبه الضعيف يخفق بعنف، جذبت احد المقاعد وجلست تتأمل ما صنعه باهتمامٍ،حتى هو خطف نظرة متلصصة عليها، يود أن يطمئن أن ما صنعه قد نال استحسانها وقد حظى بما أراد حينما شرعت بتناول طعامها،وعلامات التلذذ تصل لذلك الخبير الذي يقوى على تحليل كل حركة صغيرة تخصها!
خرج زين يفرك عينيه بنعاسٍ، واتجه للمقعد المجاور لها، وهو يهتف بتثاءب:
_مساء الفل والجمال يا جارحي.
وشرع بتناول طعامه قائلًا بمشاكسة:
_حاسس بصاحبك،أنا واقع من الجوع.
طال الصمت المستحوذ عليه، واكتفى بشرب كوبه حتى انتهى كلاهما، فقال:
_أظن إننا ارتحنا بما فيه الكفايا ودلوقتي لازم نبدأ بالتخطيط لشغلنا.
أزاحت مرين بقايا الطعام بمنديلها، وأبعدت الطبق وهي تستعد لما ستقوله، جذبت من جيب بنطالها الهاتف، فتحته وقربته من مقعد ياسين ناطقة:
_أنا لاقيت مدخل للكافيه اللي فاتحينه جديد.
خطف ياسين نظرة سريعة لما تحمله، فوجده اعلان طلب نَادِلات عربيات للخدمة في أحد الكافيهات الليلة الخاصة بعائلة التميمي، فاذا به يردد:
_الافضل تستني لما نلاقي طريقة غير دي، ده ملهي ليلي مش كافيه وأكيد العقار ده منتشر هناك بشكل كبير وممكن يعرضك لخطر.
أجابته وهي تحاول تهدئة ذاتها:
_وأظن ده المطلوب، إني أكون في المكان نفسه عشان أوصل لمعلومات تفيدنا.
راقبهما زين بضجر، وعاد يستكمل ما تبقى من طعامه بعدما كان يترك الطبق وينتبه لحديث ياسين بالأمر الهام، وتمتم ساخطًا:
_بوادر الحرب، إنها تقترب!
رد عليها ياسين بعقلانية:
_هو إنتِ عندك فكرة عن المكان أصلًا، أو المتطلبات اللي لازم تكون في العاملات هناك!!
زفرت بحنق وهاتفته بعصبية:
_ إحنا اتكلمنا في الحوار ده في مصر، وكنا شبه متفقين، أنكل رحيم بنفسه أكدلك إني أقدر أعملها فانت لسه بتتكلم في أيه؟
حمل زين طبقه وكوب القهوة، ثم تركهما وعاد لغرفته يصفع بابها في وجههما، بينما يترك ياسين مقعده ويقف قبالتها وهو يحاول أن يجعلها تعي خطورة الأمر:
_أنا مش ضد فكرتك، بس على الأقل نعين المكان ونجمع عنه معلومات مبدئية، وأهم حاجه هنعملها اننا نعرف هل الموظفات هناك متورطين بالامر ولا الكلام ده بيتم من وراهم، لأن لو هما على علم بده حياتك والمهمة كلها هتكون في خطر.
زوت حاجبيها بعدم فهم، فتابع ياسين بحكمة:
_لأن لو هتشتغلي في المكان كموظفة عادية المعلومات اللي هيجمعوها عنك هتكون سطحية بل ممكن ميهتموش يجمعوا عنك حاجة أصلًا، لكن لو للموظفات صلة بالقرف ده هيجمعوا عنك تقرير شامل ومش بعيد يحطوكي تحت المراقبة.
تغاضت عما قال بقولها:
_بس الملفات اللي جمعها القادة مكنش فيها آ...
حسم الامر بلا نقاش:
_الله أعلم بتطور الاحداث في غيابهم، إحنا اللي موجودين هنا في قلب الحدث، اسمعي الكلام وبلاش عناد، ولو حابة تيجي معانا بليل مفيش مانع.
راقبته بنظرة مغتاظة، أنهتها باشارة صغيرة من رأسها، بينما تنسحب للاعلى وهي تكبت غضبها من تحكمه المسبق، تنهد ياسين بارهاق واتجه للغرفة، فتفاجأ برفيقه يغلق سحاب جاكيته الاسود ويضع الكاب الخاص به، ليضمن عدم انكشاف ملامحه، فتساءل باسترابة:
_على فين؟
تطلع للمرآة التي تعكس وجهه:
_الحرب خلصت على أيه؟
اتجه للمقعد القريب يحتله، وهو يهتف بنزق:
_هتيجي معانا بليل.
ضحك زين وقال ساخرًا:
_حاسس إني هلاقيك في مرة متصاب برصاصة ناعمة، نظرات مرين ليك فيها شر، فخد حذرك المهمة طويلة!
وتابع وهو ينحني ليرتدي حذائه:
_انت استلمت مهمتك معاها بدري وأنا كمان طالع أستلم مهمتي بدري.
ضيق عسليته بحيرة:
_مش فاهم!
رد عليه زين بوضوح:
_مهو ترويض عند مرين جزء من مهمتك وحماية قدس جزء من مهمتي.
وأضاف وهو ينهض ليتجه للخروج:
_ وبما إن ليل العربي دخل معانا على الخط فهلحق أنضم ليه قبل ما قدس تودع مننا، ده احنا رجالة واستحملنا طباعه واتعودنا عليها بالعافية ما بالك هي!
ضحك ياسين بصوته كله، فكانت لقطة نادرة إلى زين الذي أنصت لما قاله ياسين:
_تصدق إني مشتاق لايام التدريب معاه، الانسان بيحتاج يكون بعيد عن التكنولوجيا والتطور الرهيب ده، ولعلمك أنا حاسس من ظهوره المبدئي إنها اشارة من الجوكر والاسطورة اننا نتعامل مع المهمة دي بطريقة ليل العربي.
عبث زين بدهشة:
_مش فاهم.
أجابه ياسين وهو ينهض عن محله ويقترب منه:
_زمان كانت نسبة الخيانة بالحروب كانت قليلة، لان مكنش في التطور اللي حصل ده، لكن دلوقتي بقى العكس، تخيل إن ممكن اسرار دولة بحالها تتسرب عن طريق الانترنت!! أو حتى بيانات عملاء مهمة! لكن لو فكرت كويس هتلاقي ان زمان كان من الصعب ان كل ده يحصل، فده كان مغزى رحيم زيدان لما بعتنا سنتين نتدرب مع ليل العربي، أي رسالة هنحتاج نبعتها ممكن ببساطة تتكشف لناس بالتطور المرعب ده، لكن بطريقة ليل العربي صعب بل مستحيل!
هز زين رأسه بتأييد لكل ما قيل أمامه، وردد بتأييد:
_عندك حق! عمومًا الخطوات اللي جاية هي اللي هتحدد الاختيار والقرار، سلام مؤقت يا شريك!
****
كانت تمر بين المرضى بأول يوم استلمت فيه العمل، فاذا بآحدى الممرضات تناديها:
_دكتورة قدس، المدير يريد رؤيتك في الحال.
لم يعد شيئًا يدهشها أكثر من رؤيتها ذلك الليل الذي يعد كالشبح، يظهر فجأة ويختفي فجأة، اتبعت "قدس" الممرضة حتى أرشدتها إلى مكتب المدير، سحبت نفسًا طويلًا وولجت إلى الداخل.
رأت رجلًا كبيرًا، يرتدي نظارات غليظة، وجُل ما تسلل لها هو النفور الغامض له، حتى أنها ترقبت أن يتحدث حتى تهرول من أمامه، فاذا به يفاجآها بالتحدث بالعربية:
_تم اختيار ملفك عشان تعالجي شخص من أهم آثرياء المصريين المُقيمين هنا في ايطاليا، فأتمنى إنك تقدمي أقصى ما بوسعك.
وألقى على المكتب ورقة مطوية:
_ده عنوان القصر واسم الشخصية اللي هتعالجيها، من بكره تكوني هناك على الساعة عشرة.
قال هذا وصمت، وما كان عليها الا أن تسحب الورقة وتخرج من مكتبه وهي تقرأ ما فيها بصدمة وانبهار من سرعة تلقيها المهمة التي أتت إليها، ولكن يظل هناك الكثير من الاسئلة التي ترادوها ولم تحصل على اجابتها، ربما لأن من سوء حظها أن قائدها بتلك المهمة هو "ليل العربي" ، كاره النساء، قليل الكلام، النافر من كل شيء حتى البشر!!!!
استكملت طريقها بالخروج من محيط مكتبه، فاذا بالسكرتيرة الخاصة به تقول في غرابةٍ لها:
_لأول مرة يتم ارسال طبيبة إلى قصر "عثمان التميمي"، في كل مرة كان الاختيار يقع على أكثر الأطباء الذكور مهارة، وكل من تم اختيارهم لم يعودوا إلى المستشفى مرة آخرى، لربما يتم ترقيتهم لمكان أعلى من ذلك.
ومنحتها ابتسامة مزيفة، تخفي به ما تفوهت به ويستدعي القلق:
_بالتأكيد إنكِ طبيبة ماهرة يا قدس والا لم يكن ليتم اختيارك!، أو لربما تمتلكين حظًا عظيمًا.
جاملتها قدس بنفس الابتسامة وغادرت وهي تهمس بسخط:
_عندي حظ عظيم فعلًا، وقعت مع رأس الأفعى من نحية ومع كاره النساء والبشر من نحية تانية، يا له من حظًا عظيمًا!!!
******
رفع يده يقبضها ويحركها للامام فتحرك الساق الآلي به للامام مثلما فعل، ذلك الداهية قد يراه الاغلب شخصًا عاجزًا، ولكن الويل وكل الويل لعقله الذي احتمل لاختراع ما جعل تلك الامبراطورية لها القيادة بعالم الشر والجريمة.
" عثمان التميمي" العقل المدبر الذي يحرك عرائس الماريونيت بإصبعيه وهو يجلس محله، يتحكم باللعبة بأكملها بعقلٍ يجعل من حوله يرتعبون من الدخول قبالته مع إن الصورة الظاهرة لهم إنه شخصًا عاجزًا عن الحركة!!!
وها هو يخترع ذلك الجزء السفلي الذي يجعله يتنقل بمعمله السري، بين الاسلحة التي يقوم باختراعها، وعدد من الروبوتات، التي خصصها لخدمته بشكلٍ كلي.
وقف أمام التابوت المغلق، يتطلع للسلاح الذي قام بتطويره بنفسه، وببسمة شر قال:
_ده مش هيذهل المافيا الدولية بس، ده هيخلي العالم كله في حالة ذهول!!!
******
مضت لغرفتها والقلق من الغد يكاد يقتلها، غدًا ستكون في مواجهة "عثمان التميمي" وجهًا إلى وجه، وبالرغم من كثرة المهمات والتدريبات التي قامت بها الا أن ثمة شيء داخلها يؤكد لها أن تلك المهمة ستكون الأكثر خطورة مما مضى ومما هو قادم.
إتجهت قدس لحمام غرفتها، اغتسلت وخرجت لاداء صلاة العشاء، وعلى سجادتها جلست تدعو الله أن يمدها بالقوة لمحاربة ذلك الشر الذي تشربته البلاد العربية والنفس البشرية إلى النخاع، وبينما هي تجلس محلها عاد ضوء غرفتها يتراقص مثل الأمس، فارتعبت من ظهور ذلك الملثم مرة آخرى.
اعتدلت بجلستها وهي تراقب باب الغرفة، وحينما لم تجد شيء اتجه بصرها للسراحة فوجدت أحدهم يقف قبالتها، ومع عودة الضوء رأته بوضوح فتنفست الصعداء وهرولت بلهفة:
_الحمد لله افتكرت المعقد ده هو اللي جيه.
أحاطها زين بنظرة تحذيرية، كان من المفترض لها قراءتها من صمام عملها ولكنها كانت منشغلة بطوي السجادة وإعادتها إلى محلها وهي تتوالى بقولها:
_أنا عندي أسئلة كتيرة ومش عارفة أخد منه أي اجابة، كل ما أكلمه يديني بصة مرعبة، وأنا اصلا مرعوبة خلقة من اللي اسمه عثمان ده وربنا اللي يعلم بيا!
وتابعت وهي تعود للتطلع له:
_والنهاردة كملت والمدير آآ...
حشرت الكلمات بفوهها، وهي تتأمل ذلك الذي يقف خلف زين، فشهقت فزعًا وهي تتراجع للخلف، بينما يهمس زين:
_أغبى أعضاء الفريق!
ورنا صوبها وهو يهمس لها:
_مكتوب عليا أفضها حرب هناك وحرب هنا!
وقفت جواره تهاتفه بصوتٍ يكاد مسموع:
_إلحقني يا شريك.
هز رأسه بارهاقٍ، ورفع صوته كأنه يستدرج ليل إلى خطورة المهمة ليخفي ما فعلته تلك المعتوهة:
_من بكره هتكوني بقصر التميمي، حاولي تنتبهي لكل شيء حوليكِ أي معلومة ولو بسيطة هتفيدنا جدا يا قدس.
مازالت تراقب ليل الذي يتطلع لها من خلف لثامه بنظراتٍ جامدة، يجعل الرعب يتضاعف داخلها، فاذا بزين يطرقع أصابعه ليجعلها تنتبه، فقالت بتلعثم:
_حاضر، بس أنا ازاي تم اختياري بالسرعة دي، وسكرتيرة مدير المستشفى قالتلي إن كل اللي كانوا بيتم اختيارهم كانوا دكاترة رجالة، وفهمت من كلامهم إنهم بيختفوا بعدها.
أجابها زين مبتسمًا:
_لا مش بيختفوا يا دوسة بيتقتلوا هما!
جحظت عينيها رعبًا، بينما يهز رأسه مؤكدًا لها:
_آه والله العظيم، ده عشان يحفظوا السر، فانتي قدامك حل من الاتنين، يا تكوني دكتورة شاطرة جدا والكلب ده يشوف منك نتايج مبهرة تخليه يصبر عليكِ صبرًا جميلًا، يا تنجزي وتجمعي المعلومات المطلوبة بسرعة قبل ما يشيعك تشيعة اللي قبلك!
لكمته قدس بغضب وهي تصرخ بانفعال:
_إنت بتفول عليا!!!!!
انصدم زين من اصابة وجهه، وهو الذي لم يكن ليخونها بفعلتها، صك أسنانه وهو يهدر:
_حظك إني قبضتي عليها حظر من جنس الستات، بس مصيرك تحتاجي للقبضة دي تدافع عنك وتتجاهلك عشان تتربي.
وعاد يتنحنح بخشونة وهو يذكرها:
_أنا عامل احترام بردو لسيادة العقيد.
منحهما ليل نظرة ساخطة، وتحلى عن صمته بقوله:
_سرعة اختياره ليكِ راجع للملفات اللي وصلتله، ملفك كان المميز فيهم وده بفضل تغيرنا لمعلومات الاطباء التانين.
واستطرد بجدية وحزم ماكر:
_أعتقد إنك المفروض تكوني أكتر حد متحمس للمهمة دي.
تطلعت له ببلاهة وعدم فهم، فاستكمل ليل بقسوة متعمدة:
_على حسب ما سمعت من رحيم زيدان إن والدتك كانت ضحية لقضية مشابهة تمامًا لقضية عثمان التميمي واللي وراه.
وختم بمقولة تنم داخلها رغبة الانتقام والثأر:
_مش عايزة تنتقمي؟
تأجج بعينيها سيل من الدموع، وهي تتذكر المعاناة التي شهدتها والدتها بأحد بيوت الدعارة، والتي يقع ضمن مافيا دولية شهد تحررها مهمة من مهمات الجوكر والاسطورة، تذكرت كام عانت والدتها وتجرعت الويل على يد زوجها السابق اللعين والمُلقب بـ "بيبرس" ، وكيف خلصها الاسطورة منه ومن ثم وقع حارسه الشخصي"حازم" بحب والدتها "ريحانه"، تزوج بها ومنحها حياة جديدة، وكانت قدس هي وليدة قصة حبهما.
تذكرت كيف كانت تحاول والدتها أن تخفي توابع الحالة النفسية التي قضتها بفعل تلك الشبكة، ولكنها لم تكن تتخلص من تلك الحالة بشكلٍ كامل وقد شهدت ابنتها على تعثرات حالتها وخاصة بعد وفاة أبيها.(لمتابعة القضية كاملة موجودة في رواية الجوكر والاسطورة الجزء الرابع بعنوان #صراع_الشياطين )
تدفقت دموعها ومازالت شاردة أمامهما، حتى أشفق زين على حالها، فاقترب يدعمها بقوله العميق:
_هننتقم منهم يا قدس، أنا والفريق كله معاكِ وجنبك.
سحبت الهواء بصوتٍ مسموع، وازاحت دموعها بقوةٍ تنتمي لشخصية تربت على يد الاسطورة، بينما تقول بشموخ:
_اتطمن يا سيادة العقيد، لو هو خطير ويتخاف منه فأنا اتربيت على التعامل مع الخطر مهما كانت درجة خطورته، أنا عمري ما كنت لقمة سهلة لغيره ولا ليه.
شملها ليل بنظرة قوية، وغادر مثلما أتى، بينما اقترب منها زين قبل أن يغادر يسألها بحنان:
_متزعليش يا قدس، اللي قاله كان لازم يتقال عشان يقوي عزيمتك.
هزت رأسها بتفهم، وقالت بتردد وحزن:
_زين لو حصلي حاجة وصيتك مامتي، أنا عارفة إنك مش مقصر معانا بس في غيابي ضاعف مسؤوليتك تجاهها.
امتص حزنها بقوله المازح:
_مالك قلبت قطة بلدي كدليه، وعاملي فيها باتمان في حضور ليل العربي، لما خلع القوة خلعت ولا أيه الوضع!!
ضحكت وهي تزيح دموعها، بينما يستطرد هو:
_ياسطا ده هو اللي يتقلق عليه مش إنت، اجمد كده وخليك واثق إن شريكك وراك وفي ضهرك، وزي ما حسيت بخوفك من ليل وجيتلك هتلاقيني موجود في أي وقت تحتاجيني فيه..
وزم شفتيه بسخط مضحك:
_مش بمزاجي لعلمك، رحيم زيدان اللي حاطك في رقبتي فلو اتشيعتي في المهمة دي هشيع رقبتي، والعبد لله بيتمنى يخش الفرن في صينية واحدة مع قطعة الكوكيز اللي بيترجاها من المخبز كله، فأكيد هحرص على حياتك يا دوسة!!
توالت ضحكاتها، وبصعوبة قالت:
_انت مكنش المفروض يسموك شبح، كان المفروض تتسمى مهرج!!
عدل من جاكيته بغرورٍ وهو يقول:
_لا هنا واظبطي الكلام، ده أنا بفضلي الفريق كله بقى اسمه اشباح لو مش عاجبكم اللقب اتنازلوا عنه وخدوا انتوا مهرجين المخابرات لكن أنا ثابت ولقبي محدش هياخده مني، الا لو حد جيه بسرعتي سواء في انهاء الحرب أو في قيادة أي طيارة حربية!
وتركها وغادر بعدما تأكد بأنها نست تمامًا ما قاله ذلك الليل الجامح والذي لم يراعي به مشاعرها ، في حين أن قائده الجوكر رباه تربية يجيد بها احترام المشاعر قبل أي شيء!
******
مازالت تجلس على الفراش، تحمل بين يدها سلساله الذي أصبح جزءًا من جسدها، ربما تتخلى عن حياتها يومًا لكنها لن تتخلى عنه، كان يحمل شكل الفراشة، ومازال لقائهما الذي مضى عبير من الماضٍ يختلج جوارحها.
##
_تحفة أوي أوي يا تيام، بس ليه على شكل فراشة؟ يعني إنت دايمًا بتهاديني بالورد، المرادي قلبت معاك بفراشة!
تساءلت بها "رحيق" وملامح وجهها بالماضٍ كانت أكثر جاذبية وجمالًا يفتن أعتى الرجال، فاذا به يجيبها مبتسمًا:
_عشان السلسلة دي بتمثلني أنا مش إنتِ يا رحيق!
طالعته بعدم فهم، برز من انعقاد حاجبيها، فاستكمل تيام وهو يتعمق بزرقة عينيها:
_الفراشة بتعتمد على الرحيق اللي بتمتصه من الزهور، لأنه بيساعدها على أنه تطير وده حالي وقصتي بإيجاز شديد معاكِ.
ومال على طاولة المطعم الذي شاركته باختيار كل جزء فيه، بينما يستطرد بعشقٍ خالد:
_أنا من غيرك هكون عايش آه، بس الاجنحه اللي بتساعدني اجدد أحلامي هتتقطع عني، ولو الانسان عاش من غير أحلام وطموحات معتقدش إنه يتسمى حي!
عادت من ذلك المشهد بدموعٍ تتهاوى على وجهها، بينما يكبت كفها صوت صرخاتها، مالت رحيق على الوسادة، وركبتيها تقتربان إليها، لتتخذ وضع الجنين، بينما يحتبس صوت صرخاتها داخل جوفها مثلما حبست كل شيئًا كريهًا حملته!
******
وصل "كِنان" للموقع الذي تركه له "هارون" لتسليم الألماس الذي بحوزته، وبالرغم من تشديدته عليه بخطورة الموقف لتعاملهم الأول مع هؤلاء الرجال، الا أنه أصر على الذهاب بمفرده.
وصل إلى منطقة منعزلة، فيها بناء سكني لم يكتمل بنائه، حيث كان سقفه مفتوح وحوائطه لم تكتمل بعد، بينما الظلام يسوده بشكلٍ مخيف.
ولج للداخل بخطواتٍ واثقة، حتى وصل لمنتصف البناء المفتوح، ينتظر أن يخرج له الجماعات المندسه خلف الحوائط، يتأكدون من قدومه بمفرده.
خرج كبيرهم يتساءل بخشونة:
_أين الألماس؟
واجهه كِنان بسؤال آخر:
_وأين السندات خاصتك؟
أجابه وهو يشير إلى رجاله بالظهور، فتشكلوا في حلقة دائرية على بعد من كِنان:
_فلنتأكد مما بحوزتك أولًا.
لم يهتز له جفنًا وهو يفوه بثبات:
_إن رأيت ما بحوزتك أولًا!
تأفف الرجل بغضب من خبث هذا اللئيم، فأشار لاحد رجاله بالخروج بحقيبة السندات الايطالية، تفقدها كنان، وحينما وجدها أصلية غير مزورة، أخرج الكيس الذي يحتوي على ثلاث قطع كبيرة من الألماظ الفريد، سلب بهم نظرات كبيرهم من جودته، فأمسك بهم ورفع سلاحه ضاحكًا وهو ينطق بشر:
_لقد سمعت عن سطوة آل التميمي كثيرًا ولكن على ما يبدو بأنها سطوة واسطورة مخادعة، فكيف لاذكياء أمثلكم أن يكتفون برجلٍ واحدًا لقضاء مهمة خطيرة مثل هذة، ألا يعقل أن يزن عقلك الأحمق أنني أستطيع أن أقتلك بسهولة وحينها لن تحصل لا على السندات المالية ولا الألماس!
لم يهتز ذلك الجبل الراسخ، بل سحب سيجارًا يرتشفه ببرود وهو يتمتم بمكر أرعبهم:
_وافقوا على قدومي بمفردي لإنني يُكتفى بي يا عزيزي!
وفجأة سقط سيجاره، وبعدها بثلاث دقائق رجاله، ومن ثم كيس الألماس الذي كان يحمله، والسندات خاصته، وذلك الذي كان يحدثه منذ قليل! ، بل ظل يدور من حوله وكأنه جُن أو فقد عقله، لا يستوعب ما حدث من حوله، والصاعق أين ومتى اختفى هذا الرجل بالسندات والألماس؟!!!!!!!
