رواية فتاة ضابط المخابرات الشقراء الفصل الثاني2 بقلم تقي محمد عبدالرحمن
الموتوسيكل كان بيجري على كورنيش النيل، والهوا بيضرب وش مايا بعنف. إيدها متشبثة في جاكيت آدم الجلد لدرجة إن ضوافرها غرزت فيه. ريحة الجلد القديم والبارود وريحة برفان رجالي غالي دخلوا مناخيرها مرة واحدة.
"أنتِ بنت الزنبقة الشقراء."
الجملة كانت بترن في دماغها مع كل ضربة هوا. يعني إيه؟ أبوها كان متجوز قبل أمها؟ ولا... ولا أمها هي اللي كانت الزنبقة؟ بس أمها ماتت وهي بتولدها. ماتت في مستشفى في ميونخ، وأبوها عمره ما اتكلم عنها كتير. كان دايماً يقول: "كانت ملاك يا مايا، شبهك بالظبط".
آدم كسر الصمت فجأة وهو بيزود السرعة عشان يعدي من إشارة قفلت:
"امسكي كويس، معانا ضيوف."
مايا بصت وراها. عربية جيب سودا ظهرت من العدم وبتجري وراهم. الشباك نزل، وطلع منه راجل بملامح شرق أوروبية وفي إيده مسدس.
"وطّي راسك!" صرخ آدم.
رصاصة عدت فوق راسهم بالظبط. مايا صرخت وحطت راسها في ضهر آدم. قلبها كان هيقف.
آدم دخل حارة جانبية ضيقة في بولاق أبو العلا. حارات متكسرة، وناس طالعة من بيوتها على صوت الموتوسيكل. الجيب السودا مقدرتش تخش وراهم. وقفت على أول الحارة والراجل اللي فيها نزل، طلع جهاز لاسلكي وبدأ يتكلم بالروسي.
آدم مكملش في الحارة. نط بالموتوسيكل على رصيف عالي، ونزل في شارع موازي، وبعد 5 دقايق كانوا في جراج عمارة قديمة في وسط البلد.
بطل الموتوسيكل والدنيا سكتت مرة واحدة. الصمت كان أخطر من الرصاص.
مايا نزلت ورجليها مش شايلاها. سندت على حيطة الجراج وبدأت تتنفس بصعوبة.
"أنت... أنت مين؟ وعايز مني إيه بالظبط؟"
آدم قلع الخوذة ورماها على الأرض. شعره كان مبلول عرق، والجرح اللي فوق حاجبه بينور في الضلمة. قرب منها خطوة، بس وقف على مسافة آمنة. متدرب إنه ميلمسش الهدف إلا للضرورة.
"اسمي النقيب آدم الراوي. المخابرات العامة المصرية. أبوكي، اللواء حسن المصري، كان معلمي. وأنا مدين له بحياتي."
"أبويا كان لواء متقاعد! كان بيشتغل في الشؤون المعنوية!"
آدم ابتسم نص ابتسامة ساخرة: "أبوكي كان اسمه الحركي 'الشبح'. وأخطر ظابط تجس مضاد مصر شافته في آخر 40 سنة. عملية 'الزنبقة' كانت آخر عملية له سنة 1989 في برلين الشرقية. المفروض إنه يهرب عميلة ألمانية اسمها 'الزنبقة الشقراء' قبل ما أمن الدولة الألماني الشرقي يمسكها. بس فشل."
مايا حست بالأرض بتميل بيها: "فشل؟"
"الزنبقة اتمسكت. واللي مسكها كان فيكتور رومانوف. ضابط KGB وقتها. عذبها 6 شهور عشان تطلع أسماء الشبكة المصرية في أوروبا. بس هي ماتكلمتش."
"وبعدين؟" صوت مايا كان طالع بالعافية.
"بعدين أبوكي رجع مصر مفكر إنها ماتت. بس بعد 9 شهور، الزنبقة ظهرت في ميونخ... حامل. وجابت بنت شقراء بعين زرق. وسجلتها باسم 'مايا هانز'. وماتت بعد الولادة بيومين."
الدنيا اسودت قدام مايا. سندت على الحيطة أكتر عشان متقعش.
"أنت بتقول... إن أمي... كانت الزنبقة؟ وإن أبويا..."
"أبوكي حسن المصري هو اللي هربها من ألمانيا الشرقية في الآخر. اتجوزها عشان يحميها ويديكي جنسية. ورباكي هنا في مصر على إنها ماتت وهي بتولدك، وده نص الحقيقة. النص التاني إن فيكتور رومانوف كان فاكرك موتي معاها. لحد من أسبوع، لما حد سربله ملفك."
مايا نزلت على الأرض وقعدت. المعلومات كانت كتير، أسرع من الرصاص اللي كان بيجري وراهم. أمها جاسوسة. أبوها بطل مخابرات. وهي هدف لقاتل روسي عشان حاجة متعرفهاش.
"هو عايز مني إيه؟"
آدم قعد قدامها على ركبة واحدة، عشان يكون في مستوى عينها. دي أول مرة تلمح في عينه حاجة غير الجدية. شفقة.
"الزنبقة قبل ما تموت، خبت حاجة. ملف. اسمه 'ملف برلين'. فيه أسماء كل عملاء الـKGB اللي اتزرعوا في أوروبا بعد سقوط السور. لو الملف ده ظهر، نص حكومات أوروبا الشرقية هتقع. وفيكتور دلوقتي رجل أعمال ملياردير، بس ماضيه مع الـKGB لسه بيطارده. هو مقتنع إن أمك قالت لأبوكي مكان الملف، وأبوكي سابهولك أنتِ."
مايا هزت راسها بجنون: "أنا معرفش حاجة! أبويا عمره ما قالي! كل اللي سابهولي ورقة محروقة وصورة!"
آدم عينه لمعت: "صورة؟"
مايا اترددت. "متثقيش في حد". ده اللي أبوها كتبه. بس الراجل ده لسه منقذ حياتها من 10 دقايق.
طلعت الصورة من جيبها وادتهاله.
آدم مسك الصورة وبص فيها. سكت 30 ثانية كاملة. صوابعه اترعشت وهو ماسكها.
"اللي في النص دي أمك. إلينا فايس. الزنبقة الشقراء. وده أبوكي. والطفل اللي على كتف أبوكي..."
سكت.
"ده أنا."
مايا بصتله بصدمة. الطفل اللي في الصورة عنده 7 سنين، نفس الجرح اللي فوق حاجبه الشمال موجود.
"أنت كنت عارفها؟"
"كانت... كانت بتربيني.
