رواية وجع الفراق الفصل الثالث3بقلم صباح صابر
كان الأب واقف قدام الباب أول ما حمزة دخل، عينيه كلها غضب واحتقار.
الأب بصوت جهوري:
مين سمحلك تدخل بيتي ؟! إنت جاي تعمل إيه هنا؟!
حمزة بثبات متحدي:
جاي أطلب إيد بنتك… رسمي.
الأب قرب منه لدرجة إن أنفاسه كانت بتخبط في وشه.
الأب بسخرية جارحة:
تطلب إيدها؟! إنت فاكر نفسك راجل بجد؟
إنت ابن مين؟ ابن الست اللي بتمسح السلالم؟!
الصمت نزل تقيل…
لكن حمزة ما نكسش راسه.
_ أيوه… ابنها. ومش مكسوف.
الأب ضحك ضحكة مستفزة، وبعدين فجأة زقه في صدره بقوة.
الأب وهو بيصرخ:
بنتي تتجوز واحد أمه خدامة؟!
أنا صرفت عليها تعليم ولبس ومستوى… عشان تروح تعيش في شقه تحت بير السلم وتصحى على صوت جردل وميّه؟!
حمزة رجع خطوة من الزقة، لكن ثبّت نفسه.
حمزة بغضب مكبوت:
أمي مش خدامة… أمي ست بتشتغل بالحلال.
والحلال عمره ما كان عيب.
الأب فقد أعصابه، ورفع إيده وضربه قلم قوي خلا وشه يلف ناحية.
الأب:
إنت بترد عليا؟!
إنت مقامك تحت رجلي… فاهم يعني إيه تحت رجلي؟!
الهدوء اللي كان ماسك حمزة اتكسر.
رفع عينه للأب، وفيها نار.
حمزة بصوت واطي لكنه مرعب:
إوعي تهين أمي تاني…
لأني ساكت عشان باحترم إنك أبوها.
الأب قرب أكتر، ودفعه تاني ناحية الباب.
الأب:
أنا لو عليا أحدفك في الشارع!
إنت فاكر الحب هيأكّلها؟!
هتعيشوا على إيه؟ كرامتك اللي مش بتجيب رغيف؟
حمزة مسح الدم اللي نزل من شفايفه بعد القلم، وبص له بنظرة موجوعة.
حمزة:
أنا مش هفرض نفسي…
بس مش هنسحب عشان حد شايف الفقر وصمة.
أنا هارجع… يوم ما تبقى شايفني راجل غصب عنك.
الأب فتح الباب بعنف وأشار له يطلع.
الأب:
اطلع بره! ولو شوفت وشك هنا تاني… مش هتطلع على رجليك!
حمزة خرج…
والباب اتقفل بصوت دوّى في قلبها قبل ودانها.
والسكوت بعدها كان أقسى من أي صخره
وقف حمزة قدام باب بيت روح، وقلبه بيتقطع من الإهانة اللي اتعرض لها. كلام والدها كان قاسي جدًا، بس اللي وجعه أكتر إن السبب كان فقره وشغل أمه.
رجع البيت وهو ساكت… وأول ما قفل باب أوضته، انهار.
قعد على سريره طول الليل يبكي… مش عشان اترفض، لكن عشان حس إنه خسر حب عمره… حب طفولته.
دخلت أمه والي تدعي مني عليه بهدوء، كانت عينيها مليانة دموع وندم.
قعدت جنبه وقالت بصوت مكسور:
"سامحني يا ابني… أنا السبب. لو ما كنتش بشتغل الشغلانة دي، ما كانش حد عايرك ولا رفضك."
حمزة مسح دموعه وبص لها بحب:
"أنتِ عمري ما كنتِ سبب ضعفي… أنتِ سبب قوتي. أنا فخور إنك أمي. الشغل مش عيب… العيب إن حد يشوف نفسه أحسن من غيره."
حضنها، وهي زاد إحساسها قد إيه اني ابنها راجل
تاني يوم، حمزة راح الجامعة يدور على روح… بس ما جاتش.
حاول يكلمها… تليفونها مقفول.
فضل يدور عليها في كل مكان، لكن كأنها اختفت.
في نفس الوقت، مني جمعت شجاعتها وراحت لوالد روح.
وقفت قدامه بكل تواضع وقالت:
"أنا مش جاية أطلب حاجة لنفسي… أنا جاية عشان ابني هو بيحب بنتك من صغره، ومستعد يتعب ويشقى عشانها. اديله فرصة بس."
محمود بص لها بنظرة جامدة وقال ببرود:
"الكلام ده كان ينفع قبل ما أوافق. روح خطوبتها الأسبوع الجاي."
الكلمة وقعت عليها كالصاعقه
خرجت وهي مش قادرة تمشي من الصدمة.
أما روح… فكانت عايشة في ضغط رهيب.
وافقت على العريس عشان ترضي أبوها، لكن قلبها كان في حتة تانية.
مر يومين وحمزه كل ساعه بيتقطع قلبه ومني خايفه تقوله اني روح اتتخطب. وفي تالت يوم كان عندهم امتحان خرجت روح من غرفتها
روح:
_ أنا نازله
محمود:
روح استني أنا عارف انك عاوزه حمزه بس صدقيني انتي عمرك مجربيتي معني الفقر الراجل ده مستواه ما يوصلش يلمس ضفرك!
اتمني تكوني فهمتي.
خرجت من الشقه وصلت الجامعة عيونها بتدور عليه مش علي حد تاني
راحت علي حمزه با لهفه
_ حمزة
ابتسم حمزة وراح عليها:
_ وحشتيني يا عمري. حاولت اني اتصل بيكي بس تلفونك مغلق
روح:
_بابا واخده مني
_ عاوز اتكلم معاكي
_حاضر يا حبيبي لما نخلص
مر الوقت بين الورق والاماحان في اسرع ما يمكن لمواجهه بين عاشقين خارجوا وقاعدوا في الحديقة
حمزه (بصوت مخنوق):
أبوكِ شايفني إيه؟ رقم في كشف حساب؟
أنا اتقاسيت بفلوسي مش بقلبي… وده أكتر وجع كسرني.
روح (دموعها نازلة):
ما تفتكرش إن كلامه عدى عليا عادي…
كل كلمة قالها عليك كانت بتغرز في صدري أنا.
هو:
بس إنتي سكتّي…
وأنا واقف قدامه بحاول أثبت نفسي، وإنتي سايبة الكفة تميل عليا.
هي:
كنت عايزني أعمل إيه؟ قفل عليا الغرفه وكمان لو انا بره كنت عاوزني أصرخ في وش أبويا؟
أنا بين نارين… بين راجل بحبه وراجل رباني.
هو (بمرارة):
أنا ما طلبتش تختاري…
طلبت بس تحسي بيا. تحسي بإحساس واحد اتقاله "ما ينفعش" عشان جيبه فاضي.
_ وأنا طلعت ضعيفة في عينك؟
_ لا…
بس كنت محتاج أحس إنك شايفة فيا حاجة أكبر من اللي أبوك شايفه.
محتاجك تقولي بصوت عالي إن قيمتي مش بفلوسي.
روح (بقوة ممزوجة بوجع):
إنت قيمتك عندي بالدنيا كلها.
بس الدنيا دي مش بتاعتي لوحدي…
أنا محبوسة في خوفهم، في كلام الناس، في نظرتهم.
_ وأنا محبوس في إحساس إني قليل…
رغم إني عمري ما حسّيت نفسي قليل غير لما حبيتِك.
روح (تقترب منه):
ما تقولش كده…
أنا ما حبيتش فقير… أنا حبيت راجل بيحاول، بيحلم، وبيكافح.
بس يمكن حلمنا جه بدري شوية.
حمزه (بعين مليانة نار وأمل):
صدقيني أنا هكبر… وهثبت لهم إن الراجل مش بفلوسه.
بس قوليلي حاجة واحدة…
هتستني؟
هي (بصوت مكسور):
كنت في الاول … مش همشي عشان فلوس.
همشي عشان تعبت من الحرب…
بس طول ما فيا نفس… أنا في صفك
_ يعني إيه كنتي
_ انا خطوبتي اتحددتي علي العريس
حمزه ومن كبر الصدمه حس اني الارض مش شايله. معرفش يتكلم ساب المكان ومش وكانه ترك كل حبه ورا
وفي الامس كانت روح قاعدة على سريرها، عيونها وارمة من العياط…
الكلمة كانت بتتردد في ودانها زي صدى مؤلم:
"هتتخطب الأسبوع الجاي."
إيديها كانت بتترعش… قلبها موجوع… مش عشان الخطوبة نفسها،
لكن عشان حمزة.
الباب خبط بخفة، ودخلت صاحبتها مريم.
أول ما شافتها بالحالة دي، قربت منها بسرعة وقعدت جنبها.
مريم بقلق:
روح… إيه اللي حصل؟
روح ما قدرتش تتمالك نفسها، وارتمت في حضنها وهي بتعيط بحرقة.
روح بصوت متقطع:
بابا قرر يخطبني… عشان يثبت إني نسيت حمزة.
فاكر إن كده هيكسرني… وهيكسره.
مريم سكتت لحظة… وبعدين بصتلها نظرة فيها تحدي.
مريم بهدوء شيطاني:
طب ما تكسري المعادلة دي كلها.
روح رفعت عيونها بذهول.
روح:
يعني إيه؟
مريم:
أبوك رافضه عشان فقير… صح؟
يبقى خليه يشوف إنك مستعدة تختاريه رغم أي حاجة.
مش تهوري نفسك… لكن خليه يواجه الحقيقة.
روح قلبها بدأ يدق أسرع.
روح بخوف:
أنا مش عايزة أعمل حاجة غلط… ولا أندم.
مريم بابتسامة مطمئنة:
ولا هتعملي.
استأجري شقة باسمك ليومين… في مكان محترم وآمن.
ابعتيله اللوكيشن… وقوليله يجي ومعاه مأذون.
لو هو فعلاً قد كلامه… هييجي عشان يتجوزك قدام الدنيا.
ولو متردد… تعرفي إن أبوك كان شايف حاجة إنتِ مش شايفاها.
الكلمات نزلت على روح تقيلة… لكنها حسّت لأول مرة إن عندها قرار.
تاني يوم…
روح خرجت وقلبها بيدق بعنف.
استأجرت شقة مفروشة في منطقة هادية… شقة نظيفة وبسيطة،
مش هروب… لكن مواجهة.
وقفت قدام المراية.
لبست فستان أنيق وبسيط… قصير شوية،
مش استفزاز… لكن قوة.
كانت عايزة تبقى مختلفة… واثقة… مش البنت اللي بتعيط امبارح.
مسكت موبايلها…
كتبت لحظة وسابت الرسالة مفتوحة.
"لو لسه عندك نفس الإصرار… تعالى العنوان ده.
يا تيجي عشان نتجوز بالحلال…
يا بلاش تيجي خالص."
بعتت اللوكيشن.
قلبها وقع في رجليها أول ما شافت علامة "تم الإرسال".
دقايق عدّت كأنها ساعات.
التليفون رن.
حمزة.
ردت وأنفاسها متلخبطة.
حمزة بصوت متوتر:
إيه المكان ده يا روح؟
إنتِ كويسة؟
روح بثبات رغم رعشة قلبها:
أنا مستنياك…
يا تيجي عشان تكتب عليا رسمي…
يا تعتبر دي آخر مرة تسمع صوتي.
سكت هو لحظة…
لحظة طويلة خلتها تحس إنها بتغرق.
وفجأة…
حمزة بصوت حاسم:
ابعتِلي اسم أقرب مأذون.
أنا جاي.
دموعها نزلت…
مش ضعف…
ارتياح.
لكنها ما كانتش عارفة إن في نفس اللحظة…
أبوها كان ماسك موبايله…
وقاله حد من معارفه إنه شافها داخلة عمارة غريبة.
الغضب كان بيتكوّن…
والطريق للشقة كان بيبقى أقصر.
الباب خبط.
روح قلبها وقف.
هل ده حمزة؟
ولا… أبوها؟
