رواية وجع الفراق الفصل الرابع4بقلم صباح صابر
الباب اتفتح ببطء…
وروح كانت واقفة وراه، قلبها بيدق بسرعة غريبة، كأنها سامعة دقاته أعلى من صوت نفسها
اتفاجئت بحمزة واقف قدامها… ومعاه المأذون
ملامحه كانت جد بس في عينه لمعة تصميم عمرها ما شافتها قبل كده.
من غير كلام كتير دخلوا، قعد المأذون على الكنبة الصغيرة، فتح الشنطة الجلد، وطلع الدفتر وهو بيقول بهدوء:
— “يلا يا جماعة… على بركة الله.”
روح قعدت قدامه، إيدها ساقعة، وشها شاحب، لكن جواها نار خوف ولهفة وذنب… كلهم متلخبطين.
حمزة قرب منها، همس بصوت واطي:
— “متخافيش… أنا معاكي.”
لسه المأذون هيبدأ يسألها عن اسمها كامل…
دوّى تخبيط عنيف على الباب.
مش تخبيط عادي…
كان خبط كأن حد بيحاول يكسره.
روح شهقت، وجسمها كله انتفض.
المأذون وقف مفزوع، وبص ناحية الباب.
التخبيط زاد قوة.
كتابه صباح صابر
حمزة بلع ريقه…
وقام يمشي ناحية الباب، وكل خطوة تقيلة كأنها ماشية على قلبه.
فتح الباب.
واتجمد.
محمود.
واقف قدامه، عينه حمرا من الغضب، وإيده مرفوعة ولسه نازلة على حمزة بلكمة قوية خلت وشه يلف ناحية الحيطة.
— “فين بنتي؟! انطق! عملتوا إيه؟!”
صوت أبوها دخل قلب روح زي السكين.
جريت من مكانها، وقفت ورا حمزة وهي بتقول بصوت مكسور:
— “بابا… أنا هنا…”
محمود عينه وقعت عليها.
شافت في عينه صدمة… ووجع… وغضب بيتصارعوا مع بعض.
بص على الفستان اللي لابساه.
بص على المأذون.
بص على الدفتر المفتوح.
وصوته خرج متحشرج:
— “كنتي ناوية تعمليها بجد؟ تهربي وتتجوزي من ورايا؟!”
دموع روح نزلت من غير ما تحس.
حمزة وقف قدامها رغم الألم اللي في وشه، وقال بصوت ثابت رغم أنفاسه المقطوعة:
— “أنا ما خطفتهاش… هي اختارتني… وأنا داخل البيت ده بالحلال.”
محمود زقه بعنف تاني، وصرخ:
— “إنت فاكر نفسك راجل؟! تيجي تاخد بنتي وأنا عايش؟!”
الهواء في الأوضة بقى تقيل.
اللحظة مشدودة زي خيط ممكن يقطع في أي ثانية.
روح قربت خطوة من أبوها، صوتها بيرتعش:
— “أنا بحبه يا بابا… ومش هعيش غير معاه…”
الكلمة نزلت كأنها إعلان حرب.
سكون تام.
محمود كان بيبصلها كأنه لأول مرة يشوفها مش طفلته… لكن ست قدامه بتختار.
صوته واطي فجأة، موجوع أكتر من غضبه:
— “يعني خلاص… كبرتي وبقيتي تستغني؟”
روح هزت راسها بسرعة وسط دموعها:
— “عمري ما أستغنى عنك… بس قلبي مش بإيدي…”
حمزة مسك إيدها قدام أبوها، مش تحدي… لكن تمسك.
المأذون واقف متردد، الدفتر مفتوح، والقلم في إيده.
كل الأنفاس محبوسة.
محمود ما صرخش المرة دي…
ولا حتى بص لحمزة.
بخطوة واحدة وصل لروح.
مسك إيدها.
قبضته كانت قوية… مش عشان يوجعها… لكن عشان يثبت لنفسه إنها لسه بنته.
روح حاولت تتكلم، تقول “بابا استنى”…
لكن نظرة واحدة من عينه خلت الكلام يموت على شفايفها.
سحبها وراه بهدوء مخيف.
عدّى من جنب حمزة من غير ما يبصله…
كأن وجوده مش معترف بيه أصلًا.
المأذون قفل الدفتر في صمت.
وصوت القفل كان أعلى من أي صرخة.
الباب اتقفل.
وخطوات محمود بتنزل السلم…
وروح وراه، دموعها ساكتة.
ركبها العربية.
ولا كلمة.
المشوار كله كان صمت تقيل…
مفيش غير صوت الموتور وأنفاس متقطعة.
روح كانت باصة من الشباك…
مش شايفة الشارع.
شايفة حلمها وهو بيتسحب منها.
عدّى اليوم.
حمزة قاعد لوحده في الشقة الفاضية.
الكراسي زي ما هي.
المكان لسه فيه ريحة عطرها.
إيده واجعاه من اللكمة…
بس قلبه هو اللي مخنوق.
كان بيقرب من شباك الشقة ويبص ناحية بيتها.
الستارة مقفولة.
موبيلها مقفول.
ولا رسالة.
ولا إشارة.
بس هو ما استسلمش.
كان كل يوم ييجي يقف بعيد، يبص على شباك أوضتها.
يمكن الستارة تتحرك.
يمكن النور يولع.
يمكن يشوف ظلها واقف.
كان حاسس إنه بيحارب لوحده…
بس عمره ما فكر ينسحب.
في البيت…
محمود كان قراره واضح.
روح ممنوع تخرج.
ممنوع تمسك الموبايل.
ممنوع حتى تقف في البلكونة.
صوته كان حاسم:
— “مش هتعدي من الباب ده غير يوم خطوبتك.”
روح ما ردتش.
كانت قاعدة على سريرها، عينيها ناشفة من كتر العياط.
قلبها بيتقطع بين أبوها…
وبين حمزة
بعد يومين…
في الصالة.
حنان قاعدة جنب محمود.
البيت هادي بشكل غريب.
حنان بصت له وقالت بهدوء:
— “إنت كده بترتاح؟”
محمود ما ردش.
كملت وهي بتتنهد:
— “البنت بتموت بالحيا… وإنت عارف إنها عمرها ما كانت عنيدة.”
محمود شد نفس طويل.
— “أنا بخاف عليها… هو مش قد المسؤولية.”
حنان بصت له نظرة أعمق:
— “ولا إنت خايف إنها تختاره عليك؟”
السؤال نزل تقيل.
محمود سكت.
في اللحظة دي…
نور خافت طلع من تحت باب أوضة روح.
وكانت قاعدة جوه… ماسكة صورتها مع حمزة.
وفي نفس الوقت…
بره البيت.
حمزة واقف في الضلمة، باصص على شباكها.
وفجأة…
الستارة اتحركت سنة صغيرة.
قلبه دق بعنف.
هو شاف خيالها؟
ولا كان بيتخيل؟
جوا الأوضة…
روح قربت من الشباك بخطوة مترددة.
وبره…
حمزة قرب أكتر.
المسافة بينهم شارع واحد بس…
في الصالة…
الهدوء كان تقيل، والساعة على الحيطة صوتها باين أكتر من أي حاجة.
حنان قاعدة قدام محمود، مستنية رده من ساعتها وهو ساكت.
فجأة محمود قال بصوت واطي، فيه قلق أكتر من الغضب:
— “أنا خايف.”
حنان رفعت حاجبها باستغراب:
— “خايف من إيه؟”
شد نفس طويل، وقال:
— “الولد ده ممكن يضيع فرصة خطوبة روح باللي بيعمله. واقف قدام البيت كل يوم، والناس بدأت تاخد بالها. لو حد اتكلم… العريس التاني يمشي.”
حنان سكتت لحظة، وبصت له بنظرة فهم.
محمود كمل وهو بيفرك إيده بتوتر:
— “وعشان كده… عندي فكرة.”
حنان قربت شوية:
— “فكرة إيه؟”
محمود مال عليها بصوت أخفض:
— “نخليه هو اللي يبعد.”
حنان اتفاجئت:
— “إزاي؟”
محمود بص قدامه بثبات وقال:
— “نوصله خبر إن روح وافقت على العريس… وإن كتب الكتاب بعد أسبوع. نخليه يحس إنه خسر خلاص.”
حنان اتنهدت:
— “كده هتكسر قلبه.”
محمود رد بسرعة:
— “أنا مش بكسره… أنا بحمي بنتي. لو بيحبها بجد، يثبت نفسه بعيد عن الوقفة تحت البيت والجنون ده. يشتغل، ينجح، ييجيلي راجل قدامي.”
حنان فضلت ساكتة شوية… الفكرة صعبة، بس فيها اختبار.
— “وإنت عايزني أنا اللي أعمل ده؟”
هز راسه:
— “أيوه. إنتِ تكلمي خالته… أو توصليله الكلام بطريقة غير مباشرة. من غير مشاكل. من غير فضايح.”
حنان بصت في الأرض…
هي عارفة إن روح هتتوجع.
وعارفة إن حمزة ممكن ينهار.
لكنها كمان شايفة خوف محمود الحقيقي…
خوف أب مش عايز بنته تتعب.
رفعت عينيها وقالت بحسم:
— “ماشي. هعملها.”
محمود بص لها بارتياح لأول مرة من يومين.
بس الاتنين ما كانوش عارفين…
إن القرار ده
مش بس هيختبر حب حمزة…
ده ممكن يولّع نار أكبر من اللي بيحاولوا يطفوها
