
رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والاربعون49 بقلم داليا السيد
بدأ شيء
هدية الريس لرفيقه وأخته، جناح بالفندق لأسبوع العسل والمفاجأة كانت الأجمل
سكنت الغرفة حولها، المكان رائع حقا لكنها لم تكن ترى شيء، يداها تألمت من كثرة فركهم ببعض، أظافرها المتألقة جرحت راحتها
فستانها دار حولها وهي تلف بالغرفة
توتر ليلة الزفاف..
تجمدت، وتوقفت عن الدوران عندما التقت به عند الباب، نزع جاكته وربطة عنقه ومع ذلك ظل وسيما..
دقات القلب علت طبول الحرب، أنفاسها تذمرت من كثرت ما زفرتها لتمنح صدرها الهواء..
مع تقدمه أرادت التراجع لكن قدماها خذلاها، ثبتا حيث كانا بلا قدرة على التحرك..
عطره المميز لفها.. كسمكة سقطت بالشباك وتلوت باحثة عن النجاة و..
هو النجاة.. منه وله..
ارتفع وجهها لقامته التي واجهتها..
عيونها الذهبية لمعت على خضراء عيونه، نبض بكلا منهما، نبض واحد..
غرام..
لم يتحدث فالعملاق يؤمن أنه لا يجيد الحديث، أصابعه تحركت لتفك طرحتها وهي جامدة، نظراتها حبيسة عيونه، سطوة العملاق تخترق جنونها، تذيبه، تصهره، تحوله للطاعة والخضوع
أبعد الطرحة وحرر شعرها الطويل.. ومرر أصابعه بين سلاسله الحريرية..
سكنت عيونها عليه وجسدها يتخدر من اللمسة الرقيقة..
يده الأخرى اخترقت عنقها.. وجهها المتورد يوقظ رغبته الرجولية بامرأته..
أين كانت تلك المشاعر يوم تزوجت من قبل؟
أنتِ مختلفة..
"هل أستحق كل هذا الجمال؟"
وانحنى لامرأته، أنهى أي نسمات فاصلة بينهم، أخذ الثمرتان النابضتان بانتظاره..
نال ما كان يمنحه القدرة على بعادها بالأيام السابقة
قبلتها..
جذبها له.. ضمها لصدره والشفاه تتولى الحديث الصامت.. صمت العشق لا ينتهي
رفعت يداها، تعلقت بعنقه، ارتفعت على أطراف أصابعها لتصل له، تمنحه كل ما تملك فهو زوجها، ترغب بأن يكون لها بلا منافس
ألن يندم بأي يوم لأن المجنونة أصبحت زوجته..
عبث بالفستان.. أسقطه..
بلا وعي كان يحملها ويضعها برقة بالفراش والوجوه لا تبتعد وهمس الأنفاس يمنح حديث بلا ككلمات
قبلات على وجنتها.. عنقها
يداه تسبح على جسدها ويداها أرادات التعرف على جسد العملاق، عضلات لا تحصى ولا تعد.. جسد مميز ومثقول بدقة
تحرر من ملابسه لأجلها، منحها ما أرادت، التعرف على ما أصبحت تملكه والآن برقة وخبرة امتلكها..
آهة ألم صدرت منها، أخذها بقبلة طويلة حتى رحل منها الألم وأكمل ما بدأه وما زالت تغرز أظافرها بأكتافه حتى سقطت رأسه بعنقها والعرق يبلل بشرتها وأنفاسه تحرقها..
لم تبعده بل لفته بذراعيها وكلاهم يلتقط أنفاسه، هل حقا نالها بلا أي مقدمات؟
"هل ما زلتِ تتألمين؟"
فتحت عيونها لتواجه نظرات القلق بعيونه..
لا شيء يذكر بجوار مخاوفها السابقة، لحظتهم كانت مثالية، أرواحهم متلاصقة كأجسامهم والمشاعر رداء لفهم
"لا، هل.. أقصد.. هل أنت سعيد؟"
ما زالت تفكر بتلك المرأة، تشعر أنها لن يمكنها أن تهزمها لكنها لم تدرك بعد أنه لم يشعر بالسعادة التي يشعر بها الآن من قبل لكنه أخبرها
"لا.."
شحبت، رحل التورد ولكنه ابتسم ووضع قبلة على شفتيها وهمس "أنا لا يمكنني أن أكون سعيد وأنت تتألمين بسببي"
عادت لها الدماء ويداها تتحرك لوجنته، تلمس لحيته التي تحبها "ليس ألم صفوان بل راحة لأنه كان لك أنت، أنت من تمنيت أن أكون له"
تلك الفتاة ترحل به لعالم لم يعرفه، مشاعرها البريئة تهزمه، تزلزل كيانه وهو يسقط درجة وراء الأخرى
"يا الله! رغم براءة كلماتك إلا أنها تعني لي الكثير، أنا لم أعرف تلك السعادة من قبل جميلة، أنا حقا محظوظ بك مدللتي الصغيرة"
ابتسمت وهو ينال قبلتها مرة أخرى وهي تلفه بذراعيها بتملك ولن تتركه أبدا..
وهو سيظل يدللها حتى تمل منه
****
تلك المرة مشفى عشر نجوم باسم الكبير..
المكان رفع أقصى درجات الطوارئ، الكبير هو المصاب..
الضوء الأبيض كان قاس، رائحة المطهرات التي تخنق الأنفاس
أصوات أجهزة ترسم خطًا متقطعًا للحياة
العناية المركزة..
الكبير ممدد بلا حركة، صدره مغطى، أنبوب يتسلل من فمه، جهاز المراقبة يعلن عن وجوده بنبض بارد لا يعرف العاطفة
هارون يقف.. ليس قريبا.. ولا بعيدا.
كأنه لا يعرف أين يجب أن يقف من رجل لم يعرف كيف يقف معه يوما..
يداه متشنجتان، ملابسه ما زال عليها أثر دم لم يكن دمه
الطبيب التفت له، نبرة صوته عملية كعادة الأطباء، بلا مجاملات حتى ولو كان من بالفراش رب عمله "الرصاصة كانت قريبة جدا من القلب.." توقف قليلا ونظرات هارون ثابتة على الجسد الراقد بالفراش ثم عاد وأكمل "نجا بأعجوبة"
كلمة نجا لم تدخل صدر هارون بسهولة، علقت في حلقه، مؤلمة، ثقيلة..
هذا الرجل.. الذي لم يحتضنه يوما.. الذي غاب أكثر مما حضر.. الذي اختار في لحظة واحدة أن يقف أمام الموت بدلا منه..
ابتعد الطبيب فلا كلمات تباري صمت الموقف.. بينما طاوعت الأقدام أمر الريس..
اقترب خطوة
أنفاسه اضطربت عندما رأى صدر الكبير يرتفع وينخفض بصعوبة..
كل شهيق يبدو كمعركة.. كل زفير.. تنازل صغير عن الألم
وخرجت الكلمة من فمه همسة بالكاد تسمع "لماذا..؟"
لم يكن سؤالا ينتظر إجابة، كان جرحا جديدا ينفتح..
لم يتحرك الكبير، بدا مستسلما لمصيره، لكن.. جهاز القلب أطلق نبضة مختلفة، وكأن الجسد، رغم الغياب، سمع
وأدار الريس وجهه بنفس اللحظة وكأنه.. لا يرغب بأن يراه أحد.. أو.. أن تراه نفسه.
وفي تلك اللحظة..
لم يكن ابنا.. ولا عدوا.. ولا رجلا قويا
كان فقط إنسانا يقف أمام قلب كاد يتوقف لأجله
****
عندما خرج كانت الديبة بانتظاره وبدا أمامها قويا ولكن الداخل مختلف، له وحده
هي ترى، تدرك، أن الدائرة أحكمت عليه بلا رحمة..
وجود خديجة صراع، تضحية الكبير لأجله صراع أقوى وهو بينهما ضائع..
التف أنس، فريد وحتى رجال الديب الكبير حوله فمنحهم نفس كلمات الطبيب "نجا بأعجوبة" وزاد على نفسه، نجا لأحمل دينه على عاتقي وأفكر بنوع السداد..
لمسة خفيفة على ذراعه.. زهرة الفانيليا تتفتح بجواره.. أنا هنا حبيب القلب
"هل نجلس؟"
كانت تدرك نظراته المغلقة، تخترق حاجزها الذي يخفي خلفه ألم هارون الديب وهي وحدها من تعرفه، تشعر به
تحرك فانفتحت الدائرة وعند الاستراحة الخاصة والفاخرة جلسا، ما زال الجدار الزجاجي يواجهم
لمست يده التي استراحت على ساقه، شعر بها لكن لم ينظر لها..
كالعادة، يرفض الحديث.. هكذا كان عمره كله.
"قلت أنه نجا!؟"
سؤالها كان وسيلة لجذبه لها فهل سيستجيب؟
لن تتحدث مرة أخرى فقد تعلمت متى تصمت، ومتى تترك الألم يتحدث وحده
تنفس بعمق، ربما بعمق المحيط القابع بعينيه "نعم"
عادت نظراته لزجاج الغرفة التي رقد الجسد داخلها، كان من السهل رؤيته من مكانه..
دقائق أخرى مرت قبل أن يخرج صوته منخفضا، مبحوحا، كأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها
"أنا كنت بطريقي لتلقي الرصاصة، كنت مستعد لمواجهتها"
لف وجهه لها وهي حدقت به، انقبض قلبها، هل كان يبغي تركها مرة أخرى؟
لم تقاطعه
"أنا رأيت القناص، أدركت أن الرصاصة قادمة تجاهي ولم أخف"
أنت لم تخف هارون لكن أنا قلبي وجسدي وكياني كله يرتجف..
لن أقوى على فقدانك مرة أخرى حبيب القلب
زفر ببطء، نظره عاد للرجل الراقد بلا حراك "هو من تحرك"
صمت..
ثم أكمل وكأنه يعترف لأول مرة "لم يقف بجواري بالطريقة التي كنت بحاجة لها.. لكن اليوم.."
توقفت الكلمات بحلقه، شد فكه، يرفض أن ينهار، لكن امرأته تشد على يده، تؤازره
"منذ عرفت أنه.. كنت أظن أن ما بيننا دم فقط.. لا وجود للأبوة، ولا الحنان، لا شيء أعود له"
ضحكة قصيرة، محملة بالألم والوجع، خرجت منه "بلحظة رأيت أنه على استعداد لأن يدفع حياته لأجلي"
ابتلع ريقه.. شد على يدها، مرر يده الحرة على لحيته ليخفي رجفة سرت بجسده "أشعر أني تعريت ليال".. كلماته خرجت بهمس "كل ما بنيته، كل الغضب الذي عشت عليه.. وقع أمامي وهو يقع"
التفت لها أخيرا
عينيه لم تكونا زرقاوين الآن، بل داكنتين، ممتلئين بشيء يشبه الفقد
"لو مات.."
توقف.. ابتلع ألم جاف، حاد ومؤلم بحلقه
ثم قالها بصوت خافت، صادق، موجع "لن يمكنني أن أكرهه مرة أخرى"
ابتلعت ليال دموعها، لم تسمح لها بالسقوط
اقتربت منه أكثر، جبينها لامس كتفه "وأنت لست مطالب بكرهه.. أو أن تسامحه الآن"
صوتها كان ثابتا، حنونا "أنت فقط مطالب بأن تعترف أنك تألمت"
أغمض عينيه..
لأول مرة لم يكن الريس..
كان ابنا.. خائفا.. واقفا أمام احتمال الفقد
يتألم..
وخلف الزجاج، ظل صدر الكبير يرتفع وينخفض، كأن الحياة نفسها لم تحسم قرارها بعد
****
الصباح ينشر أنواره بكل مكان خارج المشفى والريس استعاد نفسه وقوته..
لا شيء يهزمه حتى نفسه..
الهاتف لم يتوقف، الأمر تم التكتم عليه فمكانة الكبير لا يمكن أن تهتز، ولن يسقط برصاصة..
الرجل الأول للكبير، تميم، كان بجوار هارون منذ ما حدث، لم يغادر "الهانم عرفت وبالطريق لزيارته"
لم ينظر له، استبدل قميصه بآخر، عقد ذراعيه كالعادة ونظراته للأمام تتجول بين الجموع الراحلة هنا وهناك "أنا لن أرحل قبل أن يستعيد وعيه تميم"
أبعد تميم وجهه، هو يعرف السر، كما يعرفه أنس وصفوان، لكن زوجة الكبير لا تعرف أي شيء عن ماضي زوجها واليوم..
"أعلم وهو سيرغب بأن تكون أول من يراه"
لف وجهه لتميم والتقى بنظراته المغلقة
هو أيضا نشأ ببيت الكبير، يكبر هارون بعدة سنوات، كان يعرفه منذ كان يعمل تحت يد الكبير حتى رحل لهنا وعلاقتهم جيدة
كلمات تميم خرجت غصبا عنه، ليس مسموح له بذلك لكن هو يحب الكبير بصدق ويتألم لألمه ولم يعد يمكنه الصمت "هو يحبك حقا هارون، يتمنى لو تمنحه الفرصة، ولو حدث ذلك سيعترف بك أمام الجميع"
ظل يواجه نظرات الرجل، هو يرى الصدق، يسمع كلمات الكبير يخبره أنه يرغب بابنه وليس رجل من رجاله لكن..
الآن لا يمكنه اتخاذ أي قرار..
"سابق لأوانه تميم، زوجته لن تتحمل خبر كهذا مع خبر إصابته"
تفهم تميم ولكنه منح هارون أول الخيط ولن يفلته
"أنت تعلم من وراء ما حدث هارون"
كان إقرار وليس سؤال..
أبعد هارون وجهه ونظراته تضيق على من زادت حمولته وزاد عقابه أضعاف "نعم"
السيارة السوداء توقفت أمام المشفى، المرأة التي تختط الخمسينات بعدة سنوات تنزل منها بأناقة ووقار لن تصل لهم خديجة بأي يوم..
لم تنظر لهارون، أو ربما رأته وتجاهلته وتميم يتحرك لها والحراسة تلفها والمشهد يتحدث عن نفسه
الريس ثابت لم يحرك حتى وجهه لها، كان وما زال يعرفها ويعلم أنها ستتذكره وترفضه من جديد، لكنه لا يرغب بذلك..
****
نفخ صفوان بقوة وهاتف أنس وهارون مغلق..
لم يعتاد على أن يغيب عنهم ولكن منذ انتهى من حمامه الصباحي وهو يحاول الوصول لهما بلا فائدة والرجال لا تجيبه حتى..
لمسة رقيقة على ذراعه جعلته يلتفت..
المدللة تقف أمامه.. روب أبيض قصير يلف جسدها الذي عرفه بالأمس..
يداها انتقلت لصدره العاري، كالفانيليا.. تحب أن تلمس عضلات صدر زوجها، تتجول بنظراتها على الجسد المثالي والذي أصبح لها
"متى استيقظت؟"
مثيرة، مبعثرة الشعر كالأشعة الشمسية المنتشرة هنا وهناك، نظراتها ناعسة، وجهها متورد و.. بصمة العملاق على عنقها تعلن ملكيته للمجنونة..
غرز أصابعه بخصلاتها المتشابكة بلا اهتمام منها ولا منه، بل تعجبه..
أسقط الهاتف بجيبه ولف ذراعه حول خصرها ونظراته ساكنة على وجهها المرتفع له
"منذ قليل"
وبلا مقدمات سقط بكل قلقه على شفتيها، أخذ قبلة ربما تهدأ روعه على رفاقه، يداها ارتفعت لعنقه، أنا ملك لك وحدك..
وأنت لي..
هي تستجيب، جسدها يلين له، شفتاها ترتجف تحت سطوته لكن بلا تراجع عن شفتيه، يداها تعبث بمؤخرة عنقه تعني أنها تستمتع بقربه
لا كلمات، لا عتاب ولا لوم..
دقات على الباب فصلتهم "طلبت طعام، ادخلي"
ابتسمت وهي تسرع حافية، ساقيها العارية تمنحه رغبة جديدة بها ولكنه ارتد لباب الجناح
لم يتناول أي طعام إلا بعد أن نال مذاق الحلويات مع امرأته التي لا تفلته، تجذبه لها بلا تفكير، مجنونة حقا
لكن..
مجنونة به هو..
انتهوا من الحمام بعد متعة عاشوها سويا وما أن خرجا حتى أسرع للهاتف الذي تألق باسم رشدي "رشدي، أين الجميع!؟"
هاتفها هي الأخرى كان يرن، الأم ترغب بالاطمئنان على ابنتها، أرادت الذهاب لها ورؤيتها ولكن ما عرفته عن الديب الكبير أوقفها وظلت بالبيت بطلب من ليال، هارون لن يقبل بوجودها بالمشفى ولا زوجته
"ماما، افتقدتك جدا"
جلست خديجة على فراش ابنتها بغرفتها السابقة ببيت البستاني تحاول منع دموعها لافتقاد ابنتها الصغيرة "وأنا أيضا حبيبتي، كيف كانت ليلتك؟"
تورد وجهها وهي تلف بروب الحمام لتراقب ظهر زوجها الواقف أمام الشرفة والهاتف على أذنه، ابتسمت لليلتهم معا وقالت بخجل "بخير ماما، اطمئني"
التفاتة منه لها والجدية على ملامحه منحها إيحاء بوجود أمر ما
لم تسمع سؤال خديجة وهو يتحرك لها "لابد أن أذهب، الكبير أصيب والجميع بالمشفى"
للحظة كادت تعترض لكن قبلته على شفاها أوقفتها وتذكرت أسما، هي ليست مثلها، عمله بالمقدمة
"نعم ماما؟ آسفة لم أسمعك"
"سألتك إذا كان بالإمكان أن أراك اليوم؟"
كان يرتدي قميصه وهي تتحرك له، تبعد الهاتف "هل يمكن لماما أن تأتي لرؤيتي صفوان؟"
التفت لها..
أعجبه أنها لا تتجاوزه ووجود أمها أفضل من تركها وحدها "بالطبع، سأجعل سعيد يأتي بها حتى لا تبقين وحدك"
ابتسمت، منحته راحة أنها لا تتذمر لرحيله ومنحت خديجة الرد
لحقت به ولمست زجاجة عطره قبل أن يفعل فتوقف وهي تفعل "أحب عطرك حبيبي"
رغما عنه يقارن، لا مجال لأن يفعل فالمجنونة تفوز حتى الآن
انتهت من العطر والتفتت لساعته وجذبتها وهي تعود وتضعها بيده وهو جامدا، لا أحد اهتم به هكذا حتى أسما، كانت تهتم بنفسها فقط
قبضت على صدر قميصه برقة ورفعت وجهها له "لو ستأتي قبل العشاء فأنا أرغب ببيتزا لكن لو تأخرت فسنفطر سويا كاليوم"
تتسلل حتى تحت جلده، تخترق عظامه وضلوعه، تسكن داخل قلبه
رفع راحته لوجنتها فأراحت وجهها عليها وابتسامتها تمنحه حياة "لن تملي من حياتي هذه؟"
ارتفعت على أطراف أصابعها ووضعت قبلة على شفتيه ثم حركت وجهها لأذنه وهمست "ليس قبل أن تمل أنت مني أيها العملاق"
واجه نظراتها، تخلص من جموده، بلحظة لفها بذراعه ورفعها له وهي تضحك بدلال وتتعلق بعنقه "صفوان"
قبلته أسكتتها، لو لم يكن الريس بأزمة لظل معها بلا نهاية
انتهى دون أن يفلتها وشفاهه ما زالت تلمس شفاها، خرجت كلماته بصدق "أحب اللون الأحمر، ارتديه لأجلي"
وأفلتها وتحرك خارجا بلا أي كلمات وهي تتبعه بنظراتها..
هل ستحبني بأي يوم صفوان؟ هل ستنسى أسما وتتذكرني أنا فقط؟
لا إجابة..
****
الكبير لم يستيقظ لزوجته التي عاشت معه سنوات نست عددها ومع ذلك لم يكن الحب عنوان حياتهم بأي يوم..
كانت تعرف أن بحياته نساء لكنها لم تستطع إثبات أي شيء عليه، عدم قدرتها على الإنجاب جعلت حياتها سوداء ومع ذلك هو لم يعترض، لم يفكر بتركها أو أن يتزوج عليها
هكذا ظنت..
ظلت واقفة أمام فراشه، الحراسة على باب الغرفة، الطبيب يقف بجوارها "أخبرت رجاله أنه نجا بصعوبة، الرصاصة كانت قريبة من القلب"
ظلت نظراتها على جسد زوجها، أن يأتي الإسكندرية ويصاب بمكان لم تعرفه حتى الآن فهو أمر غريب..
الرجال ترفض منحها أي تفاصيل وهي اعتادت ذلك..
"وماذا عن التحقيقات؟"
تراجع.. الصمت جعلها تلف وجهها الذي اعتلته التجاعيد.. لا تحقيقات بما يخص الكبير طبعا
"من المسؤول عما حدث؟"
كلماته خرجت هادئة رغم القلق الواضح بنظراته "لا أعرف مدام، هذا ليس عملي"
الصمت صنع جو من التوتر جعل الطبيب يتراجع مبتعدا ووجهها يرتد لجسد زوجها وكلمات تخرج منها "إلى متى ستظل حياتك سلسلة من الأسرار لا أعرف عنها شيء محمد؟"
بلا إجابة أغمضت عيونها، هكذا كانت حياتهم، هل هناك سر وراء مجيئه هنا مرة وراء الأخرى غير العمل؟
صوت الأجهزة أعادها.. لا شيء سيتبدل، لا شيء سيمنحها إجابة.
خرجت من الغرفة الزجاجية، تميم واقفا ورجلان بجواره وآخران على باب الغرفة
رجال الريس اختفت، لا مكان لهم بوجود زوجته
"ماذا حدث تميم؟"
تعلم كيف يخفي تعبيراته، الكبير علمه أن يكون بئر أسراره "إصابة أثناء إحدى زياراته مدام"
تعلم أن تميم لن يمنحها شيء ومع ذلك لم تتوقف "وأين كانت الزيارة؟"
لم تتبدل ملامحه، يعرف كيف يؤدي عمله بأكمل وجه "على باب أحد الأماكن، تم التكتم على الأمر بالطبع"
تحركت واقتربت منه وهي تمنحه شكوكها "وما علاقة هارون بالأمر؟"
تراجع، هو يعلم أن الديب الكبير أخبرها أنه تبني هارون ولكنه لم يمنحه أي شيء كأب..
لم تكن ترى هارون إلا مرات نادرة فهذا الأخير رفض بيت الكبير
"تعلمين أن هنا أرضه والكبير لم يقطع اتصالاته به، ما زال هارون واحد من رجاله رغما عن خلافاتهم"
لم تصدق كلماته، كانت ترفض أمر التبني، بل ترفض هارون نفسه، ومحمد لم يتحدث عن الأمر كثيرا..
هارون كان شاب مميز ومحمد لم يكن يتوقف عن ذكر اسمه حتى توقف فجأة وعندها عرفت أن هارون استقل بنفسه..
"لقد حجزت لحضرتك بالفندق ويمكننا العودة بالمساء"
لم تعترض، لا فائدة من وجودها لذا تحركت للخارج ولم تجد الريس..
الريس كان يتناول القهوة بمطعم قريب، منحها فرصتها مع زوجها وانفرد بأنس وسرعان ما رأى صفوان يدخل
"مساء الخير، ماذا حدث هارون؟ وكيف لم تخبروني؟"
لم يتحرك الريس وأنس يلتفت لصفوان "حتى لا تفعل ما فعلته الآن، تركت زوجتك بيوم زفافكم يا رجل!؟"
ظلت نظرات العملاق ثابتة على وجه هارون الذي كان يتناول قهوته الثالثة أو ربما أكثر "وهل يوقفنا شيء عن عملنا أنس؟"
رفع الريس نظراته لصفوان "لا، لكن أنا لست بحاجة لك كما ترى"
لمعت خضراء العملاق، لم يقطع اتصال النظرات، همس الأنفاس المرتفعة يتحدث عن دواخلهم "وأنت كدت تموت!؟"
أبعد نظراته وما زال مضجعا على المقعد "ولكني لم أمت صفوان، ومن فعلها لن يكررها على الأقل اليوم"
مال صفوان تجاهه والغضب تحرك بسطوة العملاق داخله "هو لن يتوقف هارون ولن يمنحنا توقيت لضرباته"
الزرقاء أعلنت عن الغضب بغيوم ظللت الأبيض من حولها "هذا لو منحته وقت ليعيد الضرب"
رنين هاتف الريس أوقف رد العملاق والريس يرفع الهاتف لأذنه "نعم"
صوت الرجل الخاص به أتاه "تم يا ريس"
أغلق بلا رد وعاد بنظره لرجاله "لن يجد وقت حاليا لنا، بالكاد سيجد وقت ليلملم نتيجة ما فعله"
ونهض وتحرك للخارج وأنس يواجه صفوان ورجلان يتبعان هارون وأنس يمنح صفوان كلماته "جسار يختبئ بالجحر وهارون منحه طعم لإخراجه، أسقط مبناه الجديد الذي لم يتم افتتاحه حتى، هذا غير قضية فساد بمواد البناء التصقت به.. هارون يهجم بشراسة"
نهض صفوان "جسار يستحق، لا شيء سيوقفه سوى هارون"
وتحرك خارجا يتبع ريسه وأنس فعل المثل ..
****
تراجعت جميلة وهي تنكمش على الأريكة أمام خديجة.. تفاجأت مما عرفته عن إصابة الكبير بالقصر
"لا ماما صفوان لم يخبرني بشيء"
شردت خديجة، حبها لمحمد استمر سنوات بعد انفصالهم لكن سرعان ما انكمش الحب ثم رحل..
زواجها من وحيد لم يكن للحب بل للحماية والراحة
"ولن يفعل حبيبتي، رجال الديب تخلص له، هل أنت حزينة لأنه تركك؟"
بلا تفكير أجابت "لا ماما، كنت أعلم أن هذا سيحدث، أنا أعرف تزوجت من وكنت أرى ليال وألاء"
ربتت الأم على يد ابنتها بحنان وابتسامة حزينة مرت على شفاها "انا أيضا رأيت حبه لكِ بنظراته، كنت أخشى منه ومن ماضيه ولكن من الأيام السابقة أدركت أني كنت على خطأ"
ابتسمت لوالدتها براحة نابضة بعينيها وصدق بنبرة صوتها "صفوان طيب جدا ماما، ليال كانت على حق بأن لديه أطيب قلب، هو بحاجة للحنان والحب وأنا لدي الكثير منهم له فأنا لن أخسر الرجل الذي أحببته"
ابنتها تعقلت فجأة "سعيدة بأنكِ اختلفت كثيرا جميلة، العقل واضح بكلماتك"
شردت بنظراتها لجنونها السابق وتذكرت تصرفاتها وما كانت تخسره بطريقها "كنت أتمرد على حقيقتنا ماما لكن مع صفوان لم أحتاج لأفعل، هو قبل بي كما أنا، مجنونة، صغيرة، مدللة، مرفوضة، هو أخذني كما أنا لذا لم أعد بحاجة للجنون كي أختبئ خلفه"
منحتها نظرة حنان وألم بذات الوقت ولم ترد فسألتها المدللة "هل ستذهبين لرؤيته؟"
شحب وجه خديجة، سؤال ابنتها لم تجد له إجابة عندما سألته لنفسها، لم تنتظر طلب ليال بألا تذهب لأنها لم تكن تملك جرأة للذهاب
أبعدت وجهها، نظرت لماضيها الغير مشرف، ذكرى محمد الديب تؤلمها، تسقطها بالغرفة المغلقة للعذاب على ما فعلته بابنها بسببه
لولا رفضه للحمل وتهديده لها لما رحلت وما حدث كل ما كان.. ندم
الندم هو العقل عندما يأتي متأخرا
وأعظم الندم هو على ما لم نفعله، وأشده على الثقة بمن لا يستحق، وأن تكرار الندم يجعلك عالقا بالماضي بدلا من التركيز على المستقبل أو..
التوبة الصادقة..
"لا أعرف"
جاء دور جميلة لتربت على يد أمها، تشعر بها، تتألم لأجلها، هارون لن يسامحها فهي لم تقدم له أي شيء ليفعل لكن محمد فعل..
قدم حياته بدلا منه فقط ليحميه..
"ماما لا تغضبي من هارون"
لفت وجهها لها والدموع تلمع بعيونها "أنا لست غاضبة منه جميلة أنا فقط.."
ابتلعت ريقها والدموع تخنق الكلمات بجوفها، الألم يهزها والندم يفرض سطوته، يجرها للماضي ويحبسها به
"أنا أتمنى لو حتى لا يرفضني، يسمح لي بأن أكون بحياته ولو من بعيد"
ضغطت على يدها "هو فعل ماما، أنت بالفعل بحياته، ببيته، لم يخرجك منه"
سقطت الدموع بسطوة، الألم يعتصر صدرها، يخنق نبضات قلبها الضعيف وهي لا تهتم فابنها هو من تتألم لفراقه
"لكنه يرفض رؤيتي، لا يبقى بمكان أنا به، هو يكرهني جميلة، يكرهني"
وانهارت بالبكاء، غطت وجهها براحتيها وجميلة تلفها بذراعيها بحنان بلا كلمات تواسيها على ما تحمله داخلها من حزن ووجع لا حل لهما..
****
صوت منتظم، بييب.. بييب.. كان أول ما تسلل إلى وعيه
ثقل فوق صدره، هواء يدخل رئتيه بصعوبة، كأن كل نفس يحتاج إذنا..
جفناه ارتجفا.. ثم انفتحا ببطء
ضوء أبيض مزعج.. سقف لا يعرفه. رمش أكثر من مرة، كأنه يحاول طرد الحلم، الكابوس، لكن الألم كان حقيقيا.. نابضا.. ثابتا
حاول التحرك.. لم يستطع
أنبوب.. أسلاك، وصوت جهاز لا يكذب.. عقله اشتغل قبل جسده، ذاكرته لم تتأخر
الزفاف، الصوت، الوميض، القناص والرصاصة
ثم.. هارون
تحركت عينيه ببطء، تمسح المكان حتى وجد من يبحث عنه..
واقف عند الزجاج، ظهره مستقيم، لكن كتفيه مشدودان أكثر من اللازم، ملامحه جامدة.. إلا من عينين لم تعرفا النوم
أصدر الكبير صوتا خافتا.. لم يكن كلمة، مجرد محاولة التقطتها الممرضة فورا وهتفت "دكتور، لقد أفاق"
هارون التفت فجأة لصوت الفتاة، الخطوة التي اقترب بها لم يفكر فيها، وقف عند الفراش، قريبا أكثر مما يجب..
العينان التقتا
صمت.. لا دموع.. لا ابتسامات.. ولا حتى ارتباك
الكبير حدق فيه طويلا، كأنه يتأكد أن ما يراه حقيقي.. حي.. واقف أمامه ثم تحركت شفتاه بصعوبة
خرج الصوت مبحوحا، ضعيفا، لكنه واضح "أنت بخير؟"
سؤال واحد لا أكثر..
هارون لم يجب فورا. صدره ارتفع وانخفض مرة واحدة، كأن النفس خانته "بخير"
كلمة قصيرة لكنها حملت أكثر مما تحتمل، الكبير أغمض عينيه ببطء. زفير ثقيل خرج منه، ليس ألما.. بل ارتياحا
فتح عينيه ثانية، ونظر له بنظرة مختلفة، ليست نظرة زعيم ولا أب متسلط.. كانت نظرة رجل اطمأن أن ما فعله لم يذهب هدرا
حرك أصابعه قليلا، بالكاد "كان لابد"
هارون انحنى قليلا للأمام "لا"
ابتسامة شاحبة جدا ارتسمت على شفتي الكبير "كنت سأفعلها مرة أخرى"
ودخل الطبيب.. قطع اللحظة.
أسئلة، فحص، تعليمات لكن قبل أن يغلق الكبير عينيه مرة أخرى، قال بهمس لا يسمعه سواهما "لا ترحل"
لم يرد الريس، بل هارون.. ولم يتحرك
وبين صوت الأجهزة، وبين جسدين لم يعرفا كيف يكونان أبا وابنا
بدأ شيء..
لم يولد بعد، لكنه لم يعد ميتا
****
عاد البيت بالفجر، الكبير تحسن وأشار له ليذهب..
لم يدخل غرفتهم بل تحرك لغرفة ابنه، الممرضة رحلت ومربية جديدة حلت محلها، كانت نائمة بفراشها بجوار فراش أحمد النائم
دقاته على الباب أيقظت المرأة وفتحت له فرفع وجهه "أيقظتك!؟"
تراجعت "لا حضرتك، تفضل"
تحرك للداخل ورحلت هي وهو يقف بجوار فراش الصغير، نائم بسلام، غير محمل بأي هموم، لمس وجنته، يشعر بمشاعر متضاربة
هل يمكن أن يتقبل الأمر بعد ما كان؟
الرجل لم يساومه بل وضع حياته بالمواجهة بلا تردد، منحه حياة وهو لم يمنحه أي شيء
تحرك للنافذة والليل يسكن الخارج ونظراته شاردة وأفكاره تتلاعب به ولا مكان لقرار صائب الآن
رفعت رأسها عن الجهاز بمجرد دخوله غرفتهم، كانت تنتظره، أبعدت الجهاز وكادت تنهض لكنه تحرك "لا تنهضي"
وصل لها، منحها قبلة فاترة، عقله وقلبه ليسوا معها وهي تتفهم، لم تعلق وهو ينزع قميصه ويتحرك للحمام "لا تلحقي بي ليال"
لكنها لم تكن تسمعه، يداها لفته كعادتها، اعتدل تحت المياه وجذبها بجواره وهو يزفر بقوة مبعدا خصلاتها المبللة "أنت لا تسمعين لأي عقل صغيرتي"
ارتاحت يداها على صدره ونظراتها تحيط وجهه "عندما يخصك الأمر لا مكان لأي عقل حبيبي"
وارتفعت كعادتها لتمنحه الجائزة، قبلتها التي اغتنمها، لم يمررها هكذا بل سقطت معركته الداخلية عليها بلا وعي
دفعها للحائط وانفلت زمام العقل الذي تهاوى من كثرة معاركه اللا نهائية، يداه تعتصر جسدها الذي اشتاق له، قبلاته أغرقتها وقبل أن يتملكها بشيطانه الفاسد، استيقظ الابيض وهزم الأسود وأردعه عندما دفعته بيداها برفق لتعيده للواقع
هي ما زالت تحمل جرح القيصرية والنفاس
تراجع، أنفاسه متلاحقة ورغبته بدأت تهدأ "لقد نسيت"
لمست لحيته ومنحته حنان الأم وليس الزوجة "أعلم حبيبي"
لكنه يعرف كيف ينهي الأمر وقد فعل
بالفراش ضمها له والصمت لفهم لحظة قبل أن تسأله "جسار!؟"
نظراته سقطت على شعرها المبعثر على صدره، هو من جففه لها ومشطه بطريقته وهي تتركه على صدره
لم يرد..
رفعت وجهها له دون أن تبتعد عن أحضانه حيث السكن، الأمن والأمان، موطنها الذي تنتمي له "أنت لم تتوقع هجومه؟"
رفع يده ليلملم خصلاتها المبعثر ويلفها على يده وكلماته خرجت قليلة كعادته "الكبير من لم يتوقع هجومه"
تلك العيون تخفي الكثير حبيبي، لكني تعلمت قرأتها "لكنك لم توقف رصاصته"
لم يتوقف عن مداعبة خصلاتها "ألم تسأليني عن واقي الرصاص الذي كنت أرتديه تحت قميصي ليال؟"
أغمضت عيونها وقد نسيت ذلك بالفعل
تحركت راحته تاركة خصلاتها لتضم وجنتها ففتحت عيونها له "جسار خصم قديم حبيبتي وكلانا أصبح مكشوف للآخر الفارق بيننا أني لست فأر لأسكن الجحور مثله"
"وحياتك هي ما تجازف بها هارون"
ابتسم لها "هل فعلت؟"
غضبت وتذمرت كالأطفال وتحررت منه جالسة بمنتصف الفراش "هل تمزح هارون؟ أنت تترك نفسك وهو جبان يطعن بالظهر"
يده قبضت على ذراعها برفق، لفها له والزرقاء تلمع على وجهها الغاضب وهدوئه يعيد لها السكينة "أولا تعلمي ألا تجعلي الخوف يقودك ليال، ثانيا أخبرتك أني لست جبان لأختبئ، ثالثا ظهوري استفزاز له ليخرج كالعادة ويواجهني"
هتفت بقوة الخوف الذي لم توقفه "مرة أخرى هارون!؟"
لم ترحل ابتسامته وهو يرى مخاوفها لا تنتهي "لا يا قلب هارون، تلك المرة بطريقتي وأنا أضع باعتباراتي أنتِ وأحمد، لن أترككم مرة أخرى، على الأقل ليس برضائي كما فعلت من قبل"
أبعدت وجهها، لم تقتنع، الخوف أكبر مصيدة، تسقط بها القلوب المتعلقة بأحبابها وهي تعشقه
اعتدل، جذبها لتستقر بظهرها على صدره فأغمضت عيونها وسمحت للدموع بأن تتهاوى "اهدئي صغيرتي، هارون عاد ليس ليسقط فريسة بل ليستعيد حقه من خصمه"
بالحقيقة هو عاد وحش، وحش سيبتلع كل من يقع بطريقه..
رفعت وجهها له فمسح دموعها براحته فجذبتها لفمها وقبلتها "لا يمكنني أن أعيش وأنت لست معي، لن أتحمل فراقك مرة أخرى هارون"
"ولا أنا يا قلب هارون، أنا أعيش لأجلك صغيرتي ولأجل ابننا وأولادنا القادمين"
"عدني .."
وضع إصبعه على فمها فتوقفت وهو يمنحها كلماته كما أراد هو "أنا لن أسمح لجسار بأن يهدم ما بنيته ليال، لدي أسباب كثيرة لمنحه ما يستحق، الموت، وسيناله"
"فقط لا تتركني هارون"
ضمها له أكثر "لا يمكنني تركك يا قلب هارون"
*****
طرده من المشفى..
"أنا لم أزوجك أختي لتتركها بأول يوم زواج وحدها"
أبعد وجهه لنافذة السيارة والرجل يمنحه علب البيتزا وهو يمنحه الحساب، قاد السيارة وهو يتذكر كيف تجهم ولم يمنحه حتى فرصة ليرد، تركه واختفى
ترك السيارة لأحد الرجال وهو يتحرك لداخل الفندق والتحيات تصحبه، بالطبع أليس رجل الريس الأول صاحب كل ذلك؟
العاشرة مساء ليست وقت متأخر لكن ربما نامت لأنها لم تفعل بالأمس، هل سيوقظها؟ بل سيتركها.. لا يعلم
كل ما يعرفه أنه اشتاق لها.. هارون يعلم مشاعر صديقه.. عرف أنه يحب تلك المجنونة
الظلام كان بالجناح..
نفخ بضيق وهو يدخل تاركا علب الطعام على المائدة وتحرك للغرفة وصوت ضوضاء يصل له، ما هذا؟
فتح الباب وتوقف يحدق بالتلفاز المفتوح أمامه وفيلم انيميشن يتألق على الشاشة والمجنونة جالسة بمنتصف الفراش وكيس فوشار كبير بين ساقيها وتبعثر شعرها حول وجهها وعلى أكتافها و..
الأحمر.. كما أراد..
صوت التلفاز مرتفع، انتباها كله للفيلم ويدها ترتفع بالحبات البيضاء لفمها بلا تركيز فما كان منه إلا أن ابتسم لطفلته..
تحرك للداخل وهي لا تشعر به حتى توقف بجوار الفراش وهي أيضا لا تراه والدهشة تملكته، لهذه الدرجة الفيلم يأخذها..
جهاز التحكم كان أمامه، جذبه وأخفض الصوت فتوقفت يدها بالفوشار وهي لا تفهم
"ما.."
والتفتت لتصرخ وتنتفض بكامل جسدها من رؤيته وترتفع يداها بلا وعي ليقفز كيس الفوشار وتتناثر كل حباته ويتساقط كأنه حبات المطر عليها وعلى الفراش وهو يتراجع وبلحظة كان ينفجر بالضحك من مظهرها وفزعها وهي تهتف
"أنت تمزح صفوان؟"
دمعت عيونها من الفزع فوضعت يداها على وجهها وقلبها ينتفض من دقاته وهو ما زال يضحك حتى تناهى له صوت بكائها فتوقف وأدرك جدية الموقف فأسرع يجلس جوارها وينزع يداها من على وجهها ويرى دموعها
"لماذا البكاء أيتها المجنونة؟"
لم تنظر له وهي تشهق من البكاء ولولا يده التي تمسك يدها لمسحت دموعها بواحدة منهما
ترك يدها وهو من مسح دموعها وهو لا يتحمل هذا البكاء "أنتِ من لم يشعر بي والكارتون يأخذ كل انتباهك"
نظرت له بنفس الجدية ودموعها تسقط على راحته "ليس كارتون، انمي والجميع يراه صفوان"
ابتسم للطفلة التي هي زوجته "حقا؟ لا أرى أي فارق"
أبعدت يده بضيق وصوتها خرج غاضبا "بلى هناك فارق وفارق كبير ف.."
قبلته أكلت باقي الكلمات، ابتلعتها، نستها، ويده تحيط وجهها لتثبته وهي استجابت، نست تماما ما أغضبها وأفزعها
نست الفيلم الذي لم تصدق أنها وجدته على الانترنت وشاهدته على التلفاز
المهم العملاق هنا، قبل منتصف الليل..
"هذا الأحمر رائع"
فتحت عيونها له، يدها كانت تتمسك بصدر قميصه فتركته وبدأت بفك أزراره وهي تمنحه كلماتها "إذن لنرى كم هو رائع أيها العملاق"
ابتسم لجرأتها التي تعجبه ولم يترك هذا يذهب هباء وجرها لأحضانه، مبعثرة الخصلات، يسبحان فوق حبات الفوشار وجهاز التحكم تحت جسد العملاق رفع الصوت من جديد ولكن لم يهتم أيا منهما لما كان يدور بالفيلم بل بالمتعة التي سقطا بها..
أطعمته البيتزا رغما عنه وأكمل بطعامه الذي طلبه من طاهي الريس ووصله مع تحيات الطاهي للعرائس الجدد
حمام ثنائي بمزاح المجنونة التي أغرقته بفقاعات صابون الاستحمام وهو طاردها وسط الضحكات والمياه حتى أصبح الحمام كله صابون..
نظف الفراش وأعاد ترتيبه وهي انتهت من ارتداء قميص ذهبي لا يختلف عن الأحمر وتزينت تلك المرة وعادت له بالفراش وهو يجذب الهاتف فأسرعت له وخطفته من يده وتراجعت
"لا هواتف الآن أيها العملاق"
رفع يده بتحذير "جميلة لا أحب هذا المزاح"
هزت أكتافها بلا مبالاة وعيونها تلمع بمرح "تعالى وخذه"
نفخ وتحول للجدية فهو يرغب بالاطمئنان على الريس "سأهاتف هارون جميلة، هاتي الهاتف"
تراجعت وهي تلوح به أمامه "بل تعالى خذه"
أبعد وجهه لحظة ثم نهض فجأة مما جعلها تصرخ من الفزع وتسرع مبتعدة قبل أن يصل لها وهو يتبعها بإصرار وهي تضحك..
بخارج الغرفة دارت حول المائدة وهو يحاول الإمساك بها "جميلة هاتي الهاتف"
كانت تضحك كالأطفال، تلف حول المائدة وهي حافية.. تهز رأسها بالنفي وشعرها يلف معها...
جميلة.. فاتنة ومثيرة
وأخيرا انتصر العملاق، لا أحد حتى مجنونته، يمكنه الفرار من المنفذ لكنه الآن ليس المنفذ
بل العاشق..
انقض عليها وفقد بها اتزانه ليسقطا على الاريكة وما زالت تنادي باسمه وتضحك وهي سجينة تحت ثقل جسده وسرعان ما حررت ذراعيها لتلفهم حول عنقه والهاتف اختفى
سقط بعيدا وكأنه يقف بصفها.. لا هواتف اليوم..
"أنت ثقيل أيها العملاق"
يحب اللقب من بين شفتيها الحمراء، عيونها الذهبية تلمع ببريق السعادة لنظراته الخضراء..
خصلاتها الذهبية افترشت الاريكة تحتها، جسدها اللين التصق به وهو نسي الهاتف وتجددت رغبته الرجولية بامرأته
"وأنتِ مجنونة وسأنتهي معك بمشفى الأمراض العقلية"
ضحكتها ارتفعت كأنغام موسيقية حولهم وابتسم لها وهي تجذب وجهه لها لتقبله وهو لا يمانع أبدا ليرحل معها لدنياها التي لم يعرفها من قبل
أسما جعلت حياته معها جملة واحدة، أنت تحب ليال
لكن المجنونة أنسته حتى اسمه..
الغرام يا سيد..
*****
دقات على الباب الذي انفتح جعلها تلتفت لترى الريس وقد استعد للخروج، لم تظن أنه سيرحل مبكرا فهو تقريبا لم ينم ولا هي
أحمد احتاج وجودها فلم تنال أي نوم
"صباح الخير"
ابتسمت وهي تطعم الصغير "مساء الخير حبيبي، إنها الثانية ظهرا"
وضع قبلة على شفتيها وانحنى ليفعل المثل مع طفله الذي منحه نظراته التي بدأت تعلن عن أنها تمت له
الأزرق لونها..
"مرحبا صغيري"
ترك الطفل صدر والدته والتفت للصوت، هو يعرفه بالطبع
ضحكت وهو انتفض قلبه لابنه "ترك الطعام لأجلك"
ابتسم وداعب وجنة الصغير "ماما تغار"
رفعت وجهها له، ماما كلمة ترحل لقلب كل امرأة، تزاحم مشاعر الحب والحنان الفائضة لأطفالها.. وهي لم تسمعها بعد ولكنه منحها إياها
"استعد لتكون حاميها يا فتى فهي جميلة وتثير عيون الرجال"
ضحكت وهو يبتسم حتى وضع قبلة على جبين طفله "أنت راحل!؟"
لم يمنحها نظراته وهي تستعيد اهتمام طفلها بالطعام وابتعد "نعم"
لم تفلته "المشفى!؟"
توقف عند الباب ولم يلتفت، لا يرغب بأي مواجهة أخرى الآن، ما زالت أفكاره متضاربة "ربما"
وخرج وهي لا توقفه، فهمت رغبته بألا تفتح شيء ولكن قلبها كان يؤلمها لأجله..
****
المشفى كان على قدم وساق، الكبير ما زال بالعناية والحراسة مشددة وزوجته تقف بجواره تراقب الممرضة وهي تمنحه الدواء وتراقب الأجهزة المتصلة به
لم يتحدثا منذ أفاق، كان متعب وما زال وهي لا تقوى على الانتظار، إلى متى ستظل خيال بحياته؟
خرجت الممرضة وهو أغمض عيونه مرة أخرى، ما زال المشهد أمامه..
يرتاح ويتنهد عندما يتذكر أن ابنه بخير..
"ماذا كنت تفعل بالإسكندرية محمد!؟"
لم يفتح عيونه، يعلم أنها ستسأل ويدرك أن حياتهم مؤخرا كانت بلا معنى، لم يكن الحب عنوان حياتهم بأي يوم لكنه يحترمها ويقدرها ويجدها مناسبة لمكانتها بجواره
"مجاملة هدى"
لمعت عيونها البنية عليه وما زال مغمض العيون "عرفت أنك كنت ببيت، حفل زفاف"
فتح عيونه، أسراره لا تخرج من قوقعته
التفت لها وملامحها الرقيقة جامدة، تتزين بهدوء بما يتناسب مع عمرها "تعلمت أن تكون لي مصادري الخاصة فأنت لا تمنحني أي شيء"
هل تعلم بأي زفاف كان؟
بأي بيت سقط؟
بيد من؟
ولأجل من؟
الصمت اختار التواجد بتلك اللحظة، لا كلمات يمكن أن تحل عقدة الموقف لكن هي ترفضه
"ما زلت على علاقة به؟ هارون!؟"
تنفس بعمق والأنفاس تؤلم جرحه و.. قلبه
قطع الصمت لأنها لن تستسلم "من أخبرك أنى قطعت علاقتي به؟"
لطالما كان يلقي الكلمات بلا تزيين، هذا إذا تحدث من الأساس
تجهمت، ظهر الغضب على ملامحها وربما غيرة من محبته لذلك الابن المتبني ولولا رفضها لأحضره البيت وجعله ابنا لها
"أنت أخبرتني أنه رحل إلى هنا وأنا ظننت.."
عاد وجهه لوضعه وأغمض عيونه "لست مسؤول عن ظنونك"
شحب وجهها من طريقته لكن، هكذا هي علاقتهم، هم حتى لا يلتقون بغرفة نوم، انفصلا منذ سنوات بلا سبب وهي من أخذ المبادرة وهو لم يسأل
"أنت ما زلت تمنحه اسمك وهو.."
قاطعها دون أن يفتح عيونه "هو يرفضه، لا يرغب بأن يكون ابني"
قراره اتخذ وهو بالعناية، لحظة تعلقه بين الحياة والموت، لحظة مواجهة مع النفس، لم يعد بالعمر بقية
"لأنه ليس ابنك، الأمر ليس إجبار محمد"
عاد وفتح عيونه، يرى الماضي أمامه
كان أناني، ندل، جبان، لا يرى سوى نفسه..
اختنقت أنفاسه، ألم الجرح لم يضاهي ألم القلب والضمير
محبته لهارون ليست بيده، زرعها الله بقلبه وهذا وارد، أن يحب الأب ابن أكثر من الآخر ويميزه على إخوته
القلوب ليست ملك لنا..
"أنا أعلم أني لم أنجب ولكن الأمر ليس بيدي أنا.."
قاطعها مرة أخرى "لم ألومك بأي يوم ولم أطالبك بأي شيء"
احترق وجهها من حرارتها التي ارتفعت من جسدها لوجنتيها ويداها التقتا، تتشابكان، تفركان بعضهما البعض والألم ينبض بصدرها لعقمها الذي فعلت المستحيل لعلاجه بلا فائدة
"محمد أنا أعلم أنك لم تفعل وتنازلت عن حقك بأبناء وأنا.."
لف وجهه لها فقطعت كلماتها، هي رفضت كل طلباته بالتبني وحتى الحقن المجهري لم يمكن إجرائه
أخفضت وجهها والحزن تبلور بدموع "كنت أعلم بعلاقاتك"
وهو يعلم أنها كانت تعلم ولكن هو توقف منذ زمن بعيد، اختار التوبة وحياة نظيفة من النساء والعلاقات الغير الشرعية..
انتهى يوم عرف أن له أولاد من أفعاله المتهورة ولا يمكنه الاعتراف بهم ولكن الآن لم يعد بإمكانه الاستمرار
ليس وقد كان قاب قوسين أو أدنى من الموت
"محمد أنا.."
"أنا لي ولدان هدى.."
رفعت وجهها الشاحب له، عيناها واسعة على آخرها، لا تفهم ما قال، لا تستوعب، تكذب على نفسها "أنت.. أنا.. التبني.. أعلم"
تبعثرت الكلمات وسط دمعة واحدة أنيقة كصاحبتها تسقط على وجنتها والرجل لا يرحمها
"لا، ليس تبني"
اهتز جسدها، كأن الأرض ضربها زلزال تحت قدميها جعلها تترنح، تبحث عن المقعد خلفها حتى سقطت وعيونها جامدة عليه وهو لم يفر منها فقد تعب من التخفي خلف ستار الكذب
"جسار، ابني الكبير و.."
هزت رأسها والدموع توالت بالنزول بلا توقف، ترفض ما قال وما سيقول "لا تفعل.."
قلبها أخبرها البقية.. لا يمكنه أن يفعل بها ذلك
"بلى لابد أن تنتهي الأسرار، أنا تعبت منها"
ابتلعت المرارة.. لكنها لم تستطع ابتلاع الألم فهو ينحر روحها بلا رحمة
****
فتح له أنس باب السيارة لينزل وعيونه ترحل على سيارة هدى وهو يقف ونظارته الشمسية تخفي نظراته "هي هنا هارون"
"أعلم"
وتحرك للداخل، يعلم أن هذه خطوة لابد وأن يتخذها، الدين يثقل كاهله والرجل قدم وما زال يقدم له الكثير فهل يمكنه أن يتراجع خطوة؟
أنس تحرك بجواره، صمت هارون جعله لا يجادل، الموقف محتدم والقادم مجهول
يعرف أن الرجل ما زال بالعناية وهذا منحه قلق غير محسوب، هو لم يمت.. بسببه لكنه ما زال على حافة الخطر
ما أن وصل للغرفة ورجال الحراسة تقف على بابها حتى تواجه مع تميم "مرحبا هارون"
نظراته القاتمة تخيف من يواجه لكن تميم كصفوان وأنس لا يخافان شيء فقط يحترم الريس "أهلا تميم"
بلا استئذان تحرك ليدخل بنفس الوقت الذي انفتح الباب ورأى هدى تخرج..
لم يتراجع فلم يأتي ليفعل وهي كانت متماسكة، تلقت صدمتها وحبست أحزانها واختارت الابتعاد
ابتعد الرجال لها وهي تحركت لترفع رأسها وتراه أمامها..
من رفضته طفلا بالعاشرة، من لم ترغب بأن يكون شريك لها بزوجها أو أن يكون الابن الذي لم تناله ورفضها كان بلا سبب سوى أنه..
لقيط..
الكلمة نطقت بها مرة وللصدف سمعها..
التقت بنظراته.. كان يراها من بعيد، سنوات التصاقه بالكبير كانت السبب لكن هو كان حريص على ألا يضع نفسه بطريقها
ما أن عرف أنه ابن محمد الديب حتى كاد يذهب لها ويخبرها ويخبر العالم بالرجل الذي تخلى عنه لكن..
لم يكن بأي يوم شاب متهور.. يعلم أن الكبير سينتصر
اختار العذاب..
عذاب لنفسه وللكبير أيضا..
رحل.. ابتعد
دفن أحزانه وبنى منها نفسه وغرز مكانته بين فطاحل الشوارع حتى أصبح الزعيم بسن صغير والجميع يهابه دون تصديق أن شاب مثله أصبح له مكانته
بعدها بكثير عرف أن الكبير كان خلفه، يحميه رغما عنه، يدفعه للأمام مزيلا العقبات من طريقه، وعندما ثار وغضب ورفضه كان الرد..
"أنت كنت تحميني وما زلت تفعل"
كل الماضي تبلور أمامه عندما التقى بعيون هدى اللامعة من أثر البكاء، لم ولن تحبه أبدا وهو لا يكن لها أي شيء..
هي سراب بالنسبة له
"كنت تعلم؟"
سؤالها منحه إجابة على سؤال آخر، أنها الآن تعلم..
"هل هناك فارق؟"
ظلت واجمة، ملامحها لا تمنحه أي شيء وهو ثابت، أيضا لا يمنحها شيء
"بعض النساء لا يُخلق لهن الأمومة.. لكن لا ذنب لهن"
مالت رأسه وهو يستوعب كلماتها، عن ماذا تتحدث؟
ومع ذلك أجاب "والبعض لا يُخلق له آباء.. لكن له ذنب يدفعه وحده"
ابتلعت غصتها
هو يعرف كيف يحاورها، لطالما كان العاقل والرزين، منذ رأته صغيرا وعرفت أنه مختلف ومع ذلك لم تتقبله
"لم يكن أبا لك بأي يوم، كنت تعلم ذلك"
عاد الريس بلا اهتزاز والتقى بالبني القاتم وعتمته هو واجهتها "الهانم نسيت أني أحمل اسمه، و.. دمه، هو أنا من رفضت أن يكون أبا لي لكن.."
سقطت دموعها.. الأمر مؤلم أكثر مما يمكن تخيله وهو لم يرحمها
"دوام الحال من المحال يا هانم"
ارتجفت، وكلماته ترتفع لعقلها وتضرب قلبها ومحمد اختار إخراج السر وفتح أبواب الحرية لها بلا اعتبار لأحزانها
تحركت مبتعدة وتميم يتبعها ورجلان حراسة وهو ظل جامدا مكانه وكلمة لقيط ترن بأذنه
****
دخل العناية بمجرد ذهاب هدى.
لم ينظر للحراسة التي لم توقفه، فقط أغلق الباب خلفه بهدوء ثقيل، وما زالت أصوات الأجهزة تعلو وتنخفض تبعا لنبضات المريض
استقرت عيناه على الرجل الممدد على الفراش الأبيض.. أضعف مما عرفه يوما
الكبير لم يكن نائما.. كان يشعر به قبل أن يراه
ولم يتحدث أي منهما
ثوان طويلة مرت، كأن الزمن اختار أن يراقبهما بصمت، احتراما لما لم يقال منذ سنوات
أخيرا، فتح الرجل عينيه بالكامل.
زرقاوان، باهتتان قليلا، لكنهما ما زالتا تعرفان ابنه
اقترب هارون خطوتين.. ثم توقف "أنت مستيقظ؟"
سؤال عادي، بلا نبرة، بلا اهتمام ظاهر، وربما كلمات لا تعني شيئا، لأن المعنى تاه بينهما الآن
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتي الكبير، ابتسامة رجل فهم أن هذه كلمات تبدأ محادثة مؤجلة منذ سنوات "لا يمكن أن أنام جيدا بقربك"
لم يعلق.. لم يبتسم.. لم ينف..
بل ظل صامتا وهو يعقد ذراعيه أمامه، كعادته عندما يحمي نفسه من أي اختراق
تنفس الكبير بعمق.. الألم حاضر، لكنه ليس أقسى من هذا اللقاء
"هدى عرفت"
لم يهتز هارون، لم يفاجأ "نعم"
هدوء الريس منح الكبير لحظة توقف. أبعد وجهه عن هارون ثم نطق بصوت أهدأ وأقل قوة، لكنه صادق "أخبرتها أن لي ولدان"
التقت العيون مرة أخرى..
لا لوم، لا امتنان، فقط حقيقة وضعت على الطاولة بلا مساومة
عاد يكمل "كان لابد أن أفعل.. ليس لأجلك، بل لي"
أدار هارون وجهه بعيدا، وكأن الكلمات أصابته في موضع يعرفه جيدا "تأخرت"
قالها بلا قسوة لكنها كانت تمنح الكبير معركة هارون الداخلية فلم يجادل، بل اعترف "أعلم"
سكنت الأصوات، حتى النسمات توقفت، ولم تبق سوى نظراتهما، حتى قطع الكبير الأجواء "مُنحت فرصة أخيرة لأفعل.. ربما لا أنجو"
"لا تقل ذلك، ستكون بخير"
اندفاع هارون بالرد مزق شيء لم ينتبه له إلا بعد أن خرجت منه الكلمات..
ربما كانت جافة، لكنها رفض
لاحظ الكبير ذلك، لاحظ الشرخ الصغير في جدار ابنه فابتسم، ولكن بألم "ما زلت تهتم لأمري.. كعادتك"
كان كذلك دائما، يحمي الكبير دون أن يعرف أنه والده، امتنان لأنه نزعه من ظلام الشوارع وارتقى به لجواره
عاد الصمت، لكنه لم يكن عدائيا، صمت يتنفس هدوء بعد صراع مخيف دام عمرا كاملا، والآن محاولات توضع على الطاولة..
تحرك هارون للأمام، اقترب من الفراش، نظراته تسكن على نظيرتها، وبنبرة خافتة منحه كلماته "ما فعلته لن يغير شيء مما فات"
أشار الرجل بيده رغم الأنابيب المتصلة بها "لم أكن منتظرا منك أن تفعل"
أكد بكلمات أخرى، يتحداه أن يعود للصراع، ربما يمنحه سبب لإعادة القسوة التي رحلت وتخلت عنه "ولن يجعلني أنسى"
أبعد الكبير وجهه، ارتفعت أنفاسه رغم ألم صدره، وخرج صوته قويا، صادقا "لم أكن لأطالب بذلك"
ظل هارون يحدق بالرجل، لا يصدق أنه الآن لا يطالبه بالغفران كما اعتاد، لا يرجوه ليتنازل، بل يتراجع.
هل فهم ما كان يعانيه؟
هل أدرك أن ما فعله به أكبر من أن تمحوه كلمات الغفران؟
انتبه والرجل يرفع يده مرة أخرى ببطء. لم يقترب من جسد ابنه القريب، فقط أشار له ليعيد انتباهه "أنا لم أفعل ما فعلت لأخذ أي شيء منك، ولا أفرض اسم ولا أشتري غفرانا، أنا اليوم أردت فقط ترك الحقيقة"
نظرات هارون كانت مظلمة، شيطانه حبيس لا مكان له هنا. تلك لحظة خاصة جدا والشيطان لا يهواها.. والريس أخرسه وسجنه بمكانه
صوت هارون خرج أقل حدة، أكثر صدقا "أخبرتك أنك تفعل متأخرا"
"لكنني فعلتها هارون"
للحظة جمد
هي الحقيقة..
هو بالفعل فعلها.
أخبر زوجته، أول وأصعب عقبة في طريق الأب لابنه وقد اجتازها
"نعم"
لمع شيء بعيون الكبير..
دمعة؟
ارتياح؟
لا فرق.
"وسأكمل هارون.. هدى خطوة أولى، والبقية تأتي حتى لو.."
وضاقت عيون هارون.
الرجل سيعلنها، بلا مساومة، بلا شروط..
فقط تنازلات.. تضحيات بلا مقابل
"حتى لو كانت متأخرة"
رفع الريس رأسه، لا يقدم أي قبول أو.. رفض
ثم..
استدار ببطء، توقف عند الباب دون أن يلتف "لن يمكنني أن أناديك بها.. بابا"
لم يتحرك الكبير، لم ينظر لابنه بل لماضيه الذي يدفع ثمنه ألما في قلبه وروحه "أعلم"
أغمض هارون عيونه. هو يباريه بقوة، يعرف كيف يسقطه ويخدش كبريائه بلا غضب "سأعود لحياتك"
وأغلق الباب خلفه.. ربما خاف من نفسه أن يتراجع عن قراره.
وبقي الكبير وحده..
مبتسما، متألما، لكنه لأول مرة لم يعد أبا مرفوضا بالكامل
****
تركت البسكوتة ملابس طفلها الجديدة والتي ابتاعتها أخيرا وتحركت لهاتفها، هل نسي أنس شيء؟
لم يكن أنس بل رقم غريب بلا اسم، ترددت ولا تعلم لماذا اخترقت ميسرة ذهنها؟ هي لم تخاطبها منذ ذلك اليوم ولم تعرف عنها شيء
أجابت "ألو.."
صوت عميق أتاها "ألاء!؟"
ارتجفت شفتاها، تجمدت يدها على الهاتف وجف فمها، صوت خالها حسين، نعم هي تعرفه جيدا
"ألاء أنا خالك حسين"
تماسكت، أنس، أحتاج لك الآن، لم أتعلم كيف أواجه المواقف وحدي
"مرحبا خالي"
صوت تنهيد وصلها عبر الهاتف، لم تتحرك، فقط قلبها من كان ينبض نبضات زائدة "مرحبا حبيبتي، كيف حالك؟"
خالها كان القريب الوحيد لها ولكنه كان بلندن، يعمل هناك ولا يأتي إلا مرة كل عدة أعوام، هل هو هنا بمصر؟
"بخير خالي وحضرتك!؟"
صوته لم يكن جيدا، نبرته حزينة، تحمل ألم لم تفهمه "ألاء والدتك متعبة و.. ترغب برؤيتك"
طاوعتها ساقاها، نبض طفلها فرفعت يدها على بطنها تربت عليه لكن عقلها كان بمكان آخر، مع ميسرة
"ألاء، والدتك مرت بأمور صعبة كثيرة مؤخرا، خسارات هائلة، صفقات زائفة وشركاء والدك تخلوا عنها"
أغمضت عيونها، تمايل جسدها ودموع تكونت تحت رموشها
الريس لم يكن ليتركها تذهب هباء، عاقبها، لكن بطريقته..
إلا الأبناء..
خط أحمر.. نيران تحرق من يفكر بتجاوزه
"هي بالمشفى ترغب برؤيتك"
بكت، أسكتت شهقاتها بأصابعها وسقط الهاتف من يدها وصوت خالها الذي يناديها، يتلاشى بعيدا
خانتها ساقاها فتراجعت بجوار ملابس طفلها الصغير وتركت جسدها يتهاوى بتعب ظهر فجأة عليها
ما زالت بأواخر الرابع، طفلها صغير لكنه موجود، ينبض داخل رحمها
دموعها لا تتوقف فأمها هي كل من كان لها، أحبتها كأي ابنة تحب والدتها، لكنها قست عليها مرة واثنان وانتهت باعترافها، سأقتلها وأحرمها من ابنها..
استجمعت نفسها بعد دقائق لا تعرف عددها من البكاء ثم نهضت، أخذت الهاتف وهاتفت من تحتاج له الآن واندهشت عندما أجاب
كان يدخل الشركة بجوار الريس الذي كان هو الآخر يجيب مكالماته العملية.
رؤيته لاسمها منحه قلق غريب لذا تأخر عن هارون وأجابها "حبيبي يذكرني؟"
صوت بكائها أنساه ما قال وهو يتوقف ويتحدث بجدية مخيفة "لماذا تبكين؟ هل أصابك شيء؟ هل الطفل بخير!؟ ألاء أجيبي"
من بين الدموع أجابت ومنحته ملخص المحادثة
رفع يده وحك جبينه، كان يعلم أن هارون لن يرحم المرأة، لقد تجرأت ولمست شيء يخص الريس وليس أي شيء.
كان ابنه..
"اهدئي ألاء، أنا قادم"
أغلق وهاتف هارون الذي كان يدخل مكتبه وشيماء السكرتيرة تتبعه "أين أنت أنس؟"
كان أنس بطريقه للسيارة بلا تردد "ميسرة بالمشفى وتطلب رؤية ألاء وألاء منهارة بالبيت"
جلس هارون بمقعده. يده تعبث بالجهاز ونظراته قاتمة وصوته هادئ "تمام"
صفع باب السيارة خلفه وهتف "تمام!؟ هل تدرك أن ألاء حامل هارون وقد تصاب بشيء بسبب حزنها؟"
رفع هارون وجهه عن الجهاز، نبرة أنس لا تعجبه، دائما مندفع ولا يفكر بكلماته "هذا اتهام بشيء أنس؟"
ضرب أنس المقود محاولا استعادة أي هدوء ولو زائف "أنت انتقمت من ميسرة أليس كذلك!؟"
تراجع بالمقعد، نظراته تحدق بالفراغ، شيماء تحمل جهازها لتسجيل التعليمات وهو منحها هزة من رأسه لتذهب ففعلت
"كنت تعلم أني لن أمرر ما فعلت، ليس الديب من يترك حقه أنس"
ضغط دواسة البنزين مخترقا الزحام، محاولا تجاوز الحقيقة بلا فائدة، هذا هو الديب مهما حاول إنكاره
"هي بالمشفى هارون فهل هذا منحك ما أردت؟"
ظل صامتا.. لن يجيب، كلماته ستؤلم صديقه الغاضب لذا اختار ابتلاع كلماته
لكن أنس لم يقبل الصمت لكنه لم يتجاوز
"أنا عائد البيت وربما أرافقها لرؤية ميسرة"
ملامحه لا تنم عن شيء، كالعادة شاشة سوداء لمن يحاول قراءة ما خلفها وصوته عميق، يحمل نبرة مخيفة "كما تشاء"
وأغلق قاذفا الهاتف على مكتبه ورفع أصابعه ليعبث بعيونه المغلقة، أنس يندفع وراء غضبه ويضع حبه بالمقدمة وهو لن يطالبه بالتضحية لأجله
فتح عينيه وجذب الهاتف وطلب صغيرته "الريس نادرا ما يهاتفني"
أسند رأسه على يده الحرة وأجابها بنبرة فاترة "ألاء متعبة، ربما تلقين نظرة عليها"
تركت جهازها وتحركت خارج مكتبه وهي تجيبه "ماذا حدث هارون؟"
بكلمات قليلة منحها صورة بسيطة فتوقفت بالحديقة "أظن أن وجودي لن يكون جيدا هارون، هو ابني من خطفته والدتها والتي هي بالمشفى نتيجة انتقامك"
عاد يغمض عيونه والصمت لفه بلا كلمات "هارون، ماذا تريدني أن أفعل!؟"
السؤال صعب وإجابته أصعب..
"افعلي ما ترينه صواب ليال"
وأغلق، وظل الهاتف بيده وعيونه مغمضة.. ألم تفكر ميسرة بعاقبة ما فعلته؟
هل يظنون أن عليه الوقوف صامتا أمام خطفها لابنه وتعريض حياته للخطر وتمزيق قلبه وقلب امرأته عليه؟
لم تتراجع الفانيليا، تحركت لبيت ألاء التي فتحت لها وما أن رأتها حتى سقطت بين ذراعيها ووجهها الملطخ بالدموع اندفن بصدر الديبة التي منحتها أحضانها بلا تفكير
عندما وصل الغاضب واندفع للبيت حتى توقف لاهثا وهو يرى ألاء ساكنة بأحضان ليال على الأريكة
وهي...
ما أن رأته حتى قفزت واندفعت له
وتمزق قلبه لرؤيتها بذلك الشكل..