
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الخمسون50 بقلم داليا السيد
لأنها أمك
أنهى مقابلته الرابعة تقريبا ورفع يده لشيماء "لا، ليس الآن، ربع ساعة، أريد قهوة"
تراجعت الفتاة أمام ملامحه المتجهمة.. مزاجه اليوم من أسوأ ما مر بها، لذا تراجعت خارجة بلا جدال تمنح المنتظرين كلمات اعتذار للتأخير
جذب الهاتف ونهض واقفا أمام نافذته، المساء يحل بسرعة بالشتاء الذي أوشك على الرحيل، اسم الفانيليا هو ما ضغط عليه والهاتف غير متاح والغضب تجرأ وهاجم الريس "اللعنة ليال افتحي الهاتف"
لكنها لم تغلقه بل كانت داخل المشفى، مع أنس والبسكوتة التي تفتت من أثر أحزانها ولم تهاجم ليال ولم توجه لها أي اتهامات!
لديها تصالح نفسي مع اعتراف داخلي أن ميسرة من فعلت ذلك بنفسها..
عاود الاتصال لكن بأحد رجاله المسؤولين عن حراستها "أخبر الباش مهندسة أن تهاتفني"
"أمرك يا ريس"
أغلق وعقد ذراعيه.. ضاقت عيونه وتحركت سحابة تحمل غيوم عليهم بانتظار زوجته..
رنين.. الفانيليا
"نعم هارون"
رفع رأسه، سكن الظلام وجهه ونظراته وحتى دواخله "أين أنتِ؟"
اندهشت، ألم تخبره الرجال؟
"بالمشفى هارون، مع ألاء"
رفع يده وعبث بعينيه والصمت أجابها "هارون هل ما زلت معي؟"
أبعد يده وفتح عيونه "نعم، كيف حالها؟"
تعلم قلب زوجها، هو قاسي مع أعدائه، يحمل كل الحب والحنان لعائلته، وألاء ومن قبلها أنس جزء من عائلته
"أصبحت بخير، لا تقلق"
هي تمنحه ما يريحه لكنه لا يرتاح، هو لا يندم على ما فعله مع ميسرة فهي من بدأت، لكنه لن يخسر صديقه أو امرأته..
"أنس معها؟"
تنفست بهدوء، هي لم تعرف متى ستنال الراحة كامرأة تحمل جرح قيصرية؟
الديبة لا تهتم، تعلمت، تفهمت، أصبحت من القطيع والألم لا يوقف أفراده عما يرغبون به..
"نعم حبيبي، هل تهدأ؟ سأعود لهم وعندما ننتهي سأهاتفك"
انتهى الحوار ولكن ما يدور لم ينتهي
ألاء كانت تتحرك للغرفة ببطء، قدماها تكاد تسقطها من اصطدامهم ببعضهم البعض، لم تعد تشعر بوجود أنس أو ليال بل ذهنها انحسر بالمرأة الموجودة خلف هذا الباب
خالها منحها حضن قوي، لم ترفضه لكن لم يمنحها أي سلوى، انفلتت منه وهي تكمل ويدها المرتجفة تفتح الباب
"نوبة قلبية"
هكذا أخبرها شخص ما لا تذكر من هو..
عناية ليست مركزة بل أقل شدة فحالتها ليست خطر أو زال الخطر
نور النهار أوشك على الرحيل تاركا ضوء خافت، واهن يطلق آخر أنفاسه
الفراش استوطن منتصف الغرفة المتوسطة، والجسد النحيف راقدا بلا حركة.. وجه شاحب رحلت منه الدماء لكن الصدر يعلو وينخفض بوتيرة ثابتة مثل صوت الأجهزة حولها
ما زالت على قيد الحياة
ما أن تقدمت خطوات قليلة حتى فتحت ميسرة عيونها وتوقفت ألاء مكانها، لا تقوى على الاقتراب أكثر، وجهها جامد، بلا دموع، ولا صراخ
ارتجفت شفاه ميسرة لرؤية ابنتها "ألاء"
ظلت الفتاة، المرأة، الابنة.. الحامل بطريقها لتكون أم، ثابتة بمكانها، لا ترغب بأن تتقدم أكثر
"لم أظن أنكِ ستأتين!"
إذن هي تعلم أن ما فعلته دمر علاقتهم، قسوتها عليها جعلتها هي الأخرى قاسية.. الآن كان عليها أن تهرع لها وتسقط على صدرها ولكنها لا ترغب بذلك
هي تتألم..
"ولا أنا ظننت أني سأفعل، لكني فعلت"
الألم لاح بعيون ميسرة، مزقها ما كان وتتمزق الآن أكثر لأنه نتيجة أفعالها "لم أكن أجيد التفكير، كنت مدفوعة برغبتي بالانتقام من ليال"
هزت رأسها بلا وعي، ترفض ما قالته "ليال لا ذنب لها بأي شيء، أنا من اختار"
وهنها غلب غضبها وهي ترد بقوة واهية "ما زلتِ تدافعين عنها؟"
رفعت رأسها "مشكلتك ماما أنكِ لا تصدقين أنني كبرت ويمكنني اتخاذ قراراتي وحدي"
سكوت.. أضيئت الأنوار، الحقيقة تتوالى أمام الجمهور والتصفيقات ستتعالى الآن
لكن..
"بل كنتِ مجبرة عليها منها ومن ذلك المجرم"
ظلت هادئة، يدها ارتفعت على بطنها وهي تدرك أنها بمعركة خاسرة لا فائدة من خوضها "هذا المجرم زوجي ووالد طفلي، ظننت أن ما حدث جعلك تتراجعين عن أفكارك وتدركين خطأك لكن.."
هي لم تعد تفكر بكل ذلك، لقد خسرت كل شيء وأولهم ابنتها
"ألاء أنا ما زلت أمك، لا تتخلي عني"
دمعة وحيدة سقطت من عيون البسكوتة على أم كانت دائما تتخلى عنها ولا تساندها
"أنتِ لست بحاجة لي، أنتِ بحاجة لاستعادة عقلك والاعتراف بخطئك"
والتفتت لتذهب لكن ميسرة أوقفتها "استعادتك خطأ؟ الانتقام لموت والدك خطأ"
لم تلتفت لها وهي تستعيد ذكريات لا ترغب بها "لن يمكنك استعادتي بعد ما كان، ولا داعي لانتقام زائف لأن زوجك هو من أراد قتلي وزوجي المجرم هو من ضحى بنفسه لأجلي"
وتحركت خارجة، لا ترغب بأي كلمات أخرى لتتلقاها أذرع زوجها..
لفها بحنان، صدره هو المكان الذي تدفن أحزانها به وذراعيه هم خطوط الأمان لها
"هل أنتِ بخير؟"
صوته القلق جعلها تبتعد، تمسح دمعتها الشاردة، تزيح ما كان وهي تردد داخلها، ربما بيوم ما أسامحها..
"نعم"
نظراته امتلأت بالقلق والحب.. هو لا يتخلى عنها.. قلبه يمنحها كل ما تستحقه من حب وحنان وهي لا ترغب بأكثر من ذلك
"ألاء هل أنتِ بخير؟"
رفعت وجهها لليال التي لم تتركها، ليس ذنبها ما حدث ولا هارون فابنهم من كان على المحك
"نعم، شكرا لوجودك ليال"
ابتسمت لها بحنان وخالها عاد لها "هل ستبقين؟"
لم يفلتها أنس، لم يواجه خالها، تجنبه والرجل أيضا فعل المثل "لا خالي، لا داعي لوجودي، أنا وهي لن نتفق"
نظر حسين لأنس الذي رفع رأسه بلا تراجع بمواجهته فعاد لابنة أخته "ألا تعيدي التفكير بالأمر كله؟ هي والدتك وليس لها سواكِ"
قاومت البكاء وهي تجيب بلا تدخل من أحد "بل لها خالي، أملاك وشركات بابا، رجاله، أعمامي.. صدقني هي لن تفتقدني"
لم يجادلها وهو يعود لأنس الصامت "أنت توافقها على ذلك؟"
كان جامدا وهو يتلقى السؤال، قراره منتهي "أنا لا يمكنني إجبارها على شيء هي لا ترغب به، أنا كل ما يمكنني فعله هو أن أكون معها بأي قرار تتخذه"
ظل الرجل ثابتا بنظراته على أنس حتى تنهد وقال "حافظ عليها جيدا فهي لم تعرف كيف تعيش وحدها"
أجاب بلا تفكير "هي لا تعيش وحدها، هي تنتمي لعائلة الديب"
وجذب زوجته والتفت للديبة التي واجهت الخال بلا كلمات "هل نذهب يا باش مهندسة؟"
****
الاكتفاء بالأهل أحيانا يوقف كل المشاكل وأحيانا أخرى يثيرها..
ظل أنس باقي اليوم مع امرأته، نامت بأحضانه وجسدها يرتجف، لم تتحدث، لم تخبره عن الألم الذي تشعر به ولا الحزن الذي سكنها..
فقط نامت..
وهو نهض، جذب الهاتف وطلب ليال وهي لم تتأخر، ظنت أن ألاء بها شيء فأجابت "نعم أنس، هل ألاء بخير!؟"
توقف أمام نافذة صالة الاستقبال محدقا بالحديقة الباهتة بفعل الشتاء الراحل "نائمة"
تنهدت وهي تهدهد طفلها بين ذراعيها بعد أن أطعمته وبدلت له مع المربية "لا تقلق عليها أنس، ألاء تعرف متى تكون قوية"
أغمض عيونه، القلق سكن كل خلية من خلاياه، والألم مما تعانيه يغضبه، والغضب من نفسه يبعثر راحته "ربما، هل تظنين أنها لن تخبرني أننا السبب بكل ما يحدث لها؟ ألن تكرهني ليال؟"
نظرت لطفلها الذي كادت تفقده بيوم ما بسبب ميسرة وأجابت "ما يحدث الآن ليس بسبب أحد منا أنس، بل بسبب ميسرة وأحمد فهمي، كلاهم لم يفكر سوى بنفسه ومكانته ونسوا رغبة ابنتهم"
تنفس بقوة ودار حول نفسه، لماذا لا يعترف بذلك؟ لماذا يرغب بإلقاء الأمر على نفسه وليال وهارون؟
"أنس، هارون لم يكن ليترك حق ابنه، ما كنت لتفعل أنت لو كنت مكانه، لو تأخر هارون عن أحمد قليلا لربما مات لابتعاده عن الأجهزة، هي أخطأت وكان لابد من عقابها"
فتح عيونه.. هي على حق، ما كان ليترك أحد لو مس ابنه شيء..
أنهى اتصاله وظل واقفا والليل يسدل ظلامه على المكان وليال تعيد الاتصال لكن بالريس الذي لم يجيبها، كان بطريقه للفندق والعديد من الاتصالات شغلته
لا أنس.. لا صفوان
لأول مرة منذ سنوات لا يرافقاه بالعمل، هو ليس بغاضب بل العكس، سعيد لأن كل واحد منهم نال حياة مستقلة لكنه لا يرغب بأن يخسر أي واحد منهما..
الأخوة ليس فقط بشهادة الميلاد، رب أخ لم تلده أمي
وكلاهم إخوته برباط انعقد منذ سنوات.. ولن ينقطع أبدا..
انتهاء العمل كان بوقت متأخر كالعادة وعودته للقصر كانت أكثر تأخيرا لكن ما أن وصلت السيارة حتى رأى أنس يتحرك له ورجل الحراسة يفتح له
رؤيته لأنس لم تمنحه أي شيء وهو لا ينتظر شيء
"لم أستطع تركها وحدها"
لم يقف بل تحرك للقصر مجيبا "لم أكن لأقبل بأن تفعل"
ارتاح أنس لكن ملامح الريس زحزحت راحته قليلا، القصر كان دافئ والفانيليا تخرج من المطبخ وابتسامتها هدية الريس
"العشاء هنا الليلة يا ريس"
لف وجهه لها وبدت فاتنة بملابسها الأنيقة وقوامها الذي عاد لجماله، شعرها المنساب براحة خلفها يتماثل معها
وجودها يمنحه الراحة "طعامك!؟"
ضحكت وهو يلفها بذراعه وأنس يتحرك معهم للداخل "بالطبع، أنا هاتفت ألاء أنس"
لم يرد وهو يعلم، كان بجوارها وقتها والفتاة لم تمانع بل هي حقا تحب ليال
جلسوا والريس هادئ، نظراته لا تمنح شيء كالعادة وأنس متوتر "هارون أنا.."
رفع يده ليوقف كلماته "لا أنتظر تبرير، هي زوجتك وما فعلته هو الصواب"
التقت نظرات أنس بليال للحظة ثم عاد لهارون "ولا أحد يلومك على ما فعلته مع ميسرة"
رفع رأسه وكلماته لا يمكنه إيقافها "لا أحد يملك أن يلومني على شيء أنس"
تجهم أنس، الريس غاضب ولكنه يحاول ألا يبتلع أحد بغضبه
"هارون"
لف وجهه لها، نظراتها تلومه، لكن عليه إيقاف تمرد رجاله، لابد من أن يتذكروا أنه الريس قبل أن يكون صديقهم
قبل أن يمنحها جزء من غضبه منحته كلماتها "أنس لم يقصد شيء، كان قلق على زوجته وطفله"
ظلت الزرقاء تحوم على وجهها والهدوء يعارك الغضب داخله، هو أيضا كان قلق على ابنه لكن لا أحد يراجعه بقراره
"وتصرفاتي لم تمس امرأته وطفله، ثأري كان مع ميسرة وهو كان يعلم أني لن أترك حقي"
أدركت أن هارون لا يتجاوز الأمر فنظرت لأنس الذي أخفض وجهه "نعم أعلم، فقط خشيت أن يؤثر الأمر على ألاء وهي حامل و.."
لم يدعه يكمل، نبرته كانت حازمة وقوية "هي كانت تعرف من نحن يوم دخلت بيننا أنس وعليها تقبل الأمر"
"وأنا أفعل يا ريس"
التفتت الوجوه لألاء التي كانت تقف على عتبة غرفة الاستقبال، نظراتها تواجه هارون.. ليست خائفة ولا مترددة بل حاسمة
نظرات الريس كانت للفتاة وكلماته أيضا "أنا لا أحمل لكِ أي شيء سيء ألاء، أنتِ زوجة أخي وستظل حمايتك واجبة عليّ، لكن أن يمس أحد فرد من عائلتي فهذا ما لم ولن أقبله، أيً كان هو"
الكلمات كانت قوية، مخيفة، لا تحمل أي رحمة ولكن..
هي كانت تفهم، تعلمت الدرس جيدا، والدها لم يكن يحمل أي رحمة تجاها، والدتها فعلت المثل فهل تنتظر من رجل لا تمت له بصلة أي رحمة؟
"وأنا أتفهم ذلك، ولا أحمل تجاهك أو تجاه أحد هنا أي ضغينة، أنتم من وقف بجواري بوقت أهلي تخلوا فيه عني، أنس حماني بحياته، ليال لم تتركني، حتى أنت.. لم تقتلها أيضا لأجلي واكتفيت بما فعلته معها"
أبعد وجهه، هو بالفعل تركها ولم يقتلها، الأمر كان سهل، رصاصة بعدة جنيهات لم تكن تكلفه شيء لكنه لم يرغب بتمزيق قلب الفتاة واختار طريق العمل والمال..
نهضت ليال، وصلت للفتاة وتوقفت أمامها "كلنا هنا نحبك ألاء، أنتِ امرأة رائعة وأخت لنا جميعا"
ابتسمت ألاء، قاومت البكاء "وأنتِ كذلك ليال"
احتضنتها وجذبتها "تعالي لقد صنعت لكِ وجبتك المفضلة"
ما أن جلستا حتى وصلهم صوت سيارة وهارون يتابع الباب "هل هناك رجال بالخارج"
ضحكت ليال وأجابت "واحد فقط يا ريس"
نظراته لها كانت عتاب على لقب الريس لكنها قاصدة، هو الآن الريس..
دخول صفوان وجميلة جعل المفاجأة من نصيبهم ونهضوا للترحيب بهم وتألقت جميلة بابتسامة مشرقة ببدلتها البنية وشعرها المتراقص خلفها، لمحة خفيفة من الزينة جعلتها مميزة
العشاء كان رائعا، ليال صنعت لكل واحد منهم ما يحبه، المائدة كانت كبيرة والطاهي وثمية يضعون الطعام والمزاح ملأ الأجواء وخرج الريس عن رداء الرياسة للرفيق والأخ
للحظة تراجع بالمقعد، نظراته تجولت عليهم وهم يتبادلون المزاح والضحكات، اليوم لديه عائلة كبيرة.. ستزداد بأولادهم وهو سيحميهم لنهاية عمره..
لمسة على يده جعلته ينتبه للديبة، تبتسم له، هي من منحته تلك العائلة، تلك السعادة، الحب
الغرام..
أغلق يده على يدها ورفعها لفمه ووضع قبلة عليها فزادت ابتسامتها وعيونها لا تشبع منه وقلبها لا يكتفي من حبه..
*****
مر الاسبوعان وليال قررت عمل عقيقة لأحمد مع حفل كبير لوريث الديب وهو لا يمانع..
خرجت من الحمام على رنين هاتفه وهو يعتدل بالفراش ليجيب..
توقفت وهي تسمعه "بالطبع يا باشا"
هو لم يخبرها أي شيء بعد خروج الكبير من المشفى وهي لم تسأل
دفع الغطاء لينهض عندما التقى بنظراتها فسكن قليلا قبل أن يجلس "هو قادم"
ونهض.. الصمت يلفه وهو يتحرك للحمام لكنها وقفت أمامه، وضعت يداها على صدره العاري، سقطت نظراته عليها..
"أنت غاضب؟"
ظل ساكنا بلا كلمات، فقط نظرات، أنفاس، دقة زائدة من قلبه حتى اختار أن يتحدث "لا ليال"
هو يعلم القلق الذي يحتل قلبها عليه، جسار جبان، يضرب ويفر هاربا وهو لا يرحمه لكن هو يعرف جيدا كيف يخرجه من المخبأ
"ستمنحه فرصة!؟"
لم يخبرها أي شيء وهي لا تضغط، تعرف متى تتوقف وهذا يمنحه راحة لكن.. أحيانا يحتاج لأن يسكب ما يفيض داخله وهي وليس سواها من تتلقى دواخله
"نعم"
ابتسمت..
خطوة رائعة بطريقه لاسترداد جزء من حقه بأن يكون له أب، لكنه رفع يداه على ذراعيها وأحنى رأسه لها "ليس لتلك الحدود التي رحل لها عقلك ليال لكن.. على الأقل لم أعد أرفضه"
رفعت يدها لوجنته، لحيته الناعمة، دفء وجهه تسرب لها، لمعان عيونه يشبه طفلهما عندما يرغب بشيء "لا أحد يطالبك بأكثر من ذلك حبيبي، فقط أوقف عذاب قلبك فأنت لا تستحق إلا الحب"
ظل ثابتا لثواني ثم جذبها له، احتضنها بقوة ومنحها كلماته "أنتِ الحب ليال، أنتِ كل من أريد"
أغمضت عيونها على صدره وقلبها يدق له وحده
****
توقفت السيارات أمام القصر ونزل الكبير وقد تحسنت صحته لكن تلك المرة كان يمسك عصا يستند عليها.
تحرك وهارون يقف أمام الباب وليال بجواره، الزيارة ليست رسمية بل اجتماعية لذا الريس سمح لها باستقباله
"تزدادين جمالًا ليال"
ابتسامة هادئة علت شفاها، ملامحه متعبة من أثر الإصابة وهو يتحرك ببطء، ما زال المجهود يرهقه
"شكرا يا باشا. تبدو أفضل"
دخلوا القصر وهو يجيبها "الأطباء لا تنتهي تعليماتهم المملة ليال، ولي ابن يرعاني جيدا"
نظرات هارون لم تلتقي بالرجل ولا بليال، هو تشدد بالفعل تجاه الأطباء التي لازمت الكبير حتى بيته، ما زال يحمل الدين حول عنقه
ابتسامة ليال تزيدها جمالا وثقة وهي تقود الكبير لغرفة أحمد "لابد أن يفعل أحد فأنت لا تهتم"
وصلوا للأعلى، نظراته سكنت على وجه هارون ثم عاد لها "لم يكن هناك من يستحق أن أهتم بنفسي لأجله لكن الآن.."
والتقت نظراته بهارون..
المعنى يصارع ليخرج من بين الشفاه لكن لا شيء يهزم الريس
فتح باب الغرفة وتراجعت المربية ليدخلوا..
توقف الكبير وهنا هو جَد
جَد أتى لرؤية حفيده رغما عن كل الحواجز وهارون حاول التغلب على حواجزه ليمنح الرجل ما أراد
رفعت ليال طفلها والطفل بدا خليطا من والديه، نفس عيون هارون لكن باتساع والدته، ونبت شعره أيضا بنفس اللون مع استدارة وجه والدته وفمها المرسوم..
تردد الرجل وليال تقترب وتمد ذراعيها بأحمد له..
قلبه ينبض بسرعة مخيفة وكأنه يخاف لو توقف فستتركه الحياة
استقر الجسد الصغير بين ذراعيه، عيناه تحدق بالوجه الجديد، لم يبكي أو يصرخ وكأنه أدرك رباط الدم بينهم..
حفيدي.. قلب يعيش خارج الجسد.. فرحة تملأ الحياة.. هدية من السماء تجدد الشباب
كأنه ضلع واستقامة ظهر للأجداد
ظلت عيونه ثابتة على حفيده الوحيد، لا يصدق أنه يحمل طفلا بأحضانه فهو لم يناله تجاه أي ابن من أبنائه
"نورت عائلة الديب أيها الصغير"
ووضع قبلة على جبينه والطفل يشوح بيداه الصغيرة فتسقط على وجه الرجل فابتسم كما فعلت ليال "هكذا ترحب بجدك؟ لك قبضة قوية كوالدك"
والده كان يقف بعيدا، عاقدا الذراعين، قاطبا جبينه، لا يعرف كيف بدأ سلسلة التنازلات هذه!؟ لكنه ليس غاضب بل داخله شيء جديد
أنه ليس مرفوض من ذلك الرجل كما اعتاد أن يكون دائما
وضعه بين ذراعي ليال وأخرج ظرف من جيب جاكته ووضعه على صدر الطفل، لم يكن مال ولكن لم يكتشف بعد أحد ما هو
"هديتك أيها الشاب القوي"
وتحرك وهارون يتنحى له وكلاهم لا يواجه الآخر
لم يتحرك للمكتب بل للباب وهارون لا يوقفه، لا كلمات لديه، لم يتعامل كابن ولن يفعل
التفت الرجل له فتوقفا بالمواجهة "عرفت بما فعلته بجسار لكن هل تظن أنه يهتم؟"
هدوئه يغلب كل شيء "أنا لم أنتهي منه بعد لذا لا أهتم برد فعله الآن"
مال الرجل تجاهه "أنت لم تعد حر نفسك" ونظر للأعلى "لديك امرأة وابن يحتاجون لك"
والتفت خارجا بلا أي إضافة وهارون ثابتا بمكانه والكلمات ليست بجديدة
****
العقيقة كانت رائعة وتم ذبح عجلان كبيران وتوزيع اللحوم، عمل موائد للفقراء وليال أشرفت بنفسها على إطعامهم
بالمساء حفل بسيط لرجال الأعمال وتلقى الريس التهنئة مع زوجته وأقيمت مراسم السبوع للطفل وسط الجميع وأحلام شاركت رغما عن انتفاخ بطنها واقتراب موعدها هي الأخرى
جميلة كانت تشارك ليال بكل شيء، صداقتهم أصبحت قوية، وهي تقريبا لا تخفي شيء عنها رغم وجود خديجة
خديجة انزوت بركن بعيد كالعادة، لولا وجود جميلة هنا ما بقيت بالقصر، هارون يرفضها تماما، لم تظهر منه أي بادرة تجاها، عرفت بزيارة محمد ورؤية حفيده ولم تجرؤ على رؤيته
اختارت الابتعاد عن طريقهم جميعا، اتخذت البيت مكانها الأول والأخير وجميلة تزورها كل يوم، تابعت ابنتها وهي تمرح مع النساء، زاد وزنها والتف قوامها وزادت جمالا، سعادتها تلمع بعيونها وصفوان بدا عليه السعادة منذ خطفته المجنونة
الأغاني استمرت حتى وقت متأخر والجميع أمضى وقتا سعيدا
"أخبرتك أننا سنلتقي مرة أخرى"
انتفضت من الصوت، رفعت وجهها للرجل الذي لم تنساه، تركت كلماته بها أثر جعلها تفكر بما كان يعنيه وقتها..
التقت بزيتونته التي استقرت عليها، حبستها بطريقة غريبة، هل الرجل يلاحقها؟
"سعيد برؤيتك مدام خديجة"
لم تعرف ماذا تفعل.. تنهض وترحل بعيدا وتختبئ بأي مكان؟ أم تجيبه ولا تمنحه سوى كلمات مقتضبة؟ أو ربما لا ترد من الأساس
نظراته أجبرتها بطريقة ما على أن ترد "مرحبا سيد.."
اصطنعت النسيان، لا طاقة لها بمعرفة رجال جديدة..
كان واقفا بجوارها، بلا اهتمام بأن يراه أحد، هو بالأساس لم يعرف سبب وجودها ببيت هارون لكن زواج جميلة وصفوان أنهى الجدل ومع ذلك يبحث ليعرف
"علي، لماذا ترفضين حتى التعارف؟"
توردت ثم شحبت ثم تسربت البرودة لجسدها "أنا لا أفعل، أنا فقط لا أعرف أحد من المدعوين"
رفع وجهه دون أن يبعد نظراته عنها، الوحدة رحلت منذ دخل رشدي وأحلام حياته، أعادوا له البهجة والآن ينتظر حفيدته التي سيمضي حياته في تدليلها
لكن امرأة كخديجة تثير اهتمامه..
"لم لا تقبلين دعوتي غدا على الغداء؟ من الجيد توسيع دائرة المعارف"
نهضت واقفة وتعرقت يداها فجأة رغم برودتها وزاغت عيونها حولها خائفة من شيء لا تفهمه
ارتباكها الواضح جعل علي يتراجع والجدية تعتلي ملامحه "ماذا حدث؟"
"لا شيء"
وبلا استئذان تحركت مبتعدة للبيت الذي تقيم به، ثم غرفتها وأغلقت الباب وظلت تمسك قبضته، تتأكد من غلقه
هل سيلحق بها!؟
ماذا أصابها؟ متى سيتركها الخوف؟
أغمضت عيونها ورأسها تسقط على الباب، لم تعد تعرف كيف تواجه العالم، السنوات الأخيرة كانت نادرا ما تخرج من البيت وعندما مات وحيد حاولت أن تعمل لتحصل على المال
التفتت وتحركت للفراش، سقط جسدها عليه، قلبها مذبوح وينزف ولا تعلم متى ستنتهي حياتها؟
الابن الذي ظنت أنها فقدته للأبد ظهر بحياتها فجأة ولكن.. ليتها ما رأته
أن يرفضها، يتفادى حتى رؤيتها فهو أقصى أنواع العذاب..
هي حتى تخاف من أن تواجه.. تتحدث معه.. تطلب منه السماح
ربما لو حاولت مرة أخرى تنجح..
وهذا الرجل الذي يحاول التقرب منها؟
علي.. هل من الممكن أن تخرج معه كما عرض عليها؟
وقتها قد يقتلها هارون..
هل سيهتم؟
*****
الغرفة التي نالها العملاق والمجنونة بالقصر كانت أكبر مما كانت لأنس، لكن العملاق كان يشدد على بناء بيته الخاص بأرض الريس
خرج من الحمام ورآها تنتهي من زينتها كما اعتادت، تتفنن بمنحه وجه جديد كل يوم وهو يحبها كما هي وبكل أحوالها
صورته بالمرآة جعلتها تبتسم له وهو لم يمنحها وقت، لفها من الخلف، طبع قبلة حارة على عنقها العاري "تبدلتّ للأجمل أيتها المجنونة"
التفتت، تعلقت بعنقه وضحكتها ترن داخل قلبه وقبلته تنهي باقي الضحكة..
كالعادة تستجيب وبلا تفكير تجذبه لعالمهم الخاص حتى تسقط رأسه على عنقها، قطرات العرق تبللها بلا اعتراض.. أنفاسهم المتلاحقة تختلط
"جنونك متعتي"
يداها استقرت على وجنتيه، لمست لحيته التي اعتادت أن تقف بجواره بالحمام وهو يهذبها، ترش عليه صابون الحلاقة وهو يلطخها به..
“وأنا أعيش لأمتعك حبيبي"
كم تمتعه تلك الكلمة.. تمنحه روح افتقدها، قوة على مواجهة أي شيء وكل شيء "وهل أمنحك أنا متعة"
كانت عيونها تمنحه نظرات صادقة، نظرات لا تحمل سوى الحب والحنان، براءة حقيقية أدمنها "أنا لم أعرف معنى المتعة إلا معك صفوان، منذ تزوجنا والسعادة هي كل ما عرفته"
وضع قبلة رقيقة على شفتيها ثم اعتدل على ظهره وجذبها لترتاح على صدره "رغم أني لا أمضي معك وقت كاف؟ هارون وليال.. "
قاطعته، أوقفت شكوكه، وأرادت محو ذكرياته السيئة "أنا لي الليل حبيبي، كما وأني أمضي وقت كبير مع أحمد وليال ولم أنسى أن الامتحانات على الأبواب"
سقطت نظراته على شعرها المتناثر مخفيا وجهها عنه ولم يعترض بل أحب أن تكون مجنونة بكل شيء "امتحانات؟!"
رفعت وجهها له "نعم صفوان، هل نسيت؟"
نعم نسي أنها تدرس، نسي أن لا شهادة له وهي لم تسأل عن ماضيه
"ماذا بك؟"
ظلت نظراته ثابتة على شمسها الساكنة بعينيها حتى منحها الصراحة "تعرفين أني لم أنل شهادة جامعية أليس كذلك؟"
نعم تعلم ولم تهتم، هي نفسها تكره أن تنهي الجامعة لولا ليال "لم أهتم لأعرف صفوان، الشهادة لن تبدل شيء بيننا"
أبعدها ونهض جاذبا بنطلونه وتحرك للحمام، تابعته بعيونها، تلك منطقة لم تحاول اختراقها من قبل، تركته ليخبرها وحده أو لا يفعل
لم تهتم..
المياه الباردة ليست هواية لكنها تعيد له الوعي، تذكره بهويته و..
المياه تحولت فجأة للسخن فتراجع وهي تضحك فهتف "هل جننت جميلة؟ كدت أحترق منها"
لم تهتم لغضبه بل قفزت بجواره والمياه تعتدل حرارتها وهي تقبض على يده لتجذبه لها "لنحترق معا أيها العملاق"
لكنه لم يكن بحالة للمزاح، نفض يدها وصوته خرج قويا، مخيفا رغما عن طبيعته الهادئة "جميلة كفى، أنا لا أمزح، ألا تعرفين شيء عن الجدية؟"
وجذب يده من يدها وتجمدت هي بمكانها، لا تعرف ماذا تقول أو تفعل
أنهي حمامه بلا نظر لها، كل ما كان يراه هو ماضيه المخجل..
قاتل..
انتهى من ملابس الخروج وهي تخرج بروب الحمام ولم تنتظر وهي تهرع له وتقف أمامه وتصد جسده بيداها الصغيرة على صدره العريض "أنت لن تذهب لأي مكان"
الغضب اعتصر الخضراء بعينيه، محا الطيب داخله أو كان يصارعه وهو يقبض على يداها بقوة "ولن أبقى الآن"
منعته من تركها أو دفعها بعيدا وجسدها ثبت أمامه وعيونها تحمل الرجاء "بل ستبقى هنا، معي، اغضب مني، اصرخ بوجهي، افعل ما تشاء لكن وأنت معي، كلانا يتحمل الآخر بكل حالاته، لم نتزوج لنكون معا فقط بالسرور صفوان"
كلماتها موزونة، جادة بعيدة كل البعد عن الجنون أو المزاح..
وهو جمد، تجهم وجهه بلا غضب، أسما لم تكن توقفه، كانت تثير غضبه وتسكب البنزين على النار بلا اهتمام بالنتائج "أنا آسفة إن أغضبتك، أعدك ألا أفعل مرة أخرى فقط لا تذهب"
لانت ملامحه لنظراتها الحزينة والخائفة، دموعها راقدة بعيدا لكنها تترقب اللحظة المناسبة للهجوم..
"لا تأسفي على شيء جميلة، هو أنا من لا يجب عليه البقاء وأنا.. "
ضغطت على صدره بيداها، تقطع كلماته "أنا امرأتك صفوان كما تخبرني ومن واجبي أن أكون معك بكل الأوقات فقط أخبرني أين الخطأ ولن أكرره"
غضب من نفسه، هي تلوم نفسها على لا شيء، هو الغاضب من نفسه، من ماضيه، هو أقل منها بكثير
ترك يداها، رفع يداه لوجهها وأحنى رأسه ليقترب منها وتبدلت نبرته "الخطأ عندي جميلة، أنا.. قاتل.. هارون أنقذني من حكم الإعدام وأنت.. "
قاطعته، منحته الصدمة التي نالتها قبله وحملتها داخل صدرها وها هو الوقت المناسب لإخراجها "وأنا ابنة مجرم"
انحبست أنفاسه، ثبتت نظراته على وجهها وانتصرت دموعها، سقطت لكنها لا تمحو الألم، ربما تقلل من حدته لكنها لا توقفه
"عمي مروان كان نقطة البداية لأبحث وأعرف ما أخفته ماما عن حقيقة بابا، مجرم، يداه ملطخة بكل ما هو حرام"
راحته تلقت دموعها وارتبكت مشاعره ولم يعرف ماذا يفعل وهي لم تنتظر منه شيء فقط نبرتها كانت ضعيفة، متألمة لذكر ما فرت منه
"كلكم كنتم تعرفون الحقيقة ولم تخبروني بها، أنت تزوجتني وقبلت بي رغم حقيقة أهلي، والدتي.. "
تحركت أنامله على شفاهها توقفها عن أن تكمل وصوته عاد للحنان "أنا تزوجتك أنتِ وليس أهلك جميلة، أنتِ من رغبت بها"
بكت دون قدرة على التوقف "وأنا أحببتك أنت صفوان ولم أهتم بماضيك فهو لا يعنيني، أنا يعنيني أنت وقلبك، أنا أردت قلبك صفوان"
ابتسم، رحل الغضب والمجنونة كانت أعقل منه، هزمت شيطان غضبه، أسقطت ماضيه بحفرة الزمن وردمت عليها "وهل لديك شك أنه لكِ؟"
اتسعت عيونها الباكية وعادت المجنونة، المدللة "أنا، قلبك لي أنا صفوان؟ أنت لا تمزح أليس كذلك؟ هيا صفوان أخبرني الحقيقة"
كعادته عندما لا يرغب بأي كلمات، جذب وجهها وأوقف كل شيء على أعتاب شفتيها، اخترق بقبلته جدران الأسرار التي كانت بينهما ولم يعد لها وجود
عندما أوقف قبلته فتحت عيونها له وكم بدت جميلة بعيونه وهو منحها ما تمنت "أحبك"
أغمضت عيونها تستمتع بجمال الكلمة من الرجل الذي سرق قلبها بل روحها وكيانها، أصبحت تعيش له "أحب جنونك وعقلك، أحب حبك لي، وبكل لحظة أندم أني لم أعرفك من سنوات"
فتحت عيونها ودموعها كانت مختلفة، دموع سعادة "لو مت الآن فلن أهتم فقد نلت ما حلمت وتمنيت"
جذبها لأحضانه بقوة، لفها بذراعيه رافضا أن تتركه لحظة واحدة "لا جميلة، ما زال أمامنا الكثير لنحققه معا قبل أن يأخذ الموت أحدنا"
ذراعيها التفا حول خصره ورأسها استقر على صدره بسعادة وراحة "نعم"
وابتعدت، ترفع وجهها له وهي تهتف "أرغب بعشر أولاد لا يهم نوعهم، نسافر لشرم الشيخ والجونة مع الممثلين والأجانب، أرغب بفوشار وفيلم الانمي الذي لم أشاهده بالفندق صفوان"
للحظة ظل صامتا من التحول الغريب وباللحظة التالية كانت ضحكاتهم تتعالى..
****
الريس لم يكن على طبيعته والفانيليا تدرك نظراته، ارتدت ما يحبه وخرجت من غرفة الملابس وما زال واقفا أمام النافذة كما اعتادت منه
عطرها المميز رحل له فتنفس وهي تتحرك لتقف أمامه، ترفع له وجهها الصغير، تطالب باهتمامه "أين هارون؟"
ضاقت نظراته عليها بلا فهم "ليال!؟"
لم تتبدل نبرتها الجادة "من المفترض أن يرحل الريس بمجرد غلق هذا الباب"
أحنى رأسه ليصل لوجهها ونبرته الهادئة تجيبها "أنا هنا ليال، الريس ليس موجوداً"
التفت مبتعداً يجلب عصيرًا، ثم عاد فوجدها خلفه، توقف بلا حركة، لم يفتح العصير ونظراتها تخبره أنها لا تصدقه
"ما الذي أغضبك بالحفل؟"
صمته أكد شكها. قتامة عينيه عنت تفكيرًا عميقًا؛ هل يخبرها؟ الأمور معقدة، لكنها شريكته.
فتح العصير وتناول منه قبل أن يمنحها كلماته "منذ متى علي زيتون يعرف خديجة؟"
ضاقت عيناها هذه المرة، لم تلاحظ أي شيء بينهما "علي زيتون!؟ هل يعرفان بعضهما؟"
ابتعد من أمامها وهو يرى الصدق في عينيها، هي لا تعرف، هو من يلتقط كل صغيرة وكبيرة حوله فمتى فرّ منه أمر؟
ثباتها مكانها كان شرودًا، تحاول استدعاء أي ذكرى ونست المشفى
التفتت له، وهو يعود للنافذة "ما الذي جعلك تظن ذلك؟"
ملامحه جامدة، عيناه تحمل توعدًا صامتًا، لا أحد يجرؤ على الوقوف بطريق خديجة حتى لو كان يرفضها "وقف معها، تحدث إليها. لم يكن عابرًا"
ساد الصمت. ليال تستوعب دون أن تجادله. بالطبع هارون لن يقبل، رفضه لها أعمق من مجرد انزعاج
صوتها خرج خافتا "ربما مجرد محاولة تعارف و.."
التفت لها والسخرية الخفيفة تسللت لنبرته "تعارف؟ بعمرها؟ دون أن يسأل عن ماضيها؟"
تلونت عيونها بأسئلة لا تفهمها وهو لا يمنحها أي شيء، اقتربت منه خطوة، صوتها ثابت "لو أراد أن يعرف سيفعل"
هي على حق، نظراته سقطت عليها، الصمت ما أجابها وأفكاره تحترق داخل نيران حنقه ورفضه لما كان "ليفعل، لكن دون أن يقترب منها، لن يلقى أي ترحاب مني"
مال رأسها بلا فهم "لا أفهمك! أنت ترفضها، لا تتقبل حتى وجودها أمامك.. والآن؟"
ولم تكمل وسؤالها مفهوم ولديه الرد، تحرك من أمامها بلا هدى وصوته خرج قاسيا "لكنها ببيتي ليال، امرأة بعمرها وماضيها، وابنتها التي تجاوزت العشرين عليها أن تقنع بما نالت لا أن تبدأ من جديد"
وقفت ليال عند كلماته، اعتراضه واضح وبأنانية الابن الرافض لحرية أمه بلا اعتراف ظاهري "وتموت وحدها؟ سجينة جدران الماضي والألم والحزن؟"
لف وجهه لها بعينين مظلمتين، هل تهاجمه حقا؟
هو لا يفهمها..
"وهل كل أرملة عاشت وحيدة تموت؟"
اقتربت منه، عالقة بعيونه المظلمة، لمست ذراعه برفق مما أوقفه "هي ليست كأي أرملة هارون، ألمها وحزنها ليس على زوجها بل.. "
تجمد جسده، فهم دون أن تكمل، حاول الابتعاد لكنها أكملت بهدوء موجع "أنا لا أرغب بأن تحمل ذنبها بأي يوم"
لف وجهه لها، واختفى الريس تماما، نبض الشيطان ولون وجه الريس بألوانه المخيفة "أنا بالفعل أحمل ذنب ليس ذنبي، ذنب هي من صنعته وعليها تحمل نتائجه لا أن تزيد من أخطاءها"
ونفض يدها مبتعدا وهي تدرك النار التي اشتعلت داخله من كلماتها، نزع جاكته وألقاه جانبا وغضبه لا يهزمه لكن لا يتركه
قالت بنبرة ثابتة رغم ارتجافها "إذن أنت لا تغضب لأنها أرملة وعليها أن تترهبن"
التفت لها بعنف، المواجهة تشتد والزرقاء تلونت بالأحمر ولكنها سبقت تحذيره وهي تكمل "أنت تغضب لأنها أمك"
أصابته الكلمة في الصميم..
الصغيرة عرفت كيف توجه الكرة واخترقت الشباك وسددت الهدف
رفع يده، صوته حاد، مخيف "إلى هنا.. وكفى ليال"
وتحرك للحمام صافعا الباب خلفه مانعا أي محاولات منها لأي شيء.
تراجعت خطوة، تدرك أن المنطقة التي لمستها ملغومة، وأن ما انفجر الآن لن يهدأ بسهولة
أغلق باب الحمام خلف، ولم يتحرك
وقف لحظة، كفه ما زالت على المقبض، أنفاسه ثابتة بعكس النيران التي تشتعل في صدره.
فتح الماء، لم ينظر للمرآة، لا يحتاج أن يرى ملامحه ليعرفها.
خلع ساعته ووضعها على الرخام، صوت ارتطامها بدا أعلى من اللازم.
فك أزرار قميصه ببطء، كأنه ينزع جلدًا ضاق عليه فجأة.
أسند كفيه على الحوض، انحنى قليلا، والماء ينساب بلا اكتراث.
لم ترتعش يداه. لم يخنه الجسد
"أمك"
الكلمة كانت صريحة، سقطت داخله كرصاصة. لم يكن يرفضها لأنها امرأة، ولا لأنها أرملة. كان يرفضها لأنها قادرة على كسره.. مرة أخرى
رفع رأسه أخيرًا، نظر لصورته في المرآة. عيناه قاسيتان، ثابتتان، تخفيان أكثر مما تظهران.
الرجل الذي أمامه هو ذاته الطفل الذي تعلم مبكرًا ألا يطلب، ألا ينتظر، وألا يسامح
ذكرى بعيدة عبرت خاطره دون إذن: باب مغلق.. صمت طويل.. شبح امرأة لم يراها اختارت النجاة بنفسها وتركته خلفها
قبض على حافة الحوض حتى ابيضت مفاصله.. هو لم يطردها. هو فقط لم يسمح لها بالعودة
العودة تعني سؤالا لا يريد سماعه. تعني اعترافًا لا ينوي منحه. وتعني أن الماضي لم يمت كما أقنع نفسه.
تنفس بعمق، أغلق الماء، ومسح وجهه ببطء.
عاد الريس.
ذلك الذي لا يتراجع، لا يبرر، ولا يسمح لأحد أن يضعف قبضته
فتح باب الحمام وخرج.. الغرفة هادئة، ليال تجلس على طرف الفراش، لم ترفع رأسها
لم يتحدث.. لم يعتذر.. لم يشرح
استلقى على جانبه الآخر من الفراش، ظهره لها لأول مرة، عينيه مفتوحتان في العتمة.
لن يمنع خديجة من العيش، لكنه لن يسمح لأحد أن يمنحها ما لم تستحقه من وجهة نظره.
وبين القرارين..
كان يقف وحده، كما اعتاد دائما
****
رسالة على هاتف خديجة جعلتها تعتدل بالفراش وتلتقط هاتفها، هل جميلة بخير؟
لكن..
رقم غريب بلا اسم "صباح الخير.. ما زلت عند طلبي مدام خديجة، غداء بالثالثة بمطعم.. ربما يمنحنا تعارف بسيط"
ارتجفت يدها الممسكة بالهاتف.. لم تسأل من أين نال رقمها.. فقط لماذا يتمسك بها؟ وبسرعة ترحل لهارون..
ما الرابط بينهما؟
الحيرة تملكتها اليوم كله.. رحل ابنها بسيارته وخلفه رجاله وترددت بأن ترحل لليال وتخبرها ولكنها تراجعت
ليال زوجته..
جميلة، نعم لم لا هي ابنتها و..
زوجة ذراعه الأيمن..
القفص يخنقها، أرادت التحرر من السجن الذي فرضه الماضي عليها، سجينة أخطاءها، سوء تصرفاتها والآن لا ترغب بأن تخطأ خطأ جديد
لفت حول نفسها وحيرتها ارتفعت لعنان السماء بلا نقطة وصول
بالثالثة كانت تدخل المطعم، لم تعرفه من قبل لكن سائق الأجرة عرفه
علي كان يجلس على مائدة متطرفة، لا زحام من حوله..
ارتجفت للحظة وأرادت أن تلتفت وتخرج لكنه لاحظها، نهض واقفا مما جعلها تتورد رغما عن عمرها الكبير
اتخذت قرارها عندما رأت نظرة الرجاء بعينيه وتحركت تجاهه
لم يمد أي منهما يده للآخر، ارتباكها كان واضحا وهو لم يمنحها سوى ملامح هادئة تناسب توترها الواضح
أومأ برأسه كما فعلت هي وصوتها خرج مخنوقا "مساء الخير"
جلست وهو انتظر حتى جلست "مساء النور"
جلس قبالتها، ترك مسافة كافية بين الكرسي والطاولة، كأنه يتعمد ألا يقترب أكثر مما ينبغي
طلب لها عصير وقهوته أمامه وهي لا تمنحه نظراتها "كنتِ مترددة وظننت أنكِ لن تأتي"
أخيرا رفعت عينيها إليه، ثم أعادتهما للأمام "أنا لا أخرج كثيرا"
هي لا تخرج من الأساس، حكمت على نفسها ونفذت الحكم
هز رأسه، لا اعتراض ولا فضول "وأنا لا أطلب من أحد ما لا يريحه"
سكتت.
وامتد الصمت بينهما، لكنه لم يكن ثقيلا كما توقعت، لم تشعر بالحاجة إلى ملئه، ولا هو حاول كسره
حتى وصل الطعام، تناولت لقمة صغيرة، توقفت قبل أن تبتلعها، كأن شيء يعترض طريق أنفاسها.
لاحظ ذلك، فقال بنبرة هادئة "لو أردتِ الرحيل الآن.. لا مشكلة"
رفعت رأسها فجأة وبلا تفكير ردت "لا"
ثم تراجعت نبرتها وأضافت بعد لحظة "أنا فقط.. لم أعتد الجلوس أمام أحد لا يسأل"
كنت دائما متهمة أمام محقق حتى ولو لم يملك حق الاستجواب
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، كأنه اخترق دواخلها وقرأ تاريخها المسطر "الأسئلة ليست دليل اهتمام دائما، ولا اتهام"
ورفع عيونه لها، واجه نظراتها التائهة، طالت نظرتها له ولكنها..
لم تجد فضولا، ولا شفقة، ولا محاولة اقتحام. شيء أقرب إلى احترام حذر
“لماذا دعوتني؟"
سؤال خرج منها بلا ترتيب لكنها ترغب بإجابته وهو فكر جيدا قبل أن يجيب "لأنكِ بدوتِ وحيدة.. ولأن الوحدة تحتاج مبررًا"
ارتجفت أصابعها فوضعت الكوب سريعا على الطاولة. شعرت بثقل في صدرها، ليس خوفا.. بل إحساسًا غريبًا بأنها مرئية دون أن تُعرّى
أنهيا الغداء دون تفاصيل. نهضت أولا "شكراً"
قالتها وهي تجذب حقيبتها، كأنها تستعد للهروب "على الرحب" ثم أضاف بهدوء "لو لم يضايقك ربما نلتقي مرة أخرى"
لم تمنحه أي رد. مضت
خارج المطعم، وقفت لحظة تتنفس بعمق. لم تشعر بالسعادة.. ولا بالذنب فورًا.
شعرت فقط بأنها لم تختفِ. وكان ذلك كافيا ليخيفها
ارتفع رأسها عندما رأته..
بالسيارة يجلس، الزرقاء منحتها نظرة شيطانية مخيفة ثم ارتفعت نظارته الشمسية تخفي نظراته وانفجر قلبها بنبضات مخيفة وانفجرت معها دموعها والسيارة تبتعد وهو يبعد وجهه للأمام والزجاج يغلق
ولكنه ترك لها إقرارًا..
أنتِ لستِ بعيدا عن عيوني..