رواية هاربة ام خائنة الفصل الرابع4بقلم داليا السيد


رواية هاربة ام خائنة الفصل الرابع4بقلم داليا السيد

 
العزبة.. قُبلة
نامت نوم متقطع من تنازع الأفكار برأسها حتى أظلمت الدنيا حولها، فنهضت وأخذت حمام دافئ وارتدت ملابس أفضل بكثير
عدلت من شعرها بشكل أفضل مما كان ولكن لم يذهب الإجهاد من على وجهها وما أن نزلت حتى رأته يدخل وقد بدا الإجهاد عليه هو الآخر..
تبادلا النظرات وهو يتحرك للبهو الصغير وتبعته هي الأخرى وألقى نفسه على أقرب مقعد فقالت "تبدو متعب"
جلست أمامه وقد أرجع رأسه للخلف وأغلق عيونه وقال "ومع ذلك لم أنتهي من كل شيء، سيكون علينا البقاء للغد أيضا" 
صمتت ففتح عيونه ونظر إليها باستفهام وقال "ألا يضايقك البقاء هنا؟" 
هزت رأسها بالنفي وقالت "وما الفارق؟ بأي مكان الأمر واحد" 
ظل يواجه عيونها إلى أن قال "ألم يذكرك البيت بأي شيء؟" 
أخفضت عيونها وقالت "لا" 
رفعت عيونها إليه وقالت "لا يمكن أن أكون خائنة، صور زفافنا تعني الكثير، ياسين من فضلك أنا لا أريد أن أظل بذلك الوضع، لابد أن أعرف ماذا حدث ولماذا رحلت؟" 
نهض وقد أثارته الذكريات وقال "ليت الأمر بيدي، هل تظنين أني سعيد بما وصلنا إليه؟ أن أجد نفسي زوج مخدوع بالمرأة التي أصبحت زوجتي؟ أو منسي من حياتها؟ أمران كلاهما مر فكفى يسر ولا داعي لإثارة ما لا أريد ذكره فهو يثير جنوني" 
نهضت واتجهت إليه حتى وقفت خلفه وهي تدرك كم هو ضخم بالنسبة لها وقالت "أخبرتني أنك تبحث عن ذلك الرجل، ربما هو يخبرنا الحقيقة" 
التفت إليها وقد شاع عطرها حولها والتقى ببريق عيونها الأزرق والذي سحره من أول نظرة مما جعله يسقط بهوى صاحبتها ويستسلم للزواج والذي لم يفكر به بأي يوم قبل لقائها.. 
"هل تظنين أنه سيعترف على نفسه؟ هو يعلم أني لو أمسكته سأنتزع روحه منه دون أن يطرف لي رمش"
دمعت عيونها وقالت "ليس لدي أمل سواه، تلك الحياة صعبة ومؤلمة، أنا أشعر بالغربة والوحدة وخوف لا حدود له، استيقظت بيوم لا أعرف من أنا ولا كيف عشت ولا أذكر أحد ممن حولي، حتى الرجل الذي أحببته لا أذكره و" 
ابتعد من أمامها بغضب وقال "أي رجل من الاثنين بالضبط فلا أظن أنك تدركين أيهم أحببت بصدق؟" 
تعصبت من بين الدموع وقالت "أنت تعلم ماذا أقصد، الصور تقول.."
التفت لها وقاطعها بغضب "الصور؟ تلك الأشياء التي لا معنى لها؟ هل تظنين أن من السهل تصديق ذلك الآن؟ كفى يسر ولا داعي لأي كلمات لن ترمم ما انهار" 
انسابت الدموع ولكنها مسحتها وقالت "إذن لا داعي لكل ما تريدنا أن نفعله، تلك التمثيلية لا معنى لها، لن أقوى على التمثيل، لن أحيا تلك الحياة وأنا أرى بعيونك اتهامات لا أعرف مدى صحتها" 
جذبها من ذراعها بقوة إليه وقد رأت نيرانه تلتهب بعيونه وهو يقول "أنا لا أكذب يسر وأخبرتك أنكِ لن تبرحي جواري إلا بعد أن أعرف ما حدث وأتأكد من خيانتك" 
حاولت تخليص ذراعها وهي تقول "أو براءتي، أخبرتني أن ذلك الرجل لن يصدقك لو أمسكته فكيف ستعرف الحقيقة؟ وماذا ستنال من وجودنا سويا سوى العذاب؟ دعني ياسين، رحيلي به الراحة لكلانا لن يمكن الاستمرار بتلك الحالة" 
ضغط بقوة على ذراعها وهو يقول بنفس الغضب "حتى أخسر سمعتي أمام الجميع، الزوج الذي تخلى عن زوجته بعد الحادث؟ أم تريدين التشهير بي أمام الجميع؟ أو ربما تهربين مرة أخرى لتلحقي بعشيقك؟ وبالنهاية تدميرين سمعتي وحياتي، هل هذا ما تريديه؟" 
تألمت بشدة من ذراعه وهتفت "أنت مجنون، لو أردت الرحيل لرحلت وأنا بسيناء وليس هنا، ولن أفكر يوما بالتشهير بك ولا أعرف شيء عن ذلك الرجل الذي تتحدث عنه، أنا لا أعرف شيء عن أي شيء، لكن تلك الحياة ستدمرنا نحن الاثنان، لن نقوى على مواجهتها" 
لم يتركها وهو يقول بقوة غضبه "ستكملين لأنك تعلمين ما يمكنني فعله لو تخاذلت، لم أكن بيوم شيطان مع الملائكة ولكن يوم تتحول الملائكة لشياطين فسأكون ابليس" 
ثم دفعها بقوة فتراجعت، وهو يتحرك إلى الأعلى دون أن ينظر خلفه وقد جن جنونه من فكرة تركها ترحل، فلن تفعل لأنه لن يرحمها لو تأكد من خيانتها وإلى ذلك الوقت لن ترحل وستظل معه.. 
سقطت على أقرب مقعد وهي تغلق عيونها وتمسك ذراعها المتألمة من قبضته لكن ألم قلبها كان أقوى بكثير والحيرة التي تضرب عقلها تثملها فلا تشعرها إلا بمتاهة كبيرة لا أول لها ولا آخر.. 
خرجت إلى الحديقة وظلت بها كثيرا رغم انتصاف الليل ورفضت أي طعام فقط كوب من الحليب منحته لها سعدية وأخبرتها أنه طلب العشاء بغرفته فلم تعلق ولم تحاول المرأة أن تتحدث معها وإن بدا أنها تعرف بالحادث وفقدان الذاكرة
عندما عادت غرفتهم لم تجده ومن الصوت الذي سمعته خلال الجدران أدركت أنه احتل الغرفة المجاورة وسرعان ما صمتت الأجواء فتناولت حبوبها ونامت
لم تراه طوال اليوم التالي حتى هبط الظلام فرأت سيارته تدخل وهي تجلس بالحديقة تتناول الشاي
تقدم تجاهها تحت ما تبقى من نور النهار الضعيف بملابسه الأنيقة وقد فتح قميصه الكحلي على بنطلون أسود وشعره المصفف يلمع مع الضوء الخافت، وعيونه ترمقها بنظرات جامدة كملامحه.. 
جلس أمامها وقال "جاهزة للذهاب؟" 
رغم الارهاق الواضح على ملامحه إلا أنه لم يهتم وتغاضى كلاهم عن معركة الأمس وكأنها لم تكن وإن حفرت أحداثها بذاكرة كلا منهم 
قالت "نعم، هل تفضل بعض الشاي" 
نفى برأسه وقال "لا، لابد أن نذهب قبل أن يتأخر الوقت أكثر" 
قالت "يمكننا الذهاب غدا بالصباح، تبدو مرهقا" 
رن هاتفه فأجاب وقد كان ظافر فقال "أهلا ظافر" 
نهض مبتعدا وتابعته بقوامه الرشيق وجسده الذي ليس به خطأ واحد حتى عاد إليها وقال "هل أنتظرك بالسيارة أم نذهب؟" 
تأملت عيونه وقالت "سأحضر حقيبة يدي" 
لم يمنحها الظلام أي ملامح للطريق الذي تحرك به ولكنه بدا صامت جدا حتى قالت "لماذا تفضل العزبة؟" 
لم يحول نظره عن الطريق وقال "لدي أعمال هناك أيضا، منذ فترة شاركت في مشروع صغير، مصنع لتعبئة المواد الغذائية التي تنتجها أرضنا ومنه للخارج، وقد نجح الأمر ببدايته فلم أتابعه ولكن مؤخرا يخبرني ظافر بنتائج غريبة جعلتني أهتم" 
قالت "تشك بشريكك؟" 
نظر لها وقال "الحاج حلمي كان صديق والدي فلم أتابع مصدر المشاكل بعد، لكن.." 
صمت وهو يعود للطريق فقالت "لكن ماذا؟ هل هناك أحد آخر يقوم على الأمر؟ قد يكون هو من يتلاعب من وراءك كمسؤول هناك" 
التفت إليها فاندهشت من نظرته فقال "كان نفس رأيك أول مرة رأيتِ بها أحدهم بالعزبة، أخبرتني وقتها أنك لا تشعرين بالراحة تجاهه وقد أعجبني نفاذ بصيرتك لأن الرجل بالفعل ليس بالشخص السهل" 
احمر وجهها وهي ترقب نظراته وقالت بحيرة "وماذا يعني ذلك؟" 
كان يقطع الطريق السريع إلى طريق جانبي قبل أن يعود إليها وقال "لا شيء فقط أندهش لتوافق رأيك" 
قالت تدافع عن نفسها "لم أفعل، أنا كنت أتناقش معك،  مجرد فكرة عبرت عنها بالكلمات فأنا لا أعرف عمن تتحدث" 
هز رأسه وقال "احتمالات صدقك تساوي احتمالات الكذب لذا توقعي مني كل شيء ولي حججي" 
غضبت وقالت "وماذا يعني ذلك؟" 
لم ينظر لها وقال "كما سمعتِ، كل تصرفاتك محل شك قبل الثقة فلم يعد لكِ عندي أي مجال للثقة" 
قالت بحزم دون ضعف "هل تظن أن هذا الأمر يمكن أن يخيفني؟" 
رمقها بنظرة جانبية وقال بنبرة حادة "يفضل أن تفعلي" 
قالت برفض تام لذلك "لا ياسين، لا أحد يقبل أن يعيش بالخوف وأنا لن أفعل، لن يكون هناك أسوأ مما أعيش به الآن فلن تجدني تلك الهرة الفزعة من نظراتك، لن أكون" 
انزوت شفتيه عن ابتسامة ساخرة وقد تذكر عنادها السابق، هي نفس المرأة التي عرفها وجذبته قوتها وعنادها وها هي تستعيد قوتها ولن يثنيها ما تعانيه عنها
قال "استعدت نفسك بسرعة يسر، لطالما تدهشني أفعالك" 
لم تفهم وقد ضاقت عيونها وهي تسأله "استعدت نفسي!؟ أي نفس التي استعدتها وأنا أجلس بجوارك أتلقى تهديدات وكأني مقبلة على سجن مؤبد" 
أبعد وجهه والطريق زاد ظلام ولكنه كان يحفظ كل إنش به فقال "نفسك التي عرفتها، العناد والجدال والاستقلال، هم من أهم صفاتك يسر وأيضا من أهم ما كان يسبب مشاكلنا" 
لاحت الأراضي الزراعية على جانبيهم، ولكنها لم ترى شيء وهي تركز بحديثهم والغضب يأخذها والتفكير يثير الصداع برأسها وهي تختار إجابتها 
"مشاكلنا؟ هذا يعني أن خلافتنا كانت كثيرة؟" 
لاح ضوء البيت الكبير أمامهم من دورين ومحاط بسور عالي لم تعرف حدوده، فُتحت البوابة ودخل وهو يقول "لم تفضلي الاستسلام برضائك" 
أوقف السيارة ولكنها قالت بنفس الغضب "هذا معناه أن هناك طرق أخرى للاستسلام؟" 
نظر لها وقال "لم أكن أضربك يسر فقد كنا نحيا بحب لا بشريعة الغاب" 
ثم نزل وتركها بحيرة وبكل مرة ينهي الحوار لصالحه ولم تفز مرة واحدة، خاصة عندما كانت تستسلم إلى أنها مذنبة
أخرجها صوت نسائي ينادي باسمها فالتفتت لباب الفيلا لترى امرأة جميلة القوام بشعر أسود مربوط كذيل حصان، ترتدي بنطلون أسود وبلوزة حمراء ضيقة وقصيرة، جاكيت أسود صوفي رائع..
أسرعت المرأة إليها بابتسامة تكشف عن أسنان بيضاء بوجه أبيض صغير لا يزيد عمر صاحبته عن أواخر الثلاثينات، نزلت فأحاطتها المرأة بذراعيها وهي تقول "عزيزتي يُسر، كم افتقدتك وكنت فزعة عندما عرفت بالحادث، كيف حالك الآن؟"
سمعته يقول وهو يحمل الحقائب خارج حقيبة السيارة ليتلقاها رجل بجلباب طويل "إنها جينا أختي، جينا يُسر ما زالت لا تذكر شيء" 
بدا الأسى على ملامح جينا الجميلة والتي كانت جذابة كأخيها بنفس عيونه الواسعة وقالت "لا، إنه لأمر صعب حقا" 
شعرت بالود تجاه المرأة فابتسمت بصدق وراحة وقالت "لن يمكنني وصفه" 
تحرك الثلاثة للداخل حيث كان المكان أكثر من رائع، ومصمم بجودة عالية والأثاث جديد وثمين 
لاحظت جينا نظراتها فقالت "إنها أصابعك حبيبتي فمذ وطئت قدمك هنا، حتى تحول المكان كما تريه الآن" 
قالت بدهشة "عرفت من ياسين أني كنت مصممة ديكور" 
تحركت بها وهي تجذبها برفق من ذراعها إلى مكان واسع ومريح بكل ما به، جلس ثلاثتهم عندما قالت جينا "وما زلتِ عزيزتي بالتأكيد، هي فترة وستمر وستعودين أفضل، أنتِ موهوبة يُسر، لديكِ أفكار رائعة والجميع يشهد بذلك" 
قالت بدهشة "الجميع؟ أي جميع؟" 
نهض وقال "ليس الآن حبيبتي دعينا نصعد لنرتاح أنتِ تحتاجين للراحة" 
حدقت به عندما قال حبيبتي! وللحظة تحول قلبها للحياة ودبت به الدقات سريعة لكن سرعان ما استوعبت نظراته التي تخبرها بأن عليها أن تجيد دورها فهدأت 
بينما قالت جينا "نعم معك حق ياسين، هيا يسر غرفتكم جاهزة وبالصباح لن أتركك"
ابتسمت لها ونهضت وتحركت تجاهه عندما قالت جينا "سأرسل لكما العشاء" 
هز هو رأسه وشعرت بيده على ظهرها فاقشعر جسدها وسرى تيار كهربي بعمودها الفقري وكأنما لمست سلك كهربائي 
كانت الغرفة على غرار الأخرى بالقاهرة بمساحتها وإن بدت أجمل بكثير، وربما خمنت السبب بأنها تحب هنا أكثر، فكل مكان هنا يسري به دفء وهدوء وسكينة..
عندما سمعت صوت الباب التفتت لتراه يدخل وينظر لها ويقول "هنا لا مجال لانفصال الغرف، تعلمين الأرياف وكثرة الشائعات والبيت به العديد من الخدم"
لم تكن بحاجة لأن يُسمعها أي حجج، فهي لم تعترض على أنها زوجته أو تفكر برفض وجوده معها ولكن المشكلة به هو.. 
خلع قميصه فعاد صدره لها كما رأته بتلك الليلة وقد كانت على حق فهو رجل رياضي حقا، لم يهتم لوجودها وهو يتناول ملابس من الدولاب ويتجه لباب جانبي ويغلقه بهدوء 
تحركت للفراش وسقطت عليه وهي تحاول أن تنظم أنفاسها التي راحت من وجودها معه بنفس الغرفة وماذا؟ 
عندما خرج كان قد أخذ حمام وارتدى ملابس النوم وهو يتحرك للدولاب ويخرج غطاء ووسادة زائدة واتجه للأريكة وهي تتابعه دون أي كلمات 
أخذت حمام هي الأخرى وارتدت ملابس نوم مغلقة، لن تمنحه مجال لأن يظن بها الظنون وخرجت لتجده يقف أمام النافذة ويتحدث بالهاتف 
وقفت أمام المرآة وسرحت شعرها الطويل وتركته ليجف ثم تحركت للفراش، عندما انتهى وتحرك للأريكة قالت "أخبرتني أن لي هاتف"
لم ينظر لها وهو يتمدد بالأريكة وقال "نعم، بجوار فراشك" 
ودفع الغطاء على جسده ولحظات وكانت تسمع لأنفاسه المنتظمة، عندما شعرت بأحاسيس لا تفهمها.. 
هل هي راضية لأنه يفعل معها ذلك أم؟ أم ماذا؟ 
كيف لرجل أن يعود لامرأة هو يعلم أنها كانت تخونه مع رجل آخر؟ 
اتجهت للفراش وأخذت الهاتف وجلست تعبث به وهي ترى صورها مع والديها وكم كانت سعيدة معهم وصور المطعم ثم صورها معه..
زوجها..
كم كانت السعادة تنطق من عيونهما، وكم كانت الصور تحكي الكثير والكثير عن علاقتهم، ولكن ككل ما حولها لم يشعرها بأي جديد ولم تتذكر أي شيء، فقط اسم زوجها يتربع على قائمة الاتصالات 
لم تنم جيدا، ربما لأنها تستسلم للأفكار أو ربما لأنها لم تستقر بمكان لتعتاد النوم به أو بالأحرى لأن ذلك الرجل وجوده بالغرفة جعلها تفقد أي رغبة بأي شيء.. 
نهضت بمجرد أن أعلنت الطيور عن وصول النهار بأصواتها الجميلة التي تداعب الهدوء الذي يميز الريف، ربما لهذا أيضا كانت تفضل العزبة كما قال..
أمام النافذة رأت مساحات خضراء لا نهاية لها كلها تكاد تعلن عن اكتمال نضج المحصول ومن بينها لاحظت بعض الأجسام التي بدت صغيرة من بعيد وهم يعملون بجد ومهارة
خارج أسوار الفيلا رجاله التي تحرس المكان، وتذكرت ذلك الرجل الذي كاد يقتلها ولكن سرعان ما نفضته من عقلها فالأجواء الهادئة وموسيقى الصباح الجميلة منحتها راحة كانت بحاجة لها. 
تحركت للحمام بملابسها واغتسلت واستبدلتها وعادت لتراه جالسا على الأريكة وبيده الهاتف فقالت دون أن تنظر لجسده النصف عاري ويبدو أنه اعتاد على ذلك "صباح الخير"
لم ينظر إليها وقال "صباح النور، ربما تفضلين رؤية العزبة" 
نظرت له وقالت بشغف "هل يمكنني ذلك؟" 
رفع عيونه التي بدت خضراء صافية مع ضوء النهار وكم كانت جذابة وجميلة وهو يقول "بالتأكيد، لكن علينا أن نفعل سويا، ما زال الجميع يعلم أننا.." 
ابتعدت وقاطعته "أننا زوجين متحابين، ليس لدي أي مشكلة بذلك وأنا أخبرتك" 
مشطت شعرها وهو يتابعها بصمت حتى نهض وقال "من الجميل أن تدركي التزاماتك كي لا تضطريني لأذكرك بها كل لحظة" 
كاد يتحرك للحمام ولكنها قالت بضيق "تقصد بالتمثيلية" 
توقف لحظة قبل أن يلتفت لها ويقول "لا تهم المصطلحات، المهم سُمعتي" 
وتركها وذهب للحمام وهي تغلي من الغضب فهي لا تريد كل ذلك، بل تتمنى لو تتذكر وتكشف الغطاء عن الحقيقة الخفية التي تقلب حياتها، ولكن ترى هل ستكون الحقيقة بالراحة التي تظنها!؟ 
نزلت دون أن تنتظره ولا تعلم لماذا لم تفعل فهي لا تعرف ماذا تفعل أو إلى أين ستذهب؟ 
لكنها لم تحتار كثيرا وهي ترى جينا تتجه نحو الباب فنادتها "جينا، صباح الخير"
التفتت لها المرأة وما زالت تصر أنها جميلة وابتسمت وهي تقول "صباح النور يسر، استيقظتِ مبكرا كعادتك" 
تحركت معها للخارج وقالت "حقا؟ هل كنت أفعل؟" 
تحركا للحديقة حيث مائدة وكراسي خشبية، جلستا وقالت جينا "نعم، كنتِ تتحدثين عن جمال الصباح هنا وتعشقين الهدوء، كيف حالك اليوم؟ هل الدوار ذهب عنك؟" 
هزت رأسها وقالت "نعم، لم أعد أشعر به كثيرا، جينا أنا أريدك أن تحدثيني عن نفسي وما تعرفيه عني، ستة أشهر معك ليست قليلة بالتأكيد تعرفين عني الكثير" 
لم تذهب ابتسامة جينا وهي تقول "بالتأكيد حبيبتي، ولكن أخبريني أولا كيف هي حياتك مع ياسين؟ أقصد كيف يتقبل الأمر؟" 
تراجعت وللحظة شعرت أنها تعرف شيء ولكن هدوءها لا ينبئ بذلك فظلت لحظة تفكر بإجابة ولكن صوته عفاها من الأمر وهو يقول "صباح الخير أين الإفطار؟"
ابتسمت جينا كعادتها وقالت "صباح الخير، كنا ننتظرك سأطلبه حالا" 
نهضت وتركتهم بنفس الصمت وبدا رائعا بخصلاته المبللة وقميصه الأبيض على الجينز ورائحته تعم المكان، فأجفلت بنظراتها بعيدا فقال 
"جينا لا تعرف شيء عن سبب رحيلك كما أخبرتك" 
هزت رأسها وقالت "للحظة ظننت أنها تعرف فهي تسألني عن حياتي معك" 
التقى بعيونها وقال "نعم، كنا بخلافات كثيرة بالفترة الأخيرة" 
ضاقت عيونها وقالت "أخبرتني أننا كنا نتبادل الحب" 
هز كتفيه وقال "لا علاقة للحب بالخلافات يسر، عنادك كان يحول كل مناقشة لخلاف" 
ازدادت نظراتها قوة وهي تقول "وبالطبع أنت تأبى إلا الانتصار" 
ابتسم بسخرية وقال "على حق صدقيني" 
شعرت بالغيظ من سخريته ونظراته القاتلة ولكن صوت جينا أخذهم للاستجابة لها فنهضوا لغرفة الطعام وكانت جينا رائعة في إضفاء البهجة على المكان واندهشت أن امرأة مثلها يمكن أن يطلقها زوجها أو يخونها.. 
انتهى الإفطار وتركهم هو للمصنع بينما عادت المرأتان للحديقة وقالت جينا "لم تتذكري أي شيء عن سبب رحيلك!؟" 
طافت عيونها بالمكان وقالت "لم أتذكر أي شيء جينا، حدثيني عن علاقتي بياسين وما كان قبل رحيلي" 
حدقت بها جينا قليلا ثم قالت "علاقتك بياسين كانت مثار حديث للجميع، فما أن رحل لسيناء لدراسة مشروعه الجديد حتى تفاجأ الجميع بعودته وأنتِ معه وقد قررتم الزواج، وتم الاعداد للزفاف في أربع وعشرين ساعة"
ضحكت بمودة وهي تكمل "كان تعجلكم للزواج شيء مثير للدهشة ولكن الحب الذي كان بعيونكم جعل الجميع يدرك سبب العجلة، شهر العسل كان بأستراليا، لم تتنازلوا عن يوم واحد منه، وعندما عدتم كانت السعادة تضمكم بشدة واستقر بكِ المقام هنا فقد أحببتِ المكان وتواجدك معي" 
كانت تحاول أن تذكر أي شيء ولكنها لم تنجح وقبل أن تكمل جينا أي شيء سمعت صوت رجولي يقول "عودٌ حميد زوجة أخي" 
التفتت لترى رجلا مختلفا تمام عن جينا وياسين، شعر بني وعيون بنفس اللون، بشرة تلونت من أشعة الشمس، ملابس بسيطة وجسد ليس بطويل ولا قصير متناسق، ابتسمت وقالت "أكيد أنت ظافر؟"
جلس بجوار جينا ونظراته هادئة وابتسامته رقيقة وقال "هو أنا، لا يمكن أن تظلي بالمجهول، هذا كثيرا" 
هزت رأسها وقالت "أتمنى لو أهجره بأسرع ما يمكنني، ولكن ما باليد حيلة" 
أشاح بيده وقال "لا عليكِ، كل شيء يكون بميقات فلا تتعجلي الأمر" 
لم ترد بينما قالت جينا "تأخرت" 
قال "عدت بمجرد أن وصل هو، لا يمكن أن نتواجد بمكان واحد" 
حاولت أن تستنتج معنى كلماته عندما قالت جينا "تعلم أنه يفعل الصواب دائما" 
قال بضيق "وأنا المخطئ جينا؟ ماذا بكِ؟ هل نسيتِ أنني من أفعل كل شيء؟ هو لا يمت للأرض ولا المصنع بأي شيء، أنا أكاد لا أرى شيء سواهم" 
قالت جينا بضيق "لا أقصد التقليل من شأنك ظافر، ولكن لا يمكن التقليل منه هو الآخر، أمور كثيرة لا تتحرك إلا به" 
قال بعصبية "هذا لأنه يحب أن يفرض سيطرته دائما أليس كذلك يُسر؟ ألا يفعل حتى معك؟" 
امتلأت نظراتها بالدهشة والحيرة، وارتبكت جينا وهي تقول "توقف ظافر، يُسر لم تعتاد على التدخل بأمورنا" 
نهض وقال "ولكنها الوحيدة التي كانت توقفه بقوة لم يمتلكها أيا منا جينا، ياسين دائما ما يحب ربط كل الخيوط بيده بما فيها نحن" 
وتحرك مبتعدا للداخل وتجهم وجه جينا وشحب وجه يُسر ولم تفهم شيء، ونهضت جينا وهي تقول "لابد أن أرى بعض الأشياء اسمحي لي" 
رحلت دون أي كلمات تاركة إياها في حيرة لتخرجها أم هنا بفزع وهي تقول "سيدتي هل تختارين الغداء اليوم؟" 
حاولت أن تتدارك ما يدور حولها وفهمت أنها هي من كانت تدير البيت عندما أقامت به، ولا تنكر أنها أحبت ذلك وهي ترى المطبخ الكبير المجهز وعرفت أنها أدخلت عليه الكثير من التعديلات.. 
على العصر كان الجميع يتجمع على مائدة الغداء وبدا الجو متوتر والصمت يلف الجميع حتى قال ياسين "لدينا دعوة للعشاء عند عم حلمي الليلة" 
رفع الجميع وجوههم عن الطعام لترى جينا تقول "الدعوة لمن؟" 
لم ينظر لها وهو يرد "كلنا" 
قال ظافر "هل تعني وجودي؟" 
رفع وجهه له وقال بنظرات هادئة "كلامي واضح ظافر، كلنا تعني كلنا" 
رد ظافر بحنق "وهل عهد ستوافق على لقاء يُسر؟ ألم تفكر جيدا قبل قبول الدعوة؟" 
توقف عن تناول الطعام كما فعلت هي وهي تحدق بوجه ظافر، بينما شحب وجه جينا عندما رد ياسين بصوت حاد "هذا لا يعنيني بشيء ظافر، أنا قبلت دعوة حلمي وليس ابنته وأنت تعلم مكانة الرجل عندنا" 
لكن ظافر لم يقتنع بالرد وهو يقول "كما نعلم مكانتك عند ابنته" 
تراجعت يُسر بمقعدها وهي تلتفت لياسين تنتظر التفسير كما هتفت جينا بغضب "ظافر كيف تجرؤ؟" 
بينما ترك ياسين الطعام وقال بغضب مكتوم "نعلم، ولكن هو أمر يخصها ولا شأن لنا به على الأقل أنا، فأعتقد أني متزوج وأحب زوجتي ولم أسعى يوما لعلاقة معها ظافر، فهل توقف جنونك هذا؟" 
نهض ظافر غاضبا وقال "نعم جنوني، هكذا تظن وترفض الاعتراف بي وبشخصي ونجاحي وترى أني التابع لك ولولا أنت ما كنت أنا" 
نهض ياسين وتحرك تجاه أخيه وناطحه الطول والغضب وهو يقول "ليس صحيح وأنت تعلم ذلك، وإلا لما تركت لك كل شيء هنا" 
قال ظافر بقوة "لا، أنت لم تترك شيء، بل تأتي وتمنح أوامر وتجاب وتُسير كل شيء كما تريد دون اعتبار لم أفعله أنا، أنت تتدخل بكل الأمور وكأنك صاحب كل شيء وتنسى أننا نتساوى بكل ما نملك فأنا لي مثلك بالضبط ولن يمكنك التحكم بشيء أكثر من ذلك" 
ظل ياسين يحدق به لحظة قبل أن يقول بنبرة بدت هادئة "جميل، فلتوقفني إذن لو استطعت" 
وتحرك خارجا من الغرفة والجميع يتابعه في دهشة وقد تركهم جميعا في حالة من الذهول دون أن يفهم أحد معنى كلماته
نهضت هي وتحركت للخارج خلفه، عليها أن تفهم الكثير والكثير، ربما الوقت غير مناسب ولكن عليها أن تفعل..
رأته يتحرك لغرفة جانبية تحركت تجاهها ودقت الباب ودخلت لتراه واقفا أمام مكتب كبير مستندا عليه بذراعيه وظهره لها 
أغلقت الباب فلم يتحرك وهي تقول "ألم تكن قاسي معه؟" 
اعتدل وتحرك للنافذة دون أن ينظر لها وقال بنفس البرود "ربما" 
لم تتحرك وقالت "من هي عهد؟" 
كان يعلم أنها ستسأل فقد تأخر سؤالها..
لم يبعد نظراته عن الخارج وقال "ابنة عم حلمي صديق والدي، نشأنا سويا بنفس المدرسة مع فارق السن طبعا، كانت مقربة لجينا بوقت ما وانفصلا بزواج جينا" 
تحركت حتى وقفت أمامه وقالت "أنت تفهم سؤالي ياسين" 
التفت إليها وواجه نظراتها الغاضبة وقال بحزم "هذا ما أجبته هناك بغرفة الطعام ولن أعيده" 
لم تبعد عيونها عنه وهي تقول "كان بينكم شيء؟" 
انحنى ليقترب من وجهها ولم تتراجع هي وهو يزداد قربا وقال "ولو كان بيننا شيء كيف تزوجتك؟" 
لم تمنحها إجابته شيء فقالت بنفس القوة "لا تتلاعب بالكلمات ياسين، كلمات ظافر تعني الكثير" 
عاد لوضعه مبعدا نظراته عنها وقال "إذن أعيديها على ذهنك كي تفهميها جيدا" 
غضبت وقالت "اللعنة ياسين ألا تجعل أي شيء سهل" 
نظر لها بحدة وقال "وأين السهل بحياتنا يسر؟ حسنا عهد تحبني منذ الصغر ولكن أنا لم أكن لها سوى مشاعر أخ لأخته لكن ظافر هو من يعشقها وللأسف هي لم تراه وهو يظن أني السبب، حتى عندما عدت بكِ وتزوجنا لم يصدق أني لا أريدها لأنها لم تمنحه ما يريد، قلبها" 
ظلت تحدق به ثم ابتعدت وهي تشعر بالغثيان يرتد لها فاستندت للمكتب لحظة وأغمضت عيونها وشعرت بالضياع يعود ليسيطر عليها مرة أخرى ليفقدها قوتها التي كادت تستعيدها 
ومضة مرت بها وهي ترى ملامح لوجه امرأة لم تتضح معالمها، الصداع يهاجمها، ترنحت دون أن تشعر ولكنه كان يتابعها فأسندها بيدين قويتين وأجلسها على كرسي مكتبه وناداها 
"يُسر، يُسر هل تسمعيني؟"
كانت تشعر بتلك العيون تهاجمها، وضحكة امرأة قوية ترن بأذنها وأخيرا قطرات من المياه الباردة على وجهها أعادتها للواقع لتختفي العيون وتذهب الأصوات وترى وجه ياسين يحدق بها وهو يقول بقلق 
"هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟"
أدركت أنها ترتجف والعرق يحتل وجهها فقالت بضعف "رأيت عيون لامرأة وصوت ضحكتها وكأني أعرفها جيدا" 
لانت نبرته بعيدا عن الغضب وقال "حسنا، تبدين شاحبة ومتعبة وبحاجة للراحة، الطبيب قال لا داعي لإجهاد عقلك" 
اعتدل ثم حملها فقالت "لا داعي أنا بخير" 
لم يرد وهو يتحرك إلى الأعلى.. 
وضعها بالفراش ولم يتراجع وهو يستنشق عطرها الممتزج برائحة أنفاسها كما كانت هي الأخرى، تحدق بعيونه وتكاد تسمع دقات قلبه وتتمنى لو تربت بحنان على صدره المتموج من أنفاسه وتلمس بشرته اللامعة ولكنها أضعف من أن تفعل فأخفضت عيونها وهمست 
"أنا لا أكذب ياسين، أنا حقا لا أذكر شيء وأتمنى لو أذكر حتى لحظاتنا سويا"
ظل يجول بنظراته بوجهها الشاحب ورموشها التي تخفي عيونها وشعر بصدق كلماتها وهو أيضا تمنى لو عادت لحظاتهم التي كانت تعني الحياة بالنسبة له 
تراجع وقال "أخشى لو تذكرتِ لتراجعتِ بكلماتك يُسر" 
رفعت وجهها بدموع تملأ عيونها وقد بدى الألم للحظة بعيونه هو الآخر وأكمل "ربما وقتها تهربين مرة أخرى" 
وتحرك ليذهب ولكنها قالت "أنت زوجي ياسين وبالتأكيد كنت ستعلم لو أني امرأة خائنة" 
توقف ولم ينظر إليها وهو يعلم أنه لم يشك بها بأي لحظة قبل أن تزرع عهد الشك بعقله، قال بقوة "النساء تتلون حبيبتي فكيف للرجال أن تنجو من مكرهن؟" 
وتحرك ليخرج فصرخت به بألم "أنا أكرهك" 
وانهارت بالبكاء وهو يتعمد إيلامها ولا يفكر ولو للحظة أنها بريئة ولكن لو وضعت نفسها بمكانه فلن تتحمل رؤيته أو حتى تتخيل وجوده بأحضان امرأة أخرى 
هذا الآن وهي تتعرف عليه وكأنها المرة الأولى وليس كزوجها الذي تزوجته لستة أشهر أحبته وعاشت معه، فماذا عنه هو وهو الرجل الذي خانته زوجته؟ 
تركته وهربت منه؟ 
جرح كرامته أكبر وأسوء ويكفي أنه لم يقتلها أو يتركها ملقاة بين دمائها كما فعل ذلك الندل أحمد.. 
عاد بعد وقت طويل وقد نامت من كثرة البكاء وشعرت بأصابع تهزها برفق ففتحت عيونها لتراه يتحرك مبتعدا وهو يقول "علينا أن نستعد للعشاء" 
ثم توقف أمام باب الحمام وقال "هل تظنين أن بإمكانك الذهاب؟" 
كانت تريد أن تفعل، لابد أن ترى المرأة التي كانت تنافسها في حب ذلك الرجل فجلست بالفراش وقالت "نعم أنا بخير" 
لم يرد وهو يدخل الحمام وقد أخفى ما يشعر به داخل صدره فلن يضعف ولن يتراجع حتى يصل لذلك الجبان ويعرف الحقيقة حتى لو اضطر لقتله.. 
انتقت فستان وردي طويل أظهر جمال قوامها وذراعيها البيضاء وعنقها المثير، ولكنها وضعت جاكيت أسود من الفرو على كتفيها وسلسة من الفضة تحمل قلب فضي 
عندما انتهت كان يخرج من الحمام مرتديا بنطلونه دون القميص وشعره كالعادة؛ مبلل وذقنه منمق وبدا أكثر جاذبية
نظراته لها كانت تعني الكثير كنظراتها له ولكنه ابتعد مقاوما جمالها الذي فتنه وما زال يفتنه وهو يكمل ارتداء ملابسه بقميصه الرمادي وقد تركت له المرآة ليكمل وهي تعد حقيبتها عندما قالت 
"ألم ترتبط تلك المرأة؟ عهد"
لم ينظر لها وهو يضع عطره وقال باختصار "لا"
ارتدى حذاؤه ثم نظر لها وقال "وهو ما يزيد غضب ظافر مني" 
قالت وهو ينهض ويأخذ جاكيت قطني طويل على ذراعه دون أن يرتديه ويتحرك ليذهب "ألم تحاول أن تشرح له الأمر؟ بالنهاية هو أخيك" 
نظر لها وقال "الأمر لا يحتاج لشرح يسر، ليس بعد زواجي منك، ظافر لا يريد أن يرى الحقيقة رغم أنها واضحة أمامه، ولست بحاجة للدفاع عن أوهام ذرعها برأسه دون دخل لي بها" 
وتحرك للباب فتبعته وهي ترى أنه على حق، فالمشكلة تكمن بظافر وحبه الأعمى وليس بزوجها  
كانت جينا جميلة بفستانها الأحمر الصارخ، وظافر بدى وسيما بحلته السوداء وتعجبت من زوجها صاحب كل تلك الأملاك ولا يبدو كرجل يدير كل ذلك..
جلست بجواره بسيارته وجينا بسيارة ظافر وانطلقوا بصمت حتى قطعته هي "كم تبعد المسافة؟"
قال "ربع ساعة بالسيارة، ساعة سيرا على الأقدام، بابا وعم حلمي كانا جيران منذ الصغر ودرسا سويا بالقاهرة وتزوجا هناك وولدنا أيضا هناك، لكننا كنا نمضي كل الاجازات هنا حتى قرر بابا وحلمي الاستقرار هنا بعد وفاة أمي وتبعه ظافر وجينا" 
نظرت له وقالت "وأنت اخترت الفندقة" 
هز رأسه وقال "لم يعترض فهو لم يفرض شيء على أي واحد منا بل كان فخور بي وبظافر، كلانا كان ناجح بمجاله وبالنهاية هو كانت له اهتماماته بعيدا عنا" 
قالت "متى رحل؟" 
قال بهدوء "خمس سنوات" 
رأت أنوار بيت تتضح من قريب ودق قلبها ونظراتها تتجه له فراقبها وقال "لم يكن بينكم أي توافق" 
نظرت له بحدة فأكمل "أنتِ وعهد" 
قالت بغضب مكتوم "هل كنت أعلم بمشاعرها تجاهك؟" 
هز رأسه بالإيجاب وقال "هي أخبرتك بأول لقاء وكانت ليلة رائعة من الغضب والشجار بيننا لم ينتهي إلا.." 
ولم يكمل فنظرت له ولكنه كان قد دخل من بوابة الفيلا وأوقف السيارة وهي تقول بإصرار "إلا بماذا؟" 
نظر لها بابتسامة ساخرة وقال "إلا بالفراش حبيبتي" 
احمر وجهها وهو ينزل ويتركها ليتحرك تجاه بابها ويفتح لها وقد أوقدت كلماته نيران الخجل بقلبها ولم تنظر له وهو يأخذ يدها بذراعه ويشعر بارتجافها دون أن يعلق.. 
كان العجوز السبعيني يقف بمرح أمام باب الفيلا، وبدا رائعا بعباءة سوداء مطرزة بخيوط ذهبية منحتها مظهرا أنيقا وثريا، بدت التجاعيد بوجهه واضحة ولكن عيونه تمنح نظرات تبعث على عدم الراحة..
أخذ يدها بعد أن رحب بالجميع ووضعها بذراعه وقال "اتفقنا من لقائنا السابق على أن تكوني ضيفة الشرف بأول عشاء لنا يُسر"
ابتسمت وقالت "هذا شرف لي عمي، ولو أني أرجو أن تسامحني على المتاهة التي أحيا بها" 
كانت الفيلا ريفية بكل المقاييس لكن بسيطة وجميلة ونظيفة، جلسا بحجرة واسعة وأكواب الشاي تعلن عن وجوده وأحد الفلاحين يقدمه لهم وقال حلمي "لن تكون أسوء من متاهة الدنيا يا ابنتي، فكلنا نحيا بمتاهة كبيرة لا نعرف ماذا ستكون نهايتها؟" 
ابتسمت وقالت "معك حق، ولكن أن تشعر أنك كالورقة البيضاء فهذا إحساس سيء" 
سمعت صوت رقيق يقول "خاصة لزوجك الذي شعر بأنه اختفى فجأة من حياتك أليس كذلك؟" 
ما أن نظرت لتلك المرأة حتى عرفت تلك العيون التي هاجمتها بالظهيرة واختفت ضحكتها وتجمدت معالم وجهها، بينما أجاب ياسين بهدوء "لم يحدث عهد فأنا ما زلت بحياتها وهي معي للأبد، فقط مرحلة وستمر" 
تجمدت ابتسامة عهد للحظة بينما شعرت هي بالامتنان لزوجها أن تولى الرد حتى تستعيد نفسها وعهد تتقدم بفستانها الأسود القصير وشعرها الأشقر يتدلى على كتفها العاري ويحيط بوجهها الأبيض الجميل
كانت فائقة الجمال حقا وللحظة شعرت بالغيرة منها واندهشت كيف لم تجذب ياسين ويستجيب لمشاعرها؟ 
قالت عهد ببرود "هذا من عيوب الزواج ياسين، فهو يربطك بالطرف الآخر رغما عنك" 
قالت جينا بنفس البرود "ليس صحيح عهد فأنا خير مثال، لم يجبرني الزواج على البقاء مع سليمان واخترت طريقي" 
جلست بجوار والدها وقالت وهي تبعد نظراتها عن جينا لتلتقي بعيون يُسر وتكمل "ولكنك أصبحت هكذا؛ لا معنى لحياتك" 
احمر وجه جينا بينما تعصبت يُسر وقالت "وماذا بها؟ إنها الحرية وعزة النفس والكرامة، تحيا ببيت أهلها وبين إخوتها بحب ومودة حتى تقابل من يستحق امرأة مثلها، لن تنطفئ امرأة بسبب رجل لا يستحقها" 
حدقت عهد بها بل الجميع وكادت عهد ترد عندما تدخل حلمي ببهجة قائلا "لو كانت جينا توافق لتزوجتها أنا" 
وانطلقت الضحكات لتخفف من حدة الأجواء، ولكن نظرات عهد ليُسر كانت واضحة ويُسر بادلتها إياها.. 
لم تتبادل المرأتان حديث مشترك بعد ذلك ولكن اختفاء ياسين بعد العشاء كان واضحا عندما خرج ليجيب هاتفه فتبعته عهد أثناء انشغال يسر بالحديث مع حلمي، الذي كان يأخذها في جولة لمشاهدة الجوائز التي حصل عليها من ممارسة رياضة الرماية، ولم تنتبه لخروج عهد خلفه 
بينما انشغل ظافر مع جينا بحديث جانبي 
أنهى ياسين محادثته الهاتفية والتفت ليعود ليرى عهد تتقدم منه تحت ستار الليل القاتم، فلم يقف وكان يعلم أنها ستوقفه وقد فعلت وهي تقف أمامه لتسد طريقه وتقول 
"هل تأكدت من كلماتي؟"
رفع وجهه لها وقال "ماذا تريدين عهد؟" 
كانت ابتسامتها خبيثة وقالت "أنت تعلم ماذا أريد ياسين، أن ترى الحقيقة" 
وضع يديه بجيوب بنطلونه وأبعد وجهه عنها وقال بملل واضح "أعتقد أن الأمر لا يخصك" 
غضبت وقالت "الآن لا يخصني؟ بعد أن أوضحت لك الصورة؟ ياسين تلك المرأة لا تصلح لك وأنت تعلم ذلك" 
نفخ بضيق فهي تكرر نفس الكلمات بكل لقاء، عاد لوجهها وقال "ألا تملين عهد؟ متى سيمكنك إدراك أني لست الرجل الذي تتمنين؟ ليست يُسر سبب ابتعادي عهد، وإنما لأني لم أراكِ سوى أخت مثل جينا تماما، أتمنى أن يستوعب عقلك هذا الأمر" 
تملكها الغضب أكثر وهي تقترب منه وتقول بجدية واضحة "ولكنك كنت تعلم منذ كنا أطفال أني أريدك كزوج وحبيب وليس أخ ياسين، فلا تخبرني بهذه التفاهات الآن" 
انحنى تجاهها وقال بقوة "أنا لا أتفوه بتفاهات عهد، وما برأسك يخصك وحدك ولن تلزميني به فابتعدي عني وعن زوجتي التي لن أتخلى عنها، ولا داعي لمجهوداتك الخارقة التي تبذليها كي تثبتي خيانتها لي فأنا لست بحاجة لها" 
اقتنصت فرصة اقترابه ورفعت ذراعيها لتداعب أطراف قميصه وتبدلت نبرتها للدلال وهي تقول "ألا تجدني جميلة وجذابة ياسين؟" 
وارتفعت يداها إلى عنقه واقتربت بوجهها جدا منه وتنسم أنفاسها على وجهه وهي تكمل "دعنا نستمتع قليلا ربما يهتز قلبك لي ولو قليلا" 
ولم تمنحه فرصة للتصرف وهي ترتفع لتقبله بجرأة لم يتوقعها ولكن سرعان ما استعاد نفسه وأبعد ذراعيها وهو يبعدها 
ليرفع رأسه ويرى زوجته تقف بعيدا بالظلام وهي ترى هذا المشهد دون أن تتحرك
 
                الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>