رواية هاربة ام خائنة الفصل الخامس5بقلم داليا السيد


رواية هاربة ام خائنة الفصل الخامس5بقلم داليا السيد

سقوط
قبل أن يتحرك أيا من الثلاثة كان صوت ظافر يشق سكون الليل، ويفزع الجميع الذين لم يدركوا من أين خرج وهو يقول بغضب "أخبرتك أنك تريدها"
تراجعت يسر إلى داخل البيت وهي تخفي دموعها، لن يمكنها مواجهة أحد بموقف كهذا، تلقاها حلمي مرة أخرى بابتسامة رائعة وانضمت لهما جينا التي لاحظت تغير ملامحها فقالت 
"يُسر هل أنتِ بخير؟ تبدين متعبة"
بحثت عن أول مقعد وألقت نفسها عليه وهي تتحكم بدموعها وارتجاف جسدها وقالت "لا، شعرت ببعض البرد عندما وقفت بالخارج، يبدو أني سأصاب ببعض البرد" 
لم يذهب قلق جينا بينما قال حلمي "هل أحضر لكِ بعض الأقراص للبرد؟" 
أمسكت رأسها بأصابع مرتجفة والصداع يعاودها وهي تحاول أن تبعد تلك الصورة من أمامها ولكن دون فائدة، أعاد حلمي سؤاله فانتبهت له وقالت "لا، أقصد أن لي دوائي عمي وهو بالبيت" 
كانت جينا تتابعها بقلق وقالت "هل تفضلين الذهاب؟" 
حاولت أن ترد بهدوء ولكن لم تستطع إلا أن تقول "ربما عندما يعود أخويك" 
وتملكهم الصمت وقد توتر الجو ولم يمكنها أن تشارك بأكثر من ذلك فقد ضاعت الدنيا من حولها ولم تعد ترى أو تسمع أي شيء. 
***
صرخ ظافر بغضب "أخبرتك أنك تريدها وادعيت أنك لست كذلك فبماذا تفسر ما حدث؟" 
وقف ظافر أمام ياسين الذي انشغل ذهنه بزوجته التي ذهبت دون أي كلمات ولا يعرف ماذا رأت بالضبط؟ 
هل الليل كان بالقدر الكافي من الظلام ليستر ما كان أم لا؟ 
كاد يذهب خلفها ولكن ظافر وقف أمامه بغضب فتوقف وأجابه "اسمع ظافر ما حدث الآن لا شيء، عهد تصر على ما بعقلها ولكن أنا لست ملزم به، ومشكلتك حلها معها هي وليس معي فهي من ترفضك"
دفعه ظافر بأكتافه بقوة وقال بغضب "وما فعلته معها كان مشكلتها هي أيضا؟ على من تضحك يا أخي؟" 
تسرب الغضب لياسين من تصرف ظافر ولكنه حاول ألا يثور وهو يجيب "اهدأ ظافر ولا تنسى أين نحن ومن أنا" 
تحرك ظافر ليتحدى أخيه بغضب وهو يقول "أنا لا يهمني شيء، ولن يوقفني أحد ياسين، فأنت أيضا نسيت أين نحن ومن أنا فلا تلومني" 
اعتدل ياسين وقد تبدل الهدوء لغضب وقال بقوة "وماذا ظافر؟ ماذا تريد الآن لأني لن أقف مكتوف الأيدي أمام جنونك.. فلا تختبر صبري" 
رفع ظافر قبضته ووجه لكمة سريعة لوجه ياسين وهو يصرخ "هذا ما أريده ياسين" 
ولكن كرجل مثل ياسين لا يتوقف عن التدريب للدفاع عن النفس كان لابد أن تسقط ذراع ظافر بيد ياسين بعد أن تفادى اللكمة بسرعة 
أمسك ياسين معصم أخيه ليلوي ذراعه خلف ظهره ويقيد عنقه بذراعه الأخرى وهو يضغط على ذراعه فتألم ظافر وياسين يقول بغضب 
"وأنا سأتغاضى عن جنون أخي الصغير لأنه فقد عقله بسبب امرأة وتطاول على أخيه الكبير ببيت الأغراب، ولكن أقسم أنك إن لم تستعد عقلك فلن أمنح لعقلي فرصة أخرى ليتصرف معك وسترى جناني على حق"
ودفعه بقوة للأمام حتى كاد يسقط وابتعد إلى الداخل وهو يعدل ملابسه وذهنه بزوجته وما سيلاقيه معها بسبب ما كان 
ما أن وصل إليها حتى شرح له وجهها كل ما يحتاج لمعرفته وسمع جينا تقول "أين اختفيت أنت وظافر ياسين؟" 
لم يبعد عيونه عنها ولكن هي لم ترفع عيونها عن تلك النقطة التي كانت تحدق بها بدون معنى بينما قال هو "كان لدي مكالمة هامة" 
جلس بمواجهة حلمي الذي قال "العمل يلاحقك يا فتى، يا سوء حظك يا يُسر" 
لاحظ أنها لم تستجب لكلمات حلمي الذي لاحظ هو الآخر وقال "تبدين متعبة يا ابنتي" 
سمعت جينا تناديها فانتبهت، ورفعت عيونها لتجده يلاحقها بنظراته فحدقت به للحظة وجينا تقول "عمي حلمي يسألك إذا ما كنتِ متعبة؟" 
التفتت للرجل وقالت "إنه الصداع عمي آسفة ولكن ليس بيدي" 
نهض ياسين وقال "اسمح لنا عمي، فيسر ما زالت بحاجة للراحة، لقد كانت ليلة جميلة شكرا لك" 
نهض الجميع وقالت جينا "وأين ظافر، ألن يرحل معنا؟" 
سمعت صوت عهد تقول "ل، لقد رحل بالفعل وأخبرني أن أبلغكم بظروف عمل طارئة واجهته" 
تحرك ياسين إلى حلمي وحياه ووقف بجوارها وهي تحيي حلمي ولمس ذراعها بيده ولكنها أبعدته دون اهتمام بمن حولها وهي تواجه نظرات عهد الوقحة وكأنها كانت تستمتع بما فعلت 
واجهت نظراتها بقوة ولم ترفض يد ياسين بالمرة الثانية لترى نظرات الحقد والغيرة تملأ عيونها ولم تتبادلان أي كلمات  
بالطبع ركبت جينا معهما وحل الصمت بالسيارة دون أي كلمات، وتاهت بكل ما حدث لها منذ أفاقت بذلك اليوم لتجد نفسها ضائعة لا معنى لحياتها الفارغة، بل وامرأة هاربة وخائنة لزوجها 
لتجد نفسها تواجه أشخاص جديدة كانت تحيا بينهم وتعيش مشاكلهم ولكنها تجهل كل شيء الآن، لتصطدم الليلة بزوجها الذي من المفترض أنهم متحابان يضعها بنفس موقفه
تراه بين أحضان امرأة أخرى..
حاولت أن تتحمل الألم الذي يصرخ به قلبها ولكنها فشلت، فألم الخيانة يفوق كل الآلام قوة أغمضت عيونها وتنهدت بألم ولم تشعر أنه سمعها، فالتفت إليها وأدرك أنها رأت ما كان وعرف ما تشعر به.. فهو عاش كل تلك المشاعر..
الخيانة كابوس أسود لا يفارق مخيلة صاحبه ويدمر كل لحظة من لحظات حياته..
كم مرة تمنى لو يقتلها ليوقف نزيف أحزانه ولكنه لم يستطع؟ 
حبه لها أوقفه، ذكرياتهم سويا حالت بينه وبينها ولم يمكنه إلا أن يكون معها حتى تسترد نفسها وتعود لذاكرتها ووقتها يمكنه أن يفهم لماذا اختارت ذلك الرجل وفضلت أن ترحل معه!؟ 
عندما وصلوا ألقت تحية المساء على جينا وذهبت لغرفتها دون أن تنتظره ولكن ما أن دخلت حتى دخل بعدها وأغلق الباب فلم تلتفت وهي تعلم بالمواجهة ولكن ليس لديها كلمات 
ربما سيجعل خيانتها مبرر له، وربما وجد عند عهد ما لم تمنحه هي له، وربما أشياء كثيرة قد لا يمنحها عقلها إياها الآن، فهي متعبة إلى أقصى حد وما يحدث لها يرهقها ويضعفها أكثر ولكن أين المفر؟
لم يتحدث وهو يلقي جاكته على أقرب مقعد وجلست هي دون أن تجد أي كلمات، كما لم يفعل هو وهو يخلع قميصه ويتجه للحمام بصمت قاتل مؤلم، جعلها تزداد ألم وتتمنى لو تصرخ به كي يبتعد عنها ويتركها وحدها
بدلت ملابسها قبل أن يخرج وتناولت دوائها وأدركت أنه يعاقبها بنفس ذنبها لذا ما عليها إلا أن تصمت وتدعي الجهل ربما هو أفضل من كلمات جارحة سيلقيها بوجهها لو تحدثت 
خرج وهي تتناول دوائها فجفف شعره وترك المنشفة وقال "هل بكِ شيء؟" 
هزت رأسها دون أن تنظر إليه وقالت "لا، إنه الصداع ربما أحتاج للنوم" 
كانت تتحرك من أمامه لتدخل الفراش عندما أوقفها وقال "يُسر" 
كانت نبرته مختلفة، خافتة وليس بها أي غضب فرفعت عيونها إليه والتقت بعيونه القلقة..
لم يمكنه أن يسألها عما رأت، ربما لم ترى شيء من الظلام فلو شاهدت شيء لكانت الآن تنفجر بوجهه كعادتها ولكنها تبدو مختلفة.. 
تائهة..
ضائعة..
عيونها مطفأة لا بريق للهفة والشقاوة والجمال..
ضاع كل شيء منها.. 
همس بضعف من نظرتها المؤلمة "هل أنتِ بخير؟" 
كان القلق واضحا حقا بعيونه، ولم تجد بهما ما يعبر عن رجل مذنب ارتكب ذنب بحق زوجته، ترى هل اعتاد على ذلك؟ 
ربما هو سبب رحيلها أصلا، شعرت بوخزة بقلبها جعلتها ترتد له وتقول "نعم، أنا بخير، طابت ليلتك" 
هربت منه، ومن ضعفها أمامه، ومن غضبها منه، بل من كرهها له، لا هي لا تكرهه، بل هي لا تعرف أصلا ماذا بداخلها؟ 
صرخ عقلها، كفى، توقفي يا امرأة ستحترقين من نيران الأفكار أوقفي غضبك وجهلك وضياعك واتركيهم للأقدار فهي أفضل من يقودك بين الظلام.. 
تابعها وهي تشد الغطاء وتستلقي على جانبها، وهو لا يفهم ما تخفيه داخلها وسبب تبدلها وتمنى لو تحدثت وعرف ما بها ولكنها اختارت الصمت وهو لا يملك إلا أن يجاريها.. 
لم تجده بالغرفة في الصباح وكانت سعيدة لذلك وظلت وقت طويل بالفراش غير راغبة برؤية أحد حتى دق الباب فأذنت لترى أم هنا تدخل بالإفطار وتقول 
"صباح الخير يا هانم، لقد تأخرتِ وياسين بيه طلب عدم إزعاجك وفضلت إحضار الإفطار هنا"
اعتدلت بالفراش وقالت "شكرا أم هنا، أنا بالفعل متعبة، هل الجميع ذهب؟" 
قالت المرأة "ياسين بيه ذهب منذ الصباح الباكر، وظافر بيه لم يعود منذ الأمس، وجينا هانم تناولت الإفطار ورحلت لزيارة بعض الأصدقاء" 
رن هاتفها فتحركت المرأة للخارج وهي ترى اسمه فأجابت عندما كان صوته هادئا وهو يقول "صباح الخير" 
بهدوء أجابت "صباح النور" 
عاد لها صوته "لقد رحلت للسخنة، هناك مشاكل بالفندق، لن أعود الليلة"
صمتت قليلا ولا تعلم لماذا فكرت بعهد وأنها ربما معه الآن و..
قاطعها صوته "يُسر أنتِ معي؟" 
أخرجت صوتها بصعوبة وقالت "نعم، متى ستعود؟" 
كان يقود بالطريق فقال دون أن يثقل رأسه بأفكار أكثر مما يحمل "أنتِ بخير؟" 
قالت بضيق "أنا سئمت هذا السؤال ياسين، كف عن معاملتي على أني مريضة نفسية" 
ضاقت عيونه وهو يقول "أنا لا أفعل يسر، أنا قلق عليكِ، بالأمس كنتِ.." 
قاطعته بقوة "الأمس انتهى ياسين وأنا اليوم بخير لا تقلق فقط متى ستعود؟" 
حك جبهته بيده وهو يشعر بغضب لا يعرف سببه ثم قال "لا أعرف يُسر، تعلمين أن المشاكل تبدأ وتنتهي دون مواعيد مسبقة" 
مسحت دموعها وقالت رغما عنها "نعم، أنت وحدك؟" 
سؤالها جعله يدرك أنها رأت ما كان ولكنها تأبى التحدث عنه فقال "غازي مديري، لو تذكري يتبعني بسيارته، نعم يُسر أنا وحدي وإلا لما هاتفتك، ماذا هناك يُسر؟ ماذا تخفين وراء غضبك المكتوم هذا؟" 
أغمضت عيونها وقد استطاع أن ينفد إلى عقلها ويدرك غضبها، فتحت عيونها وقالت بصعوبة "لا شيء، ربما تهاتفني عندما تصل" 
أدرك أنها لن تتحدث فعنادها أكبر من ضعفها فقال "بالتأكيد، لا داعي للتجول بمفردك يُسر، الرجال موجودة حولك ولكن أنا لا أثق بشيء" 
للحظة كادت تصدق خوفه عليها ولكنها تدرك أنه تمثيل ككل ما بينهم، كتمت شهقة بكائها بصعوبة حتى قالت "لن أفعل ما يقلق ياسين فلا تقلق وانتبه للطريق" 
أغلق الاثنان وسقطت على الفراش في بكاء محموم لم تستطع إيقافه بسهولة.. 
كان عليها أن توقف تلك الحالة التي تملكتها فنزلت للحديقة وجلست تعبث بهاتفها قليلا ربما تجد ما يساعدها ولكنها فشلت، حتى رأت جينا تعود مبتسمة لها فابتسمت وهي تتقدم نحوها وتقول قبل أن تجلس "تبدين بخير اليوم"
أجابت بلا تفكير "نعم فقد نمت كثيرا" 
ضحكت جينا وقالت "نعم، ياسين أكد عليّ وعلى أم هنا ألا نوقظك، هل تحسنت علاقتكم؟" 
تورد وجهها وهي تتغاضى عن معاني السؤال وتقول "أنا لا أعرف إلى أي مدى كانت سيئة حتى تتحسن جينا، أنتظر حتى تخبريني أي شيء يضيء ظلامي" 
أبعدت جينا وجهها وقالت "لا شيء يُسر؟ مجرد جدالات وخلافات سرعان ما تنتهي، ولكن حقا كلنا تفاجأنا برحيلك ولم نفهم سببه! حتى ياسين، ثم عرفنا بأمر الحادث وهو رفض سفر أحد سواه وأخبرنا أنكِ بخير" 
فركت أصابعها ببعضها وقالت "وعهد؟ لن نتجاهل ما كان أمس بين ظافر وياسين" 
أخفضت جينا رأسها قبل أن تقول "لا يُسر، فقط ظننت أن ياسين وضح لكِ الصورة" 
نهضت بضيق وقالت "التي هي ماذا جينا؟" 
نهضت جينا ووقفت أمامها وأجابت "التي هي أن عهد منذ الصغر وهي مجنونة بحبها لياسين ولم تصدق أبدا أنه لم يفكر بها إلا كأخت، والأصعب أن ظافر مجنون أيضا بها ويرفض تصديق براءة ياسين منها رغم زواجكم" 
كان كلامها موافق لكلام ياسين، ماذا إذن عما كان بالأمس؟ 
أبعدت عيونها وتحركت فتحركت معها جينا وقالت "ياسين لم يلهو بحياته سواء قبل زواجكم أو بعده يُسر، فقد كان سعيدا معك، وأنتِ أيضا، ورغم خلافاتكم البسيطة إلا أنكم كأي زوجين تنتهي مشاكلكم بسرعة وتعود ابتسامتكم وسعادتكم" 
توقفت وقالت "هل اعتاد على أن يسافر بدوني؟" 
ابتسمت جينا وقالت "نعم، فأنتِ لا تفضلين البقاء وحدك بالفندق الذي يرحل إليه لأنه كان يتركك وهذا كان يغضبك فاتفقتم على بقائك هنا" 
لم ترد وكل شيء يسير بصف ياسين، ولم تجد أي إجابة لم حدث بالأمس، فالتفتت لجينا وقالت "لم تحدثيني عن نفسك جينا" 
تحركت المرأة وقد لفها الحزن فجأة فتبعتها يسر وجينا تقول "كنتِ تعرفين كل شيء يُسر" 
ابتسمت وقالت "كنت جينا، هل نسيتِ أني الآن ورقة بيضاء؟" 
هزت رأسها وقالت "تزوجت وأنا بالخامسة والعشرين، كنت كبيرة بما يكفي لأختار جيدا وظننت أني فعلت، وأحببت سليمان لدرجة أني لم أكن أرى أو أسمع سواه، خمس سنوات وأنا بعيدة عن هنا فقد أبعدني عن الجميع لأن بابا رفض منحه الأموال التي كان يسعى لها وبالطبع أوقع بيني وبين أهلي وجعلني أكرههم وهناك بالإسماعيلية عانيت الكثير منه ومن غضبه و.."
سكن الصمت لحظة وكأنها تستجمع شجاعتها قبل أن تكمل "بالنهاية فتحت عيوني عندما رأيته مرة بالصدفة مع فتاة بالقرب من أحد المطاعم، بالطبع بدأ الشك يساورني ونصائح ياسين تدب برأسي، حتى بدأت أتبعه وأنتبه لأفعاله المشينة، وبالطبع كانت القاضية عندما ادعيت أني برحلة مع النادي وعدت الشقة فجأة فرأيته بفراشي مع امرأة أخرى" 
توقفت وهي تهتز من قوة الذكرى، واحترمت صمتها، ورأت الدموع بعيونها فأمسكت يدها التي كانت باردة فانتبهت جينا لها ومسحت عيونها ويُسر تهمس بود "أنا آسفة" 
حاولت جينا تجاوز الأمر وهي ترد بصوت خافت "لا تفعلي فهو لا يستحق، والحمد لله أنه انتهى من حياتي وعدت لأهلي" 
سألتها يُسر "ليس هناك أطفال؟" 
ضحكت بسخرية وقالت "هذا أكثر الأشياء جنون، الطبيب أخبرنا أنه لا ينجب، ولا حتى إمكانية حقن مجهري، ومع ذلك كان من الوقاحة أن يفعل بي ما فعل" 
شدت على يدها وقالت "هذا أفضل شيء، تخيلي مصير الطفل جينا" 
هزت رأسها ونادتهم أم هنا لتناول الغداء وأثناء تناولهم إياه سألت يسر "أين ظافر؟ لم أراه منذ الأمس" 
أجابت جينا بلا مبالاة "اعتدنا على غياب ظافر بدون سبب، فهو إما بالأرض أو المصنع أو غاضب من ياسين، يومان وسيظهر، لا تقلقي بالنهاية هو يحب ياسين جدا ويعلم أن ياسين هو الآخر يحبه ويعتبره كابنه" 
تركتها جينا وصعدت غرفتها ودخلت هي مكتبه وعثرت على كتب رائعة بمجال دراستها فاستمتعت بالقراءة ولم تشعر إلا وصوت المطر يسقط فجأة دون أي مقدمات 
نهضت للنافذة ولاحظت الغيوم التي ملأت السماء..
مرت عيونه أمامها وما كان بالأمس فعاد الغضب يتملكها ولكنها سلمت بأن هناك خطأ وعليها أن تعرفه عندما يعود
أخرجت هاتفها وترددت قبل أن تتصل ليأتيها صوت الرنين ولكن بلا إجابة وللحظة تملكها القلق وهي تنظر للمطر وقد أظلمت الدنيا بالخارج وانتفضت عندما رن هاتفها باسمه فتماسكت وأجابت "هل وصلت؟"
أجاب بجدية "نعم" 
انتبهت للهجته فقالت "هل أنت بخير؟" 
أجاب "نعم يسر، لدي اجتماع الآن وتركته لأجيبك فهل أنتِ بخير؟ هل حدث شيء؟" 
انتبهت وقالت "لا، آسفة، كنت أطمئن عليك، لم أعرف أنك باجتماع فلتعد لعملك ولا تقلق" 
أجاب بنفس الجدية "حسنا" 
شعرت أنه ليس بخير، بالتأكيد فهو رحل من أجل العمل ولابد أن الأمر يستدعي سفره 
عاد إلى الاجتماع والغضب يتملكه من المشاكل التي تحيط بالمكان، ولم ينتهي الاجتماع إلا على فجر اليوم التالي 
انفض الجميع ما عدا غازي الذي ظل جالسا أمامه وهو يحيط وجه بيديه ويغلق عيونه من الإرهاق حتى قال غازي "هل أنت بخير؟ غضبك كان كبير اليوم" 
فتح عيونه ونهض إلى مكتبه وفتح اللاب وقال "وأنت تظن أن الأمر لا يستحق؟" 
لم ينهض غازي وقال "بلى يستحق، لولا شكوكك ما اكتشفنا السرقات التي كانت تحدث" 
عبث بأزرار اللاب باهتمام وقال "إذن فيم اعتراضك غازي؟" 
نهض إليه وتحدث "اعترض على تغييرك، لم أعهدك هكذا" 
لم ينظر له ولم يوافق على كلامه وهو يجيبه "لأني غاضب غازي، غاضب لأن هناك من تلاعب بي وبأملاكي وأموالي وصنع مني ألعوبة بيده" 
تراجع غازي وقال "ولكنك اكتشفت الأمر ببدايته واشترطت إعادة ما سُرق، وتم تسليم الفاعلين للشرطة" 
انتهى من اللاب واعتدل ليواجه غازي وهو يقول "ولو لم انتبه للأمر لاستمر غازي، وهذا يعني أن الرقابة هنا ليست بالجودة المطلوبة، لذا علينا أن نعيد تشكيل المنظومة كلها، هذا ما يشغلني ويثير عصبيتي" 
تراجع غازي وقال "لا! أنت لا تعني كلامك هذا، أنت تريد إيقاف الجميع و.." 
ابتعد وقاطعه "لا، فقط من سأخبرك بهم، ولابد أن تكون إزالتهم بشكل قانوني وإجادة اختيار الجدد" 
تحدث غازي بنفس الدهشة "أنت تتحدث بأسبوع على الأقل لننهي كل ذلك؟" 
جلس خلف مكتبه ومنحه نبرة آمرة "ثلاثة أيام، فقط ثلاثة أيام، اجلس وستعرف كل شيء، لن أترك زوجتي اسبوع وهي معرضة للخطر" 
ألقى الرجل نفسه على المقعد وهو يسأل بيأس "ألن ننام؟" 
لم تتغير معالمه وهو يدير اللاب تجاه غازي ويجيبه "عندما ننتهي ستفعل" 
على العاشرة تراجع بمقعده وكذلك غازي الذي بدا عليه الإرهاق وهو يقول "حسنا أنت انتهيت وأنا لن أفعل شيء قبل أنا أنام ياسين، أنا لست شاب مثلك" 
نهض وبدا جادا وهو يتحدث كعادته "حسنا، يمكنك أن تفعل وبالثالثة سنبدأ كل شيء، فقط قبل أن تذهب أخبر المدير التنفيذي ونائب رئيس الحسابات أني أريدهم بعد ساعة هنا" 
نهض غازي وتحرك للخارج وهو يقول "سأذهب قبل أن تتراجع وتحجزني هنا" 
أخرج هاتفه واتصل بها تأخرت حتى أجابت فقال "كنتِ نائمة؟" 
ضمت روب الحمام على جسمها والمياه تتقطر من شعرها وأجابت "لا، كنت بالحمام، هل انتهيت؟" 
دق بابه ودخل السكرتير ببعض الساندويتشات وخرج فنادته فعاد إليها وأجاب "الاجتماع؟ نعم انتهى، لكن العمل لم ينتهي" 
جلست على طرف الفراش وقالت "كان يمكنني أن أذهب معك" 
تنفس بقوة وهو يكمل حديثه معها "لا، الطريق طويل، ثم أنتِ لا تفضلين بقائك وحدك فأنا لا أتواجد خارج مكتبي عندما أزور فندق من الفنادق" 
تذكرت كلام جينا فقالت "نعم جينا أخبرتني" 
صمت الاثنان فاختار هو قطعه "جينا تثرثر كثيرا، ماذا ستفعلين اليوم؟" 
تجولت نظراتها حولها بلا هدى وهي تجيبه "أريد رؤية العزبة، لدي أفكار كثيرة ولكن لابد أن أرى الأرض والبيوت" 
جلس خلف مكتبه وهو يذكر ملامحها الجميلة أمامه، عاد وقال "سيأخذك أحد الرجال بالعربة بجولة ويعيدك، حاولي ألا تنفصلي عنه ولو أني أفضل انتظاري" 
لفت بوجهه حولها وهي تسأله "لم تخبرني متى ستعود؟" 
تراجع بمقعده وهو يجيبها "ربما ثلاثة أيام" 
ابتسمت وقالت "ربما خططي لم تكتمل" 
ابتسم "حسنا فكري جيدا حتى أعود، فأنا أحب أفكارك" 
لم ترغب بإنهاء المحادثة فسألته "متى تنام؟" 
تناول بعض الطعام وهو يتجاوب معها "عندما أنتهي أسقط بغيبوبة، وكنتِ ترفعي صوت الموسيقي لنهايتها لأستيقظ دون جدوى" 
ضحكت ودق قلبه لضحكتها الرقيقة وهي تقول "ومتى كنت تفعل؟" 
صمت قليلا فنادته فتنهد وهو يقول "كنت تقبليني يُسر، قبلتك كانت تعيدني للحياة" 
ارتجفت يدها وهي تمسك بالهاتف، ودق قلبها بقوة، وانقضت مشاعر خفية لتستولي على قلبها تجاه ذلك الرجل الذي رحل وترك عيونه وصوته وحتى رائحة أنفاسه معها.. 
عندما لم ترد أدرك تأثير كلماته عليها فقال "هل أتركك الآن؟ لدي مكالمة أخرى على الانتظار" 
استطاعت بصعوبة أن تجيب بصوت خافت "آه، نعم، إلى اللقاء" 
ظلت بمكانها فترة طويلة تحاول التحكم بنفسها، هي بالتأكيد أحبت ذلك الرجل لأن ما تعرفه الآن أنها لا تفكر بسواه
بالصباح تحركت إلى الاسطبل الذي يقبع خلف الفيلا وهناك رأت حصانان، أحدهم أسود لامع رائع الجمال، والآخر أبيض أجمل بكثير
رحب الرجل المسؤول بها بشدة وقال "أهلا يا هانم، الحمد لله على السلامة"
ابتسمت ووجدت نفسها تنجذب للحصان الأبيض جدا، اتجهت له، وبدأت تربت على عنقه وقد شعرت وكأنها تعرفه من زمن بعيد ولم ينفر الحصان منها والرجل يقول 
"ما زلت تفضلينه يا يُسر هانم، عزيزة منحها لكِ ياسين بيه بعيد ميلادك وكنتِ تتعلمين ركوبه"
شعرت بسعادة وقالت "حقا؟ إذن يمكنني أن أفعل الآن" 
هز رأسه وقال "بالطبع سأجهزه وأخرجه بالحال، ياسين بيه أعد مكان مخصوص بالخلف كي تسيرين به حتى تتعلمين" 
كانت سعيدة وهي تنتظر أن يُعد الرجل الفرس، وخرج به وساعدها على ركوبه ووجدت نفسها تعرف كيف تقوده..
أمضت وقت طويل وحدها مع الفرس تمرح به بالأرض الخلاء التي كانت محاطة بسور مرتفع ولاحظت بالطبع رجال زوجها بالخارج فلم تقلق
انتهت على موعد الغداء لترى ظافر يجلس مكانه فقالت "ظافر افتقدناك، كيف حالك!؟" 
جلست بجوار جينا وهو يجيبها بضيق "بخير يُسر، كيف حالك أنتِ؟ هل تحسنت صحتك؟" 
راقبت ملامحه وقالت "نعم جدا، اليوم عثرت على عزيزة واستمتعت معها كثيرا" 
ابتسمت جينا وقالت "كيف نسيت أمرها؟ كنتِ تحبينها جدا" 
ردت بسعادة "وما زلت، إنها رائعة" 
ولكن ظافر قطع سعادتها وهو يقول "باستطاعته خداع الجميع بسهولة" 
ذهبت ابتسامتها وهي تلتفت له بينما هتفت جينا "ظافر كفى" 
ترك الطعام وهو ينظر لجينا بغضب مرددا كلماتها "ظافر كفى، أكف عن ماذا جينا؟ عن قول الحقيقة؟ ألا يفعل حقا؟" 
قالت جينا "لا ظافر، وأنت تعلم أنه لا يخدع أحد، إنها أفكارك المجنونة التي تهيأ لك ذلك" 
نظر ليُسر فجأة ومنحها كلمات غاضبة "لا تنخدعي به أنتِ أيضا يسر، فهو ليس بتلك البراءة التي تظنيها، وإن كنت أظن أنكِ أدركتِ ذلك ورحلتِ من أجله" 
ثم نهض تاركا إياها في ظلام هالك ريح عصفت بها تقذفها هنا وهناك بلا هدى ونظرت لجينا التي كادت تنهض ولكنها أمسكت يدها وقالت 
"لن تفري وتتركيني ككل مرة جينا، توقفي وأخبريني معنى كلامه" 
ظلت جينا واقفة لحظة قبل أن تعود وتجلس وهي تقول "منذ فترة وظافر يرى أن ياسين يقوم بخداع الجميع ليحقق ما يريد، وهذا لأن ياسين كان ناجح بكل شيء وظافر أيضا كان ناجح ولكن طموحه كان محدود، كان دائما يتبع أحد، بالبداية كان بابا بالطبع حتى رحل وقتها كدنا نخسر كل شيء ولكن سرعان ما عاد ياسين ووضع خطوط عريضة لظافر الذي رفض الاعتراف بتقصيره واتهم العديد من الرجال بالسبب في الانهيار، وبالطبع ياسين تدارك الأمر ولم يشر لظافر بأي سوء ولم يشعره أنه يتحكم بشيء رغم أنه كان يفعل لأنه لو لم يفعل سيضيع كل شيء مرة أخرى" 
تأملتها وقالت "عهد؟" 
هزت جينا رأسها وقالت "نعم، أكبر سبب في الخلاف بينهم" 
تساءلت يُسر "وياسين؟" 
نظرت لها جينا بجدية وهي تؤكد الحقيقة الوحيدة "يكن كل الحب لي ولظافر ويعلم أن ظافر بيوم ما سيعود لعقله ويدرك الصواب، ياسين لم يخدع أحد يسر لا ظافر ولا أنتِ ولا أي أحد" 
أدركت الصدق بصوتها فلم تجادلها وقد فهمت ذلك أيضا من تصرفات ياسين..
نهضت جينا للخارج بينما ظلت مكانها بعض الوقت، عندما شعرت برغبة في سماع صوته وإن خشت من انشغاله ومع ذلك اتصلت
تحرك خارج الفندق وغازي يتبعه باهتمام وهو يقول "لا ياسين، لن تضع ذلك الشاب بذلك المنصب" 
تحرك تجاه حمام السباحة ونظراته تجوب بالمكان وأشار لمكان تقديم المشروبات وقال "تلك المظلة بحاجة للتعديل، بلى، غازي هو الأفضل لذلك المكان، سنجربه ثلاثة شهور وبعدها نقرر، ارسل لي الميزانية الجديدة وأين المدير الجديد؟" 
سمع صوت يحاول أن يلحق بخطواته وهو يقول "موجود يا فندم" 
لم ينظر له وهو يصل للألعاب المائية وقال "ستضاف اللعبة الجديدة هنا، لن نعيدها وسندفع فارق الثمن، أعلم ما تريد قوله غازي ولكن لا يمكن أن نبدو بمظهر الأغبياء والخسارة ستعوض عن طريق رسم اللعبة، لكن لا تبالغ بها، زيد أريد خطة العمل على مكتبي الليلة بالثامنة، وغازي سيمنحك تقرير بأسماء ومناصب الفريق الجديد، فترة الاختبار ثلاثة أشهر من وقت استلام العمل، بما فيهم أنت" 
وعاد يتحرك والرجلان يتبعانه بنفس خطواته الواسعة، حتى وصل للشاطئ الخاص فتوقف لبرهة قبل أن يقول "الموائد الجديدة تُستبعد، لا تتصرف بها ربما نحتاج إليها، وتلك تُدهن بورنيش كل شهر، وتلك المظلات بالتأكيد تعرف ماذا تحتاج زيد" 
أجاب زيد بسرعة "نعم مستر ياسين، أعراش جديدة ودهان للصدأ والمقاعد أيضا يا فندم" 
هز رأسه وأكد كلماته "تمام، لم يتبقى سوى المطعم هل أبلغت بزيارتي؟" 
أجاب غازي وهم يتحركون "لا، ولكن الجميع يعلم بوجودك وما يحدث بالمكان" 
لم يرد وهو يتحرك ولكن صوت رجولي أوقفه "ياسين العطار بنفسه!؟ إن الظروف تخدمني حقا" 
توقف وهو يرى أحد رجال الأعمال المعروفين وقد كان زميل دراسة له لم يتفقا بيوم وما زالا، نظر للرجل وقال "لا تخبرني أنك ضيف بالفندق سيف فلا أظن أنك ستختار شيء ملكي لتتواجد به!؟" 
كانت نظرات سيف حادة وساخرة وهو يقول "ولم لا؟ ابنتي تفضل فنادقك على أي فندق آخر، ابنتي ابنة سمر، زوجتي هل تذكرها؟" 
كانت سمر أول حب له بالجامعة، وقتها كانت أجمل فتاة بالكلية وتنافس عليها الجميع وهو منهم وقد فاز بها بالبداية إلى أن تدخل سيف بينهم و..
قاطع سيف ذكرياته بقوله "هي الآن شابة رائعة، تماما كأمها، ما رأيك بتناول الغداء معنا؟" 
قال بهدوء تعلمه على مدار سنوات عمره "كنت أتمنى رؤيتها ورؤية سمر، لكن للأسف ليس لدي وقت، أبلغهم تحياتي" 
كاد يذهب لولا أن أوقفه سيف بكلماته "سمعت أنك تزوجت؟" 
توقف قليلا قبل أن ينظر للرجل بقوة وخرج صوته حاد "ماذا تريد سيف؟ لا أظن أن حياتي الشخصية تهمك" 
ابتسم سيف وقال "بل أريد عمل، أريد أن نعمل سويا" 
وضع ياسين يده بجيوب بنطلونه واعتدل وهو يقول "أسمعك" 
اعتدل الرجل ومنحه اهتمامه "توريد الأغذية لكل فنادقك بأسعار تحددها أنت بما يمنحني ويمنحك مكسب مناسب، ما رأيك؟" 
صمت ياسين قليلا وهو يحدق بعيون سيف الضيقة قبل أن يقول "بالتأكيد هو عرض رائع سيف، ولكن أنت تعلم أننا نلتزم باتفاقات أخرى ولا يمكننا خرقها، لكن أعدك لو فعلت ستكون أنت أول الاقتراحات" 
كاد يذهب عندما رأى سمر تتقدم تجاههم ومعها فتاة بالخامسة عشر أكثر أو أقل بملابس البحر، فتوقف وسمر تمنحه ابتسامة رائعة وتقول "أهلا ياسين، كيف حالك؟" 
نبرته خرجت جافه مع ملامح جامدة، لا مشاعر داخله تجاها ولا أي تعابير "أهلا سمر" 
ابتسامتها غريبة عنه وكأنه يراها لأول مرة وصوتها خرج غريبا أيضا "روح ابنتي، وهذا مستر ياسين يا روح، كنا ندرس سويا" 
كانت نظرات الفتاة له تتجاوز عمرها ولكنه ابتسم متغاضيا إياها "أهلا روح، أرجو أن تكوني مستمتعة هنا" 
هتفت برقة كأمها "جدا، المكان رائع، كل فنادق العطار رائعة" 
لمعت عيون سمر ببريق غريب على وجه ياسين ولكنه أفلتها بلا اهتمام وهي تقول "على فكرة يا روح، ياسين هو مالك فنادق العطار" 
صرخت الفتاة بسعادة وقالت بدون تصديق "لا؟ يا إلهي أنا لا أصدق، أنت ياسين العطار؟ كم تمنيت لقاءك، ظننتك رجل عجوز ولديك شارب ضخم، ولكنك رائع" 
ابتسم بينما نهرتها سمر بنظرات مستنكرة أما سيف فتجاهل تصرف ابنته وهو يعيد انتباه ياسين له "ما زال عرض الغداء قائم ياسين" 
هز رأسه بالنفي والجدية عادت على وجهه وهو يقول "شكرا سيف، لكني حقا لابد أن أذهب، اسمحوا لي" 
ولم يمنح أي أحد منهم فرصة للاعتراض وهو يتحرك مبتعدا واندهش أن ذكرى سمر لم تعد تمثل له أي شيء، فقط زوجته هي من تشغل رأسه حتى بعد الاحداث ال-خيرة من هروبها والحادث
داخله شيء يخبره أنها لم ولن تخونه لكن لن يهد- حتى يعرف الحقيقة
كان يفكر بها بقوة مدركا كم تتملكه عندما رن هاتفه قاطعا أفكاره فأخرجه ليرى اسمها، ابتسم لتوارد الخواطر وربما تناسى ما بينهم وأجاب وهو يتحرك مع الرجلين 
"ظننتك نائمة"
تحركت بلا هدى وهي تحب سماع صوته "وأنا ظننتك باجتماع" 
دخل المصعد وأجابها "انتهيت منه بالصباح، والآن بجولة بالمكان، أين كنتِ بالصباح؟" 
تذكرت جولتها مع عزيزة فابتسمت وهي تجيبه "مع عزيزة" 
لانت ملامحه وهو يسألها "وصلتِ إليها إذن؟" 
قالت وهي تجلس بمكتبه، مستمتعة بمقعده ورائحة عطره العالقة به "نعم، استمتعت بها جدا، إنها هدية رائعة شكرا" 
خرج من المصعد أمام المطابخ وهو لا يرغب بإنهاء حديثهم لكن عليه أن يفعل "سبق وشكرتني من قبل عزيزتي، هل أذهب الآن؟ لدي عمل" 
أغمضت عيونها بلا رغبة بإنهاء الحوار هي الأخرى، بالنهاية قالت بنبرة هزت مشاعره "بالطبع ربما تهاتفني عندما تنتهي" 
صمت قليلا، لا يعلم هل حقا ما زالت هي يُسر التي عرفها وأحبها وتزوجها؟ 
لا إجابة بالطبع..
منحها رد مختصر "سأفعل" 
أغلق وهو يستجمع نفسه، هو يعلم أنه يحبها ولم يمكنه أن يوقف مشاعره رغم ما عرف وقلبه أصلا يرفض أن يصدق ما عرف، ومع ذلك ما زال يتألم لمجرد ذكر الأمر.. 
تحرك للمطبخ بدون تردد وقد استعاد نفسه وعاد لعمله دون شريك 
عادت للقراءة مرة أخرى حتى موعد العشاء، تناولته بغرفتها وتقريبا فعل الجميع مثلها 
ظلت تقرأ حتى نامت دون أن تشعر ولكنها استيقظت على رنين الهاتف فاعتدلت وأبعدت شعرها والكتاب يسقط بلا اهتمام منها وهي تجيب 
"هل نمتِ؟"
خرج صوتها ناعسا رغما عنها وهي تلتقط الوقت من على ساعة الحائط "إنها الرابعة فجرا ياسين، ألا تنام؟" 
ابتسم وهو ينزع قميصه ويقول "بلى سأفعل، وأنتِ تعلمين أني سأنهار، لذا هاتفتك قبل أن أفعل" 
ضحكت الضحكة التي تأسر قلبه، وشعر وكأنه يبدأ قصته معها من جديد
عادت وسألته "هذا يعني أنك ستعود عندما تفيق من غيبوبة النوم؟" 
أعد الحمام لنفسه وهو يكمل حديثه معها "سأرحل غدا صباحا يُسر لأصل بالمساء، ربما نتناول العشاء سويا بالقاهرة" 
هتفت بدهشة "لا، أنت مجنون، لنجعلها بعد الغد ياسين، ستحتاج للراحة غدا" 
كاد يرد بكلمات حب للهفتها التي ظهرت عبر الهاتف، ولكنه تراجع فما زال ما بينهم يضع حواجز لا تنتهي "لا أعلم، عندما أصل نتحدث، الحمام يناديني أنهيت تدريبي ولابد من الحمام" 
قالت برقة "حسنا طابت ليلتك" 
أجاب "وليلتك" 
عادت للفراش وهي تحتضن الوسادة وتحاول التمتع برنات صوته في أذنيها دون أن تفقده..
هي تريد وجوده، نعم، لم تشعر بالوحدة وهو معها رغم أنه كان بعيد كل البعد عنها لكن برحيله شعرت بغربة ووحدة لا تريدها.. 
لم يهاتفها مرة أخرى وبعد الغداء قررت ركوب عزيزة مرة أخرى، وأمضت وقت رائع معها 
شعرت بنسمات الخريف تمتعها، ولمحت الفلاحين ما زالوا يعملون بالحقول لجني المحصول فشعرت برغبة في الاقتراب منهم ورؤيتهم..
تجرأت وطلبت من السائس فتح البوابة، وعارض الحارس خروجها ولكنها أصرت فلن يصيبها شيء وسط أهل العزبة وبالفعل كانت سعيدة وهي تتحرك عبر الممر الترابي للسيارات الخاص بهم  
كان الهواء البارد يضرب وجهها ويطير شعرها وهي على ظهر الفرسة والسعادة تملأ قلبها، لاحظت بعض الفلاحين يشيرون لها ففعلت المثل وقد تمهلت بالقرب منهم حتى بدأ الغروب يعلن عن نفسه 
قررت العودة ولكن فجأة..
صدع صوت كطلق ناري قوي بجوارها، وشعرت بذات الوقت بألم حاد بذراعها اليسرى ولكنها لم تترك لجام الفرس..
لم يكن هناك وقت لتصرخ لأن صوت الطلق الناري أثار فزع الحصان الذي رفع ساقيه الأماميتين لأعلى بقوة فاجأتها فلم تتوازن على الفرس لتجد نفسها تطير بالهواء والفرس ينطلق للأمام بقوة لتسقط هي على نفس ذراعها المصاب 
ازداد الألم ممتزجا بصرخة ألم منها وصرخات فزع من الفلاحين، ولم تعد ترى إلا وجوه غريبة حولها وأيادي كثيرة ولكنها لم تستطع إيقاف الألم الذي سيطر عليها 
ولم تعد تسمع أو ترى أي شيء.. 

 
تعليقات



<>