رواية وجع الفراق الفصل الخامس5بقلم صباح صابر
بعد ما حنان وافقت....
البيت بقى أهدى من اللازم.
الهدوء اللي قبل العاصفة.
حنان كانت واقفة في المطبخ، ماسكة الموبايل، بتبص على رقم خالة حمزة.
إيدها كانت بتترعش سنة بسيطة… مش ضعف، لكن إحساس إنها داخلة على لعبة مش سهلة.
اتصلت.
صوت الخالة جه مرحّب، لكن فيه قلق:
— “أيوه يا حنان؟ خير؟”
حنان بلعت ريقها وقالت بنبرة محسوبة:
— “كنت بس بطمن… وأقولك إن روح وافقت على العريس اللي متقدم لها… وكتب الكتاب الأسبوع الجاي إن شاء الله.”
سكون.
ثانيتين…
تلاتة…
صوت الخالة اتغير:
— “يعني إيه؟! طب وحمزة؟!”
حنان ردت بهدوء متعمد:
— “كل شيء قسمة ونصيب… واللي ليه نصيب هياخده.”
قفلت المكالمة.
وقلبها تقيل.
بعد أقل من ساعة…
حمزة كان قاعد مع خالته.
وشها باين عليه التوتر، ولما قالت له الكلام…
الدنيا سكتت حواليه.
— “روح… وافقت؟”
الكلمة خرجت منه مكسورة.
الخالة حاولت تهديه:
— “يمكن ضغطوا عليها… يمكن—”
لكن هو ما سمعش باقي الكلام.
قام فجأة.
خرج من البيت.
الهواء كان بارد، بس هو مش حاسس بحاجة غير نار في صدره.
وقف قدام بيتها زي عادته…
بص على الشباك.
النور مطفي.
همس لنفسه:
— “معقول تستسلم كده؟”
في اللحظة دي…
ستارة الأوضة اتحركت.
روح كانت واقفة وراها، شايفة خياله واقف تحت العمود.
قلبها خبط بعنف.
هي ما تعرفش الخطة.
ولا تعرف إن في إشاعة اتقالت باسمه.
كل اللي تعرفه إنهم قالوا لها إن العريس هييجي يشوفها كمان يومين وترفضه.
دموعها نزلت.
وهو واقف تحت، رافع راسه، مستني أي إشارة.
ثانية…
وبعدين نور أوضتها ولع فجأة.
عينه لمعت.
ده مش تصرف واحدة وافقت على غيره.
دي واحدة بتستناه.
قلبه قال له حاجة غير اللي سمعه.
شد ضهره.
همس بعناد:
— “لو فاكرين إني هبعد… يبقى لسه ما عرفوش حمزة.”
وفي نفس الوقت…
جوا البيت…
محمود واقف ورا باب أوضتها، سامع شهقتها المكتومة.
غمض عينه.
هو كان عايز يختبره…
بس ما كانش مستعد يشوف وجع بنته بالشكل ده.
محمود كان واقف في الصالة، صدره بيطلع وينزل بعصبية.
من ساعة ما شاف نور أوضة روح بيولع وهي واقفة عند الشباك، وهو حاسس إن كل خططه بتقع قدامه.
ضغط على سنانه وقال لنفسه:
— “كده الموضوع هيخرج من إيدي…”
مشى بخطوات سريعة ناحية أوضة حنان، وفتح الباب من غير ما يخبط.
حنان كانت قاعدة على السرير، أول ما شافته بالشكل ده قامت مفزوعة:
— “في إيه؟”
محمود كان وشه متغير، عينه فيها قرار مش طبيعي.
قال بصوت واطي بس مليان احتقان:
— “لازم أبعده.”
حنان اتجمدت:
— “تبعد مين؟”
— “حمزة.”
سكت لحظة، وبعدين قال الفكرة اللي كانت بتتكون جواه من شوية:
— “تروحي بيته… بأي حجة. تاخدي شوية دهب من عندنا… وتحطيهم عنده في أي مكان من غير ما حد يحس. وأنا أبلغ البوليس.”
حنان بصت له كأنها مش مستوعبة:
— “إنت بتقول إيه؟!”
محمود كمل بعصبية:
— “يتحبس. يختفي من حياتنا خالص. ساعتها حتى لو روح فكرت فيه… هتكره اسمه.”
حنان قامت وقفت قدامه، عينيها مليانة صدمة:
— “إنت هتظلم بني آدم عشان بنتك؟!”
محمود صرخ:
— “أنا بحمي بنتي! الولد ده لو فضل كده، هيضيعها! الناس بدأت تتكلم، والعريس ممكن يمشي، وساعتها هي اللي هتتوجع!”
حنان هزت راسها برفض:
— “بس مش بالطريقة دي… مش بالحرام.”
محمود لف ضهره، إيده على راسه، صوته بقى أهدى بس أخطر:
— “أنا مش شايف قدامي غير كده. يا يبعد… يا هي تضيع.”
سكون تقيل وقع بينهم.
حنان كانت حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
هي عايزة تحمي بنتها…
بس مش مستعدة تبني مستقبلها على ظلم.
قالت بحزم: لا مش هينفع
صوت الجرس رن
محمود وحنان بصوا لبعض بتوتر.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
محمود مشي ناحية الباب، قلبه بيدق بسرعة.
فتح…
حمزة كان واقف قدام الباب، ثابت رغم التعب اللي باين على وشه.
— “أنا جاي أتكلم… قدامك راجل لراجل.”
محمود ما ادّاهش فرصة يكمل.
مسكه من دراعه وزقه برّه البيت بعنف، وصوته كان واطي بس مليان تهديد:
— “إنت مش مرحب بيك هنا. ولو شوفتك تاني حوالين البيت ده… مش هيحصل كويس.”
حمزة حاول يتمالك نفسه:
— “أنا مش جاي أتخانق… أنا جاي أطلب—”
— “اطلب من بيت تاني!”
وقالها محمود وهو بيقفل الباب في وشه بقوة.
الصوت رجّ البيت كله.
حنان كانت واقفة ورا الباب، قلبها بيتقطع بين الاتنين.
لكن أول ما محمود لف لها، عينه كانت مليانة غضب مخيف.
— “هتنفذي اللي قولتلك عليه. غصب عنك.”
حنان هزت راسها برفض ضعيف:
— “حرام…”
محمود قرب منها خطوة، صوته بقى أهدى لكن أقسى:
— “لو بتحبي بنتك… اعمليها.”
الكلمة علقت في صدرها.
تاني يوم…
حنان كانت واقفة قدام بيت حمزة، إيدها بتترعش وهي ماسكة شنطة صغيرة جواها شوية دهب.
خبطت على الباب.
أم حمزة فتحت بابتسامة طيبة:
— “أهلاً يا حنان! اتفضلي.”
حنان حاولت تبتسم:
— “كنت معدّية… قولت أطمّن.”
دخلت.
قلبها كان بيدق بعنف.
قالت فجأة:
— “ممكن كوباية ميّه؟”
— “طبعًا يا حبيبتي.”
أم حمزة دخلت المطبخ.
في اللحظة دي…
حنان قامت بسرعة.
إيدها بتترعش وهي بتفتح الشنطة.
لفّت حواليها… مفيش حد.
لمحت دولاب جانبي في الصالة.
فتحته سنة صغيرة… وحطت الدهب جواه بين هدوم متكومة.
قفلت بسرعة، ورجعت تقعد مكانها.
بعد ثواني رجعت أم حمزة بالكوباية.
حنان مسكتها، شربت رشفة صغيرة، وحاولت تهدي نفسها.
قعدت معاها، وصوتها كان هادي لكن جواه ذنب بيقتلها:
— “أنا جايه عشان بنتي… روح وحمزة بيحبوا بعض. إحنا مش ضدكم.”
أم حمزة عينيها لمعت:
— “والله يا بنتي أنا عارفة… والولد بيموت فيها.”
قعدوا يتكلموا أكتر من ساعتين.
كل كلمة كانت سكينة في قلب حنان.
لما خرجت من البيت…
حست إنها سايبة جزء من ضميرها وراها
المساء نزل تقيل.
حنان قاعدة في بيتها، بتفرك إيديها بتوتر.
قلبها مش مطمن.
محمود واقف عند الشباك، ساكت.
وفجأة…
صوت عربية شرطة وقف قدام البيت المقابل.
حنان اتجمدت.
سمعت خبط جامد على باب بيت حمزة.
صوت رجالة بتقول:
— “افتح! شرطة!”
صرخة أم حمزة قطّعت سكون الشارع.
قلب حنان وقع في رجليها.
فتحت الشباك سنة صغيرة…
وشافتهم وهما خارجين حمزة مكبّل.
صوته كان عالي، مصدوم:
— “أنا ما سرقتش حاجة! أقسم بالله ما عملت حاجة!”
الناس اتجمعت.
همهمات.
نظرات.
وأمّه بتعيط وراهم.
حنان سابت الشباك ببطء…
ورجعت تبص لمحمود.
بس اللي ما كانتش تعرفه…
إن في شباك أوضة روح كان مفتوح.
وإنها شافت كل حاجة.
ودموعها كانت بتنزل في صمت
البيت كان ساكت…
بس السكون ده كان أخطر من أي صوت.
حنان كانت واقفة قدام محمود، وشها شاحب، عينيها مليانة دموع وخوف.
— “أنا هروح أقول الحقيقة… هو معملش كده. إنت اللي أجبرتني أعمل كده يا محمود!”
صوتها كان مهزوز، لكن فيه قرار.
محمود لف لها ببرود قاسي:
— “مش مشكلتي.”
قرب منها خطوة، وقال بنبرة جامدة:
— “أنا بحمي بنتي. أي حاجة غير كده ما تهمنيش.”
حنان شهقت:
— “تحميها بظلم؟! تحميها إنك تحبس واحد بريء؟! ده ممكن يضيع مستقبله!”
محمود رد بحدة:
— “وهو كان هيضيع مستقبلها! خلاص الموضوع خلص… البوليس خدوه، والدهب اتلاقى عنده، وكل حاجة بانت إنه هو اللي سرق.”
حنان كانت هتتكلم…
لكن فجأة—
صوت شهقة مكتومة قطع الكلام.
الصوت جه من وراهم.
ببطء…
لفّوا الاتنين.
باب الصالة كان مفتوح نص فتحة.
وروح واقفة هناك.
