
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الواحد والخمسون51 بقلم داليا السيد
اعتراف.. تنازل
توقفت أحلام أمام حماها وهو عائد من الخارج، أحواله لا تعجبها تلك الأيام، دائما مشغول، لا يمزح معها كالمعتاد، طعامه قليل بلا سبب ورشدي لا يهتم بكلماتها
“أنتِ تبالغين عسلية"
هكذا يرد ويتركها ويرحل لكنها ترى ما لا يراه ولا تفهم سببه
“أهلا بالهارب من ابنته، لن تمر إلا عندما تخبرني أين كنت؟"
زاغت نظراته عليها، لا كلمات يمكنه منحها لها، كيف يخبرها أنه يفكر بامرأة من المستحيل أن ينالها؟
تحرك من جانبها متفاديا إياها بلا رد، عبثا أرادت اختراقه، الآن عرفت من أين اكتسب جامد الملامح صفته
لكن..
العسلية لا تستسلم..
تبعته ببطء نتيجة حملها وتورم قدماها حتى وصلت له أمام شرفة الحديقة..
وضع يداه بجيوبه، مر بمنتصف الستينات ومع ذلك ما زال يحتفظ بوسامة غير مفرطة، رجولة هادئة ووقار اكتسبه من تاريخه
"ماذا بك بابا؟ لم تخفي عني شيء من قبل!"
لم ينظر لها، ظلت نظرات الخوف بعيون خديجة هي كل ما يراه أمامه، أراد اختراق حصونها، معرفة ماضيها منها
لكن...
حواجزها أكثر ارتفاعا مما يمكنه التسلق..
“بابا هل تسمعني!؟"
ارتدت نظراته لزوجة ابنه، لمحت داخله حيرة، غموض وتمنت لو كشفه "لا شيء أحلام"
والتفت مبتعدا للأعلى، الرغبة بأن يكون وحيدا هي كل ما استجاب له، غرفته احتوته، لم تمنحه الراحة لكن هدوء للتفكير
****
ما أن دخل مكتبه بالشركة حتى تبعه رجاله، أنس وصفوان أما شيماء فلم تنتظرهم حتى يجلسوا وإنما منحته ما حدث قبل أن يصل وهو ظل هادئا
"الميديا بحاجة لاهتمامك يا ريس"
فتح جهازه وهو يفتح جاكته وأجابها "لا تشغلي بالك بها شيماء، أعلم ما يدور"
تراجعت، ملامحها لا تخفي دهشتها ولم تمسك لسانها "لكن، الكبير.. أقصد"
رفع عيونه لها، تراجعت بلا وعي، الخوف ارتفع لمقلتيها وتلجم لسانها "أخبرتك ألا تشغلي بالك، أخبريني بمواعيدي فقط"
اهتزت نبرتها وهي تفعل ما أمر به، تركيزها لم يكن على ما يرام لكن الريس لم ينهرها بل صرفها بهدوء
أنس هو من بدأ، لم يسأله أحدهم عن خديجة ولا سبب الذهاب للمطعم لكن الكبير أمره كان على الملأ "هو أعلنها هارون"
لم ينظر له وهو يرى شاشته فقط منح كلمات موجزه جدا "نعم"
لف أنس وجهه لصفوان الذي تبادل الدور "ومنحك الإنابة"
الأوراق التي كانت هدية ابنه احتوت تنازل بيع وشراء لإحدى القرى السياحة لأحمد، قرار تعيين هارون نائب للكبير بموافقة أعضاء المجلس
"صحيح"
أنس لا يملك نفس القدر من الهدوء الخاص بالريس ولا صفوان، غاضب
"وماذا هارون؟ أنت لا تخبرنا شيء"
ترك الجهاز، تراجع بالمقعد ومنح الرجلان اهتمامه أخيرا "أخبرك ماذا أنس؟ ألم تفعل الميديا؟"
تبدلت ملامح أنس للغضب أكثر "وهل الميديا أصبحت الآن مصدر أخبارنا عنك؟"
انغلقت الزرقاء، سكنت سحابة قاتمة فوق الأبيض وأعلنت عن الريس "لا، لكن كل شيء وله وقته أنس"
صفوان لم يتدخل، ساكن بلا كلمة، يحاول اختراق صديقه وفهم تصرفه "تبدلت كثيرا منذ عودتك هارون، لم تعد تثق بنا"
لف صفوان وجهه لأنس، ملامحه عنت الرفض لم قال بينما ظل الريس مضجع بمقعده، نظراته كما هي، لا تمنح أي شيء وشيطانه المارق مقيد لكن يصارع للخروج
ما زالت الفانيليا غاضبة، رحل بالصباح ولم يتحدثا ولم تمنحه حتى نظرة
ألم تكن هي من أثارت غضبه؟ كيف أصبحت هي الغاضبة؟
"ما علاقة الثقة بما تتحدث عنه الآن؟"
نفخ أنس، نهض، تحرك حتى وقف أمام مكتبه وغضبه لا يتراجع "هي على علاقة بكل شيء هارون، أصبح لك رجال سوانا تنفذ أعمالك، وآخرين تستقي منهم معلوماتك وتبقى أن تزيحنا أو تستبدلنا"
صفوان نطق أخيرا، معترضا على ما قال رفيقه "أنس كفى، أنت لا تعي ما تقول، نحن لسنا رجاله فقط نحن رفاقه، إخوته"
التفت أنس، لم يعد يجيد التفكير، فقد العقل وسقط بفخ الغضب "ربما أنت ما زلت كذلك لأنك أصبحت زوج أخته"
وتنفس بقوة ثم عاد وأكمل "لذا لن يمكنه إقصاءك من حياته.. لكن أنا لا أعني له شيء"
نهض هارون قبل أن يعترض صفوان على جنون أنس، تحرك حتى وقف بمواجهة أنس الذي اعتدل أمام هارون
نظراتهم ثابتة، قامة هارون المرتفعة واجهت رأس أنس المرتفع ونبرته ظلت تحوم حول الهدوء "خمس وعشرون عاما لا تعني شيء؟ رصاص ودماء، موت وحياة، لا تعني شيء؟ حزن وفرح، ألم وراحة، لا شيء؟"
تجهم وجه الرفيق، صدع مزق روحه، ألم اجتاح كيانه، ابتلع ريقه وحاول إيجاد أي كلمات "أنت تبدلت هارون، لم تعد كما عرفناك"
مال برأسه، نظراته ثابتة على عيون الغاضب نبرته حادة وقوية لكن هادئة هدوء مخيف "لأني تعلمت الدرس جيدا، تعلمت أن أجد نوافذ جديدة كي لا أصاب بالعمى، تعلمت أن الحذر لا يمنع قدر لكنه قد يمنحنا الراحة لأننا لم نلقي أنفسنا بالتهلكة"
تنفس الغاضب "أنا أتحدث عنا هارون، رفقتنا، صداقتنا"
لم يعتدل، بل ظل مائلا تجاهه "لم تمس أنس، لكن.. كلا منكما تبدلت حياته، لديكم زوجات وسيكون لكم أولاد بحاجة لكم ولحمايتكم لذا أنا أحميكم لتحموهم، اختياري لطرق أخرى ليس عدم ثقة بكم أنس"
أغمض أنس عيونه، تنفس وهو يرفع يده ويمررها بشعره ثم عاد لهارون والضيق يرتفع ويحل محل الغضب "ونحن نضع عملنا بالمقدمة هارون، حمايتك، حماية ليال، تأدية أعمالنا الطبيعية، كل هذا هو ما تعلمناه ولن نجيد سواه"
رفع يده ووضعها على كتف صديقه وخرج صوته صادقا "أعلم، لكن عليك أن تضيف عليهم حماية عائلتك"
ثم تركه وعاد لمقعده وأكمل "الكبير أعلن أني ابنه ووريثه الشرعي بالأمس، قرار الإنابة تم إعلانه اليوم وهذا أمر لا يسعدني"
تراجع أنس وصفوان يتفهم "جسار وهدى"
هزة خفيفة من رأسه وافقت كلمات صفوان وتابع "بالطبع، قراره استفزاز لجسار وصافرة بداية للحرب العلنية معه أما هدى فهي لا تنال اهتمامي"
رنين هاتفه منحه رؤية لاسم الكبير فرفع الهاتف وأجاب "اجتماع المجلس غدا هارون أريد رؤيتك قبله"
ضاقت الزرقاء ورد "أرسل لي الموقع، فكر بإلغاء الإنابة أنا لن أترك الإسكندرية"
تنهد الكبير وصله، لم تتبدل ملامحه ولا تفكيره "أعلم، سنتعامل بالتكنولوجيا هارون أو تأتي لمكتبي، المسافة بيننا لا تتجاوز ساعتين أو ثلاثة"
عبث بعيونه، لم ينم ولم يتوقف عن التفكير وغضب الفانيليا يغضبه "أنت تعلن الحرب عليه"
نفخ الكبير دخان سيجاره وتأنى بالرد "هو بدأها بالفعل منذ عاد لذا هو لم يمنحني بديل، مكانتي تجبرني على التصرف"
أبعد يده ونظراته ترحل للفراغ "وزيادة النيران بيني وبينه"
ضحكة تهكم صدرت من الرجل "هي متوهجة من الأساس يا ريس أم نسيت؟"
معه حق فلم يجادل وانتهى الحوار
جلس أنس وهارون يرتد للشاشة "زد الحراسة على البيت أنس، ماذا فعلت بخصوص مروان الزيني صفوان؟"
****
ما أن عادت خديجة حتى رأت ليال بالحديقة وهي تضع أحمد بعربة الأطفال وتدفعه والمربية بجوارها
توقفت مكانها، ليال لن تمنحها شيء لكنها بحاجة لأحد يسمعها، يربت عليها يمنحها بعض الراحة
ابتسمت لحفيدها عندما وصلوا لها، لم توقفها ليال عنه بأي يوم، حملته كثيرا وأمضت معه وقتا رائعا وأدركت أن الحفيد أكثر قرب للقلب من الابن نفسه
ركعت بجواره، داعبته فضحك لها فاتسعت ابتسامتها وكأنها نست به أحزانها "كيف حالك حبيبي؟"
صوت الطفولة خرج منه موسيقى طربت أذنها، وضعت قبلة على وجنته واعتدلت "يبدو سعيدا بجولته"
ابتسامة ليال منحتها راحة وسكينة "نعم، انتهينا وهو سينال حمامه قبل موعد نومه"
تولت المربية الأمر وخديجة تراقبها ثم عادت لليال "هل أنتِ بخير؟"
بالطبع لاحظت الديبة ملابس الخروج ورأتها وهي تدخل من بوابة القصر لكنها لم تسأل، اختارت سؤال بسيط وخديجة اختارت الصمت وهما يسيران معا والصمت تمدد بينهما، ليس ثقيلا.. بل حذرًا
أخيرا تكلمت خديجة، صوتها منخفض لكنه ثابت "كنت بالخارج"
لم تنظر لها ليال، لم ترغب بوضع قيود عليها أو منحها ضغط بأي طريقة حتى بالنظرات "هذا واضح"
سكتت خديجة، أصابعها تشابكت فوق حقيبتها بقوة، ثم عادت تقول "لم أكن أبحث عن شيء.. ولا أحد"
توقفت ليال أخيرا، التفتت تواجهها والأخرى التفتت لها، لا اتهام بعيون ليال ولا فضول "وأنا لم أسأل"
ارتعشت شفة خديجة للحظة ثم تماسكت "لكن أظن أنه اعتبر ما رآه شيء كبير"
مالت رأس ليال، غضبها من الريس جعلها لا تواجهه بالصباح، هي لم تخطئ كي يحمل غضبه ويسقطه عليها، هي واجهته بالحقيقة
والحقيقة دائما مؤلمة
اقتربت ليال خطوة واحدة فقط، لا أكثر "هل رآكِ؟"
أومأت خديجة "رآني وعرف"
لم تقل مع من. لم تحتج
منحتها ليال السؤال "ولماذا تخبريني الآن!؟"
تنفست خديجة بعمق، كأن السؤال نزع آخر ما تبقى من حواجز "لأني لا أستطيع مواجهته، ولا أريد أن أختبئ أكثر من ذلك"
رفعت ليال حاجبها وأكملت "ولا تطلبي إذن"
هزت خديجة رأسها "ولا أطلب إذن"
ساد صمت قصير، ثم أضافت بصوت أخفض "أنا تعبت من أن أظل مخطئة لمجرد أني على قيد الحياة"
لم تلمسها ليال، لم تحتضنها
اكتفت بالقول "هارون لا يغضب من الفعل.. هو غضب من الإحساس بأنه قد يفقد السيطرة، هو الريس"
رفعت خديجة عينيها ببطء، ليال تفهم زوجها جيدا وتفتح أبواب هي لا تراها لكنها ترى نفسها "وأنا؟"
تلاقت عيون ليال بها، أرادت منحها بعض الراحة "أنتِ لستِ مسؤولة عن أفكاره"
ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، بلا فرح ولا اطمئنان "لكن.. أنا من يدفع ثمنها"
ليال لم يعجبها كل ذلك لكن هارون يضع حدود وعلى الجميع احترامها "اسمعي مدام خديجة، بالطبع هارون لن يتقبل أي كلمات مني للدفاع عنك لذا لن أفعل لكن هناك شيء لابد أن تفكري به"
توقفت، كأنها تختار كلماتها بعناية "طالما أنتِ هنا.. لابد من احترام رغباته"
ابتلعت خديجة ريقها "حتى ولو على حساب نفسي؟"
لم تجب ليال فورا لأن الإجابة صعبة "ربما لا لكن.. الطريق لن يكون سهلا"
رفعت خديجة رأسها، منحت ليال حقيقة ما داخلها "أنا لم أفكر بأن أبدأ حرب"
أجابت ليال "ولا أنا"
التفتت خديجة لتذهب ثم توقفت دون مواجهة ليال وقالت "هو لن يغفر أليس كذلك؟"
نبرة ليال كانت هادئة، واقعية "الغفران لم يعد على الطاولة الآن"
أومأت خديجة، أخذت دموعها معها وتحركت لبيت البستاني
بقيب ليال وحدها، تنظر لمكان المرأة الفارغ..
تدرك أن ما بدأ بالأمس واستمر اليوم لن ينتهي بكلمات هادئة..
****
لم يصعد لجناحهم عندما عاد، دخل المكتب واستقر أمام نافذته عندما دق الباب فأذن
لم يلتفت، لم تصله رائحة الفانيليا، ما زالت غاضبة وهو أيضا غاضب
“أردت التحدث معك"
انقبضت أصابعه على ذراعيه وهو عاقدهم أمام صدره، لم يتوقع رؤيتها
طال الصمت، هي لا تجرؤ على أن تبدأ فمنحته الانطلاقة "أنتِ تعرفين من أنا أليس كذلك؟"
كانت تواجه ظهره المستقيم أمامها، يداها تعرقت بجوارها، عيونها تقاوم الدموع فلا مجال لها الآن "نعم"
ظل مكانه، لم يمنحها أي بادرة اهتمام "لماذا إذن تتصرفين خلاف ذلك؟"
جمودها لا مجال له الآن، مرت ثواني طويلة قبل أن تقول "أنا لم أفعل شيء يسيء لك"
فك ذراعيه، التفت لها، الزرقاء رحلت وحل الظلام مكانها، ظله الشيطاني يصارع ليخرج لكنه دائما يهزمه لكن بعض منه يهرب ويخرج "ولا مرة؟"
تألم القلب، الجرح لم يغلق وهو يضغط بلا رحمة، هي أصلا لا تستحق الرحمة "هارون أنا.. "
صوته خرج كنيران ملتهبة تصهر ما بطريقها "أنتِ ببيتي. اسمك ارتبط باسمي. وتصرفاتك.. تسقط بصفحتي"
ارتجفت، ارتج شيء بعينيها من الخوف الذي اهتز داخلها من ابنها، ابنها الذي لا يحمل لها أي مشاعر سوى الكره "اسمي مرتبط بخطأ.. ليس بك"
رفع رأسه، هي تنبش بما لا يرغب به ولكنه لا يتراجع ولا يفر من أي مواجهة "والخطأ مرتبط بمن؟"
أخفضت وجهها، لمست يدها قلبها، الألم معروف، ألم عاشته منذ عرفت بوجوده "مهما قلت فأنت لن تسمع"
ابتعد، لا يرغب بمواجهة نظراتها فقد لا تكون صادقة "إذن الصمت أفضل، وما حدث اليوم لن يتكرر مرة أخرى، لن أسمح بمهزلة"
مسحت دمعة هزيلة من على وجنتها ولم ترفع وجهها "ولا أنا كنت أبحث عن مهزلة"
التفت، أضاء الغضب مقلتيه لكن بلا وضوح بصوته "وماذا عن رجل غريب.. أمام الناس؟"
هو يضغط عليها بلا رأفة، لا يرى أمه، مجرد امرأة ببيته تنال حمايته كأي شخص غريب "أمام الناس كنت دائما وحدي"
وحدتها لم تعد تهمه، أي مبرر منها لن يلقى لديه أي قبول، صوته انخفض ليزداد قوة "لا تظنين أنكِ حرة هنا"
واجهته أخيرا لكن دون خوف، هي تراه ابنها مهما قست نظراته ونبض صوته بالكره
"أنا أظن أني إنسانة"
توقف.
جمد مكانه.
لكن سرعان ما عاد الريس "إنسانة لا تعرف سوى أن تخطئ"
عادت تغمض عيونها لحظة. تفهم ما يقصده، فتحت عينيها وواجهته "وخطأها لا يمكن أن ينتهي.. أليس كذلك؟"
لم يجب..
الصمت كان إجابته..
الألم الذي لم يخرجه.. ظلامه.. وحدته.. غضبه
كلها كانت إجابات غير منطوقة..
نطقت بهدوء قاتل، لا تعرف من أين أتت به، ربما من يأسها "ألا يمكن أن أنال غفرانك بأي يوم؟"
التفت، منحها ظهره، لن تتخطى الحدود. لن تتجاوز ما منحه لها
نبض القلب نبضة مختلفة، ألم، حسرة، دمار "إذن لا تتدخل بحياتي"
عاد والتفت لها لكنها..
رأت النيران تحترق بعينيه، نظرة نارية سقطت عليها، تراجعت خطوة، وهو تقدم واحدة "أنتِ لا تخبريني ماذا أفعل من عدمه، أنتِ تفعلي ما أقوله فقط، علي زيتون أو سواه خط أحمر لو تم تجاوزه فتحملي النتيجة"
وتحرك من جوارها، ذراعه يصطدم بكتفها ليدفعها بقوة كادت تسقطها وهو يخرج وهي تترنح من دفعته
وتركت الدموع تتساقط تدرك.. أن الحرب لم تبدأ لكن الهدنة..
انتهت..
****
سيارته اخترقت ظلام الليل، بلا رفيق، فقط وحده.
كما اعتاد..
أراد نفسه.. سكونه.. إخماد نيرانه المتوهجة..
هل تفقد السيطرة يا ريس؟
أوجعت قلبك ببقائها جوارك، وسيزيد ألمك إن تركتها ترحل.
فماذا تريد؟
أسند رأسه على أصابعه، هواء فبراير يضربه بقوة، يبعثر خصلاته التي انفلتت من رباطها..
الفانيليا ستغضب..
هي بالفعل غاضبة وهو..
هو بحاجة لها.
ابتسامتها، يداها على صدره.. كلمات الحب والتهدئة..
أوقف السيارة، وأسند رأسه إلى ظهر المقعد.
أغمض عينيه، غير راغب بشيء.. لكن لا مفر من مواجهة الماضي والحاضر معا..
من أين يبدأ؟
من الملجأ ولقب لقيط يصفعه؟
أم الرياسة وأم تضعه على المحك؟
لم لا يتركها تفعل ما تشاء؟ علي زيتون أو سواه ما الفارق؟
الفارق رجولتك هارون، سيطرتك.. قيادتك
هي لا تستحق سوى أن تدخل غرفتها وتغلق على نفسها، تطلب الغفران على ذنوبها
لكن..
هي تتجاوزه .. وهذا ما يخيفه
من نفسه..
هاتفه قطع وحدته، أخرجه وتنفس بقوة لمن اشتاق لها قلبه واحتاج وجودها
“ظننتك لن تهتمي لغيابي"
كانت أمام النافذة، منذ رحل بسيارته وهي واقفة والخوف عليه تمكن منها.. لا حق له بأن يغضب بعيدا عنها
"وأنا ظننت أنك لن تتحمل عدم رؤيتي يوما كاملا وبنهايته ترحل وحدك"
أغمض عينيه مرة أخرى، الديبة تحاوره..
نبرتها التالية لامست قلبه "هل أنت بخير؟"
لا.. هو ليس بخير "أريدك الآن"
تنهدت بقلب متألم له "وأنا هنا هارون، أنت من يبتعد"
فتح عينيه ولم يجيب.. لا يرغب بإسقاط غضبه عليها مرة أخرى
"هارون"
انتظرت الرد وهو تنفس بقوة ومنحها إياه "قلب هارون"
ابتسمت "أرغب.. "
أدار السيارة وأكمل معها "آيس كريم، شكولاتة، فانيليا وبستاشيو"
ضحكت الفانيلا ..
وضحك الريس.
****
الاجتماع كان مختلف، الكبير لم يحضر وتلك كانت مفاجأة للجميع حتى هارون نفسه وبالتبعية من أدار الاجتماع كان..
الريس..
ساعات بلا عدد انتهت والاجتماع مستمر والريس نسى اعتراضه على أن ينال مكان الكبير الذي وضعه به غصبا
"أرى أننا انتهينا يا سادة، هل هناك أي شيء آخر؟"
شيماء رتبت الأوراق المبعثرة، صفوان بجواره يمرر نظراته على شاشة جهاز الريس ثم الرجال الصامتة
نهض الريس "هكذا انتهينا، توقيعكم على الجلسة يا سادة قبل أن تذهبوا"
التفت والحسيني ينهض ليلحق به "مدام ليال لن تعود؟"
توقف، للحظة لم يلتفت، غير مسموح لأي رجل بذكر اسمها أمامه باستثناء أنس وصفوان
كان الحسيني قد وصل وتوقف أمامه، سقطت نظرات هارون عليه، ليس الريس بل الزوج والغيرة لا تعرف الهدوء
"أصبح هناك مكانًا فارغا"
ضاقت الزرقاء، صفوان واقفًا بجواره، أراد اقتلاع لسانه ندمًا على ما قال وهارون مدرك الرجال التي ترحل من جوارهم ترمقهم بنظرات فضولية تنتهي بخروجهم حتى انتهوا "غير مسموح لأحد أن يذكر امرأتي على لسانه حسيني، أنا أمنح تحذير واحد"
وتحرك لمكتب الكبير، لم يجلس على مقعده، فقط توقف وصفوان يتبعه بجهازه "الجميع وضع توقيعه هارون"
هاتفه على أذنه والكبير يجيبه "كان عليك إخباري قبل أن تضعني بوجه المدافع"
ابتسم الكبير وهو يجلس بقصره، ليس خلف مكتبه لكن.. على مقعد وثير بغرفته
هو فكر وقرر وانتهى..
"لو كنت فعلت ما كنت وافقت، أنت لا يمكن استئذانك هارون، أنت تؤخذ بالقوة بني"
لف حول نفسه، المكتب يختلف كل مرة حسب مكان الاجتماع لكن يظل مكتب الكبير فاخرا بأي مكان "سيصلك التقرير النهائي بالمساء والجلسة القادمة ستكون أنت على مقعدك"
نفخ الرجل دخان سيجاره، أحاط نفسه بسحابة بيضاء من دخانه.. هو وضع ابنه على أول السلم واثقا أنه بمكانه الصواب ولن يندم "سابق لأوانه بني.. أعجبني ردك على الحسيني، الغيرة لا تقودك يا ريس"
رفع وجهه، أدرك أن الكبير كان موجود بينهم ليس بالضرورة بجسده "لا شيء يقود الريس سوى عقله يا باشا"
وأغلق كلاهم.. ثقته تعجب الكبير، قوته لا تتزعزع، راحته الآن لا مثيل لها، أخيرا حقق ما تمنى
ابنه يجلس مكانه..
دخول هدى قطع لحظته، أوقف سعادته بانتصاره وغضبها لم يتوقف منذ عرفت بأمر هارون، جسار لم يمر على عقلها، فقط هارون..
تحركت حتى وقفت أمامه، قطعت السحابة البيضاء وهو لا يرفع وجهه لها "أنت لم تمنحني أي قرار محمد؟"
رفع وجهه له، لا يتنازل عن هدوئه، تماما كما علم ابنه "بشأن ماذا؟"
الغضب سريع عند النساء، ليس لديهم قدرة على التحكم كالرجال وهي اعتادت على أن تكون مجابة بكل شيء "بشأن الابن الذي ظهر فجأة من حيث لا أدري، أخبرتك أني لن أقبل به"
أطفأ السيجارة بكل وقار، سلطة، قوة ولا مبالاة باعتراضها ثم عاد لها "لم يعد اعتراضك ورفضك يجدي، أنا أعلنت أمام العالم أنه ابني ونائبي واليوم رئس المجلس نيابة عني"
تجهمت لحظة ثم انفجر غضبها بوجهه "كيف تجرؤ على ذلك؟ رئيس عصابة يكون ابن لك؟ هل جننت؟"
ملامحه باردة، باهتة، لا تدفع بأي معنى عما داخله
نهض، واجه امرأة عاش معها خمس وثلاثون عاما وربما أكثر، تحمل منها ما تحمل ولم يظن أنه سيخرجها من حياته فهي الأخرى تحملت منه الكثير
لكن..
عند هارون وكل شيء يتوقف.
انحنى، نظراته انغلقت.. رحلت السحابة البيضاء وحلت العتمة القاتمة مكانها، نبرة باردة لا تحمل سوى التحذير
"ربما أكون مجنون، مجنون لحياة لم أعرف فيها السعادة والراحة لكني متأكد بلا ذرة شك أن اعترافي ببنوته هو أكثر شيء عقلاني وصح فعلته بحياتي"
تراجعت، الإصرار بنظراته جعلها تتهاوى من برجها العالي، تسقط من سماء ظلت تسكنها سنوات عمرها واليوم لن يمكنها البقاء بمكانها
ابن زوجها، لقيط..
ابن خادمة..
وهي لن تقبل "صح وعقلاني وأنت تتخذ لقيط ابن لك"
ونالت جزاءها على تجرؤها بدخول منطقة محرمة.. طعنه بسلاح هو من صنعه، هو من جعل من هارون لقيط وهي الآن تغرز الخنجر بالقلب
الصفعة كادت تسقطها أرضا..
لم يندم، نيران تتحرر من عينيه ترغب بإحراقها مكانها "هو ابني من تتحدثين عنه، ابن محمد الديب، الكبير، وريثه الشرعي وعندما تتحدثين عنه تتحدثين باحترام"
وتحرك بخطواته البطيئة وعصاه ترافقه خارجا من الغرفة ومن داخله أدرك أن الحقيقة التي صنعها.. لن تُمحى من حياة ابنه، ولا من حياته هو.
****
جلست البسكوتة بأحضان الغاضب، رؤيتها لملامحه الجامدة أسكنت القلق بقلبها عليه "حبيبي ليس معي"
بعد منتصف الليل بساعتين كان لابد أن يكون معها، يفرغ عقله من كل شيء خارج باب بيته لكن..
هارون، تصرفاته، كلماته.. ما زال كل شيء يشغله
ضمها له، يدرك أنها تعلمت أن تفهمه جيدا، تقرأ عيونه وتفهم تسارع دقات قلبه "بل معك ألاء، فقط متعب، اليوم كان مرهق"
داعبت قماش التي شيرت خاصته، ابتسامة وردية على شفاها الصغيرة ونظرة حب وهيام تجاه من تعيش له "هذا عن جسدك لكن أنا أتحدث عن عقلك أنس، أنت بعالم آخر"
أبعد خصلات شعرها وظل يعبث بها بأصابعه وعقله بالفعل شاردا ومع ذلك استعاده لأجلها "أشعر أن هارون تبدل"
لم تصدق ذلك، هي عرفت ذلك الرجل ليس فقط من تصرفاته معها بل من القصص التي سمعتها من هنا وهناك عنه، هو ليس الرجل الذي يتبدل بسهولة
"لا أفهم أنس"
زاغت نظراته لبعيد وكأنه يخاطب نفسه "أشعر أنه يبعدنا أنا وصفوان عن الساحة، يستبدلنا برجال أخرى"
الصمت قابله.. جعله يسقط نظراته عليها، يتساءل عن الرد الذي لم يأتيه "أنتِ صامتة!؟"
هزت كتفها الحر هزة بسيطة، ولم تواجه عيونه النابضة بالحيرة فقط أجابت ببطء "لأني لا أوافق على أفكارك أنس"
وخرجت من أحضانه لتستقيم جواره، تواجه لمعان عيونه، تجيب أسئلته "هارون لو أراد إخراجكم من حياته فلن يستأذن، سيلقيكم بلا مقدمات، ربما هو يخفف عنكم التزاماتكم لأن كلاكم أصبح لديه بيت وزوجة وأطفال بالطريق"
ثبت عليها.. كلمات هارون تطابق كلماتها هل تحدثت معه دون أن يعرف؟
التساؤل صرخ على لسانه "من أخبرك ذلك؟ أقصد كيف وصلت لتلك النتيجة؟"
مررت يدها على بطنها الصغيرة، سعيدة باستقرار طفلها داخلها، تشتاق لرؤيته وحمله بين ذراعيها "من كل ما سمعته وعرفته عن هارون أنس، وأيضا إدراك عمق علاقتكم"
هل فهمت صديقه أكثر منه؟
أم هو من لم يجيد التفكير جيدا؟
أبعد وجهه، الفكرة غير مقبولة عنده "حتى لو، نحن أحق بقربه وحمايته من أي أحد آخر"
لمست يده، جذبته من غضبه المكتوم، منحته سكينة وطمست لحظة غيرة أو غضب أو حتى جنون "أنتم بالفعل بقربه، وتفعلون ما تفعلون على أفضل وجه ولكن هو كريس لابد أن يكون لديه خط دفاع ثاني وثالث أنس وهذا لا يمس مكانتكم بشيء"
تلك البسكوتة تفهم الكثير، تتعلم، تتواصل مع مجتمعه على أفضل وجه
اعتدل، دفع يده بعنقها وجذب وجهها له، وهمس أمام شفتيها "متى عرفت الريس هكذا؟"
ارتاحت يدها على صدره تتلذذ بعطر أنفاسه على وجهها، دفء يده على بشرتها، قربه المحبب لقلبها "منذ أول يوم عرفتكم حبيبي، كلكم لا تتوقفون عن الحديث عنه فكيف لا أعرفه؟"
قبلته أخذتها، كان يمنحها مكافأة على الراحة التي منحتها له حتى ولو كان بكلمات بسيطة لكن..
سكن قلبه تجاه رفيقه بسببها..
****
المجنونة اشترت الكثير من الموديلات الداخلية وباللون الأحمر ومشتقاته لأجل العملاق وانتقت الأفضل لتلك الليلة
هي مميزة..
دخول الغرفة المظلمة جعله يدرك أنها سقطت بالنوم بسبب السهر الكثير، نفخ ويده تمتد ليضيء النور لكن..
لا نور..
عبثت نظراته وهو لا يفهم السبب، هل هناك عطل ما؟ غرفتهم فقط أم ماذا؟
ما زال بيتهم لم ينتهي والعمل مستمر به..
التفت ليخرج لكن تلك الأنوار الذي خرجت من الشموع الصغيرة مطلقة أشعة كصواريخ صغيرة جعلته يرتد..
كعكة عيد الميلاد تتحرك له بالشموع والأغنية بصوتها له وهو تجمد..
لم يعرف معنى الاحتفال بعيد ميلاده، لم يذكر بالأساس اليوم ولا الشهر "أطفأ الشمع صفوان، هيا بسرعة"
انتبه لها، نفخ، انطفأ الشمع، حل الظلام لكن سرعان ما أضاءته هي من مكان ما لم يهتم لمعرفته
نظراته ثبتت عليها، وضعت الكعكة على المائدة والأطباق بجوارها، العصير وبعض المقبلات ولكن هو لم يكن يهتم بكل ذلك بل..
المرأة التي أصبحت عليها، قوامها، شعرها.. بشرتها اللامعة من اهتمامها بها والأحمر..
مثيرًا لرجولته بلا مقاومة.. التفتت له بطبق والشوكة بيدها ووقفت أمامه
الكعب العالي منحها قربا منه.. عطرها غلب كل الروائح من حوله
الشوكة ارتفعت لفمه "أنا من صنعها لأجلك"
انتبه.. استعادته من دوامة الذهول وتناول القطعة، حلوة.. لذيذة وهي لا تصبر "هيا صفوان أخبرني رأيك"
لكنه لم يفكر بالمذاق "هل فعلتِ كل ذلك؟"
ضربت الأرض بكعب الحذاء الأحمر، تذمرت كطفلة فقدت لعبتها "نعم صفوان وأنتظر رأيك بالكعكة"
كان يعلم أنها مدللة، لا تفعل أي شيء فهل فعلت لأجله؟
"كيف؟"
لم تتراجع وهي تجيب ببساطة وكأن الأمر لا يعني شيء "بمساعدة الانترنت وليال"
ابتسم أخيرا "وأظافرك المطلية، وبشرتك الحساسة لحرارة الفرن و.. "
تذمرت أكثر حتى كادت ترحل من أمامه "لا يهم كل ذلك صفوان، أردت إسعادك وأنت لا تهتم سوى ب.. "
أمسك الطبق وأبعده على المائدة وأمسك يدها وهي تقاوم الدموع "أنتِ فعلت ذلك لأجلي يا مجنونة!؟"
جذبها من يدها وتركها على صدره وضمها له وهي لا تفهم "بالطبع فعلت لأجلك، هو أول عيد ميلاد لك ونحن معا، أردت أن يكون مميز لكن يبدو.. "
وكعادته، أسكتها بقبلته.. أراد الرد لكن بطريقته وهي لم تقاوم.. هي تحب قبلته، ضمة ذراعيه.. لمساته.. أنفاسه
هي تعشق كل ما يخصه.
أبعدها ولم تفتح عيونها إلا عندما منحها ما تستحق "أنا أحبك جميلة، بجنونك وعقلك، صغرك أو كبرك، فقط أحبك"
ابتسمت، ضحكت وضحك قلبها وارتفعت لتحتضنه بقوة وهو ألصقها به، أصبحت نصفه الآخر، ضلعه الناقص..
هي أنفاسه.. قلبه كما يخبر هارون ليال
هي الحب..
الغرام.
****
مهما كنت بأي يوم..
لقيطا.
ريسا.
نائبا للكبير.
فأنت بالأساس قلب.. ينبض بالحب والغرام
والغرام يعني واحدة..
ليال..
لم يرها عندما دخل غرفتهم.. منذ جدالهم الأخير، وهما تقريبا لا يلتقيان إلا لحظات قصيرة.. هو يرفض مواجهتها، وهي تتركه حتى يهدأ سخطه..
أنس أخبرها أنه لم يتناول شيء منذ الصباح، واليوم كان مرهقًا بسبب السفر واجتماع المجلس، لذا فعلت ما تهواه
دخلت ووضعت الطعام الذي يحبه. صوت المياه أجاب على التساؤل، رحلت إلى المرآة، تعرف ما يحبه في ذلك أيضًا
الفانيليا ملأت الغرفة، واللون الأزرق الذي يشبه عينيه لفها بأناقة
التفتت له عندما خرج.. شعرها الأسود التف معها، أخفى أكتافها العارية لكنه لم يُخفِ باقي مفاتنها
توقف.
ملتف بالمنشفة حول خصره، المياه تتقطر من خصلاته المبعثرة حول وجهه، وعيناه ثابتتان عليها..
تلك الفتاة ذات العشر سنوات اقتلعت قلبه من صدره وأخذته لنفسها والآن وهي امرأته، تأخذ أنفاسه.. بل تسحب روحه منه
بالطبع أخذ المبادرة..
توردت.. الزينة لا تقلل من جمالها الطبيعي، بل تزيده، وهو يعشقها بكل حالاتها
وهي..
ترغب بمنحه، ومنح نفسها، ما حرما منه..
ثبت أمامها، كعادته يفقد العالم بجوارها، يرى انعكاس صورته داخل مقلتيها
"تعلمين كم أنِت جميلة، صغيرتي"
ابتسامتها تشرق دنياه، طمست معاناته وآلامه وأحزانه، أحرقت كل ما كان يفقده لذة الحياة
مرر أصابعه على وجنتها وهي تجيبه "وأنت تعلم كم تحبك صغيرتك"
هز رأسه وأصابعه جذبت وجهها له، أخذ شفتيها بسلطة الريس وقلب هارون، ممتزجًا باللافندر والفانيليا..
قويت القبلة، ويداها التفتا حوله، تمنحه بادرة لم يأخذها بل أفلت شفتيها "ليال، الطبيب.. "
قاطعته بنظرات مشتاقة "انتهت الفترة هارون، أنا لك"
لم يجادل.
اشتياقه لا يقدر بشيء. رفعها بين ذراعيه واستقر بها على الفراش، وهي تلفه بذراعيها، تجذبه لها، تشتاق بالمقدار ذاته، وربما أكثر
الرجل..
كل حياة المرأة..
انتهى، واعتدل بالفراش جاذبا إياها لأحضانه، وقبلته على جبينها فسألته "ألست جائع؟"
إجابة مختصرة "جائع.. لكن ليس للطعام ملاكي، بل لكِ"
ضحكت ووضعت قبلة على صدره ثم انفلتت منه "سأحضر الطعام وبعدها نرى جوعك الآخر، الليل لي يا ريس"
اعتدل، وهي تلتف بالروب وتُحضر الطعام إلى الفراش ليتناولاه سويا..
الصمت أتى بلا دعوة..
المناقشة لم تُفتح منذ تلك الليلة، وخديجة تحبس نفسها بغرفتها والطعام بالكاد يُمس
"تعلمين أني لم أقصد إغضابك بتلك الليلة"
رفعت عينيها إليه، التقت بعتمته الواضحة، ولم تعترض على فتح باب العتاب "وأنا لم أقصد الضغط على جراحك أو إيلامك"
أخفضت وجهها للطعام وأكملت "ربما دخلت منطقة محظورة عليّ ولكن.. "
انتهى من الطعام، وحين نهض توقفت عن الحديث. تناول زجاجة المياه، ودون أن ينظر لها قال "ليس هناك أي شيء في حياتي محظور عليكِ ليال، هو فقط.. "
صمت قليلًا، ثم التفت إليها، كانت ما تزال جالسة، تمنحه نظراتها وتنتظر كلماته "أنا لا أحب أن تهزمني المشاعر، أرفض أن تخرج الأمور من تحت قبضتي"
نهضت، اقتربت منه، رفعت وجهها لتلتقي بعينيه "لا شيء يمكن أن يمر من تحت قبضتك هارون، لم تنل اللقب من فراغ"
مال رأسه "لا تتحدثين بقلب الزوجة"
ابتسمت، لمعت عيونها "ولكني زوجتك هارون، أكثر الناس معرفة بك، كريس، كزوج وكأب.. أنا لست خصمك حبيبي"
هدأت الزرقاء، انسحبت حدتها، وسحبت بعض الإنسانية من قلبه المنتفض "أعلم"
ودفع يده إلى وجنتها، استراحت على راحته وأكمل "لذا أوجعتك"
نبرتها ناعمة، صادقة، فائضة بالحب "أبدا حبيبي، وجعي كان لأجلك، أعلم بالصراع الذي يدور داخلك ولا أعرف كيف أساعدك"
صنع دوائر بإبهامه على وجنتها، والزرقاء لا تترك وجهها "لا تطلبي مني أن أكون رحيمًا في شيء ما زال يؤلمني"
صراحته ضربتها بالصميم لكنها لا توقفها "ولا تطلب مني أن أسكت وأنا أرى النار داخلك"
صمت.. لا كلمات توافق ما يدور
لكن..
يده قربتها منه.
يداها تعتلي صدره، فوق قلبه.. تعرف أن هذا مكانها، داخل أعماق قلبه
"فقط كوني بجانبي"
قالها كطلب.. لا كأمر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، صادقة "لن أكون إلا بجانبك ما حييت"
سحبها إلى حضنه.. لا كلمات
الصلح الضمني لم يكن نهاية الخلاف
لكنه كان عودة القربى..
****
عدة أيام ترحل بهدوء، استقرار عائلي حتى نال الريس الدعوة من الكبير "احتفال رسمي بمناسبة إعلان هارون ابنا شرعيا لمحمد الديب وتعيينه نائبا له بذات الوقت"
الحفل نال اعتراضا مخيفا من هدى ومعركة ضارية مع زوجها واعتراضا ذهب هباء..
القاعة بفندق الكبير.. من أفخم فنادق القاهرة..
هارون كان يعلم أن الكبير اعترف به كابن ووريث شرعي له، لكن صدمته كانت عندما علم أن اسم خديجة ورد بالأمر لذا لم يرفض اقتراح ليال بأن تحضر..
السيارات توقفت.. x
الفانيليا متألقة بفستان أحمر قاتم انسحب على جسدها بليونه مظهرا مفاتنها بلا إظهار أي شيء عاري سوى ذراعيها..
لمعت الخيوط الفضية عليه بشكل رقيق وجذاب لمصمم أزياء مصري معروف..
شعرها ارتفع بتسريحة مناسبة لوجهها المستدير، والتجميل كان رقيقا وفاتنا، خاتمه تألق بإصبعها والخاتم الماسي الجديد الذي منحه لها الليلة كان بجواره، عقده الماسي حول عنقها، الأقراط انسابت من أذنها
زوجة الريس، النائب، حاولت أن تكون ثابتة أمام الكاميرات التي لمع ضوئها بعيونها بمجرد أن استقامت ويدها بذراعه
لأول مرة ذاهبة لتواجه هذا المجتمع الكبير.. صحافة، رجال أعمال ثقيلة، ورجال دولة معروفة تجامل الكبير وستسعى لتنال رضا نائبه وابنه
لم يهتم الريس بكل تلك الأجواء، كان يراها وهو يعمل مع الكبير بالصغر، اهتمامه كان بزوجته، التي ضغطت أصابعها على ذراعه وشعر بقلبها ينبض بقوة
لا أسئلة تجاب حتى الآن.. حركة للأمام، صفوان وأنس يفسحان لهما الطريق ونظراتهم تجوب من حولهم.. حماية الريس وزوجته واجبهم
لذا لم يصطحبوا زوجاتهم..
سؤال صدر فتح باب الأسئلة "لماذا الاعتراف الآن يا ريس؟"
كان يتحرك بها وسط الممر الوحيد المتاح وسط الزحام على الجانبين "لأن كل شيء بأوان"
سؤال آخر "ابن غير شرعي؟"
انقبض قلبها لكنها تثق بزوجها وهدوئه الذي لا يتركه "هذا ليس من شأن أحد"
سؤال أخير قبل أن يصل لباب الفندق جعله يقف ويلف وجهه للسائل "هل حقا والدتك كانت خادمة؟"
ثبتت الفانيلا، حافظت على ملامحها جامدة بل ورغبت بوضع قبضتها بوجه الشاب المتذاكي ولكن هارون يعرف كيف يوقف أمثاله "كانت امرأة شريفة تعمل بيدها"
وتحرك وعيونها تلمع على جانب وجهه الجامد، هل ما زال قادر على مواجهة من سيقابلهم بالداخل؟
كان يعلم أنه سيقابل تلك القنابل بوجهه، لم يخف، لم يتراجع ولم يشعر بالخزي..
هي حقيقته..
لا أحد يفر من حقيقته..
الكبير وقف بهيبة وقوة واضحة، وكبرياء مبني على تاريخ أسرته العريق وتاريخه هو شخصيا والذي صنعه بمجهوده..
لم تكن عصاه حاضرة، رفضها.. نفض لحظة ضعف واحدة أمام الحضور..
دخول الريس صنع همهمة.. جذب الانتباه كله.. الصمت حل على الجميع وظلت الموسيقى وحدها تدار من مكان ما..
رفع الكبير الكأس الذي بيده لتحية ابنه فلمعت الزرقاء له.. الوجوه كلها معروفة.. سنوات عمره ممتلئة بالكثير..
النظرات تابعته.. الكؤوس ارتفعت لتحيته والرؤوس تمنحه تحية وهو لا يمنحهم شيء..
توقف أمام محمد الديب.. الرجل ابتسم ابتسامة واسعة، عيونه امتلأت بالسعادة والفخر..
أخيرا حقق أمنيته..
هدى تراجعت.. لن تقدم اعترافها به أبدا.. لن تقبل بابن الخادمة حتى لو أجبرها زوجها على ذلك علنا.. ستظل ترفضه..
"كعادتك ليال، بسيطة، أنيقة وجميلة جدًا"
ابتسمت له، تغاضت عن الماضي كزوجها، أرادت له السعادة ورأت صدق مشاعر الكبير "شكرا يا باشا، سعيدة بأنك بخير"
منحها إيماءة من رأسه ولف وجهه لابنه "كيف هو حفيدي؟"
سؤاله لهارون يقطع التوتر بينهم، يرى نظرات ابنه الجامدة، مغلقة، الظلام يسكنها ولا شيء واضح منهما "بخير"
بلحظة كانت الرجال تنضم واحد وراء الآخر..
ليال انسحبت قليلا عندما اقتربت هدى منها، هي لم تعرفها من قبل ولكنها تراها بجوار الكبير بالصور والحفلات "واضح أنكِ ليال"
كان إقرار وليس سؤال.. هي أيضا تعرف ليال جيدا ولم تشعر ليال بالراحة تجاها
الديبة هادئة "وأنتِ مدام هدى بالطبع"
بنفس النبرة ردت، السوداء بعينيها لا تمنح أي شيء
"أنتِ جميلة وصغيرة بالقياس لعمره"
ليال أدركت صدق إحساسها تجاه المرأة، عيونها تحمل كره واضح لهارون، وقربها من ليال غريب "عمره لا يعنيني بشيء، فقط قلبه ما أردته والقلوب لا تخضع لعدد السنوات"
ضاقت عيون هدى، الديبة لا يستهان بها "عرفت أنكِ ابنة شريف السمنودي وهو رجل معرف بذلك العالم.. "
لم تتبدل ملامح ليال، واقع والدها غلاف خارجي ملتصق بها وهي لم تنزعه.. لا أحد يختار والديه..
"نعم ولكني الآن أنتسب لعالم الدياب"
أصابت الهدف وابتسامة هادئة على شفتيها منحت هدى صفعة صغيرة "زوجي ليس لديه بنات"
رفعت ليال وجهها ولم ترغب بجرح المرأة بذكر عقمها بل اختارت إجابة أخف "لم أقصد زوجك، بل هارون الديب"
رفعت المرأة رأسها ولم ترد ورأسها يلتفت حولها من الضوضاء التي ارتفعت
ازدحمت القاعة فجأة بالوجوه الثقيلة، بدلات سوداء، ونساء أنيقات، نظرات محسوبة، همسات لا تُسمع إلا بين الطاولات..
الضوء مسلط على المنصة، وعلى الكبير الواقف بثباته المعتاد.. نفس الوقفة التي اعتادوا رؤيته عليها منذ سنوات
هدى اختفت..
الديبة ظلت بالصفوف الأولى
بجوار زوجها..
ليس لأن المكان يليق بها. بل لأن مكانها هنا اعتراف غير معلن أو معلن أنها شريكته، في الوجع قبل المجد
القاعة أصبحت مشدودة على آخرها.. وجوه تعرف معنى الاسم، وتعرف ثمن تلك المكانة
الكبير واقفا خلف المنصة، لم يبتسم، لم يستعرض.. كأن الاحتفال لا يعنيه بقدر ما يعنيه ما سيعلن عنه الآن
"مع تقدم السنوات نتعلم.. أن السلطة ليست اختيار"
توقف..
نظره جال على الوجوه، حتى استقر على هارون الواقف بثبات بجوار زوجته
"بل حق تأخر"
صمت دب بين الجميع، انتظار بيان؟ انفجار؟
لا أحد يعرف..
"ويأتي وقت السداد"
الهمهمة قطعت الصمت لكنها كانت خافتة..
مد الكبير يده ببطء، ليس دعوة.. بل قرار حاسم اتُخذ ولا مجال لمعارضته.
تنحى خطوة.. خطوة واحدة للجانب، فرّغ المكان أمام المنصة ولم يقل؛ تفضل، لم يقل، ابني ولم يقل، أستحق
قال كل ذلك بحركة واحدة وهارون لم يتحرك
لم تندهش الديبة، لم تبدر منها أي حركة، عينيها كانت على هارون فقط
رأت كتفاه يتصلبان.. الرجفة الخفيفة التي لا يلاحظها أحد سواها، هو يعرف كيف يخفيها عن العالم
لكن ليس عنها..
وعرفت تلك الوقفة..
هي ذاتها وقفة الطفل، الذي تعلم أنه لا يمد يده لشيء حتى لا يُقال لاحقًا "أُعطي له"
حين تأخر تقدمه، انقبض قلبها.. ليس خوفا من فشله.. بل خوفا من أن يكسره هذا اليوم أكثر مما رممه
اللحظة طالت، ثقلها كان كفيل بكسر أحد غير الريس
نظر للكبير.. نظرة رجل لم يطلب هذا اليوم، رفضه، لكنه عاش عمره كله ينتظر اعترافه وقد فعل..
نال الاعتراف واستحق التنازل.
تقدم..
وقف في المكان الذي رفضه كثيرا.. لم يضع يده على المنصة.. كأن الخشب نفسه يحمل ذكرى الإقصاء
والتقت النظرات وهمست العيون بلغتها الخاصة
التصفيق انفجر..
جذب انتباه الكبير الجديد..
أما الكبير القديم فقد تحرك مبتعدا وهو يعلم أن ما فعله ربما يمحو جزء آخر مما كان
وهارون..
وقف، لأول مرة، كبيرا، وريثا، وجرحا واقفا على قدمين، يحاول أن يشفى
ورأته ليال، لم تر كبيرًا، رأت رجلا.. يقف بمكان لم يسعى له يوما.. لكنه وصل له بعد أن نزف بما يكفي
ابتسمت. ابتسامة صغيرة.. لا تُرى
ابتسامة زوجة تعرف أن الرجل الذي تحبه لم يُنصب اليوم فقط.. بل اعترفوا به أخيرًا
وضعت يدها على صدرها، كأنها تُثّبت قلبها في مكانه، وهمست بلا صوت "أنا هنا حبيبي.. ليس لأجل المجد، بل لأجلك أنت"
لم تسمع كلماته، لم تهتم.. فقط فخورة به وسعيدة لأجله
كل شيء تغير بعد تلك اللحظة، المعاملة، الكلمات وحتى النظرات.. والصحفيين لا يتوقفون والكبير الجديد يجيب بهدوء لازمه كجلد ثاني له
أن يكون الريس فهذا كان له وزن وثقل لا يستهان به. لكن أن يصبح الكبير فهذا كان شيء مختلف تماما..
محمد الديب جلس على مائدة العشاء، ابنه على يمينه وهدى على يساره.. اعتراضها على ما كان ذهب مع الريح.. وأصبحت مكانتها بمكانة تلك الفتاة، ابنة المجرم.. الديبة
بل أقل..
لم تعد هي زوجة الكبير بل الديبة..
النظرات اختلفت لليال.. طريقة الحوار امتلأت بالاحترام والتقدير أكثر مما كان، وهارون بجوارها يدير دفة الحديث بحنكة عرفتها منذ دخلت حياته
نظراتها له أخذتها من طعامها، مبهورة، فخورة، هائمة بحبه..
حتى لف وجهه لها فجأة فابتسمت له.. يعلم أنها موجودة، تقف خلفه، جواره، المهم أنها معه
ظلت نظراتهم ثابتة، ابتسامتها دفعت الدفء بأطرافه.. هو ثابت كالجبل لكن وجودها منحه قوة أكثر وسيطرة خاف أن يفقدها بتلك اللحظة
ترك سكين الطعام من يده وقبض على يدها الثابتة على المائدة بالشوكة، انتفض قلبها له، للحب بعينيه، لدقات قلبه التي تعرف عددها
لم ترحل ابتسامتها بل زادت وتسارعت دقات قلبها عندما رفع يدها لفمه ومنحها قبلة طويلة التقطتها كاميرات الصحافة ونظرات الحضور بلا خجل من الريس..
عفوا..
الكبير...
****
ظلت خديجة منزوية بعيدا عن الأضواء، دموعها أغرقت وجهها عندما تابعت تنازل الأب لابنه، منحه ما يكفر به عن ذنبه
مرة ثانية..
ماذا ستمنحه هي ليسامحها؟ ليس لديها أي شيء..
بلا انتباه ظلت تائهة، حتى سمعت خطوات واثقة تقترب منها فالتفتت والتقت بها
هدى..
صوتها منخفض لكن مسموع، ابتسامة اجتماعية بلا روح "غريب.. الاعتراف قد يغير كل شيء، إلا الأصل"
ظلت النظرات ثابتة كلاهم يعرفان بعضمها جيدا.. خديجة عملت خادمة ببيت أحد أقارب محمد ومن هنا عرفها وهدى لم تنساها حتى عرفت مؤخرا أنها أم الابن المفروض عليها..
تجمدت خديجة لحظة، لم ترفع ذقنها لكنها لم تهرب، فقط ابتلعت الإهانة كما اعتادت سنوات ولن تدمر يوم ابنها..
"الأصل الحقيقي.. هو ما نتركه في قلوب الآخرين"
ابتسامة ساخرة مرت على شفاه هدى "وأنتِ تركتِ انطباع جيد.. خادمة ممتازة"
وهنا رفعت خديجة ذقنها، لم تحتد، لم ترفع صوتها، أسكتت جرح الإهانة مرة أخرى أيضا لأجل ابنها "خادمة شريفة، العمل الحلال لا يعيب صاحبه"
صمت..
لكن هدى لم تكن تسمعها بل رأت أنها انتصرت وأرادت أن تكمل "ماذا عن امرأة.. "
ولكن..
هارون كان قد وصل.. وقد كانت خطواته تضرب الأرض من تحته..
رأى هدى.. سمع الإهانات وتفهم تراجع خديجة فوقف بينهم. نظر لهدى، نظرة رسمية باردة، لا ابن، لا زوج
بل الكبير..
"لن أسمح بتصفية حسابات شخصية هنا هدى"
وكأنه هو صاحب كل ذلك.. بل هو كذلك، نبرته حازمة، قوية ومخيفة، بلا ألقاب، أردع غيرة وغرور امرأة يعرف أنها تكرهه وتكره خديجة
لم يلتفت إلى خديجة التي قاومت الدموع وابتسامة صغيرة اعتلت شفتيها وهي تشعر بالأمان..
لأول مرة هناك من يقف لأجلها، يدفع عنها ويحميها وصوته الهادئ يحذر "وجودها هنا برضائي ولا أحد يمس أحد يخص هارون الديب"
لم يمنحها صفتها الأصلية كأمه، لكن الجميع أدركها، فهمها
هدى تصلبت.
خديجة أوقفت دموعها والفخر حل محلها.. أرادت إخبار العالم أن هذا الرجل ابنها لكنها لم تستطع.. ليس من حقها وهي اكتفت بما فعل..
تراجعت خديجة مبتعدة، لن تضعه بموقف محرج أكثر من ذلك وهدى شحبت، تجهمت، البرودة تغلبت على جسدها وشفاها ارتجفت بلا كلمات
رحلت من أمامه..
التفت فلم يجد الأخرى.. رحلت هي أيضا
وهو ظل واقفا مكانه، يحدق بالفراغ ولأول مرة يشعر أن صمته السابق مع خديجة كان قسوة، لا قوة
هدأت الأجواء من حولهم.. الموسيقى تتبدل، اثنان من المطربين المعروفين أحيوا الحفل واستمتع الكل حتى كاد الحفل ينتهي
عندما..
توقفت نظرات هارون فجأة على مكان ما.. تبعها توقف ضحكة الديب الكبير وليال انتبهت فلفت وجهها و..
انقبض قلبها..
الواقف عند باب القاعة جعل رجال الحراسة تتراجع لحضوره..
صفوان وأنس بلحظة كانوا يحاوطون هارون وليال والباقين انتشروا
رجال الكبير انتشرت بالمثل والنظرات كلها تحولت وترقبت للرجل الواقف بلا خوف والهمهمات تعالت بالاسم
جسار!!