
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثاني والخمسون52 بقلم داليا السيد
المقعد يأكلك
ما أقسي طعنة الأخ..
جميع الطعنات تشفى، إلا طعنة الأخ والزوجة والابن.
المواجهة حادة، قوية ولكنها مؤلمة.. تسقط من تسقط فتؤلم من يهمه الأمر..
ظل هارون بمكانه، ليس ضعفا أو عدم القدرة على المواجهة، بل رسم صورة واضحة لنفسه
أنا هارون الديب، بلا ألقاب.. أنا لا أخاف، لا أهاب، لا أهتم..
اضجع بالمقعد، رأسه استند على أصابعه، نظراته تحمل نيران الثأر لكن دون أن يبخ بها بوجه غريمه..
حاول جسار نزع يده من يد أحد الحرس والتقت نظرات الحارس بعين هارون، الكبير
منح الحارس هزة من رأسه ليسمح له فتركه، التفتت ليال بفزع لزوجها ولكنه لم يواجها بل استقرت الزرقاء على الأخ
الشيطان..
محمد الديب صامت، جامد بلا أي حركة..
الحضور توقفوا، كأنه مشهد سينمائي معروض وأحدهم أوقفه للانتظار..
وصل الشيطان بعيونه المارقة لمائدة الكبير، محمد، هارون، الاثنان يحتلان القمة وهو..
سقط بالقاع..
محمد الديب ظل هادئا مخفيا غضبه، حنقه، حزنه داخله.. ليس وقت العتاب فقد مضى، ولا وقت الحساب فقد تحدد الحساب
هو وقت المواجهة والشيطان اختار مكان وزمان العرض..
ابتسامة بلا معنى اعتلت الشفاه الغليظة وانغلقت الزيتونية على المائدة المميزة بالقاعة بمن عليها، عصاه ظلت بيده ووجه عاد لطبيعته بفعل جراحات التجميل
خرج صوته يشبه فحيح الأفاعي فقط لمن يخاف.. "كان عليك دعوتي لاحتفل معك بتنصيب أخي بمكاني.. والدي العزيز"
سرت التعليقات بين الجميع ليست خافتة بل مسموعة
وتلون وجه الكبير.. سقط قناع الجمود عنه، هو اعترف بهارون لكنه لم يذكر جسار.
الشيطان لا يوضع على قائمة البشر.. وجسار فاق بأفعاله الشيطان، أراد قتل أخيه مرات لا حصر لها والإطاحة بمن يخصه..
عاد من الموت وسدد ضربات بلا عقل ليس فقط لأخيه الأصغر بل ولوالده والرجل لم يخبر هارون..
نطق الكبير، ربما ككبير أو كأب، لا فارق "توقف جسار، ليس هنا المكان ولا الزمان المناسبين لإكمال انتقامك"
ضحك الشيطان، فرد ذراعيه وعصاه بقبضته ودار بحركة مسرحية ونظراته تتجول على الحاضرين والذين استقرت عيونهم عليه "وأين سأجد هذا الجمهور الهائل مرة أخرى ليشهد على أفعالك وظلمك؟"
تراجع محمد الديب أمام الجنون الذي ارتسم على ملامح ابنه الأكبر، كان يحمل داخله زهو وغرور نما وتمركز داخله حتى تحول لجنون العظمة والآن لا فائدة من إيقافه
واستقر الشيطان بجمرتيه على الريس والذي نال مكانه، كرسي الكبير.. كان حلم حياته، حاول الإطاحة بالأب الذي لم يكن أب بأي يوم..
لكنه فشل..
ظل بالخفاء يدير المكائد لإسقاط من هم من دمه وانغمس بقاع الكراهية وأعماق الثأر حتى اصطدم باعتراف البنوة واليوم، ضاع الحلم
"أليس من العدل أن تمنحني مثل ما منحته له؟ الاعتراف"
نظرات ليال رحلت للشيطان، ذكريات مخيفة مرت بها، خطف، فقدان حبيبها، محاولة قتلها وقتل ابنها..
شحب وجهها.. انحبست أنفاسها داخل صدرها وانتصر الخوف رغم وجود حاميها جنبها..
صفوان قبض أصابعه بجواره استعدادا لأي تصرف مجنون من شيطان فاقد لأي عقل، أنس يده سكنت داخل جاكته على مقبض سلاحه
نظرات الحراس جميعا ثابتة على رجل كان بيوم ما يمنحهم الأوامر والآن لا سلطة له..
"ليس لك عندي أي شيء بعد ما فعلته"
تحرك بقدمه المصابة حتى وقف بمحاذاة مقعد هارون ورحلت الابتسامة المخيفة، حل الغضب، سقط الجنون على وجه الشيطان والحقد غذاء جيد "لو كنت تقصد خساراتك الأخيرة ومحاولة قتلك فهو كان مجرد سداد دين"
وأخيرا نجح الشيطان بجذب انتباه الكبير الجديد، رفع رأسه، أبعدها عن يده ولف وجهه لوالده ونظراته تمنحه السؤال بلا كلمات..
الأب لف وجهه لهارون، يدرك أن ما تعمد إخفاؤه انكشف، طفا فوق السطح ولم يعد بإمكانه وقف حرب جديدة بين الأخين بسببه..
ضحكة الشيطان منحت هارون تأكيد فالتفت له وجمرتين اتقدتا بعينيه، أسقطت الرهبة بقلوب من رآها وهو ينهض واقفا ليواجه من ظن أن لا أحد يمكن أن يوقفه
القامات متساوية، الوجوه تحمل نفس الملامح، العيون، نفس الغضب لكن القلوب مختلفة..
بنظر الشيطان؛ الدم يغسل بالدم 'فيلون'.. الأخلاق حساسية مفرطة مع النية الخفية في الانتقام من الحياة
بنظر هارون الديب؛ الاحتقار هو الشكل الأذكى للانتقام 'بالتاسار غراتيان'..
وبرؤية محمد الديب القديمة؛ إذا كان لا مفر من أذية أحد، فلتؤذه بقسوة تجعلك لا تخاف من انتقامه 'نيكولو مكيافيلي'
ورأى الشيطان الاحتقار يواجه بعيون أخيه مما أثار جنونه ورغب أكثر باستفزاز الريس "نعم، أنا أردت تدمير وقتل من تحمل اسمه وتنال حمايته، والانتهاء من أمرك لكنك.. لا تموت"
وخرجت الكلمات الأخيرة بصراخ دوى صداه بالقاعة وهز جدرانها
لم يهتز هارون، تنفس بقوة.. ليس من السهل إغضابه ولا إشعال رغبة الثأر داخله ومع ذلك نبرته خرجت مخيفة تحمل الردع "وأنت أيضا لا تموت"
ابتسامة ساخرة، انتصار، استفزاز حل على وجه الشيطان "ليس قبل أن أدمركم أنتما الاثنان"
مالت رأس الديب الأصغر ولا شيء ظهر بنظراته "أو تدمر نفسك بنفسك"
هدوء هارون أثار جنون جسار.. كلماته تدفعه للهاوية.. تفقده العقل وهو بالأساس دفع عقله لركن مجهول داخل رأسه وزرع الثأر والكره مكانه
"أمثالك من الضعفاء من يفعل ذلك بنفسه لكن أنا لا، أنا سأمسحك من على وجه الأرض وأقتله وأجلس مكانه"
ظلت الوجوه قريبة، النظرات متجمدة على بعضها البعض والأنفاس متسارعة "من قال لا يفعل ومن يفعل لا يقول.. تحب الظهور كثيرا والتحدث أكثر"
حدق به الشيطان، رافض السقوط تحت ثقل الكلمات.. وقبل أن ينال فرصة لإكمال العرض أو الرد، اقترب هارون خطوة واحدة فقط.. لم يلمسه، لم يهدده، لم يرفع حتى صوته
نظر إليه نظرة ثابتة، خالية من أي انفعال، وكأن جسار لا يقف أمامه بل خلفه.. لا يستحق المواجهة
"وقتك انتهى"
قالها بهدوء قاتل، ثم التفت ببطء، أعطى ظهره لأخيه دون ذرة تردد.
الاحتقار كان أبلغ من أي ضربة
تحرك الحراس فورا، ليس بأمر صريح، بل بفهم تام لمن هو صاحب المكان الآن.
جسار ظل واقفا.. جسده مشدود، أنفاسه متقطعة، الغضب يعصف داخله بلا مخرج
لأول مرة لم يُهزم لأنه خسر.. بل لأنه لم يُحسب أصلا.
هارون عامله وكأنه نكرة.. غير موجود من الأساس
عادت الموسيقى تعلو داخل القاعة، لكنها بدت نشازًا، كأن المكان كله أدرك أن شيئًا انكسر ولن يُصلح.
أما هارون فكان يعلم وهو يبتعد أن صمته لم يكن رحمة.. بل حكما نهائيا
ولم ير أحد الشيطان وهو يغادر.. لكن القاعة تنفست وكأنه عبئًا أزيح عنها
****
الإرهاق ظهر على ملامح الفانيليا وهي تعود غرفتهم بعد الاطمئنان على طفلها وإطعامه
كان الكبير الجديد قد استبدل ملابسه وكعادته، يقف معقود الذراعين أمام النافذة
ظلت واقفة بمكانها.. تستند بظهرها على الباب المغلق على ما كان بليلة طويلة ظنت أنها لن تنتهي..
بقائهم بجناح بالفندق كان طبيعي لتأخر الوقت
تحركت للفراش وجلست، خلعت حذائها وهي شاردة.. الكثير حدث الليلة وعقلها مرهق من التفكير وقلبها خائف..
التفت لها..
من وجهها المنخفض ونظراتها الضائعة أدرك وضعها..
رأته يركع أمامها على الأرض، عيونه تطالب بنظراتها فرفعتهم له..
يداه ارتفعت على ذراعيها وكلماته خرجت قوية وحاسمة "هذا الخوف بعينيك يغضبني"
سبحت بأعماق محيط عينيه.. لا ترغب بالاستسلام لمخاوفها كما يرغب لكن ليس بإرادتها "هو تقليل مني وأنا.. "
قاطعته "أنت زوجي، حبيبي ووالد ابني وكل من لي ولن أقنع نفسي أن ما أفكر به لن يكون"
ظلت يداه على ذراعيها، قوية، حامية، مطمئنة "لن يكون ليال، لم أعد ذلك المتعطش للانتقام، التهور لم يعد يسيطر على أفكاري، بل حمايتكم هي كل ما يقودني الآن"
منعت دموعها.. لم ترغب بالضعف وهو يمنحها القوة وليس الهزيمة وهو يقود النصر "هو لن يتركنا هارون"
كان يعلم ذلك ولكنه لا يقف متفرجا "أعلم وأنا لدي طرقي بلا تعريض حياتكم للخطر فقط.."
وهزها برفق هزة بسيطة وهو يكمل "ثقي بي، ثقي بزوجك وبأنني أبدا لن أترككم مرة أخرى"
رفعت يداها لوجهه لمست لحيته قربت وجهه منها وانحنت لتصل له ودموعها تهزمها "هو مجنون هارون، شيطان، لا يعرف عن الرحمة شيء، سيدمر كل شيء وأولهم والدك"
لم يترك ذراعيها، تنفس بقوة، أغمض عيونه لحظة ثم فتحها وواجه نظراتها الخائفة "شيطان جبان، الجنون يقوده وليس العقل، لذا مواجهته ستكون متوقعة، ثقي بي ليال، هارون الديب يمكنه حماية عائلته جيدا"
للحظة ظلت جامدة لكن ليس أمامها سوى هو، حاميها، منقذها، من منحها تلك الحياة
هزت رأسها "أنا لا أثق سوى بك ولكني أحبك وأخاف عليك"
جذبها له، ضمها لصدره ولفها بذراعيه وأغمض عيونه بين خصلات شعرها "لا تخافي صغيرتي، تلك المرة لن أخطو للمجهول إلا بحساب"
****
نظرات هدى لزوجها كانت بيان عما داخلها، السخط، الغضب، وغيرة تأخرت سنوات طوال، كبريائها منعها من إظهارها لكن اليوم
انهزم الكبرياء، سقطت الكرامة
واقفة على أعتاب غرفته، رأته جالسا بالمقعد المخصص له أمام فراشه، عصاه بيداه ورأسه مستقر عليها، مغمض العيون متعب القلب..
الثمن كان غالي، مناسب لأخطائه وعليه الدفع لأن لا حائل بينه وبين التكفير عن ذنوبه "كيف وافقت على تلك المهزلة؟ أنت تسقطنا بالهاوية"
لم يكن صوتها هو ما يرغب به الآن، قلبه أحب مرة واحدة، خديجة، لكن الآن لم يعد هناك مكان للحب فالقلب واهن، مثقل بالكثير
لم يعجبها صمته فاقتربت وغضبها يسحقها ولن تكون وحدها "كيف تنازلت له عن مكانتك؟ نحن لم يعد لنا شيء، هو لا يستحق هو.. "
رفع وجهه وصوته خرج قويا، حاسما غير قابل للنقاش "هو ابني، أفضل واحد لذلك المكان"
لمعت نظراتها بالحقد الذي تحمله بصدرها "ابن الخادمة؟ لا تظن أني غفرت لك، لم ولن أغفر أبدا"
تراجع بالمقعد ونثر نظراته بعيدا عنها ألم تتعلم الدرس من الصفعة السابقة؟
"لست بحاجة لغفرانك، مهما فعلت لأجلك فأنت لا تكتفين"
ثارت، فقدت عقلها من لا مبالاته، من جراح كثرت بلا شفاء "وماذا منحتني؟ الخيانة.. أولاد غير شرعية من خادمة و.."
قاطعها بفقدان للحكمة "لم تمنحيني أولاد شرعية لأكتفي بهم فهل أترك ما تعبت به لمن لا حق له؟"
تألمت، قلبها تمزق لعلتها، عقيم.. أرض بور لا تصلح لأي شيء وظنت أنه يقبل بذلك
سقطت دموعها بكبرياء ملاصقا لها، لم تتنازل بأي يوم عن مكانتها الرفيعة، ابنة رجل له مكانة معروفة بالبلد وعائلتها ذات تاريخ ثقيل
"أخبرتني أنك قبلت ذلك"
صوتها كان مرتجف، غير ثابت لأن لا يقين يقف عليه، لا أحد لا يرغب بابن، وريث، سند يتوكل عليه وقت الوهن
"حاولت ألا أجرحك، لم أرغب بزوجة أخرى واكتفيت بهما.. وجود جسار بجواري كان يمنحني بعض الرضا لكني.. "
هتفت بجنون "لكنك أردت ابن الخادمة لأنك كنت تحبها، أحببتها وعشت معها في الحرام ونلت ابن غير شرعي منها و.. "
هتفت بلا تأني "نعم أحببتها، هي المرأة الوحيدة التي سمحت لها بأن تسكن قلبي ولم نعش بالحرام، كانت زوجتي، تزوجتها عرفي ولو لم تخاف مني وترحل لظلت زوجتي حتى اليوم"
الاعتراف سهم مسموم انغرز بقلبها والمواجهة قاتلة، تقصم الظهر، توهن الجسد وهي انكسرت.. جمدت، ساقيها خانتها لحظة فترنحت
سقطت على المقعد المواجه له وهو نسي كل ما كان يقوله لنفسه كي لا يخبرها تلك الحقيقة، لم يعرف لماذا حبس حبه بقلبه كل تلك السنوات؟ ولا لماذا أخفى أولاده عن العالم؟
اليوم وهو يعلنها صريحة كان يشعر بالراحة لكن..
سقط قلبه مهزوما وابنه الأكبر يظهر كرهه له أمام العالم ويتوعد بقتله والاستيلاء على مكانه
أي أب أنت وأي ابن نلته؟
سكنت دموعها بلا توقف، تجري على خدها كنهر هادئ يسير بمجراه بلا توقف "طلقني محمد"
لم ينظر لها، لم تؤلمه الكلمة، لم تهز كيانه، هدى واجهة مزينة لحياة الكبير والكبير الآن تنازل عن مكانته، اكتفى من الأضواء والشهرة ورغب بالظل
الألم نبض من صوتها، أعلن عن وصوله لنهايته، لف الزر للحد الأقصى "لم يعد بإمكاني البقاء معك بعد اليوم"
رفع وجهه لها، ليس استجداء، عطف أو شفقة، بل ندم على امرأة ظن أنها ستصارع معه حتى النهاية وتتحمل معه كما تحملها سنوات "لأني تزوجت عرفي منذ أربعين عاما ولم يكتمل الأمر؟"
مسحت دموعها، نهضت واقفة، هي لم تحبه لتبكي على خيانته التي لم تعرفها، لكانت فعلت على خياناته التي عرفتها وتجاهلتها "لا، كما قلت، الأمر حدث وانتهى منذ أربعين عاما لكن، لم يعد هناك الآن ما أتحمل لأجله"
حدق بها لحظة محاولا أن يستوعب، يفهم، حتى نهض واقفا هو الآخر، قامته أبعد عنها بكثير وعيونه فقط من سقطت عليها بتعالي "لأني لم أعد الكبير"
كان إجابة وليس سؤال..
"لأن مكانة هدى هانم لن تعد كما كانت" نبرة ساخرة امتزجت بكلماته حتى..
تنفس بقوة مبعدا وجهه عنها وهي ضمت يداها بجانبها، لمست قماش فستانها بلا اهتمام لكن ربما يمنحها برودة تطفئ نيرانها ولكن هو فعل..
"أنتِ طالق، طالق هدى، لا يشرفني إبقاء امرأة لا ترغب سوى بالمكانة، على ذمتي"
أغمضت عيونها، طردت الدموع التي اندفعت أكثر خارج مقلتيها، لا استسلام للألم فهذا ما رغبت به
"حقوقك كلها ستصلك مع ورقتك"
فتحت عيونها، تواجه البرود بعينيه، لا عاطفة، لا دفء ولا حتى نقطة ندم بعيدة..
لا حب.. لا غرام
****
عادت خديجة لبيت البستاني، سكنت غرفتها والوحدة أصبحت رفيق جيد لا تمل منه..
جميلة تزورها، تمنحها جو من المرح، لا تكف عن الحديث عن العملاق وهي تبتسم لها.. سعيدة بالسعادة النابضة بعين ابنتها..
حبها لصفوان واضح ولا أحد ينكر حبه هو لها..
رنين الهاتف جذبها من المطبخ الصغير، تحب إعداد الطعام لنفسها رغم أن ثمية عرضت إحضار طعام لها
رقم غريب ظهر على شاشة الهاتف، هي لا تعرف أحد حاليا، ولا ترغب بأي معارف "ألو..؟"
لحظة طويلة من الصمت مرت ظنت أن لا أحد على الطرف الآخر "من المتصل؟"
أخيرا صوت..
عميق عمق الزمن.. قوي بقدر ما عرفته عن صاحبه "كيف حالك خديجة؟"
قبضت أصابعها على الهاتف بقوة جعلت مفاصل أصابعها تبيض.. توقفت الأنفاس حتى كادت تختنق فاستعادت شهيق عميق وهو يناديها
"خديجة هل ما زلتِ معي؟"
لا، هي لم تعد معه، ولا مع سواه..
هي وحيدة
"أهلا محمد"
حاولت جذب أي قوة بصوتها، قلبها نبض نبضات قديمة كانت تنبض لنفس الرجل لكن الآن..
"هل يمكن أن.. أراكِ؟"
رفعت وجهها، منذ التقيا بمكتب ابنهم لم يفكر برؤيتها مرة أخرى وبالحفل تجاهلها، تركها فريسة لزوجته لولا ابنها
لكن..
"ما زال بيننا حديث"
نفخ دخان سيجاره.. هدى رحلت.. نالت كل ما أرادت وهو لم يعترض
ماذا صنع له المال أو المكانة؟ فقد أهم شيء
راحة القلب والعقل
"ليس بيننا أي حديث محمد"
ظل محتميا وراء دخان أبيض واهن سرعان ما سيختفي ويتركه يواجه أفعاله "بلى هناك، نلتقي مرة وربما.."
ولم يكمل.. كلاهم يصارع الألم الذي يدق بقلبهم ولا يمكنهم تجاهل الماضي الذي بنظر الديب لم ينتهي "سأنتظرك اليوم.. "
وأغلق وهي جامدة، لم تتحرك
لم تبكي.
فقط ترى الشابة الصغيرة وهي تبحث لنفسها عن مكان تختفي فيه من سطوة الرجل الذي هدد بقتل طفلها..
ترى نفسها وهي بلا قلب، تترك قطعة منها على باب الملجأ..
تدرك بعد أربعين سنة أنها كانت جماد، وحش.. لا تستحق أي رحمة واليوم وقت الحساب
****
الأيام أصبحت مزدحمة للكبير الجديد، الالتزامات تضاعفت بشكل كان يعرفه وقت كان بجوار محمد الديب لكن ليس وهو نفسه الكبير
مكتب المجموعة أصبح مقره الدائم تقريبا، لا وقت للفنادق، تركها للفانيلا بطلب منها وهو قرأ ما بين السطور، ترغب بأن تكون بالواجهة وليست بالكواليس
القاهرة كانت تأخذ من وقته الكثير لكنه لن ينتقل لها بل يجذب ما هناك لمقره هنا بذكاء
الاحترام بكل مكان تواجد به أكد على مكانته، لم يقطع علاقته بالديب الكبير بل ربما زادت وتعمقت أكثر
احتاج أب.. لكن بلا اعتراف صريح..
صفوان اعتلى مكانة النائب بمجرد أن أصبح هارون الكبير وقد كان أول قرار له وأنس النائب الثاني..
"هل أخبرت عثمان بقراري صفوان؟"
أدار صفوان وجهه للكبير ورأى الاجهاد على ملامحه، شهر كامل منذ نال المكانة وهو لا يرحم نفسه، رفضه للمقعد دام سنوات كثيرة لكن بمجرد أن جلس عليه حتى ملأ مكانه بلا شك
من فكر بالاعتراض نال ما جعله يتراجع ويدرك مع من يحارب
"بالطبع يا كبير"
رفع عيونه لوجه صفوان، هو لم يضع الألقاب بينهم بأي يوم وأن ينطق بها صفوان بتلك الطريقة جعلته يرغب بمواجهته
الصمت رفرف فوقهم، النظرات لم تتحدث وصفوان أبعد وجهه وهارون تابعه "هات ما عندك"
نهض النائب وتحرك للمبرد وجذب علبة عصير والتفت له عارضا واحدة عليه، تراجع بالمقعد والتقطها من رفيقه الذي جذب واحدة أخرى لنفسه وفتحها
رشفة للكبير ونصف العلبة للمنفذ الذي لم يعد كذلك، الكبير لديه طرق كثيرة أخرى الآن
"لا شيء"
جلس العملاق على الأريكة هي الأنسب لقوامه وجسده العملاق ونظراته لا ترحل للكبير "أنت غاضب مني؟"
تنهد صفوان بلا صوت وهو يعلم مكانته عند رفيقه جيدا "أنا غاضب لأجلك"
ضاقت الزرقاء، تحمل تساؤل وعدم فهم "لا أفهم"
وضع العلبة الفارغة على المائدة وارتد لهارون "أنت بطريقك لتكون صورة منه"
تناول باقي العصير وظل بمكانه. فقط عاد بوجهه لصفوان، متفهم لما قال "من أي ناحية صفوان؟"
هنا السؤال؟
ابتلع صفوان طعم العصير وظل ثابتًا بنظراته "من ناحية نفسك، أنت تجعل المقعد يأكلك ويأكل هارون الديب"
للحظة بقي جامدا، ثم لف بالمقعد ونهض لرفيقه حتى جلس على المقعد بجواره "البداية دائما تكون صعبة يا صديقي ولو لم تكن قوية لسقط كل ما خلفها"
صمت صفوان منح هارون رأيه فعاد يكمل "محمد الديب ترك شبكة معقدة خلفه، منحني جزء كبير من أطرافها وتعمد ترك الباقي لاختبار قدرتي على استحقاق المكانة، كثيرا ما كدت أترك المكان وأعيده له ومرة بالفعل فعلت"
اعتدل صفوان والدهشة ارتفعت داخله وخرجت على عيونه وهارون ابتسم ابتسامة لم تصل لشفتيه وهو يكمل "هو بالطبع رفض، استفزني وأثار التحدي داخلي مما زاد من عنادي الذي انصب على الأمر كما رأيت"
خرج الزفير من فم العملاق وكأنه كان يحبس أنفاسه "ونفسك وبيتك؟ زوجتك وابنك؟"
أبعد وجهه، هو بالفعل بغمرة انشغاله ابتعد عن صغيرته وهي لم تمنحه أي بادرة اعتراض بل صامدة بالعمل وبالبيت
من أخبره ذلك؟ هو حتى لم يعد يراها ليعرف..
عندما زاغت نظراته ورحل للفانيليا، تفهم صفوان وأدرك أنه أصاب الهدف
نهض، جذب انتباه الكبير "لا تنسى لقاءك مع وزير.. اليوم بالسادسة، سأنتهي من عفيفي وأعود على الموعد"
وتحرك خارجا وتراجع هو بالمقعد، أغمض عيونه، عيونها تراقصت أمامه، مبتسمة مرة وغاضبة مرة أخرى، وبآخر مرة لهما كانت خائفة
كم يفتقدها..
نهض لمكتبه وشيماء تدق الباب وتدخل "أحمد سلطان يرغب برؤيتك يا فندم"
جذب هاتفه ولم ينظر لها وهو يجيبها "عشر دقائق وأدخليه"
تراجعت خارجة وهو يضغط اتصال والفانيليا تجذب الهاتف من جوار شاشة الجهاز الذي نال كل اهتمامها لكن ما أن رأت اسمه حتى التقطت أنفاسها وارتجفت أصابعها
لم يعد يهاتفها إلا نادرا، كما هي رؤيته..
أجابت بصوت حاولت أن يكون طبيعيا لكن قلبها يخونها "هارون"
رفع رأسه، أين حبيبي؟
"اشتقت لكِ"
تراجعت، يدها تقبض على ذراع المقعد خاصته، كأنها تستمد قوتها من مقعده وعطره لمواجهته هو "وأنا أيضا"
حاولت أن تكون مقنعة، تخفي حزنها لابتعاده ووضع مكانته الجديدة بالمقدمة بل بكل مكان بحياته ونساها بالخلف
ثلاثة عشر عاما وأكثر، سنوات كافية ليعرف كل شيء يخصها حتى تبدل انتظام أنفاسها، هي حزينة، تتألم بصمت ولا ترغب بالضغط عليه وهو يحمل داخله الذنب
"ماذا عن العشاء اليوم؟"
فكرت قبل أن تجيب "أنت لا تأتي على العشاء هارون"
لف جسده وتحرك للنافذة، سكنت يده الحرة بجيبه ورفع رأسه للنهار المشمس بالخارج "وأنتِ تتركيني بلا عتاب وهذا أقصى أنواع العقاب صغيرتي"
أغمضت عيونها، اشتاقت للكلمة، اشتاقت له، لأحضانه، نظراته، قبلاته، اشتاقت لوجود الريس وخافت أن تكره الكبير
لم ترد..
"العشاء من يدك ليال ولا عمل غدا"
وأغلق كلاهم وهي لم تبكي، قلبها يطالب بهواء أكثر وأنفاس أسرع وهو رفع يده للحيته محاولا العودة من عالم النسيان الذي كاد يضيع فيه لولا كلمات رفيقه..
****
انتبهت خديجة للحراسة الكثيرة أمام المطعم، ما زال يحتفظ بمكانته.. اعتزاله لم يقلل منه ولن يفعل..
تعرفه جيدا، يعتز باسمه ومكانته حتى لو لم يكن جالسا على المقعد
تقدم تميم منها، يعرفها جيدا رغم أنها لا تعرفه "من هنا مدام"
تعلمت الأناقة من البيوت التي عملت بها، واتخذتها خط لها منذ تزوجت وحيد، الكعب المتوسط رن على أرض المطعم الفارغ من أي أحد، كل الموائد خالية، موسيقى خافتة تريح الأعصاب، رجال منتشرة هنا وهناك و..
رأته..
جالسا على مائدة بركن منفرد، دخان سيجاره يحوم حوله غير راغبا بتركه والذهاب بعيدا
توقفت قليلا وتميم توقف بجوارها، للحظة شعرت أن وجودها هنا خطأ لكن..
لن تظل تهرب من مواجهة ماضيها.. وأخطاءها
جذب تميم لها المقعد فجلست بلا أي كلمات والديب يتابعها من خلف سحابته البيضاء، ما زالت تحتفظ بجمالها الذي كان يجذبه لها دائما..
أطفأ السيجار ونطق بصوت عميق "جوافة أليس كذلك؟"
انقشع الدخان وظهرت عيونه الزرقاء تواجه عيونها المماثلة، بلا خوف أو كره أو حتى عتاب على شيء "نعم"
ما زال يذكر عصيرها المفضل وهي أيضا تذكر كل شيء عنه..
نظراته جالت على ملامحها، بلقائهم السابق بمكتب ابنهم، تبادلوا الاتهامات ولم يعترف أيً منهما بخطئه، واليوم تبدلت النظرات
"ما زلتِ جميلة كعهدي بكِ"
ابتسامة باهتة اعتلت وجهها وهي تخفض نظراتها "وأنت لم تتبدل كثيرا"
وضع الرجل الكوب باحترام ورحل، تميم كان واقفا بالخلف، حماية الديب واجبه "بل تبدلت كثيرا خديجة ومع ذلك مشاعري تجاهك هي الوحيدة التي لم تتبدل"
حدقت بالعصير الأبيض، أبيض لم يلون حياتها التي امتلأت بالظلام، ظلام مؤلم، شوه كل جميل كان يمكن أن تحظى به بأي يوم
"لا يجوز لنا الدخول لتلك المنطقة محمد، لم تعد لنا"
صمت، ثم رفع حاجبه وهي تغلق الباب قبل أن يُفتح "أنا طلقت هدى"
رفعت عيونها له، لم تفرح لما قال فالأمر لم يعد يعنيها "وأنا طلقت تلك الحياة، نحن لم نكن فرصة ضائعة محمد، بل كنا اختيار خاطئ أو ربما اختيار لم يتخذ"
تنفس ببطء، هي تقذف الحقائق بلا تردد ولكنه رغب بإيقافها "ربما ما زال أمامنا .. "
قاطعته بهدوء حاسم، دون قسوة "لا، ما أمامنا.. لابد أن يكون خالي من الذنب، من الخسارة، ومن الإحساس بأننا نعوض شيء فات"
تراجع أكثر بالمقعد، صوته خرج أقل ثباتًا "تعنينين أنني أصبحت جزء من الماضي؟"
هزت رأسها نفيًا، بصدق وبلا حزن أو ألم "أنت لست ماضي محمد، أنت ذكرى مضت.. لكن الذكرى ليس من اللازم أن تتحول لحياة"
صمت طويل..
الموسيقى فقط من تخللته.. لم تخفف من ثقل اللحظة ولا وطأة الحقيقة
ثبتت نظراته عليها مدركا النهاية التي كانت ترسمها "ربما لو أتيت مبكرا؟"
أبعدت وجهها لشعاع الشمس المتسرب من نافذة جانبية، نور خفيف بدأ يتسرب للداخل كما تسرب لحياتها منذ رأت ابنها ولن تطمسه
عادت له بعينيها "ربما كنا سنقف بنفس المكان.. لكن بوجع أقل"
نهضت، لم تمد يدها، لم تودعه.
قالت جملتها الأخيرة "أنا لا أختار أحد الآن محمد، أنا أختار نفسي.. وهذا قد يكون أول قرار صائب أتخذه"
وخرجت..
وبقي الديب الكبير مكانه.. يفهم لأول مرة
أن بعض النساء لا يرحلن لأنهن لا يحببن، بل لأنهن تعلمن أخيرا كيف لا يخسرن أنفسهن
*****
انتهى من لقاء الوزير وأنس يفتح له وصفوان يتحرك بجواره "البيت صفوان"
ثبت صفوان قليلا ومنح أنس نظراته ثم تحرك للقيادة، لا شيء تبدل حتى بمنصب النائب
نظر صفوان له بالمرآة لكنه كان يهتم بالهاتف وأنس بدأ "كان لديك لقاء مع يوسف"
أسقط الهاتف بجيبه ورفع وجهه لأنس "أنهيته عبر الهاتف أنس، ألا ترغب برؤية ألاء؟"
لف أنس جسده والتقى بلمعان الزرقاء عليه "منذ متى تذكر الأمر؟"
هل نسى كل شيء بطريقه لإثبات نفسه؟
تنهد بلا صوت "لي صديق يضعني على الطريق الصواب كلما حدت عنه"
والتقى بنظرات صفوان بالمرآة وكلاهم يتفهم وصفوان يرى امتنان صديقه له بنظراته
رسالة على هاتفه جعلته يخرجه.. قرأها ثم أعاد الهاتف لجيبه ولف وجهه للخارج بلا أي تعبير على وجهه
خديجة تتعلم الدرس جيدا.. والديب الكبير سيظل ديب حتى يموت..
بالقصر لم يجدها بانتظاره..
لم يعتاد منها على ذلك.
عطر الفانيلا سيطر على الغرفة، أرسل لها كميات لا حصر لها من زجاجات عطرها لأنه يعشقه، يجعله يعيش بكل أوقاتهم معا
نظراته بحثت عنها وهو يتحرك، هل ما زالت بالمطبخ؟
توقف فجأة.. أحمد!؟ هل نسي ابنه أيضا؟
التف ليذهب عندما رآها تدخل فتوقف كما فعلت..
التقت النظرات، عيونها السوداء تحمل صفاء يدل على أنها ليست غاضبة وهو ما أراح صدره..
لم تصدق أنه سيأتي ومع ذلك أعدت له طعامه المفضل وارتدت ما يحبه ولفت الروب عليها عندما طالب أحمد بوالدته..
تحرك لها بلا حركة منها، عندما توقف أمامها سقط اللافندر أمام سطوة الفانيليا ولمعت عينيه على ملامحها الفاتنة، لمسة تجميل منها زادت من جمالها، تاركة شعرها غجريا كما يحبه
وجهها ارتفع ليلاقي وجهه، نظرة حب، اشتياق بلا ألم أو عتاب "آسف"
رفعت يداها على صدره، عادة لن توقفها فهذا مكانها "الأسف لا يليق بالكبير"
دفع راحته بعنقها وأحنى رأسه لها، أراد تنفس أنفاسها "الكبير يسقط أمام صغيرته"
قبلة رقيقة على شفتيها ثم همس "أخبريني أنكِ غفرت لي صغيرتي وأنكِ لست غاضبة مني"
يدها ارتفعت واستقرت على وجنته "لا يمكن أن أغضب منك أبدا حبيبي"
أغمض عيونه، يحبس موسيقى الكلمة داخل قلبه وعقله "أنا أحبك هارون"
فتح عيونهم، وواجه عيونها النابضة بحبه "وهارون لم ولن يحب سواكِ ملاكي"
والقبلة تنهي كل شيء وتبدأ لغة أخرى.. لغة الحب.. العشق
الغرام.
رنين هاتفه يأتي من مكان بعيد، فتح عيونه والظلام ما زال يلف الغرفة، رأس الفانيليا على صدره بعد ليلة مشبعة لرجولته ولغياب شهر عن امرأته
اعتدل عندما عاد الرنين وهي أيضا استجابت للصوت فتحركت وهو يجذب الهاتف، صفوان لا يهاتفه بهذا الوقت إلا للضرورة
"صفوان؟"
كان العملاق يرتدي ملابسه والمجنونة معه "أحلام تلد هارون، هم بطريقهم للمشفى"
الديبة سمعت فنهضت وهو الآخر، أحلام من العائلة والجميع سيكون معها "عشر دقائق صفوان"
****
الألم هاجمها فجأة أثناء النوم، حاولت أن تتعامل كأنه ألم عابر مما كان يمر بها مؤخرا لكن لا شيء يتوقف..
حاولت أن تنهض كي لا تثير قلق رشدي، منذ جذبه هارون لصفوفه ومنحه منصب كبير وهو يعود مرهقا ويسقط بالنوم بلا مقدمات ولكنه لا ينساها بطريقه واهتمامه بها لم يقل..
صرختها قطعت هدوء نومه، جعلته ينتفض ليضيء النور "أحلام ماذا بكِ؟"
كانت تحاول أن تنهض، تفعل أي شيء عندما انهارت مياه من تحتها فهتفت "المشفى رشدي، لقد فقدت ماء الجنين"
انهار كل الجمود الذي كان يرافقه.. تحركات بلا تفكير.. كلمات غير مفهومة حتى حملها للسيارة وهو يحاول السيطرة على مخاوفه..
ما زال هناك اسبوع على موعد الولادة لذا المفاجأة ضربتهم بالصميم..
رجال الكبير هاتفت صفوان والجميع بطريقهم للمشفى والطبيب واجههم..
"الحبل الصري التف حول عنق الطفل ولابد من قيصرية عاجلة وإلا الاثنان، الأم والطفل، بخطر"
وعمت الفوضى..