
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الخامس والخمسون55بقلم داليا السيد
عودة الحقوق
ما أن نزل الكبير من سيارته ليغلق جاكته حتى ضربته أضواء الكاميرات وأزعجه صراخ الصحافيين بالأسئلة..
هل قتلت حماك لأنه كان مجرم ولا يليق بمكانتك؟
هل تستغل مكانتك بإزاحة الأعداء؟
هل زوجتك توافقك على ذلك؟
لم يمنح اهتمامه لأي صوت لكن ذلك السؤال جعله يرفع وجهه لصاحبه ولكنه تعلم كيف يوقف غضبه ويتحكم بردود أفعاله
لم يرد..
مأمور القسم بنفسه من تلقاه بمكتبه "مرحبا سيد هارون"
حياه بهدوء وانتظر صفوان وأنس بالخارج وصفوت محاميه الخاص يتبعه "مرحبا يا فندم"
عندما كان ريس لم تكن الأضواء تسعى له لكن الآن الأمر اختلف وهو تعلم أن يواجه مهما كان الثمن..
جلس بثبات، ما زالت صورة شريف الملقى على أرضية مخزنه ثابتة بذهنه، كما هي ملامح ليال عندما عرفت الخبر
نظراتها له لم تكن تحمل أي شيء، فارغة.. صامتة.. لا صراخ، لا اتهامات ولا تصريح حتى بالألم..
غيابه صنع منها امرأة قوية قادرة على مواجهة الصعاب لكن هو يعلم أنها تتألم، كانت سعيدة يوم التقت بشريف وأخبرها عن توبته وصدقته..
أن تسمع اليوم خبر مقتله وبمخزن من مخازن زوجها الذي لم يقبل تصديق توبته فهذا جعله يتساءل..
هل تشك به حقا؟
"بالطبع تعرف سبب وجودك سيد هارون"
المأمور منحه كلمات افتتاحية
ورده مختصر "بالطبع"
دخل ضابط المباحث المسؤول عن التحقيق ولم يمنحه هارون سوى نظرة قاتمة.. ظله الطيب يحاول السيطرة تحت شيطانه المارق
عندما ألقى جسار بالجثث المثلجة بمخزنه فيما مضى أمكنه التعامل معها لأن رجاله من اكتشف الأمر لكن..
تلك المرة جسار وضع الشرطة بالمواجهة مع الكبير..
تعمد ضربه باسمه أمام الصحافة، الكبير قاتل لحماه.. وربما تلون الصحافة الحقيقة وتضع امرأته بنفس خانة الاتهام
الأسئلة كانت كثيرة والكبير يعرف كيف يهزم أي ضابط، سنواته بالشارع لم تذهب هباء، كان يراقب الضابط، كل نبرة صوت. كل نظرة عين، لم يتسرع، لم يبرر نفسه، لأن الحقيقة كانت تعرفها عيناه فقط
كل تحرك، كل سؤال، كان جزء من لعبة صبر، لعبة يعرف أنها ستنتهي لصالحه رغم الظنون، وكل كلمة تقال في الغرفة كانت ثقيلة، مثل مطرقة على الحديد
ضابط المباحث كان يتبادل النظرات مع المأمور ثم يعودون لمراقبة صمت هارون في محاولة لقراءة عقله بلا فائدة
وخارج القسم، في الظل، بعيدا عن أعين الشرطة، جسار ساكن بسيارته، ابتسامة خفيفة على وجهه.
يعرف أن كل خطوة، كل خبر عن الجثة يضع هارون تحت الضغط، لكن..
أحدا لن يعرف الحقيقة إلا هو وحده
****
ظلت ليال واقفة أمام نافذة غرفتها، الصمت هو كل ما واجهت به كل ما كان، لم تواجه زوجها، يكفيه التحقيقات والصحافة والاتهامات من كل جانب
لن تكون خصم له بأي يوم..
لم تجب أي اتصالات.. مرة واحدة وأحدهم منحها كلمات مؤلمة.. بها اتهامات هي لن تسمع لها
شريف لم يكن الأب الذي يترك ذلك الأثر العميق بقلب ابنته عندما يرحل، لم يرتبط بها برباط وثيق سيمزقها عندما ينقطع..
لم تجد شيء تخبره به وهي تراه يتوارى تحت التراب.. دموعها انسكبت لكن بلا انهيار
ذراع زوجها لفتها والصمت أيضا لفها..
شريف كان صدىً بعيدًا في حياتها، يُسمع أحيانًا بين أصوات قلبها، يُذكّرها بكل ما فقدت وبكل الفرص التي لم تتحقق.
لكن غيابه لم يكن يترك شيء داخلها..
كالماء الراقد عندما يسقط به شيء يتحرك ثم يتلاشى الأثر ويعود السطح للركود
يده لمست ذراعيها من الخلف واللافندر يحاوطها..
ثلاثة أيام منذ اكتشفت الجريمة وانتهت مراسم الدفن وهي لا تراه سوى بقسم الشرطة أو بشاشات التلفاز والصحافة تحاوطه
تراجعت.. صدره تلقى جسدها ودفء أنفاسه يسقط على عنقها بقبلة طويلة
أغمضت عيونها..
لا تعرف ماذا يدور داخلها.. سكون؟ عواصف؟ زلازل؟
همسه كان يصل مباشرة لقلبها "أفتقد صغيرتي"
أنين صامت نبض داخل قلبها، وأرادت الرد بأنها أيضا تفتقده لكن.. هناك شيء.. لا تفهمه
لفها برفق.. فتحت عيونها لتواجه ملامحه المجهدة، هو لا يهتم بأن يمضي أيام بلا نوم، لا يشكو من استجوابات لا تنتهي ولا من صحافة صفراء ترقص فوق اسمه وسُمعته
هو يهتم بالصغيرة.. تلك التي بدأت حكايته معها منذ ثلاثة أو أربعة عشر عاما..
سرقت قلبه..
الألم الذي وجده بنظراتها طعنه بقلبه، لا يمكنه منعها من الحزن على والدها لكن..
لا يتحمل ذرة شك منها..
راحتيه أحاطا وجهها الشاحب، رفعه له، ثبت نظراتها على نظراته "أنا لم أقتل شريف ليال"
سقطت دمعة بلا إذن من الديبة، دقة زائدة دقت داخل قلبها، رفعت يداها فوق راحتيه
"لست بحاجة لأن تخبرني ذلك هارون"
لكنه لم يتراجع، حتى لو لم تحتج لسماعها، هو بحاجة لأن يقولها "تعلمين أني احترمت وجوده بحياتك لأجلك ومنحتك كلمتي ولم أكن لأتراجع عنها أبدا"
لم تترك يداه، لم تقطع اتصال النظرات، لم توقف دموعها ولا نبض الألم بقلبها
"كفى هارون، لم أكن لأشك بك لحظة واحدة، أنت لست زوجي ووالد ابني فقط، أنت حكاية عمري كلها، حلم الطفلة، أمل الشابة، قلب المرأة، لست أنا وحدي قلب هارون، أنت أيضا قلب ليال"
ارتفعت أنفاسه.. دق قلبه بعنف.. جذبها لصدره، ضمها لأحضانه واعتصر معها كل قلق من أن تظن به أي شيء حتى..
هزمته الصغيرة..
ذاب الكبير أمام حب الفانيليا
****
بالنيابة كان رئيس النيابة من يتولى التحقيق ولا شيء تبدل على الكبير، ثبات، ثقة وهدوء لم يمنح الرجل أي شيء
الكبير بئر عميق، كما وصفه صفوان.. لا ينضح إلا بما يشاء
هو حتى لم يمنح النيابة أي تلميح لتورط جسار لكن.. التحقيقات تستمر والنيابة تمنح الكبير حريته..
لا دليل قاطع على أن هارون الديب قتل شريف السمنودي
لم يكن بينهم أي خلافات، والد زوجته وعلاقتهم جيدة.. لا شيء يثير الشبهات ضد الكبير
**
عودته لمكتبه لم يكن سوى طريقة لإسكات الصحافة التي وصلت داخل بيته وعلى هاتف زوجته تحاول إثار الفتنة داخل بيته
أسند رأسه على أصابعه وأغمض عيونه..
الصداع عدو مقيت، يوقف العقل عن العمل وهو بحاجة للتركيز ليضع يده على جسار..
هاتفه يخرجه من لحظة الهدوء، المعركة تشتعل من جديد برؤية اسم الشيطان
وضع الهاتف على أذنه بلا كلمات "اعترف بأن الطعنة كانت قاتلة هارون"
وتعالت ضحكة الشيطان عبر الهاتف وهارون صامت، لم تتبدل ملامحه ولم يمنحه أي رد حتى توقفت الضحكات المجنونة
"عصفوران بحجر واحد، شريف وأنت"
لم يرد أيضا، جنون جسار لم يعد تحت السيطرة وهذا يجعل هارون يفتح عيونه جيدا "لست وحدك من يسدد الضربات يا.. كبير"
وأخيرا أجاب "ولن أتوقف.. جسار"
وأغلق قاذفًا الهاتف على المكتب ورفع يداه ومسح بهما وجهه وهو يحاول إعادة تركيزه وترتيب أفكاره لبناء مصيدة جديدة للوحش الخارج عن السيطرة..
مصيدة لن يعرفها إلا هو ولن يخرج منها جسار تلك المرة
ستكون القاضية
****
المكان ليس محببًا لقلبك.. ليس مكانك
صاحبه قدرك.. مهما رفضت اسمه، يلتحم باسمك..
مدين له أو لست مدينًا.. هناك شيء داخلك يجرّ قلبك نحوه
نزعك من الشارع، وضعك جواره.. حماك، حتى لو رفضت فضله..
منحك مكانته، وعلى المقعد المناسب لك.. وضعك.
سيظل اسمه بشهادة ميلادك..
سيظل مهما رفضت..
قدرك..
"اجلس، تبدو متعبًا"
لا يعلم لماذا لبى دعوته؟
ربما لأن هدى رحلت، ولم يعد ظلها يخيم على المكان ومع ذلك ما زال يسمع صوتها "لقيط"
أسند رأسه المتألم على أصابعه.. الصداع بات يغضبه، وكاد يفقد هدوءه لأول مرة اليوم على أحد العاملين لديه
نظراته جوفاء، فارغة.. الأزرق تلون بالأحمر، لم يعد يذكر عدد الأيام بلا نوم
"إيقاف الخسائر لن يأتي بعدم النوم والراحة"
لم ينظر إليه..
ظل متجهما، شاردا.
أسهم شركاته تكاد تنهار، تقف على الحافة، ولولا اسم الديب لسقطت
تراجع بعض الحاقدين عنه، هز اسمه بالسوق، وتوقف بعض الموردين انتظارًا لصدى ما كان
جسار ضربه في مقتل..
"لماذا لم تمنحه المقعد بدلًا مني؟"
نفخ الديب الكبير دخان سيجاره، ومنحه الرد "لأن المقعد يرفضه"
رحلت نظرات هارون للرجل..
لا ينكر أنه تعلم منه الكثير، لازمه عشر سنوات قبل أن يعرف بانتمائه له، وحتى بعد أن رحل غاضبًا ظل يتعلم منه والرجل لا يبخل عليه بشيء
"كان نائبك"
أطفأ السيجار.. تنفس بعمق جارًا لصدره هواء بلا نيكوتين ثم رفع نظراته لابنه، وريثه الشرعي
"كان ابني، كان الأقوى والأذكى من بعدك، وظننت أن مكانه هذا سيوقف جنونه ولم أظن أني كنت أُسكن الحيّة تحت وسادتي"
أبعد رأسه عن أصابعه.. نفخ الزفير وكأنه ينفخ بالنيران المتقدة بحياته منذ مقتل شريف
"هل ليال بخير؟"
نهض، وضع يداه بجيوبه وتحرك للنافذة، الظلام الممتد بالأرض الشاسعة أفقده الرؤية لكنه يحفظ كل شبر بالخارج
"نعم"
نهض الرجل مستندا على عصاه، تحرك لجواره، نفس القامة، لكن ليس نفس البنية القوية لابنه
"يمكنني مساندتك.. فقط لو تقبل"
ظل ثابتا، الهدوء يخيم عليه، حتى التفت له منحه نظرة عميقة، هو ليس ضعيفًا ولا مستسلمًا
"أعلم أنك قادر على ذلك"
أدار وجهه مرة أخرى لما يشبه ما بداخله..
عتمة..
ظلام..
سرداب مخيف بلا نهاية
"لكنك ترفض"
ظل صامتا.. لا يمنحه أي شيء
****
تغلبت الصغيرة على الضربة التي نالتها.. لكنها كانت ترى هارون صامتًا، ليس كما عرفته، تتفهم ما أصابه بسبب ما كان لكنها تعرفه جيدا
هو ليس ذلك الضعيف..
دق باب مكتبها بالفندق.. تراجعت وهي ترى جميلة تدخل وضحكتها المرحة التي تضيء وجهها رغم تعب الحمل الذي تعاني منه
"أعلم أنكِ مشغولة"
ابتسمت لها، منحتها اهتمامها وتركت شاشتها "لكن.. "
ضحكت المجنونة وجلست أمام مكتب الديبة "لكن أعلم أنكِ لن تتأخري عني"
صمتت وهلة تحاول فهم كلماتها ثم قالت "هذا صحيح، ماذا هناك؟"
عبثت يداها ببعضها البعض ونظراتها عليهم ثم رفعت وجهها لليال "لدي أخ وأخت من بابا، عماد وسها، هم أكبر مني بكثير، بالأمس عماد هاتفني وأخبرني أنه يرغب برؤيتي من أجل ميراثي الذي لم أناله"
ظلت ليال هادئة، تستوعب كلماتها للحظة قبل أن تسألها "هل عرفوا أنكِ أخت الكبير؟"
هزت أكتافها بلا مبالاة "لا أعلم، ما الفارق ليال؟ هي حقوقي"
نهضت ليال وتحركت لتجلس أمامها، هي ترى تهور الفتاة وهو مناسب لعمرها وشخصيتها لكن ليس لأخت هارون الديب ولا زوجة نائبه
"بل هناك فارق جميلة، وفارق كبير، أين كانوا منذ عرفوا أن لهم أخت؟ لماذا وافقوا على أخذ ميراثك؟ لماذا الآن تذكروا وجودك؟"
شحب وجهها أكثر وعيونها تتجول داخل عيون ليال، لا تعرف أي رد على الاسئلة فهي لم تفكر بهم أصلا "لا أعرف ليال لكنه ميراثي، حقي"
تراجعت قليلا ثم قالت "إذن أخبري أخيكِ وزوجك، لن تخطي خطوة إلا بعلمهم، هارون لن يقبل ذلك"
صوته جعلهم يلتفتا له "أقبل ماذا؟"
نهضت جميلة فجأة حتى أنها ترنحت وكادت تسقط، ما زالت الأنيميا تؤثر عليها وليال ساعدتها لتجلس وهو تحرك للداخل
"هل أنتِ بخير؟"
منحتها ليال عصير أعادها لطبيعتها قليلا ولكنه لم يمحو الشحوب عن وجهها "نعم"
تراجعت ليال له، لم يأتي الفندق منذ لقاء شريف ولم تراه منذ عدة أيام ولم تشكو كعادتها بل تصمت وتنتظره.
ظل واقفا، عاقدّا ذراعيه أمامهما "نعود لم كان، ما الذي يحدث ولن أوافق عليه؟"
جميلة ملامحها متوترة، تحاول التحكم بالخوف المسيطر عليها وليال تواجها، تحثها على الحديث حتى نطقت ومنحته ما يحدث
تراجع للأريكة التي سقطت تحت ثقله والمرأتان تواجهاه بنظرات تحمل الانتظار "وأنتِ ترغبين بميراثك؟"
هزت رأسها بلا كلمات "هل أخبرتِ زوجك؟"
نفت أيضا برأسها وكأن لسانها انعقد والكلمات تحجرت بجوفها بينما رد هو بهدوء "أخبريه ولو وافق أنا لا أمانع"
الفانيليا تمانع "هارون!؟"
رفع وجهه لها "حقها ليال، ميراثها المغتصب"
لم تفهمه، نهضت جميلة "صفوان بالخارج؟"
منحها إيماءة من رأسه فاستأذنت منهم وخرجت بينما نهض هو وتحرك لامرأته التي كعادتها رفعت وجهها لتواجه زرقاء عيونه "لديكِ شيء صغيرتي"
صمتها لم يطول "أنت كنت تعلم أليس كذلك؟"
للحظة ترك عيونه تتجول على وجهها قبل أن يرفع يده ويمرر أصابعه على وجنتها "أنا المتهم الآن؟"
تورد وجهها، نبض قلبها لذكر الاتهامات "ليس اتهام هارون، بل إدراك للرجل الذي أعرفه"
ابتسم، هي فقط من تجذب الابتسامة على فمه "ربما، لم لا نصعد لجناحنا القديم، أرغب بالراحة بين أحضانك"
نست كل شيء، فقط قلبها رحل له، نبض بقوة لحبيب عمرها رفعت يدها لوجنته "وأنا كلي لك حبيبي"
انحنى وجذب وجهها له، قبلة طويلة ثم احتضنها
وسكتت الكلمات، لكن التوتر ظل معلقا في الهواء، كثيفا، كأنه يدفعهما معا للهروب من التفكير.. لا من الحقيقة
الكبير كان بحاجة لشيء واحد فقط ليصمت هذا الضجيج برأسه، ولو مؤقتا وهذا الشيء لن يكون أفضل من..
أحضان صغيرته..
وبالجناح نال أحضانها بعد أن أخذها بقوة لم تعهدها به من قبل، وكأن شيطانه كان حاضرا، راغبا بتفريغ شحنته الزائدة من الغضب..
لم تتحدث.. لم تعترض..
أغمض عيونه ورأسها على صدره تسمع دقات قلبه القوية، عمق أنفاسه المتعبة ثم انتظامها
رفعت وجهها لتراه وقد رحل بالنوم بعد أيام طويلة مرهقة..
أنت الخير رغما عن الشر الذي يلاحقك حبيبي..
ستهزم الشيطان مهما كانت قوته، ستنهض مهما كانت قوة سقطتك
أنتِ الراحة والسكينة صغيرتي، أنتِ الملاذ وقت التيه والضياع
****
نظرات صفوان لإخوة جميلة كانت حذرة، لم تكن موافقته على كل ذلك سهلة، لم يرغب بأموالها، تماما مثل أنس لكن..
الكبير له رأي آخر..
أموال آلاء تعود بلا جدال وأيضا جميلة
عماد أخيها الأكبر كان بالثلاثينات، توقف أمام العملاق..
ظل يواجه الخضراء التي واجهته بهدوء يخفي غضب مشتعل داخله "كنا سنمنحها حقها لولا مرض والدتي"
نظرات صفوان ظلت منغلقة، لا شيء يظهر منها "أخبرها هي، الأمر لا يعنيني بالمرة"
ابتسامة شبه ساخرة على وجه عماد الذي لم يشبه جميلة "حقا؟ هل تعرف كم يبلغ نصيبها؟"
مال صفوان تجاه الرجل مدركا جيدا معنى سؤاله وخرج صوته عميقا ونبرته مخيفة "هل تعرف أنت من أنا؟"
تجهم عماد، تدخل المحامي بالحال "بالطبع سيد صفوان نعرف من أنت.. اسمك معروف بكل مكان ويكفي أنك نائب الكبير"
ظلت النظرات متصلة، تحمل التحدي وعماد هو من انسحب وجميلة تشعر بالتوتر وصفوان يعود ليجلس بجوارها "هل ننتهي من الأمر أستاذ فاضل؟"
عاد الرجل لمقعده والأوراق ارتفعت على سطح مكتبه "بالطبع، هذا تقرير مفصل بأملاك المرحوم، هذه هي الأنصبة الشرعية للورثة، زوجتان، ابن وابنتان وبالطبع تم التوزيع حسب الشريعة الإسلامية وأملاك زوجتك ووالدتها لم تمس"
خديجة ظلت صامتة، فاتن الزوجة الأولى كانت تواجها بحقد واضح لكن بلا كلمات، لا أحد يعرف ماذا فعل الكبير حتى يقبلون بتلك الجلسة
ما أن انتهوا حتى وقفت فاتن أمام خديجة، نظراتها تحدثت عما داخلها، نادرا ما تتقبل امرأة زوجة أخرى بحياة زوجها "كيف وضع خادمة بنفس الكفة معي؟"
خديجة لم تعد تتألم من حقيقتها فلا شيء سيمحوها ولم يعد يهمها تلك النظرات بعيون الآخرين "هو لم يفعل، بدليل أنه كان معكِ طوال الوقت"
الغضب لا يرحل والكره لا ينتهي والخيانة لا تموت
"كان معي ولم أدرك خيانته لي إلا بعد سنوات، لا تظني.. "
رفعت خديجة يدها لتوقفها وبهدوء قالت "لا أظن أن أي كلمات الآن سيكون لها فائدة، وحيد مات وانتهى كل شيء"
وتحركت لتذهب لكن فاتن لم تتركها "لا تظني أن هارون الديب سيحميكِ للأبد"
رفعت نظراتها لها، ابنها يحميها؟ هي لم تكن تعرف ذلك "هو يحمي زوجة نائبه وليس أنا"
وتحركت للخارج، لم تخبر أحد أن الكبير ابنها طالما أنهم لا يعرفون، لن تضع الخادمة بالواجهة معه، ليس بعد أن احتل مكانته الحالية ولا وهو يصارع الآن ما لحق به بسبب قتل حماه
جميلة لمست يدها وهم خارجان من مكتب المحامي "ماما هل أنتِ بخير؟"
ما زالت تتذكر تلك الأيام التي كادت تفقدها فيها
لفت وجهها لها بابتسامة هشة "نعم حبيبتي"
صفوان قاد وامرأته بجواره والصمت يلفه، هارون يضعه بمواقف لا يرغب بها لكن كما أخبره "لا أحب أن يسلب أحد حق فرد من أفراد عائلتي ولا أعيده"
بنفس الوقت كانت ألاء هي الأخرى مع زوجها بمكتب محامي والدها.. ميسرة اعتذرت عن الحضور، وأعمامها كذلك فقط المحامي دفع الأوراق لها وأنس صامتا
"تلك الأوراق خاصة بكل ما يخصك يا ابنتي بعد تجنيبها الخسارة التي لحقت بنصيب والدتك وأعمامك"
لم ترد وهو يشير لما فعله هارون بهم..
تحرك أنس ليرى الأوراق ثم منحها إيماءة فوقعت بالاستلام والمحامي ينظر لها، هو كان صديق والدها، يعرفهم جيدا "والدتك ما زالت مريضة، ربما ترغبين برؤيتها"
تجمد أنس، نظراته سقطت على امرأته التي شحب وجهها، ذكر والدتها يدفع بالحزن لعيونها، يوقف ابتسامتها وربما يوقف حتى أنفاسها..
رفعت وجهها للرجل "هي ليست بحاجة لي عمو، شكرا لوقتك"
والتفتت لزوجها الذي منحها يده ليساعدها على النهوض، الشهر السابع صعب.. جعلها تتحرك بصعوبة وحذر واتباع تعليمات الطبيب
بالسيارة صمتت، لم تنطق بكلمة وهو راقبها..
كان يعلم أنها تتألم، تنعي حظها بأب وأم لم يحبوها "حبيبي بخير؟"
انتبهت له، ابتسامة لم تكتمل على شفتيها وصوت مهتز أجابه "نعم أنس"
أمسك يدها، أراد ضمها له، منحها حبه وحنانه "لا أحب هذا الحزن بعيونك ألاء، يمكنك أن تذهبي لها و.. "
قاطعته "لست بحاجة لأفعل أنس، اكتفيت بك وبالعائلة التي منحتها لي، أحيانا أرى نفسي مثل الكبير، كيف تخلى عنه والداه وهو عاش وصنع نفسه بنفسه وأجد نفسي ألتمس منه القوة والشجاعة لأفعل المثل"
نظراته احتوتها، هارون لديه ماضي ثقيل، ثقيل جدا وهو وحده من استطاع أن يحمله والبسكوتة أضعف من أن تفعل المثل
"ربما حبيبتي لكن لا تقسي على نفسك"
مالت، استندت على ذراعه تلتمس الراحة والأمان "لا أفعل، طالما أنت معي فلن أحتاج شيء"
عودت الكبير للقصر فاجأت الفانيليا.. بالصباح استيقظت بالفندق ولم تجده وورقة فقط ما تبقى منه "أحب صغيرتي"
توقفت وهي ملتفة بالمنشفة أمام باب الحمام عندما رأته يدخل غرفتهم، ابتسامته لم تمحو ما رأته وحدها من قلق وغضب وانشغال خلف نظرته المعتمة
رفعت له وجهها وهو يقف أمامها "رأيت أول سِنة لأحمد"
نظراته تجولت عليها وهي صامتة، تحاول استيعاب تصرفاته ويده ترتفع لوجنتها "الباشا أخبرني أن إيقاف الخسائر لن يأتي بعدم النوم والراحة، لذا توقفي عن نظرة الدهشة تلك لوجودي أم ترغبين بذهابي؟"
هو يفهمها جيدا، يقرأ نظراتها كما تفعل هي أيضا..
ظلت أصابعه تتحرك على وجهها وعنقها وهي ثابتة "تعلم ما أرغب به هارون، أنا فقط قلقة عليك"
جذبها له..
كعادتها يداها ارتفعت على صدره، بدلته التي أصبحت زيه الرئيسي مؤخرا، ما زالت لم تنتزع وهو أخفض وجهه لصغيرته
"وجودي معك يقلقك!؟"
وضع قبلات على وجنتها فتنفست بعمق وهمست "وجودك معي هو عودة الروح للجسد حبيبي"
سقطت المنشفة وتبعها جاكته..
وجوده معها، ببيته..
بعيدا عن حلقة النار التي يشعلها جسار، بعيدا عن توابع ضربته، قد يكون معناه أنه يعيد ترتيب حساباته أو له معنى آخر لا يعرفه إلا الريس
عفوا..
الكبير
أما العدو الأول للكبير فظل واقفا أما البار الخاص بالفيلا خاصته.. يمسك الكأس بيد وعصاه بالأخرى ونظراته تحدق بالفراغ
الرجل الذي يراقب الكبير أخبره أن الكبير يعود لبيته، يعيش حياته مع عائلته ولم يعد الصخب الذي صنعه قتل شريف يمثل له أي قلق وهذا أصابه بالحيرة
هو يعلم نتيجة ما فعله وأثره على اسم هارون الديب، بل وزعزعة مكانته بين أعضاء المجلس، كيف تعامل هارون مع ذلك؟
لن يمكنه تجاهل كل ما يحدث من البورصة، الصفقات المتوقفة، ضغوط الصحافة، ويعود بيته وكأن شيء لم يحدث؟
لن يمكنه ذلك.. اللعنة
انفجر الكوب بين أصابعه من شدة ضغط أصابعه عليه، الزجاج انغرز براحته ودماء سالت وهو لا يهتم
غضبه، جنونه، شيطانه الذي يقوده، جعلوه فاقد لأي شيء بالحياة إلا شيء واحد
تحطيم هارون الديب..
وسيفعل..
"لن أقتلك هارون فالقتل راحة لك وأنا أرغب بإيلامك سنوات طويلة كي تندم على وقوفك أمامي"
وابتسم الشيطان داخله.. سنستمر بالانتقام ولن يوقفنا شيء..