رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والخمسون56بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والخمسون56بقلم داليا السيد 

الحرب خدعة 

قالوا.. الحرب خدعة.. وكل شيء في الحرب متاح

لم يكن من السهل تجاوز الأزمة والخروج من الضربة بلا خسائر والكبير واجه خسائره بذكاء ولم يستسلم للهزيمة 

لكن.. 

إيقاف الهجوم.. ليس انسحاب بل.. التقاط للأنفاس

ظل صامتا ورجلان من أعضاء المجلس يهاجمانه بقوة، الإطاحة به كانت حلم كي يمكنهم إزالة اسم الديب ووضع اسم جديد 

أحدهم يواجه الأعضاء بحرب هارون مع عدو غير معروف.. يسدد له ضربات بلا هوادة والآخر يناشد برئيس لا يجلب خلفه مشاكل 

وصمت أجاب كلاهم.. 

الكبير هو من أجاب "أحترم أراء السادة الأعضاء ولو انتظرتم مني دفاع عن نفسي ف.. "

وتوقف، نظراته تحركت لهما ثم عاد لشاشة جهازه وأكمل "فأنا ليس لدي أي دفاع عن نفسي"

همهمة سرت بين الأعضاء وهتف العضو المهاجم "إذن تنحى عن مكانك"

رفع الزرقاء له، منحه نظرة لم تحمل أي معاني لكنها جعلته يرتد بمكانه ويخرس تماما "التنحي له أصول عزت أم نسيت قواعد المجلس؟ هل تضرر أحد السادة مما حدث لي؟"

صمت خيم على الجميع حتى هتف المهاجم الثاني "وماذا عن أن رئيس المجلس متهم بالقتل؟ ألا تعي توابع ذلك؟ سيفقد المجلس قوته"

اتجهت له الأنظار، أكثرها استنكار لكلماته والأقل تساؤل عما يعني

دقات خفيفة على المائدة أوقفت الهمسات من الكبير الذي تولى الرد "المجلس لا يكتسب قوته من الرئيس فقط غالي، بل من قوة السادة الأعضاء مجتمعين ومعهم الرئيس"

توقفت الهمسات، شحب وجه غالي وصمت عزت واعتدل هو "أمام حضراتكم جدول أعمالنا بالمرحلة القادمة أرجو رؤيته الآن لأن به العديد من التعديلات"

الصمت مر عليهم والشاشات أضيئت والوجوه تبادلت التساؤلات 

الحسيني أول من بدأ "تلك مواجهة قوية هارون"

تراجع بالمقعد ورد بهدوء "تحدثت منذ قليل عن قوتكم جميعا"

أحدهم أكمل "أحب ذلك هارون، أنت ترغب بفك قيودنا"

التفت له "التخفيف منها"

رد الحسيني "ولم ترى العقوبات حربي؟ لا رحمة بأي خطأ"

عاد له بنظراته، الحسيني رجل نزيه حقا مشكلته فقط أنه تجرأ وذكر الفانيليا وهو يوقف نفسه عنه بصعوبة "العقاب من جنس العمل حسيني" 

"هذا سلخ جلد هارون وليس عقاب"

حرك يداه الاثنان "ما زلتم لم تمنحوا التصويت حسيني، يمكنك الرفض"

نظرات تحدي استمرت بينهم، الرفض يعني الضعف والقبول يعني السقوط بالنار لكن بواقي قد يتمزق لو تم الخطأ

أبعد نظراته "التصويت يا سادة"

صفوان ظل صامتا، هارون يبتلع الجميع لكن بذكاء وبلا خطأ "إذن موافقة، صفوان اطبع جدول الأعمال ويتم التوقيع عليه وإدماج صورة منه مع جلسة اليوم"

ورفع عيونه لهم "الجدول سيبدأ منذ الآن، والعقاب أيضا"

ونهض للمكتب الفاخر، وكالعادة هاتفه يعلن عن اسم الباشا وهو تجاهله وشيماء تمنحه هاتفه الشخصي.. 

الفانيليا تهاتفه "نعم ملاكي"

نزلت من السيارة وأنس يتحرك بجوارها "انتهيت من عقد الشراء للفندق هارون، أرغب بشركة الأمل للإنشاءات وهم يرغبون بموافقتك"

دخلت مكتب القصر وهو يوقع على الجلسة من صفوان "سأفعل"

فتحت جهازها "لدي شيء لك سأرسله على بريدك"

رفع رأسه "ألا ترتاحي بعد سفر طويل؟"

عبثت بالجهاز "سأفعل لكن بعد أن أنتهي، العشاء معي؟"

جلس وشيماء تضع أوراق أمامه "نعم، أفتقد طعامك" 

"تعلم ضيق الوقت حبيبي" 

"أعلم"

 أغلق وهو يعود لهاتفه الآخر وهذا كان اقتراحها هي لتأمين هاتفه "نعم يا باشا"

الرجل كان غاضب "أنت تطيح بكل ما وضعته طوال سنوات رئاستي للمجلس هارون"

تراجع بالمقعد، ضاقت زرقاء عينيه "هل وضعتني بالمقعد كي أمجد ذكراك؟"

تراجع الرجل من كلمات هارون "أنت تلعب بالنار هارون، ما تفعله.. "

قاطعه بهدوء "أنا لست تابع لك يا باشا، متى ستستوعب ذلك؟"

نفخ الرجل، ضرب الأرض بعصاه "أنت تقلل مني هارون"

ظل ثابتا، مدركا ما يفعل ولن يتراجع "أقلل منك لأني أقوم بعملي دون السير على خطاك؟ يا باشا أنت تنسى أنك من وضعني هنا فلماذا تعترض الآن؟"

لف الرجل حول نفسه، هل لابد أن يسمعها منه صريحة، أنت لم تعد الرئيس

ابتلع ريقه متجاوزا أفكاره "أنت.. "

قاطعه هارون "أنا لا أرغب بإثارة غضبك أكثر من ذلك لكن إلى هنا وانتهينا يا باشا، تلك آخر جلسة ستكون لك عيون وآذان بها"

 صمت الرجل، هارون يرتقي فوق أكتافه، هل صنع منه وحش آخر؟ "هارون لا تتحول لنسخة أخرى منه"

ابتسم هارون ابتسامة ديب، بل رئيس الدياب "لو نادم على الاعتزال يمكنني إعادته لك، تعلم أني لم أرغب به، كنت تعلم من هو الريس يوم وضعتني مكانك"

وأغلق ونظرات صفوان ترافقه "تأخرت"

هز رأسه "كل شيء بأوان، لم يكن ليتحمل إقصاءه من أول يوم"

تفهم صفوان "أرى أنك صرفت نظر عن جسار"

تابع الشاشة ورسالتها تصله "لدينا الأهم الآن صفوان، لملمة خسائرنا"

ضاقت الخضراء بلا فهم فمنحه نظرة "لن نترك ما صنعناه طوال عمرنا يسقط بلحظة من أجل الانتقام"

لا يعلم العملاق لماذا لا يقنع بكلمات رفيقه، ليس هو من يفر من المواجهة، هل فاته شيء؟ 

****

وجود العائلة حوله يسعده حقا، يجعله يدرك أنه صنع شيء، أحلام ورشدي تواجدوا بدعوة من ليال بناء على طلب زوجها

لم تفهم تصرفاته مؤخرا، أصبح يعود البيت كثيرا كما كان عندما كان الريس، وجوده معها زاد بالفندق ومع ذلك لم يقلل من اهتمامه بمكانه ككبير لكن كان ينفرد بنفسه أو مع صفوان وأنس بمكتب القصر 

نظر رشدي لهارون ومنحه سؤاله "الجميع يتحدث عن القواعد الجديدة للمجلس هارون"

تناول القهوة التي صنعتها له هندية بطلب منه، وجودها أضفى لمسة عائلية أخرى، لم تعترف بأنها تحتاج للراحة، بل عادت للمطبخ ولولا ليال لتركت ثمية العمل

ترك كوب القهوة فارغا على المكتب وأجاب "هل ما زالوا يفعلون؟"

هارون لا يمنح أحد شيء.. يجعلك تسير وبالنهاية تكتشف أنك مضيت وراء سراب 

تنهد رشدي وهو يجيب سخرية الكبير "هارون أنت فتحت طرق كانت مغلقة، ومنحت تسهيلات، المجلس لم يكن يوافق عليها"

ضاقت الزرقاء، صفوان تدخل "السوق يحب التجديد رشدي"

أنس أخذ باقي الخيط "هارون لابد أن يختلف عن الباشا السابق رشدي"

ظل رشدي يتجول بزيتونة عيناه عليهم، لا يشعر بالارتياح، هل حقا هارون يبيح ما كان محظور من قبل؟ يقدم تسهيلات بالصفقات لا تُمنح هكذا؟ 

"حسنا، أعلم أنك تفكر جيدا قبل اتخاذ قراراتك"

نهض، أغلق جاكته الأنيق ونظرات الرجال تتبعه "لابد أن أرحل لمتابعة فرع القاهرة غدا باكر"

منحه إيماءة برأسه فتحرك ليأخذ العسلية ونسمة ويرحل.. 

الرجال انفضت وظل واقفا أمام نافذة مكتبه، ذراعيه معقودين ونظراته بحر عميق لا نهاية لعمقه 

يداها التفت حول خصره من الخلف، رأسها ارتاح على ظهره "تحبك صغيرتك"

ابتسم، استدار ويده تجذبها له وترفع وجهها لوجه حبيبها "أرغب بأخ أو أخت لأحمد"

تراجعت بذهول.. عن ماذا يتحدث؟ 

طفلهم ما زال عدة شهور "هارون أحمد ما زال.. "

شفاهه انغلقت على شفتيها، أسكت اعتراضها وجذب الهواء من رئتيها حتى توقف "أنا لست صغير ليال، أرغب بالتمتع بأولادي قبل أن.. "

يدها أوقفت كلماته "لا تفعل"

أمسك يدها ووضع قبلة على أصابعها مبتسما "حاضر، لكن بشرط، أرغب بطفل آخر، أعيش معك كل لحظة من لحظاته منذ أن يتكون داخلك وحتى أتلقاه بين ذراعي"

رأسها المرفوع له منحه نظراتها التائهة، أفكارها الشاردة بلا مرسى "لن يعجبك وضعي وقتها، غثيان وقيء.. "

قبلة على شفتيها رقيقة وهمسه بجوارهم "هذا هو كل ما أريده"

صمتها كان مقبول، يفهمه لكن هي لا تفهمه "أنت تدبر شيء وأنا لا أفهمه هارون"

ابتسامته لا تمنحها أي شيء وصوته الهادئ يخرس أي توقعات داخلها "رغبتي بأبناء كثيرة تدبير مقلق يا قلب هارون؟"

وانحنى، قبلاته أغرقت وجنتها، عنقها ثم شفاها هامسا "وافقي"

صمتها كان الرد.. فسره كما أراد.. موافقة، لكن هي كانت لا تفهم رغبته بل كل تصرفاته الغريبة مؤخرا.. 

****  

تحرك محمد الديب داخل ممر المجد جروب، ابنه يرفض رؤيته، لا يجيب أوامره وهذا أثار غضبه لذا هو هنا بلا مقدمات.. 

شيماء نهضت واقفة للرجل الذي اندفع أمامها بلا مقدمات وخلفه رجل عملاق مثل صفوان لباب مكتب هارون.. 

"يا فندم لا يمكنك.. "

لكنه لم يكن يسمعها، وتميم اعترض طريقها ليبعدها، ومحمد يفتح الباب وهارون يرأس اجتماع مدراء الجروب ونظراته تحركت فقط للباشا 

"هارون أريدك"

صفوان نهض واقفا ونظرات الرجال تحركت للرجل وهم يتراجعون بأماكنهم من الدهشة، رفع هارون يده ليوقف صفوان عن التحرك وعاد للرجال "حسنا يا سادة لنتوقف هنا وسنكمل بموعد سأحدده فيما بعد"

نهض الرجال، محمد تحرك للداخل واتخذ الأريكة مكان ليخفي ارتجاف جسده من الغضب وأصابعه تتحرك بتوتر على رأس عصاه

نظرة من هارون لصفوان جعلت الأخير يتحرك خارجا وهارون يجلس أمام الديب الكبير، نظراته مغلقة وهدوئه يثير جنون الرجل 

"أنت تصر على جنونك واندفاعك هذا"

أسند رأسه على أصابعه "أي اندفاع؟"

دق الرجل بعصاه بقوة على السجادة الفاخرة بلا صدى لصوتها "ما تفعله من بعد ذلك الاجتماع الأخير للمجلس، هل تعي ما فعلت؟ أنت تفتح الطريق للتجاوزات هارون، تمنح القط مفتاح رغب به منذ سنوات"

لم يبعد أصابعه، بل ظلت رأسه ساكنة عليهم، نظراته ثابتة على الرجل الغاضب، نبرة صوته لم تتبدل "ليناله إذن، المهم أن يعرف أي باب يفتح المفتاح"

الرجل لم يعد يتحمل كل ما يحدث فهتف به بصوت كاد يعلو على نبرة الهدوء المعتادة "أنت انسحبت من المعركة هارون، منحته ما رغب به، الانتصار، سمحت لاسم الديب بأن يسقط"

أبعد رأسه أخيرا واستقرت يده على ذراع المقعد وتنفس بهدوء "هل سقط الاسم وأنا لا أعلم يا باشا؟"

صمت وانحنى للأمام، الزرقاء تواجه منبتها "لم لا ندعه ينال فرصته؟ ربما عندما يحقق انتصاراته بصفقاته يبتعد عن طريقي، أنت من نصحني بإيقاف الحرب أم نسيت؟"

مال الرجل تجاهه هو الآخر، مواجها المحيط القاتم داخل عيونه "أخبر سواي بكلماتك هذه، ما الذي تخطط له هارون؟"

ثباته مخيف.. 

هكذا كان الريس.. وهكذا هو الكبير.. ديب يقود قطيعه بقوة وشجاعة و.. دهاء 

"وتظن أني سأخبرك؟"

ونهض متحركا لمكتبه منهيا كلماته "هذا لو كنت أخطط لشيء كما تقول"

الرجل فتح فمه ليثور بوجه ابنه ولكنه توقف، تراجع، مدركا أن أمامه طريق سد ولن يمكنه تجاوزه "هارون المجلس لن.. "

التفت له يقطع كلماته بنظراته الجامدة "المجلس لا يمثل أي قلق بالنسبة لي يا باشا، وأعلم أنه لن يقف بظهري بل يتمنى الإطاحة برجل الشارع الذي فرضته أنت عليهم"

انفجر الغضب من الباشا الذي لا يعجبه غرور ابنه وطريقته بمواجهة المكانة التي وضعه بها

نهض واقفا، هتف بصوته العميق "ما الجنون الذي تنطق به هارون؟ من يقف أمامي ليس الريس الذي أعرفه ولا الكبير الذي تمنيته، أنت شخص آخر"

ظل بمكانه لحظة، نظراته لا تعني أي شيء "لا أحد يبقى على حاله يا باشا"

تحرك الرجل وناطح ابنه الطول، اعتصرت يده عصاه، التمعت زرقاء عيونه على عيون هارون، اشتدت عضلات فكه من احتراق عقله بمحاولة مجاراة ابنه

 "توقف هارون، لن يمكنك خداعي"

عقد ذراعيه، لم يتراجع، واجه بثبات، شيطانه هو النابض داخل مقلتيه والظل الطيب غائب "الخداع ليس من اهتماماتي الآن، توقف أنت عن القلق، السوق بحاجة للانفتاح والتطوير، والجميع لم يعترض"

انهزم الرجل أمام المجهول الواقف أمامه، سقط الصمت بينهم، ثقيل، بارد مثير لكل أنواع الظنون التي لا سند لها "أنت حقا ترغب بإقصائي بعيدا، تخبرني بطريقة لائقة أني انتهيت أليس كذلك؟"

الجمود اعتلى ملامحه، لف وجهه بعيدا للحظة ثم عاد للرجل مرة أخرى "الراحة ليست سيئة بهذا العمر يا باشا"

وتحرك لمكتبه، جلس وفتح جهازه.. لم يواجه شحوب وجه الديب الكبير ولا اختناق أنفاسه، لم يسمع دقات قلبه المرتفعة داخل صدره، احتراق أنفاسه

تحرك للخارج، ولم يغلق الباب خلفه .. 

**** 

الخداع ليس من اهتماماتي الآن.. 

هكذا أخبر الباشا لكن.. هل كان صادقا تلك المرة؟ 

جسار أراد حرب، دم، دمار وخسائر لا حصر لها، والكبير أراد حرب من نوع آخر، لا صخب فيها ولا دماء

فقط أوراق، توقيعات، وابتسامات باردة تُلقي بالخصم إلى حيث يريد دون أن يلمسه

دخل قاعة المجلس قبل الموعد بدقائق، هو من حدد المكان، قاعة مختلفة، مكان لم يعرفه الأعضاء إلا قبل الجلسة بنصف ساعة 

بدا هادئا على نحو مقلق، كأن معركة انتهت قبل أن تبدأ.. الصمت نزل على الجميع وعيناه تجولان في الوجوه واحدا تلو الآخر

وجوه تحفظت حين لمحته، ووجوه تجرأت حين لم تجد ما تخشاه

الجلسة كانت مزدحمة، عزت قاد مسيرة الشماتة، تحدث عن الخسائر المحتملة، سمعة المجلس، الضغوط الخارجية.. 

تحدث وكأنه يقرأ نعيًا مسبقًا لاسم الديب، والديب لم يقاطعه.. لم يحرك حتى نظره له.. اكتفى بالصمت، صمت ثقيل جعل الكلمات تتكسر قبل أن تصل إلى نهايتها

غالي هو الآخر أخذ دوره، بنبرة أشد، بمخاوف أقل تهذيبًا

صدرت منه صريحة، المجلس لا يحتمل رئيسا تطارده الشبهات، بالطبع كان يعني قضية شريف السمنودي والتي لم يُكشف القاتل بها حتى الآن.. 

وجه كلماته وكأنها ستسقط كسكين في صدر الكبير لكنها سقطت على أرض صلبة

عندما توقف وابتلع ريقه رفع هارون عينيه أخيرًا. نظر له نظرة واحدة فقط، بلا حدة ولا تهديد. نظرة تُشبه تلك التي تسبق الإذن ثم قال بهدوء لا يفارقه 

"أفهم مخاوفكم"

تبادل الأعضاء النظرات. كانت أول مرة يسمعونه يقولها دون أن يُتبعها بشرط "وأرى أن المجلس يحتاج إلى تهدئة، لا إلى مواجهة"

تبادلت الهمهمات. تهدئة؟ هارون الديب، الرجل الذي يقابل الضغط بضغط أكبر، الريس الذي كان اسمه يهز أعتى الرجال، يطلب هدنة؟ تهدئة؟ 

الحسيني هو من تحدث بحذر "هارون ما نسير به تغييرات جذرية، تمس أساس تعاملاتنا"

رد دون أن ينظر إليه "المرحلة تفرض نفسها وبالطبع كل خطوة ستكون بحساب"

تسللت ابتسامة خفية إلى وجه عزت. أما غالي فاعتدل في مقعده، وقد لمح فرصة لم يكن يتوقعها

تجرأ وسأل "وهل تشمل التعديلات.. شركاء جدد؟"

صمت هارون لحظة قصيرة. لحظة محسوبة قبل أن يمنحه الرد "إذا كانوا يضيفون قوة حقيقية، فلم لا؟"

في تلك اللحظة، كان جسار يقف أمام نافذة مكتبه الزجاجية، يراقب المدينة بالخارج كمن يراقب غنيمة بدأت تتعب

جاءه الاتصال من أحد رجاله عرف كيف يسرب أخبار من داخل المجلس، صوته لا يخلو من الدهشة "الكبير.. مرر البنود كلها"

ضحك الشيطان ضحكة قصيرة، متحفظة، لكنها حقيقية "قلت لك.. الضغط يصنع المعجزات"

ورفع رأسه بزهو.. ضربته كانت بالصميم

عاد المجلس للتصويت. 

الأصوات ارتفعت واحدة تلو الأخرى بالموافقة. حتى أولئك الذين اعتادوا الاعتراض وجدوا أنفسهم يرفعون أيديهم فالخيار الآخر كان الوقوف في وجه رجل يبدو لأول مرة مستعدا للتراجع ومن الغباء أن تُفوت لحظة ضعف كهذه

نطق هارون بتأني "إذن تُمرر البنود، تُوثق وتدرج في محضر الجلسة"

وكان أول من وقع.. توقيعه ثابتا، لا تردد فيه وتراجع بالمقعد ونظراته ثابتة عليهم وهم يفعلون المثل حتى ثبت على غالي وابتسامته لا تُخفى على الكبير

انتهت الجلسة. 

صفوان فتح له باب السيارة وتحرك ليقود ووقتها تابعه بالمرآة "أنت تمط الخيط هارون"

لم ينظر هارون إليه، كانت عيناه على الطريق "كلما طال الخيط كلما كبر الصيد"

نفخ صفوان، طريقة هارون تخيفه فهي جديدة ولم يعتادوا عليها "وجسار؟"

ابتسم الكبير ابتسامة بالكاد تُرى "لا مانع من أن يحتفل بالربح"

وهو ما كان يفعله جسار بالفعل.. يحتفل

صفقة ضخمة ستمر عبر شركة واجهة باسمه، مقعد إضافي داخل منظومة القرار، غطاء قانوني بتوقيع الكبير نفسه، قروض مضمونة، أبواب أكثر تفتح، كل ما حلم به تحقق دفعة واحدة وسينال المقعد بلا منافس

سيكون الكبير.. 

رفع كأسه، حدق بالسائل الذهبي وخرجت كلماته قوية "بصحة سقوط الديب"

لكن.. 

سقوط الديب ثمنه غالي.. غالي جدا 

**** 

انتهت موجة الغثيان الخاصة بالمجنونة.. الدوار أسقطها أرضا وهي اعتادت على ذلك لكن عندما استيقظت كانت بالفراش، العطر عند أنفها والخضراء تواجها، تحمل القلق عليها 

"هل أنتِ بخير الآن؟"

شاحبة، فمها جاف ولكن الدوار رحل "نعم"

نبرتها ضعيفة وهو تحرك خارج غرفتهم الجديدة بالبيت الذي انتهى منذ فترة والمجنونة أنهته بشكل رائع 

عندما عاد كان بالطعام وهي تعتدل بالفراش "لا أرغب بطعام صفوان، معدتي تؤلمني"

وضع الطعام أمامها والهدوء يجيبها "سأمنحك الدواء الذي رشحته الطبيبة"

تناولته غصبا وجلس يساعدها بالطعام حتى انتهت بصعوبة "متى عدت؟"

أبعد الأطباق ونزع قميصه "عندما سقطتِ فاقدة للوعي"

أخذ حمام وعندما خرج كانت نائمة، الشهور الثلاثة مضت وانتهت والطبيبة ما زالت تحذرهم من الانيميا وهو وخديجة يحاولان معها 

جذب الغطاء عليها وهاتفه يعود للرنين، تحرك للخارج "نعم هارون"

كان الكبير يتحرك للسيارة "ألاء تلد"

أغمض عيونه، لف حول نفسه "جميلة متعبة ولا.. "

هارون لم يفكر "ابق معها"

وتحرك هو وليال التي كانت تساند ألاء للسيارة وصفوان لم يجادل عاد وارتدى ملابسه واستدعى خديجة لتبقى مع ابنتها ورحل لرفيقه

حمزة أنس أمين.. 

وصل بسلام بلا أي مشاكل وتبادل الرجال التهنئة والولادة الطبيعية مرت بسلام.. 

حمزة الصغير كان رائعًا، خليط من والده ووالدته مع توقعات بالتغيير بالطبع.. 

ابتسمت ألاء رغم تعب الولادة وليال تمنحها طفلها، لم تكن تعرف كيف ستكون مشاعرها وهي تتلقى طفلها والآن لا كلمات تكفي للوصف

خرج هارون لتلقي مكالمة واحدة وكلمات مختصرة "تم يا كبير"

أغلق بلا رد وصفوان يتبعه "هل بدأ؟"

منحه هزة بسيطة أجابت ونفخ بقوة "انطلقت صافرة الحكم"

**** 

محمد الديب حكم على نفسه باعتزال كل ما كان يعيش به، لكنه الآن شعر بفقدان روحه، اعتاد السيطرة والسلطة، اعتاد إلقاء الأوامر، أن يسأل فيجاب 

لم يهاتف هارون منذ ذلك اللقاء، معرفته بخطوات جسار أثارت جنونه، أراد التدخل وإيقافه لكن لم يعد يملك أي سلطة

كلها بيد هارون.. الكبير

وهارون ترك الشيطان يلهو كما يحلو له، استسلم للهزيمة 

رنين هاتفه جعله يبحث عنه، لم يعد يرن كالسابق لذا ينساه، وضعه على أذنه وانتظر الرد "هل عزلك بسهولة هكذا يا باشا؟"

 تنفس بقوة، لم يكن ضعيف بأي يوم، لم يكن غبيا أيضا وما يفعله هارون لا يمر من عقله "أنت تنسى أن أنا من منحه المكانة وليس هو من اغتصبها جسار"

ضحكة هادئة لكن وصلت للديب الكبير "أنت لا تصنع سوى الوحوش التي تلتهم الجميع وأنت أولهم بلا رحمة"

قبض على الهاتف بقوة، أصابعه تؤلمه لكن غضبه من هارون يؤلمه أكثر "هو لم يحاول قتلي ولا تدمير كل ما يخصني"

تناول جسار مشروبه والسيجارة تطلق دخانها حوله "هو ليس بحاجة ليفعل، هو أذكى، سلبك كل شيء بلا قوة"

أغمض الرجل عيناه، ليس ندم على منح هارون المقعد ولكن خوفا من أن يكون بالفعل صنع وحش آخر 

جسار يضغط "هو لم يسير على دربك، ولا حتى على الصراط الذي كان يدعيه، هو مثلنا، مغموس بالرذيلة حتى أخمص قدميه"

لا، لن يصدق أن من رفض ثروة لا تقدر بمال يحيد عن الأبيض، ليس هارون، هو يعرفه جيدا "ابتعد عنه جسار، توقف عن إيذاء أخيك"

هتف، نبرته هزت قلب الرجل "أنا ليس لي إخوة ولن يكون، هارون انتهى يا باشا، سقط بالوحل ولن تنهض له قائمة بعد الآن، أنت أخطأت يوم وضعته بمكانك وأنا من سيصحح الخطأ"

وانغلق الخط.. 

وأغلق الباشا عيونه على الألم المتصاعد داخله.. هو يعلم النتيجة 

ليس الآن ولكن منذ أن احتضن هارون بالصغر، رأى قوته، ذكائه، تفوقه على جسار وعلى أقوى الرجال وارتفع الكره بقلب جسار له لأقصى درجاته يوم عرف السر

هارون ابن محمد الديب.. ابن الخادمة.. أخوه

الديب منحه اسمه بحجة التبني ولكن الحقيقة ظهرت، ابنه.. 

الكره نما وترعرع وانغرز بخيوط سميكة داخل عروقه ولا شيء سيخرجه منه سوى القضاء عليه.. 

وسيفعل. 

**** 

مالت عليه ورائحة الفانيليا تتبعها وهي تعبث بأزرار جهازه "بل هنا هارون، تلك ثغرة جيدة لو استغلت جيدا"

تابعها وهو يشيد بمهارتها بالأمر "تمام، أرغب بنسخة من الملف ليال ولا توقفي الارسال"

منحته نظراتها القريبة فلم يتجاهلها "لن نثير الشكوك تجاهنا الآن"

رغم أنها تفهم ذلك لكنه لا يمنحها أي شيء "لا أحد يمكنه أن يكشفني هارون لكن أنا لا أفهمك، إلى متى ستظل بالظلام؟"

لفها بذرعه لتفقد اتزانها وتسقط على ساقيه ويده الأخرى تزيح خصلاتها الانسيابية "هارون"

قبلة على وجنتها "قلب هارون"

وأخرى أخذت شفتيها بعمق، هو لا يرفع يده عنها منذ بداية تلك الحرب الباردة وهي لا تمانع لكنها تحمل مخاوفها داخلها.. 

عندما أبعدها تحدث بنبرته الهادئة "هارون الديب لا يأخذ الظلام ستار له أبدا ملاكي، هارون الديب يواجه بمنتصف النهار"

هي تعلم ذلك "وهذا ما يجعلني لا أفهم تصرفاتك مؤخرا"

ابتسامته تحلي أوقاتهم معا "المهم أن تثقي أني لن أخذلك ولن أحيد عما رسمته لنفسي من سنوات، أولادي لن يرثوا إرثًا ملوثًا بأي رذيلة"

ظلت صامتة، يداها ثابتة على صدره، عيونها تحاول اختراق عيونه وقلبها يدق له وعليه 

قبلة أخرى على وجنتها "الفانيليا لم تذكر دورتها الشهرية، هل تأخرت؟"

لفت وجهها له، هل حقا ينتظر الحمل، هي نفذت رغبته، أوقفت الحبوب لكنها لم تتابع الأمر ونست بالأساس موعد دورتها "لا أعلم هارون، نسيت آخر موعد لها"

ابتسم مرة أخرى ويده تسكن على بطنها "لكن أنا لم أنسى ملاكي، مر ثلاثة أيام على موعدها، أحضرت لكِ جهاز الاختبار وسنجريه معا"

الطبيب نصحها بانتظار عام على حمل آخر من أجل الندبة القديمة لكنه لم يرفضه تماما وهي ترى بعيني زوجها رغبة قوية بطفل آخر  

هزت رأسها فمنحها قبلته وحررها لتنهض مغلقا جهازه ويده بيدها وبلا تردد غرفتهم كانت وجهته وهي لم تقوى على الحديث.. 

رفضت أن يدخل معها الحمام، وبعد جدال استمر ربع ساعة تركها وحدها وعندما ضمت الجهاز بين أصابعها تنتظر، تذكرت.. 

كانت بنفس المكان، وحدها، تدعو الله أن تكون حامل لأجله واليوم.. أيضا تدعو الله لأجله ولكنها ليست وحدها ولو حامل ستخرج وتهرع لأحضانه تخبره أنها تمنحه ما تمناه.. 

أغمضت عيونها على الذكريات المختلطة بالواقع.. قلبها يدق بسرعة وكأنه أول حمل لها.. 

فتحت عيونها ببطء، التقطت أنفاسها بصعوبة قبل أن ترفع الجهاز أمام عيونها.. 

ظل واقفا أمام نافذة غرفتهم.. لم تخبره إلا مؤخرا أن اكتشاف حملها كان بنفس يوم معرفتها موته.. 

ذكريات لم ينساها ولن يفعل..

هو يضعها نصب عينيه لتوقفه عن أي تهور قد يعيده لألم الفقدان.. 

التفت عندما سمع صوت باب الحمام.. بمكانه لم يتحرك.. الدموع بعينيها لم تهزه، النظرة فقط أسرته، أوجعت قلبه، شحوب وجهها أسقط الشكوك داخله ولكن بلا فهم.. 

وقفت أمامه، رفعت وجهها له كما اعتاد منها وهو أسقط نظراته عليها، رفعت يداها على صدره العاري.. دموعها عالقة برموشها وهو لا يفهم معناهم

جمود ملامحه جعلها تنطق "تمنيت أن يحدث ذلك عندما عرفت بحملي بأحمد، كان حلمنا نحن الاثنان، عائلة، تمنيت منحك كل ما تحلم به وتتمنى"

رفع يداه لوجهها، ضمه بين راحتيه ووجهه ينخفض ليصل لوجهها "وفعلتِ صغيرتي، منحتني كل ما أردت، أنتِ، أنتِ كل ما عشت أحلم به وأتمناه، المستحيل الذي لم أصدق أنه سيتحقق"

سقطت دموعها مرة أخرى على راحتيه "أحبك هارون"

يتلقى الكلمة بقلب راقص كل مرة ولا يشبع منها "حبك هبة من الله لرجل قد لا يستحقه"

نفت بقوة حبها "بلى حبيبي، تستحق وإلا ما منحنا الله تلك الحياة وما منحك ما أردت، أنا حامل هارون"

أغمض عيونه، جذب شهيق طويل بعطر الفانيليا وزفر بقوة وهمس لأول مرة "الحمد لله"

وفتح عيونه ليلتقي بنظراتها الزائغة على وجهه "أرغب بأشياء كثيرة ليال، أولها ذبح وتوزيع اللحوم على المساكين وثانيها معرفة كيفية شكر الله على كل ما منحه لي والتكفير عن سيئات كثيرة مرت بحياتي وآخرهم، إنهاء حساب لابد أن ينتهي"

كانت تفهم "لن تقتله هارون، أنت ترغب بالتطهير و.."

لم يترك وجهها لكن أوقفها "وهل ظننتِ أن هناك شيء يوقفني عن قتله ليال؟ القتل لم يعد سبيلي ملاكي ولن يكون بأي وقت"

وضع قبلة على جبينها وضمها له.. انتهت مرحلة الفساد بحياته وبدأ يدرك كالباشا أن منحه فرصة أخرى في الحياة كانت لسبب

التوبة.. 

وهو لن يفلت الفرصة.. 

**** 

لم يكن جسار معتادًا على هذا الهدوء، لكنه أحبه مؤخرًا

الهدوء الذي يلي العاصفة دائمًا يوهمك أنك انتصرت

جلس خلف مكتبه، ساق فوق ساق، يتفحص شاشة هاتفه بابتسامة جانبية، لا مكالمات طارئة، لا أصوات اعتراض، لا اسم هارون الديب يتردد في أي تقرير

انسحب.. 

قالها داخله بثقة رجل لا يرى إلا ما يريد أن يراه

ضغط زر الاتصال وهو يبتسم "هل أنهيت الملف؟"

جاءه الرد سريعا، مطمئنا أكثر مما يجب "نعم يا باشا، مفيش أي مشاكل"

أنهى المكالمة وأسند ظهره للمقعد.. انتهت الحكاية

لكنه.. لم يعرف أن الحقيقة لا تأتي بضجيج.. بل بخطوة واحدة ناقصة في طريق اعتقد أنه حفظه

احتفل مرة وأخرى، مع نفسه، مع امرأة لا يعرفها ورحلت وهو نائم، سعيدة بما نالته منه من مال كثير.. 

هو انتصر، جلس على العرش وصفع هارون بالصولجان فأردعه.. 

لم يعد الكبير نظيف بل صار نزيل نفس العنبر.. 

عنبر الظلام.. 

ولكن.. لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن.. 

رغم أن الصباح لم يكن مختلفًا، نفس الشمس، نفس المدينة ونفس الإيقاع الذي اعتاد أن يسير لصالحه منذ فترة، لكن.. 

جسار شعر بشيء.. ذلك الإحساس الغامض والذي لا يعرف تفسيره، حين يبدو كل شيء طبيعيا أكثر من اللازم.. 

مكتبه احتضنه كالعادة، رسائل على هاتفه، أرقام على شاشة الجهاز تتحرك ببطء غريب، لا انهيار ولا صعود. 

الأسوأ من الاثنين.. الركود

ضغط زر الاستدعاء والسكرتير أسرع له "أين التحويل؟"

سؤاله خرج حادا جعل الشاب يتلعثم قليلًا قبل أن يجيبه "البنك طلب مراجعة إضافية، إجراء روتيني يا باشا"

رفع رأسه ببطء، إجراء روتيني؟ الكلمة وحدها استفزت شيطانه "منذ متى؟"

تردد الشاب وجسار اشتعل غضبا فدق على المكتب بقوة أفزعت الشاب "منذ متى؟"

انتفض الشاب "عدة أيام"

رفع هاتفه لا أحد يمكن أن يقف بطريقه الآن فمن كان يمكنه أن يفعل تنحى بنفسه لذا هو سيهد أي حائط سد جديد.. 

لم يمنحه رد وهاتفه يعود للرنين فرفعه والغضب يكاد يعميه "ماذا؟"

صمت وانتفضت عروق وجهه مما سمعه ثم أبعد الهاتف ببطء ونظراته تخترق الفراغ أمامه "كانت تنقصك أنت أيضا!؟"

**** 

ظل الكبير واقفا، لم يجلس على مقعده المخصص له بالمجلس.. 

لم يصل الأعضاء بعد، جلسة استثنائية، لم يتوقعها أحد

صفوان تحرك للداخل "الشركة نفذت هارون، اختاروا صفنا"

لم يواجه صفوان بل ظل صامتا لحظة قبل أن يمنحه كلماته "أخبرتهم وقت التنفيذ؟"

أجاب نائبه وذراعه الأيمن "نعم"

 لف وجهه له "أخبر الشرق بأن تدخل المنافسة"

تجهم صفوان وتردد "الشرق لا قبل لها بمواجهته هارون"

ظل صامتا ونظراته هي كل ما يتحرك على وجه صفوان "أعلم، لتجعله لا يرى الأمل وهي تخترق الصفوف صفوان"

رفع صفوان يده للحيته وحكها "أنت الريس حقا، أقصد الكبير"

صوت شيماء "الجميع وصل يا فندم"

جلس، وهو يجيبها "أنتظرهم شيماء"

دخولهم متتابعين كان طبيعي لكن أن يجدوه بانتظارهم فهو لم يكن طبيعي لكنه أسند رأسه على أصابعه، نظراته تتابعهم فرد، فرد حتى اكتملوا 

"نبدأ الجلسة"

صوته عميق، جسده استقام على المقعد والزرقاء.. تحركت عليهم وهم يمتلؤون بالتساؤلات عن الجلسة المفاجئة "غالي لديك شيء لي"

لم يكن سؤال، بل إقرار، جملة فاجأت الرجل الذي شحب وجهه، تسارعت أنفاسه واحتدت نبرته تخفي مخاوفه "شيء؟ أي شيء هارون؟"

كل النظرات تحركت مرة أخرى للكبير، تنتظر الرد بعد الهجوم المفاجئ، والكبير تركهم ينتظرون.. 

**** 

انتهت الديبة من المرور على فندق الكينج، نادرا ما تأتي هنا لكن منذ فترة وأحواله لا تعجبها، أنس يتحرك معها لمكتب المدير، هو لا يتركها منذ بدأ جسار بالتصعيدات الأخيرة 

المدير فتح لها باب المكتب وهي تحركت وتوقفت بمنتصف المكتب، مظاهر البزخ واضحة جدا على المكتب، أكثر مكان تم الاهتمام به على خلاف الفندق "الباش مهندسة تفضل غداء"

التفتت لسامي، المدير الذي احتل مقعده خلف المكتب بلا اهتمام بها وبأنها لم تجلس قبله حتى، ضاقت نظراتها وهي ترى أنس يكاد ينتقده لكنها نطقت قبله 

"لا أظنك ترغب بذلك، سيد سامي"

عقد الرجل حاجبيه ربما لم يفهمها لذا رد "ولماذا لا أفعل؟"

 هارون ترك لها كل أمور الفنادق وهي بالفعل على دراية بهم جميعا.. 

ذلك الرجل كان يعبث بالفندق، هارون رغب بأن يبعه لخسائره لكن الديبة لها نظرة أخرى 

"لأن ذلك سيطيل من فترة وجودي وسيجعلني أطالب بفتح ملفات أنت لا ترغب بفتحها"

اعتدل، رحل الغرور الذي كان يرتسم على وجهه، سكنت نظرات مهتمة داخل عيونه وتبدلت نبرته للاهتزاز بعد الثبات "ملفات؟ أي ملفات"

تحركت للمكتب وظلت واقفة أمامه بثبات 

"ملفات مغلقة على جهازك الشخصي تحمل الحسابات الحقيقية للفندق، تحمل ما لا يصل إلينا مما يجعلنا نرغب ببيع الفندق وبالطبع، بالصدفة لديك مشتري"

زم شفتيه بقوة، أصابعه قبضت على ذراع المقعد، رأت أنفاسه المتلاحقة وربما رغب بفك ربطة عنقه ذات اللون المقيت لمنح صدره هواء كافي 

"لا، أقصد ليس هناك أي شيء من هذا.. يا باش مهندسة أنا لا أقبل تلك التلميحات"

دقات على الباب جعلته يصمت وهي من تأذن، تخبره من هي الديبة؟ 

رجل دخل وبيده قطعة معدنية.. قرص معدني خاص بالحواسيب الالكترونية "عليها كل ما أمرتِ به حضرتك؟"

أخذتها وأنس ظل ثابتا والرجل ينهض "فتحي ماذا تفعل هنا وكيف.. "

أنس التفت له "أنت تخرس سامي، تخرس وتسمع فقط وإلا أقسم أن أجعلك تندم على أفعالك"

التفتت هي له "أهدأ أنس"

نظراتها رحلت لسامي الذي انكمش بعد كلمات أنس المخيفة وتحركت الديبة للمكتب، الجهاز الموضوع على المكتب انفتح بمجرد أن لمسته 

"كلمة السر سامي"

وضعت القرص المعدني بالجهاز ورفعت وجهها لسامي الشاحب ونظراتها تحولت لنظرة مختلفة، قوية، حادة فتحرك ووضع الكلمة وأزاحت هي يده وهي تعبث بالأزرار وتتوالى الملفات، أرقام وأسماء وحسابات وهو لا يرفع عيونه عن الشاشة

لم يجلس، بل جمد مكانه، ليال اعتدلت بجواره "أمامك حل من اثنان سامي"

انتبه لها وهي تحدق به ثم بالكرسي فانتبه وتراجع بصعوبة من جسده المتجمد فتحركت وجلست لتكمل "الأول تسليم الملفات للشرطة وتنال عقابك على أفعالك وأنت طبعا تعلم النتيجة"

ورفعت وجهها له، ابيضت شفتاه، انطفأ بريق عيناه وبلحظة ظهرت تجاعيد حولهما وهي تكمل "والثاني، أن ترد كل ما سرقته طوال السنوات الخمس التي توليت الفندق خلالها"

جف حلقه، بلل شفتيه بلسانه.. 

شعر أنه يسقط من ناطحة سحاب بسرعة الصاروخ ولم يتبقى الكثير على ارتطامه بالأرض وارتقاء روحه الملوثة للسماء حيث تنتظره جهنم

أغلقت جهازه، رفعت وجهها له تنتظر الرد "لا أحب الانتظار، الوقت يكلفنا الكثير، يضع الكثير على حسابك الثقيل"

نطق بصوت مخنوق، واهن، مهزوم "تعلمين أن رصيدي لن يكفي للسداد"

عادت لسطح المكتب لحظة قبل أن ترد "الفندق المقام بجوار العالمين باسم المدام، سيكفي لإكمال الدين"

تراجع ولم ينتبه للتمثال المستقر على مائدة صغيرة خلفه إلا عندما اصطدم به وصوت تحطمه على الأرض أفزعه، جعله يلتفت بلا وعي ويحدق به ويعود لها 

"لا.. أنتِ لا حق لكِ"

مال رأسها، هل أصبحت تشبه العالم الذي انتمت له؟ هل التفت بالقسوة أم العمل لا يعرف المشاعر؟ 

أجابت "وكان حقك عندما كنت تسرق أموال ليست لك؟"

فتح فمه ليرد لكنه لم يجد كلمات فأغلقه ونظراته لا تعي إلا الظلام الذي سقط به وسيسقط به أكثر لو لم يعيد ما أخذه بلا وجه حق.. 

انغلق الباب وأنس يرتد لها "قد يسقط بجلطة بالقلب"

عبثت بالجهاز الذي أمامها "يستحق، سرق الكثير أنس، المكان يحتاج للكثير، دعنا نضع خطة جيدة للتطوير بوقت قصير"

تحرك لها معترفا بذكائها المعروف ومهارتها بالعمل أيضا.. 

اندمجا بالعمل حتى رن هاتفها وصوت غريب أجابها "ضربة موفقة يا، باش مهندسة"

رفعت وجهها وعندما ركزت عرفت الصوت.. الشيطان

**** 

ظلت نظرات غالي ثابتة على الكبير الذي لم يجعله ينتظر كثيرا وهو يهز رأسه لصفوان فضغط زر على جهاز الكبير 

ومنحهم الكبير كلماته "على جهاز كل واحد الآن ملف، برجاء فتحه"

تنحنح الرجال، تحركوا بالمقاعد وكأن لهم ساعات جالسين وليس عشر دقائق فقط.. 

العيون اتسعت، الأصابع تجمدت على الأزرار والهمهمات بدأت وهو تراجع بالمقعد.. 

الحسيني أول من تحدث "هذا تجاوز"

مرتضى همس "قوانينك فخ هارون وكان لابد أن يسقط أحد به"

كان يعلم وهو بالأساس من نصب الفخ وانتظر الفريسة "الديب يعشق الصيد مرتضى والآن نطبق العقوبات، التي كنت قد وضعتها"

وتجهمت الوجوه وغالي انكمش بالمقعد بلا حركة أو كلمة لا يفهم ما الذي يدور من حوله

           الفصل السابع والخمسون من هنا

تعليقات



<>