رواية هاربة ام خائنة الفصل السادس6بقلم داليا السيد
آسفة
بالتأكيد كانت جينا تقف بجوارها والطبيب يقوم بوضع جبيرة على ذراعها..
شعرت بألم فقال "اهدئي مدام ذراعك مكسور وبه جرح وأنا أضع لكِ جبيرة"
نظرت لجينا وقد كانت جينا شاحبة والفزع واضح على ملامحها بينما سألت هي بألم "ماذا حدث؟"
كان الخوف أيضا يلمع بعيون جينا وهي تجيب "أحدهم أطلق عيار ناري أصابك بجرح سطحي بذراعك، وأثار فزع عزيزة فأسقطتك أرضا وكسر ذراعك"
تذكرت ما كان، تملكها الخوف ولكنها عادت وسألت بقلق "وعزيزة؟"
أجابت جينا براحة واضحة "بخير، أمسكها الرجال وعادوا بها للإسطبل"
انتهى الطبيب وبدأ بجمع أدواته وهو يقول باهتمام "الكسر بحاجة لشهر كي يلتئم، والحمد لله ليس هناك إصابات أخرى، الجرح الموجود سطحي، الرصاصة اخترقت لحم الذراع ومن الخارج، فقط ستشعرين بتعب بكل جسدك من أثر السقوط، لكنه سينتهي بالراحة والحمد لله أن الإصابة لم تزد على ذلك"
هزت رأسها وصدقت على كلماته وساعدتها جينا على الاعتدال وقالت هي "هل يمكننا الذهاب؟"
أزال الطبيب إبرة المحلول من ذراعها وقال "نعم ولكن برجاء الاهتمام بالغذاء مدام"
هزت رأسها واستندت على جينا وعندما خرجت وجدت رجال زوجها يتحركون لها باهتمام واضح وأحاطوا بها دون أن يتركوا مجال لدخول أحد بينهم ليصل لها حتى ركب الجميع السيارة
ما أن استقرت بالسيارة وجينا بجوارها حتى منحها الرجل الذي يجلس بالأمام الهاتف وقال "ياسين بيه مدام"
تناولت منه الهاتف وحاولت ألا تبدو نبرتها متعبة كي لا يتملكه القلق وهي تنظر لجينا التي همست لها "الرجال أخبروه وهو بالطريق الآن"
هزت رأسها ثم عادت للهاتف وأجابت "ياسين"
أغمض عيونه ونفخ بقوة عندما سمع صوتها، وزادت قبضته على عجلة القيادة ثم فتح عيونه وقال "لا مفر من السؤال يسر، هل أنتِ بخير؟"
ابتسمت بتعب شعرت به بكل جسدها كما أخبرها الطبيب ومع ذلك حاولت أن ترد بلهجة طبيعية "نعم، يبدو أن لا أمل بي"
قال بهدوء لا يوافق غضبه وقلقه الجارف والذي نال رجاله "من التي تتحدث؟ أنتِ لم تستسلمي من قبل فماذا الآن؟"
تنهدت وهي ترى كل ما يصيبها من مصائب واحدة تلو الأخرى "لا أحد يسبح عكس التيار ياسين"
أدرك كلماتها وتفهم معنى ما قالت وهو الآخر يرغب بإنهاء كل ذلك "سأعرفه يسر، تأكدي أني سأعرف من وراء كل ذلك وسأوقف التيار"
حاولت أن تمنحه بعض الراحة وتخبره أنها تثق به وبقدراته رغم أنها لا تذكر شيء "أعلم أنك ستفعل، أين أنت الآن؟"
مرر يده بشعره محاولا تجنب الصداع وهو يجيبها "قاربت على الوصول للقاهرة"
نظرتها رحلت لخارج النافذة وما زالت ترى ظلام داخلها لا يمنحها أي ومضة عما رحل بلا عودة "حسنا انتبه للطريق"
أعادت الهاتف للرجل فقالت جينا "من حسن حظك أنكِ لم تشاهدي وجوه الرجال عندما أخبروه بما حدث"
أبعدت وجهها فشعرت بيد جينا تلمس يدها فعادت لها وجينا تقول بنبرة جادة "ياسين لم يحب أحد مثلما أحبك يُسر، أتمنى أن تستعيدي ذاكرتك لتعرفي سر رحيلك كي يرتاح وترتاحي أنتِ أيضا"
اهتز قلبها من كلمات جينا ولم ترد، ونظراتها الحائرة تجوب بعيون جينا وهي تعرف أنها هي الأخرى تحبه..
لا تعرف عن الذكريات شيء ولكنها اليوم تشعر أنها تبدأ قصة حب جديدة لم تعشها من قبل، حب جميل لرجل لا يقارن وحياة أجمل مما يمكنها أن تحلم..
ترى ماذا تخفي لها الأقدار أكثر من ذلك؟
ومن الذي يفعل بها كل ذلك؟ بل لماذا؟ خاصة الآن؟
بالطبع كانت متعبة وتبديل الملابس استنفذ آخر قواها، ومع ذلك لم تستطع النوم وتعلق ذهنها به وبنبرة صوته المتغيرة والمغلفة بالحنان وكلمات جينا عن حبه لها منحها سعادة وحيرة بذات الوقت..
انتصف الليل عندما سمعت صوت سيارته فاعتدلت بصعوبة بالفراش وأضاءت النور الخافت وانتظرته وهي تزيح خصلاتها المبعثرة وتأكدت أنها تبدو بشعة كالعادة
تأخر بالأسفل وكادت تعود للنوم، ربما لا يريد رؤيتها ولكن بالنهاية دق الباب ودق معه قلبها بقوة وهي تراه يفتح ويدخل..
تلاقت النظرات، تتحدث بمعاني كثيرة من القلق والاشتياق والخوف
أغلق الباب دون أن يبعد عيونه عنها وتحرك تجاهها وعيونه ترى ذراعها وتعود لوجهها حتى جلس على طرف الفراش، وهي تجد نفسها كالبلهاء تحدق به دون توقف وتخترق نظراته كل جسدها فتزيده شوقا لذلك الرجل الذي امتلك بأيام كل كيانها
رفع يده وأبعد خصلات شعرها عن وجهها ونظراته تتجول على وجهها المتعب "لا تبدين بخير"
أخفضت وجهها وحاولت إسكات قلبها عن دقاته القوية كي لا يسمع دقاتها "أبدو كالحمقاء بتلك الذراع"
لم يبعد يده عن وجنتها فشعرت بسعادة من لمساته وكأنها كانت تتمناها ولا تريده أن يتوقف، بل شعرت بأن لمسته ترفعها للسماء.. للجنة
صوته خرج كنسمة دافئة منحتها حرارة سيطرت على جسدها "المهم أنكِ بخير يُسر، إنه طلق ناري وسقوط من على فرس جامح، من الجيد أنكِ ما زلت معي"
رفعت عيونها له وقد ظلت لمساته تمس قلبها بقوة فأوقعت بها بمصيدة لا مفر منها..
لم تعرف متى أصبحت بأحضانه ولم يدرك هو كيف جذبها إليه ولكن قلقه الشديد عليها أضاع كل ما كان يسكن عقله من أفكار، وفكرة أن تضيع منه جعلته يسابق الريح ليعود إليها ويراها أمامه بل بين أحضانه، فهي ما زالت امرأته وهو لم يتمنى سواها..
كان عليها أن تعيش تلك اللحظات وتلقي بالذكريات المرة خلفها وهي تغمض عيونها وتستمتع بأحضانه وأنفاسه فهمست "أنا آسفة ياسين"
أبعدها وهو يحيط وجهها براحتيه والدهشة بعيونه وقال "وفيم الأسف يُسر؟"
تعقد لسانها للحظة ودمعت عيونها غير راغبة بضياع المتعة التي تعيشها الآن ولكنها استجمعت شجاعتها من لمسات يديه على وجهها ونظراته التي امتلأت بالحنان وقالت
"آسفة على ما سببته لك من ألم يوم رحلت"
وكأن كلماتها كالموجة العالية ضربته لترتد به لشاطئ الواقع، كاد يبعد يدها ولكنها أمسكت واحدة بيدها السليمة وهتفت بدموع "دعنا ننسى ياسين، أنت أخبرتني أنني لم أكن المرأة العابثة وكانت حياتنا تقوم على الحب فدعنا نعود لتلك الحياة ياسين لنبدأ من جديد بعيدا عن كل ما يؤلم"
أبعد يده من يدها ونهض مبتعدا وقد أدرك أنه انهزم من قلبه وكاد يفقد نفسه بلحظة ضعف
تحرك بلا هدى وهو يفكر بكلماتها ويدرك أنه هو الآخر يريد ذلك، يريد أن يعودا لتلك الحياة التي كانت تظللهم فيها السعادة والابتسامة، أن يستكين بين ذراعيها بعد يوم شاق من الجهد والعمل ولكن..
ما زالت تلك الصورة تغشى بصره صورتها مع رجل سواه تظلم الرؤيا أمامه.. كلماتها أعادت كل شيء للواقع.. مزقت سكينته
شعر بيدها على كتفه فاستدار ليراها أمامه وعيونها الجميلة تواجه نظراته، كانت تعلم أنها مذنبة فلو أنها ليست خائنة إلا أنها هاربة، ولو أنها تحب ذلك الرجل فعليها أن تصحح خطأها وتعيده لقلبها..
تجرأت ورفعت يدها لوجنته فلمست خشونة شعر ذقنه النابت مما جعلها تزداد حبا لرجولته الواضحة وقالت بحنان "أنا لا أعلم شيء عما فعلت، ولكن كل ما أعلمه الآن أني لا أريد إلا أن أكون هنا، معك أنت، ولا أتخيل أنني رحلت بيوم وتركتك فأنا لا أريد أن أتركك ياسين"
كلماتها كانت بلسم لجراحه ولكن الجرح كان أكبر من أن تداويه كلمات، فرفع يده ليدها وأبعدها ولكنه لم يتركها وهو يقول "ولكنك فعلت يُسر"
وترك يدها وابتعد مرة أخرى، فأدركت أنه لا ينسى ولا يغفر فأخفضت وجهها لحظة وهي تقول "إذن لم يكن شبح ما رأيته ياسين؟"
التفت إليها ولمعت عيونها عليها وهو لا يفهم تلميحاتها ونبرته تساءلت مع صوته "لا أفهم؟"
رفعت وجهها بقوة وقد فشلت محاولاتها معه وقالت بشيطان حل محل الحب "أنت وعهد، بتلك الليلة بحديقة منزلهم؟"
أدرك أنها ستعلن عن غضبها رغم أنها اختارت الصمت من قبل وهي رأت ما كان واختارت تجاهله لكن ها هي ترتد له
ضاقت عيونه ولم تهتز ملامحه وهو يقول بنبرة ثابتة "لم يحدث شيء"
ارتفع الغضب وطرد الحنان وهي تبتعد من أمامه وترى صورته مع عهد وهي تدرك أنه رفض اعتذارها بسبب علاقته مع عهد فليذهب إلي حبيبته إذن ولا يدعي خوفه عليها
تمكن الغضب منها وربما الغيرة التي لم تدركها بوقتها وهي تهتف "بل حدث، وقد رأيته وأنت تعلم أنه حدث، إذن هي حبيبتك وربما هذا سبب رحيلي"
نفى بقوة معادلة لقوتها وهو يستنكر أفكارها "أنتِ مجنونة، أي سبب الذي تتحدثين عنه؟"
التفتت لتواجهه وقد فقد العقل بالفعل أمام غيرتها "أتحدث عن علاقتكم، لقد اتضح كل شيء الآن، بالتأكيد أنا أدركت وقتها قصة حبكم فرحلت، لم تكن خيانة مني وإنما رفض لخيانتك أنت"
ثار غضبه وأدرك أن الجنون قد تملكها وذهبت لحظات الود التي كانت بينهم ولكنه لن يسمح لها أن تهد المعبد عليه وعليها
اقترب منها وقد أعلنت عيونه عن الغضب وهو يواجها بعيون اشتعلت من الغضب وقال بصوت نفد منهن الصبر وحل به الغضب "هذا جنون بعقلك أنتِ، لم يكن بيني وبين عهد أي شيء بأي يوم والجميع يعلم ذلك، فلا داعي لكلام لا صحة له لتبرير تصرفك فلن أسمح بذلك"
لم تتراجع أمام قوته ولا من كلماته وقالت "وتسمح بأن تأخذها بأحضانك وتقبلها تحت ظلام الليل بجو من الرومانسية؟ هذا ما تسمح به؟"
ابتعد من أمامها وهو لا يبرر بل يضع الأمور بمكانها الصحيح "لم تكن بأحضاني هي من تخطت حدودها"
زاد غضبها وهي لا تفهم كلماته "وأنت كنت سعيد بذلك"
التفت والرفض ليس فقط بنظراته بل بنبرة صوته القوية "بالتأكيد لا"
لم يرحل جنونها وهي تشيح بيداها بلا هدى وتتساءل بغضب "وهل يفترض أن أصدق كلماتك ولا أصدق ما رأيت؟"
اقترب منها وقال بنفس الغضب الذي تملكهم هما الاثنان "اسمعي يسر، لا تظني أن ما حدث يمكن أن يجعل الكفة متساوية، أنا لم أخنك بأي وقت، ما حدث كان سوء تصرف منها ولا يعني أني كنت أوافق عليه"
لم تتراجع أيضا وهي لا تقنع بكلماته وقالت "لا ياسين، الكفة لم تتعادل لأنك لم تراني بأحضان ذلك الرجل كما رأيتك معها، ليس وجودي معه على نفس الطائرة دليل على خيانتي لك وكما سبق وقلت لك، ربما رحلت لأني أدركت علاقتك بها"
ضم قبضتيه بقوة بجواره ورأسه تعج بالكثير من الأفكار وحاول أن يلم بالخيوط وهو يقول "كفى يسر، أخبرتك أن لا علاقة بيني وبين عهد، ورحيلك أنتِ وحدك من يعلم سببه وذلك الجبان سأصل إليه لأعرف الحقيقة ووقتها سيكون حسابنا"
ثم تركها وتحرك للخارج دون أن يمنحها أي حل لأي شيء، أنهى الحوار وقتما شاء ولكنها لم ترد ذلك..
كادت تتحرك وتتبعه ولكنها لم تعرف لأين تتبعه وبذلك الوقت من الليل مما قد يثير قلق من بالبيت..
تحركت للفراش وألقت نفسها عليه والغضب يتملكها لأنه رفض اعتذارها، بالتأكيد من أجل تلك المرأة وهي لن تغفر له وإذا أراد البعد فليكن..
بالصباح لم تنزل وقد كانت متعبة أكثر وجسدها يؤلمها والصداع يدق بقوة، رأت جينا تدق الباب وتدخل وهي تبتسم وتقول "صباح الخير، كيف حالك اليوم؟"
حاولت أن تنهض فأسرعت جينا تساعدها فتألمت وجينا تابعتها وهي تقول "تبدين متعبة يُسر، متى رحل ياسين؟"
أبعدت عيونها وهي تذكر جدالهم بالأمس فتألم قلبها ولم تقل شيء عنه فقط قالت "لا أعلم، كنت نائمة ولم أشعر به"
تأملتها جينا لحظة وهي تجلس أمامها ونظراتها لها كانت تحمل أسئلة كثيرة نطقت بواحد منها "هل تشاجرتم؟"
حاولت ألا تبكي، ولا تعلم لماذا اختارت عدم التحدث عن خلافهم، ربما لأن لا أحد يعرف الحقيقة
اجابتها كانت بسيطة "لا، كنت نائمة ويبدو أنه لم يشأ إزعاجي"
دخلت أم هنا بالإفطار وساعدتها جينا وأمضت معها وقتا طويلا ثم تركتها لترتاح وذهبت..
لم يهاتفها بالطبع ولم تعرف أين ذهب..
عادت للنوم مرة أخرى ولم تستيقظ إلا على صوت باب يغلق ففتحت عيونها وقد كانت الخامسة عصرا..
كانت ما زالت متعبة فأبعدت شعرها عن وجهها وسمعت صوت المياه بالحمام فعرفت أنه هو..
ما زال ما كان بينهم يظهر أمامها فاندفع قلبها يدق بقوة من الغضب..
لم تنهض وظلت مستيقظة ولكنها لم تفتح عيونها فهي لا تريد أن تواجهه مرة أخرى حتى شعرت به يتحرك إلى الأريكة بنفس الصمت وما زالت تغمض عيونها وما هي دقائق حتى ذهب بالنوم وقد عرفت من صوت أنفاسه
نزلت بعد أن نام ولكنها لم تجد أحد، تحركت للمكتب وانتقت كتاب ربما تنسى معه تلك الحياة التي تحياها
مضى الوقت بها دون أن تشعر إلى أن سمعت سيارة تدخل البيت فتحركت للنافذة فرأت رجل يكبر زوجها بسنوات ينزل من سيارة، وفتاة تصغرها تنزل من الباب الآخر ثم امرأة مسنة تنزل من الخلف وتتعلق بذراع الرجل عندما رأت جينا تتحرك تجاههم..
تراجعت وهي لا تعرف شيء عن هؤلاء الأشخاص ولم تدرك أن هناك أشخاص بهذه العائلة لا تعرفهم أو لا تذكرهم
انتظرت حتى انتهت الأصوات فصعدت لغرفتها فوجدته قد استيقظ ويرتدي ملابسه، نظر لها وقال "عمتي وأولادها وصلوا لرؤيتك"
جلست على طرف الفراش ولاحظ وجهها الشاحب فالتفت إليها وتابع نظراتها الزائغة وتجنب شجارهم السابق وسألها "ماذا حدث؟"
كانت تصارع غضبها من نفسها من الضياع الذي تعيش به، أبعدت عيونها وهي تجيبه "لا شيء، هل من المفترض أني أعرفهم؟"
ظل ينظر إليها قبل محاولا اختراق نظراتها ومعرفة ما يجول داخلها لكنها تعرف كيف تخفيه جيدا "ليست معرفة قوية هم فقط حضروا زفافنا وعندما عرف مروان بالحادث أبلغ عمتي وقررت الحضور"
هزت رأسها ونهضت لترتدي ملابسها، تابعها وقد تمنى لو كانت مشاكلهم قد انتهت وذهب الغضب من داخلهم ولكن الأمر لم يكن بالسهل، فكرامته تأبى أن يتغاضى عما حدث ولن يبرر تصرفات عهد فهو غير مسؤول عنها..
عندما نزلت كانت قد عدلت من مظهرها بالطبع وانتقت بدلة بنية وتركت شعرها ليخفي إرهاقها ولم تضع أي مساحيق للتجميل وهي تتقدم من غرفة الجلوس وقالت
"مساء الخير"
اتجهت كل الانظار إليها واتجه نظرها للمرأة العجوز فتحركت إليها وجينا تقول "تعالي يُسر، عمتي أتت من أجلك"
تقدمت للمرأة ورحبت بها بابتسامة رقيقة وهي تقول "أهلا عمتي كيف حالك؟ حضرتك تعبت نفسك"
ابتسمت المرأة وهي تتأمل يُسر من أعلاها لأسفلها وهي تجيبها "بل سعيدة لرؤيتك بخير"
جينا تولت التعارف "مروان ابن عمتي، جنى أخته الصغرى"
حيت مروان برأسها وسلمت على جنى فقالت العمة وهي تجلس بجوارها وتمنح نظرة لزوجها الواقف بجوار النافذة بصمت "جئنا لنراكِ بعد الحادث لنعرف أنكِ أُصبت بحادث آخر، ماذا يحدث لكِ يا ابنتي؟"
تأملت أصابعها بلا امعان ودون النظر لأحد وهي تجيب "لا أعرف عمتي، ولكن يبدو أن هناك من يريد أن يزيحني من الدنيا"
رفعت العمة نظراتها لياسين ووجهت حديثها له "ألم تعرف من فعل ذلك ياسين؟"
كانت نظراته تتعمق بالماضي، ماضيهم معا.. مخترقا حاضرهم المجهول عندما وجهت العمة له سؤالها فعاد لها "ليس بعد عمتي، ولكن رجالي تبحث"
نظر مروان، الذي لم يكن يشبه والدته، بل كان بعيون بنية وشعر مجعد بني قاتم، ليس طويل ولا قصير، نحيف الجسد ولكنه أنيق وملامحه تنم عن الهدوء، لياسين وسأله
"والحراسة ياسين؟"
تحرك ياسين مبعد أفكاره واستعاد هدوءه حتى وقف أمام مروان فبدا أطول وأعرض وقال "الحراسة موجودة بالفعل مروان، لكن الطلق جاء من بعيد والحصان فزع وجمح بقوة فأسقطها"
فزعت عندما تذكرت ما حدث لها وسمعت جنى تقول بلهجة تتناسب مع سنواتها التي لا تزيد عن العشرين "بالتأكيد كان الأمر صعب يسر؟"
رفعت وجهها لها والتقت بنظرات الفضول بعينيها وقالت "جدا، ولكن بالنهاية فقدت الوعي ولم أشعر بشيء"
لكن جينا لم يعجبها البساطة التي فسرت به يُسر الأمر فاعترضت "وألم جسدك الذي لم يذهب؟ وذراعك المكسور؟ لا تقللي من الأمر يُسر، أنتِ فقط لا تعترفين بالتعب"
تحركت نظراتها له والتقت بنظراته بلحظة صمت قصيرة حتى قالت "الحمد لله جينا، أنا ما زلت على قيد الحياة رغم كل شيء"
ابتسمت جنى وكلماتها حولت الحديث بشكل جعل الجميع ممتن لها "عرفت أنكِ تملكين مطعم بالجبل، أليس كذلك؟"
لمعت عيونها وهي لا تتذكر إلا ما عرفته من ياسين بعد الحادث وزيارتهم للمطعم فأجابت "نعم"
واندمجت جنى بالحديث معها وجينا مع العمة وهو مع مروان حتى أزف موعد العشاء، من الحديث عرفت أنهم سيمضون عدة أيام معهم وصحبتهم لم تكن سيئة..
لاحظت اندماج جينا بالحديث مع مروان الذي عرفت أنه مدير بأحد البنوك المعروفة وقد ورث الجميع أملاك من والدهم ولكنهم باعوا الشركة ووزعوا الأموال كلا بنصيبه
كما عرفت أن أيا من جنى أو مروان لم يتزوجا واندهشت فمروان لا يبدو صغيرا
بعد العشاء تحركت جينا مع مروان للحديقة وهو من بدأ الحديث "سنوات كثيرة مضت منذ أن كنت هنا"
ابتسمت جينا وهي تشعر بالراحة بالحديث معه رغم أنها لم تفعل منذ سنوات "نعم، عمتي كانت ترفض العزبة، ونحن جميعا استقرينا هنا"
جلسا حول المائدة والظلام هو كل ما أحاط بهم وهمس الهواء هو ما كان شريكهم، رد مروان "ولكن الجو هنا رائع حقا، ألم تفكري بالعمل بعد انفصالك؟"
ضحكت وبدت ضحكتها رقيقة وكأن ما عانته رحل مع الأيام "لا، لم أفكر بالعمل بأي وقت، ظننت أني أقوم بدور الأم لإخوتي حتى تولت يُسر الأمور معي"
ضاقت عيونه وهي تتجول على ملامحها الرقيقة ونبرته استنكرت كلماتها "ولكنك لستِ بذلك الكبر كي تكوني أم لرجال كبيرة، ما زلتِ جميلة، بل أجمل من أي وقت"
احمر وجهها وأخفضت عيونها من كلماته التي مست قلبها بشكل غريب، منذ متى لم تسمع كلمات غزل من أي رجل؟
همست بخجل "ولكني لست صغيرة مروان"
رفض كلماتها وهو يؤكد ما قال "يوم رأيتك بزفاف ياسين لم أعرفك، ولولا أن أخبرتني أمي عنك ما عرفتك"
رفعت عيونها إليه محاولة البحث عن شيء لا تعرفه بعيونه لكنها لم تجد سوى نظرات لم تفهمها، أو لم ترغب بتصديق ما رأته
ابتلعت ريقها واختارت ألا تستسلم لم يدور داخلها وهي تقول "خلاف بابا مع عمتي دام سنوات كثيرة مروان وعندما مات كنت أنت بالخارج فلم نرى بعضنا البعض لذا لم نتعارف وقت تقابلنا"
ظل صامتا لحظة قبل أن يسألها بتأني "عرفت أن تجربتك مع سليمان كانت صعبة؟"
ظهر الحزن لحظة على ملامحها، ظلت تواجه نظراته التي امتلأت بالتساؤل فلم تفر من مواجهة ماضيها وهي تقول "أي شخص لابد وأن يتأثر بخمس سنوات من حياته أمضاهم مع شخص ما"
اقترب من المائدة ونبرته خرجت غريبة "كان سيء؟"
ظلت تنظر له.. ترى فضول غريب بنظراته ولا تفهم سببه، مع ذلك لم تخفي شيء فليس هناك ما تخفيه لكن ما كان مرحلة وانتهت لذا قالت "لا يهم ماذا كان المهم، أنه رحل من حياتي وانتهى"
أدرك أنها لن تتحدث عن الذكريات وهذا ما رغبت به حقا وهي لم تمنحه فرصة لمحاولة أخرى بل سألته "وأنت، ألم تفكر بالزواج؟"
تراجع بمقعده وهي يرى ماضيه يخترق عقله "لقد فعلت"
ارتفعت الدهشة لعيونها وتسللت لنبرة صوتها وهي تهتف "تزوجت!؟"
هز رأسه بالإيجاب وقد كانت لحظة الذكريات تلك التي يمرون بها الآن لذا أجاب "نعم تزوجت، كان ذلك عندما كنت بالخارج، تعرفت على فتاة أردنية، أعجبت بها وهي أيضا وتزوجنا وأمضيت معها سنة وبعدها انفصلنا"
ابتلع ريقه وهي لم تقاطعه حتى أكمل "لم تتوافق طباعنا، بالنهاية أنا رجل شرقي وهي ظنت أن وجودها بدولة أجنبية سيمنحها التصرف كما يفعلون هناك، ولكنها اصطدمت بطباعي فلم نتوافق واخترنا الانفصال ومن الجيد أننا كنا متفقين على عدم الانجاب"
تراجعت وهي لا تصدق أنه تزوج وعاش تجربة كهذه وحده "لم أكن أعرف بزواجك هذا"
ابتسم فبدا جذابا تحت ضوء القمر الباهت وهي حقا لم تكن تدقق بملامحه كالآن وقال "ماما نفسها لم تعرف إلا بعد عودتي"
سألته "لماذا قررت الاستقرار هنا؟"
أشعل سيجارة ونفخ دخانها بعيدا وهو يمنحها ما داخله بسهولة غريبة وراحة لم يجدها مع أحد من قبل "عندما مرضت ماما أدركت أنها بحاجة لي، خاصة وأن جنى كانت صغيرة ولن يمكنها تحمل المسؤولية، فاستقلت من عملي هناك وعدت وحصلت على وظيفتي الحالية وهي ليست سيئة، دعينا نسير قليلا الجو بارد وربما بعض الحركة تثير الدفء بنا"
نهضت معه وقد شغل ذهنها وهي تتحرك بجواره وهو فعل المثل ودخانه يصحبه وهي تسأله "لم تفكر بعمل حر؟"
أجاب بعد تفكير "صعب، ليس لدي تلك القدرة التي يتميز بها ياسين من إدارة أعمال والنجاح بها، بالإضافة إلى أني أحب عملي بالحسابات"
ابتسمت وهي معجبة بصراحته فقالت "ذلك العالم المليء بالأرقام"
هز رأسه مبتسما لها بالمثل ونفخ الدخان وهو يقول "نعم، والبنك يمنحني منصب كبير، بل ومرشح لرئاسة الفرع مع حركة الترقيات القادمة"
شعرت بقطرات مياه على رأسها فرفعت وجهها للسماء وهي تقول "يبدو أنها ستمطر"
ألقى بالسيجارة وقال "نعم أظن ذلك"
وعاد الاثنان
ظل ياسين وجنى وهي مع العمة وقد كانت امرأة مثقفة وعالية الذوق، تناقشت معها بأشياء كثيرة عن الديكورات والفنون والعمارة ثم انتقلت إلى الروايات العادية والكتب المختلفة فاستجابت لها ورغم تعبها الواضح والصداع الذي لم يعد يفارقها إلا أنها استمتعت بالحديث معها حتى انضمت لهما جني عندما ذهب هو للرد على هاتفه
دخلت جينا ومروان وهما يضحكان من المطر فنظرت العمة لهما وذهبت ابتسامتها وقد لاحظت يُسر ذلك بينما قالت جنى بمرح "هل تمطر؟"
وأسرعت للنافذة وهي تتأمل المطر بالخارج وهي تهتف بسعادة "نعم إنها رائعة"
رفعت يُسر يدها لجبينها من الصداع عندما دخل هو الآخر فأبعدت يدها كي لا يلاحظ تعبها كما لم تمنحه نظراتها بينما قالت جينا
"عمتي هل تفضلين رؤية غرفتك؟"
حاولت المرأة أن تبتسم وهي تستوعب الوقت ثم قالت "نعم فقد تأخر الوقت ويسر تحتاج للراحة"
ثم نهضت فنهضت يُسر وقد تورد وجهها وشعرت بالإحراج وهي تقول "لا عمتي أنا بخير"
عادت جنى وقالت بلا تفكير "لقد تعدى موعد نومك ماما، كل هذا من أجل يسر؟"
ابتسمت العمة وربتت على ذراع يُسر وقالت "صحبتها ممتعة يا جنى"
ابتسمت والخجل يصعد لوجهها وعيونها وردت "كما هو حضرتك عمتي"
تحركت المرأة وجينا أمامهم وتبعهم مروان وجنى بعد أن ألقوا عليها التحية..
لم تحاول أن تبقى وتحركت لتذهب دون أن تنظر له أو تحاول فتح أي حوار، فقط قالت "أنا سأصعد لأنام، هل ستبقى؟"
تحرك تجاهها فاضطرت للتوقف وأجبرت نفسها على النظر له وهو يواجه عيونها وهو يقول "نعم، بالصباح لدي جولة بالمصنع هل يمكنك أن تأتي لرؤيته ورؤية العزبة أم ما زلتِ متعبة؟"
نظرت له بدهشة ولم تظن أن يتبادل معها أي كلمات أو يرغب بصحبتها..
فهم نظرتها وأدرك تساؤلاتها وهو نفسه لا يفهم نفسه وتصرفاته فرغم غضبه مما كان إلا أنه لا يتحمل فراقهم
أبعد وجهه لحظة ثم عاد لها والتقى بنظراتها الحائرة وقال "حسنا يسر لنقم بهدنة، نوقف بها كل ذلك ربما يمكننا تجاوز ما حدث"
لانت ملامحها وأخفضت وجهها، هذا جزء مما تمنت، أن يتوقفا عن الشجار يعودا ويقتربا مرة أخرى ربما يهزمان ما كان
همست "لم أعترض"
نبرتها تضعفه أكثر، تورد وجنتيها يأخذان عقله ومع ذلك يحاول جاهدا مقاومتها لآخر وقت "حسنا، هيا تبدين متعبة، هل تناولت دوائك؟"
رفعت وجهها إليه وتجولت بنظراتها داخل عيونه الجميلة ومنحته ردها بصوت رقيق "نعم"
أبعد خصلة من شعرها عن عيونها وكلاهم لا يقطع النظرات، وكأنهما طائران يطيران بسماء صافية ولا يوجد سواهم.. يستمتعان بالهدوء المخيم حولهما
حتى استعاد نفسه ومنح صدره هواء فتنفس بقوة وقال "حسنا، هل تصعدي لتنامي؟ سنذهب مبكرا"
ظلت تحدق بعينيه ثم سألته "وأنت؟ ألن تأتي؟"
قاوم جذبها له، أوقف رغبته بأن يضمها له وينال قبلتها التي يفتقدها، عاد وتنفس بقوة وهو يقول "ليس الآن، لدي ما يحتاج مراجعته، هيا اذهبي"
فهمت أن لا مجال للاعتراض فهزت رأسها وتركته وذهبت ومن داخلها كانت سعيدة بتلك الهدنة، هي طلبتها بالأمس فعلا ولكنه رفض والآن هو يتراجع
ليته يستمر هكذا..
