رواية وجع الفراق الفصل السادس6بقلم صباح صابر


رواية وجع الفراق الفصل السادس6بقلم صباح صابر

روح كانت واقفة عند باب الصالة، وشها أبيض كأنه اتسحب منه الدم.

بصت لمحمود… وبعدين لحنان.

صوتها خرج واطي، بس واضح: — “إنتوا عملتوا إيه؟”

حنان انهارت، دموعها نزلت من غير مقاومة: — “سامحيني يا بنتي… غصب عني… أبوكي—”

روح صرخت لأول مرة في حياتها قدامه: — “غصب عنك؟! حد بيغصب أم تظلم بني آدم؟!”

محمود حاول يتمالك نفسه: — “إحنا بنحميكي—”

قاطعتُه بعينين مليانين نار: — “تحموني من إيه؟ من قلبي؟!”

سكون.

الكلمات وقعت تقيلة.

روح لفت بسرعة، جريت نازلة على السلم… كانت عايزة تلحق العربية قبل ما تبعد.

لكن لما خرجت الشارع… عربية الشرطة كانت اختفت.

وقفت في نص الطريق، نفسها بيطلع متقطع. الناس حوالينها بتبص. همسات. نظرات شفقة.

رفعت راسها وبصت لبيت حمزة. أمّه واقفة عند الباب، بتعيط ومكسورة.

روح مشت ناحيتها بخطوات ثابتة رغم الدموع: هيرجع. أقسم بالله هيرجع.”

أم حمزة بصتلها بوجع: — “لو بتحبيه… ادعيله يطلع.”

روح رجعت بيتها… مش نفس البنت اللي نزلت.

دخلت أوضتها وقفلت الباب. قعدت على الأرض. دموعها نشفت. وجواها حاجة اتغيرت.

في اللحظة دي… مش كانت بنت مكسورة. كانت بنت قررت.
باب القسم اتقفل.

وحمزة ما خرجش.

التهمة اتثبتت. الدهب اتلاقى في دولابه. وكل حاجة كانت ضده.

أمّه فضلت تلف على معارفها ومحامين… بس كل الردود كانت واحدة:  “الموضوع صعب.”

الشارع سكت. الناس اتكلمت يوم… واتنين… وبعدين الحياة كملت.

ولا حد عرف الحقيقة.
عدّى يوم. اتنين. تلاتة.

بيت محمود بقى خلية نحل.

زينة بتتعلق. حلويات بتترص. صوت ضحك متصنع.

كأن مفيش شاب اتحبس. كأن مفيش قلب اتكسر.

روح كانت قاعدة وسطهم… لكن مش معاهم.

وشها هادي زيادة عن اللزوم. عينها ما بترمش كتير. زي اللي جواه حاجة ماتت.

حنان كانت بتبص لها بخوف. من ساعة اللي حصل… روح ما صرختش. ما اتكلمتش. ما عاتبتش.

وده كان أخطر
في الحبس…

حمزة قاعد لوحده. ضهره مسنود على الحيطة. مش مستوعب.

مش فكرة السجن اللي وجعاه… لكن فكرة إن روح وافقت.

الكلمة دي بتلف في دماغه: “وافقت.”

حاول يقنع نفسه إنها اتجبرت. لكن مفيش دليل. ولا كلمة منها. ولا رسالة. ولا حتى سؤال.

سكت. وابتدى قلبه يقسى.
في بيت روح…

العريس جاي يشوف اللمسات الأخيرة قبل الخطوبة. قاعد مع محمود بيضحك. بيتكلم عن الشقة. عن العفش. عن “مراتي هتبقى ست بيت شاطرة”.

روح كانت واقفة في البلكونة. بصت على بيت حمزة.

الشباك مقفول. النور مطفي. الهدوء تقيل.

همست لنفسها: “سامحني مقدرتش اعمل حاجه .”

لكن سامحني دي ما خرجتش بصوت. خرجت دمعة ونزلت في صمت.

تالت يوم بالليل…

فستان الخطوبة متعلّق على الدولاب. أبيض بسيط. هادئ.

حنان دخلت أوضة روح. قعدت جنبها. قالت بهدوء مكسور: سامحني .”

روح ردت بدون ما تبصلها: — “اسمحك خلاص يا ماما.”

سكتت لحظة. وبعدين كملت: — “هو لو كان بيحبني بجد… كان حارب عشاني.”

حنان قلبها وقع. هي عارفة إنه جه. واتطرد. واتحبس بعدها.

بس الحقيقة بقت تقيلة قوي إنها تتقال.
في نفس اللحظة…
حمزة في زنزانته. واقف عند الشباك الصغير. باصص لحتة سما.
وقال بعناد موجوع:  “لو فاكرة إني هكسر… تبقى لسه ما عرفتيش حمزة.”

عينيه ما كانش فيها دموع. كان فيها وعد.
وتلات أيام كانت كفاية…

إن الحب يتحول لوجع. وإن الظلم يتحول لجدار بين قلبين. وإن الخطوبة تتحضر… على أنقاض حكاية ما خلصتش
البيت كان منوّر زيادة عن اللزوم.
ضحك… أصوات كاسات… كلام متداخل.

وروح قاعدة جنب العريس، بينهم مسافة صغيرة… لكن جواها مسافة أكبر بكتير.
هو قرّب الكرسي شوية وقال بابتسامة محسوبة:
— “واضح إنك هادية قوي.”
روح ردت بنبرة جامدة:
 “يمكن.”

حاول يفتح كلام:
 “أنا بصراحة بحب البنت اللي تعرف تدير بيتها. أهم حاجة عندي الاستقرار. مبحبش الدراما.”

كلمة “الدراما” علّقت في ودنها.

بصّت له مباشرة لأول مرة وسألته بهدوء:
 “هو إنت عايز تتجوزني ليه؟”

اتلخبط لحظة، وبعدين ضحك بخفة:
 “يعني إيه ليه؟ زي أي راجل عايز يتجوز. أستقر. ألاقي واحدة في البيت مستنياني، تهتم بيا وبالبيت… الموضوع بسيط.”

روح فضلت باصة له.
مستنيّة حاجة تانية.
كلمة مميزة.
سبب خاص.
حتى جملة مجاملة.

بس مفيش.

هو كمل بثقة:
—“الجواز مش حب وأفلام. الجواز عقل.”

قلبها سكت لحظة.
ردت بهدوء:
— “يعني لو مش أنا… أي واحدة مكانّي عادي؟”
ابتسم:
— “أكيد مش أي واحدة… بس الفكرة واحدة.”
الجملة كانت كفاية.
روح حست إنها مش شخص في عينه…
هي مجرد “فكرة”.
في اللحظة دي…
باب الشقة اتفتح.

محمود دخل… وراه راجل كبير شايل شنطة صغيرة.

الكل سكت.

العريس قام بسرعة:
— “أهلاً يا شيخنا!”

روح قلبها وقع.

المأذون دخل بابتسامة هادية، وقعد وهو بيقول:
— “خير إن شاء الله؟ جاهزين نكتب الكتاب؟”

الهواء بقى تقيل.

حنان قامت واقفة فجأة:
— “محمود… إيه ده؟!”
محمود رد بهدوء بارد:
— “نخلص الموضوع النهارده. بدل كلام الناس. البنت موافقة… صح يا روح؟”

كل العيون اتوجهت لها.

روح حسّت إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.

هو جاب المأذون… من غير ما يقول لها.
حطها قدام أمر واقع.

العريس ابتسم وهو بيقرب منها:
— “خير البر عاجله.”

المأذون فتح الدفتر.
القلم اتحط قدامها.

صوت محمود جه حاسم:
— “يلا يا بنتي… خلّصينا.”
ثواني.

الثواني دي كانت أطول من عمر كامل.

روح رفعت عينيها.
بصت حوالينها.

وشوش مستنية.
أمها مرعوبة.
أبوها ثابت.
العريس مستعجل.

قلبها بيدق بعنف…

وصوت بعيد جواها بيهمس:
“لو سكتّي دلوقتي… هتسكتي طول عمرك.”

القلم قدامها.

إيدها بتتحرك ببطء…

والمأذون بيقول:
— نبدأ

روح فتحت بقها…

— “أنا عاوزه اتكلم معاك يا بابا …”
محمود قرب منها بحسمه 
_ تعالي
مسكها من ذراعيها ودخلها الغرفه. 
روح بعصبيه: 
_إحنا متفقناش علي كده انا مش موافقه. 
محمود بنبره ثابته: 
_اتوفقي عشان لو موفقتيش حمزه مش ايخرج من الحبس القرار قرارك

                   الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>