رواية هاربة ام خائنة الفصل السابع7بقلم داليا السيد


رواية هاربة ام خائنة الفصل السابع7بقلم داليا السيد

نزهة
بالطبع كانت تختار ما يسهل ارتداؤه بسبب ذراعها وأخذت جاكت معها من أجل المطر ونزلت لتجده يتحدث بالهاتف وقد بدا رائعا بالقميص الأزرق الذي ينطق بلون السماء الصافية على الجينز القاتم ويلقي بجاكت صوف على أكتافه دون أن يرتديه
رائحة عطرها جعلته يلتفت تجاهها وهي تبتسم وتقول "صباح الخير"
ابتسم بهدوء وهو يتأمل جمالها الذي يأخذه وأجابها رغم مكالمته "صباح النور" 
لم يطل مكالمته بل أنهاها والتفت لها فسألته "متى نزلت؟" 
تحرك للخارج فتحركت معه وهو يجيبها "منذ وقت كويل، كنتِ نائمة، هل نتناول الإفطار هنا أم نتناوله بالخارج؟" 
لم تفكر وهي تجيبه "بالخارج، ولكن عمتك والضيوف؟" 
تحرك للسيارة وهو لا يهتم، فقط هي والعمل هو كل ما يفكر به حاليا لذا قال بجدية "جينا ستهتم بهم، وظافر عاد بالأمس" 
جلس بجوارها فالتفتت له وقالت بجدية "ظافر يختفي ويظهر فجأة" 
هز رأسه وهو يتحرك بالسيارة والحديث عن ظافر ليس مرحب به لديه الآن لكنه لن يخبرها ذلك بالطبع "نعم، لطالما كان يكرر ذلك مما كان يثير غضب بابا" 
ظلت تتأمل ملامحه بنور النهار وإعجابها به لا يقل ذرة بل يزداد بلا حدود، سألته فجأة "وأنت" 
نظر لها وهو لا يفهم سؤالها وهو ما قاله "أنا ماذا؟" 
أجابت "ألا يغضبك تصرفه؟" 
عاد للطريق وهو يرى ظافر ليس الآن بل منذ سنوات كثيرة، هو نفس الشخص، لم يتغير سوى بسبب عهد وتصرفاتها معه ولكن هو يحبه ويتقبل تصرفاته بصدر رحب 
أجاب باختصار وبصدق "هي حياته، لا دخل لي بها" 
وهي حقيقة، هو لم يتدخل بحياة أيا من إخوته بأي يوم، هو يساندهم وقت الحاجة لكن دون أن يفرض علسهم شيء
اختارت تغيير الحديث فقالت وهي تجول بنظراتها بالخارج وتبعد شعرها عن وجهها من الهواء "المكان رائع، أشعر بالحرية والنقاء" 
عادت تنظر له وهي تتابع هدوءه الذي يعجبها وحتى وقت غضبه لا يفقد جاذبيته، سألته فجأة "ألم تشك بأحد بسبب ما يحدث لي؟ بالتأكيد هي ليست صدفة" 
كان يعلم أنها ستسأله وهو ليس لديه رد لها فهز رأسه بالنفي وقال "لا، للأسف لم أصل لشيء فهذا لم يحدث قبل رحيلك"
فكرت ولا تجد ما يربط الأمور ببعضها حتى عادت وقالت "ألا تظن أن الحادث الذي أصابني بسيناء كان أيضا مدبر؟" 
لم ينظر لها، فقط ضاقت عيونه وقال باهتمام "لقد فكرت بالمثل فعلا وطلبت من رجالي محاولة البحث بالحادث هناك، فقائد السيارة هرب ولم تصل له الشرطة ولكن ربما رجالي تصل لشيء" 
قالت "أنا المقصودة ياسين وليس أنت" 
نظر لها بقوة قبل أن يدخل من بوابة المصنع وأوقف السيارة ثم التفت لها وهو يقول "ماذا تعنين؟" 
لم تبعد عيونها الجميلة عن عيونه وقد أخذتها الأفكار لشخصية ما، لا تعلم ما إذا كانت محل شك أم لا
منحته الرد بهدوء "أعني أن من يفعل ذلك يريد قتلي أنا وإزاحتي من الحياة أو بمعنى آخر، إزاحتي من حياتك" 
أدرك ما تعني كلماتها ولكنه لم يجيب عندما سمع صوت رجل يقول "أهلا ياسين بيه" 
كان رجلا مدنيا يقف أمام باب ياسين الذي نزل ونزلت هي الأخرى وتحركت تجاهه فقال "المدام يا عزت، عزت مدير المصنع، سنقوم بجولة سريعة عزت ولكن أريد أن أرى رئيس قسم التغليف بعد أن أنتهي" 
قال الرجل باهتمام "بالطبع يا فندم، هل أصحبكم بالجولة؟" 
قال باختصار كعادته "لا عندما أنتهي سأقابلك بمكتبك" 
ووضع يده على ظهرها وككل مرة يرتجف جسدها من لمسته ولكنه يتغاضى عن الأمر
كانت مستمتعة بكل ما رأته حقا، وتغاضت عن نظرات الإعجاب من النساء العاملات لزوجها فهي تعلم أنه جذاب ومثير للإعجاب ولكن جديته وهو يشرح لها كل شيء جعلتها تندمج معه وتنسى أي شيء يمكن أن يعكر سعادتها واستمتاعها بكل ما حولها 
مر الوقت سريعا حتى انتهوا بمكتب أنيق، وقف عزت مبتعدا عن المكتب ليفسح له المكان وقد جلس بالفعل خلف المكتب وهي أمامه وقال بجدية "عصير للمدام وقهوة لي وأرسل الرجل الآن وأريد منك ترشيحات بمن يمكن أن يحل محله" 
تراجع عزت وزاغت نظراته بلا فهم وهو يردد "يحل محله؟ لا أفهم" 
نظر ياسين له وهو يفتح الكومبيوتر الموجود على المكتب وفتح سيستم المصنع بمهارة وقال "تعالى انظر وأنت تفهم" 
اقترب الرجل من ياسين ونظر للشاشة ثم تراجع وهو يتابع ما يشير له ياسين فهتف "كيف ذلك؟ إنها ليست الطلبية المتعاقد عليها" 
تحدث ياسين وهو يضغط بعض الأزرار "هذه هي المطلوبة" 
حدق عزت بالشاشة وشحب وجهه وهو يقول "نعم ولكن كيف؟ أنا واثق.." 
تراجع ياسين بمقعده وقاطعه قائلا بهدوء مخيف "وأنا واثق أنك لا تعلم شيء وإلا لما كنت هنا الآن، اذهب أرسله لي ولا تخبره شيء وأعد القائمة ولا تنسى القهوة والعصير" 
خرج الرجل مسرعا وكأنه يفر من أمامه وقد شحب وجهه وتصبب العرق على جبهته وهي تتابعه حتى ارتدت لزوجها وسألته "كيف عرفت بالأمر؟" 
رفع عيونه إليها ورأى الحيرة بنظراتها فقال "لدي نظام أمني خاص بكل مكان أملكه وهو خاص بي لا يعرفه أحد سواي" 
ابتسمت بإعجاب وهي تقول "خبير برمجة أيضا؟" 
ابتسم وكم بدا جذابا وهو يتابع عيونها المرحة وقال "لابد أن أتعلم إذا أردت الاستمرار بالنجاح" 
تحركت وهي تبعد شعرها خلف أذنها بيدها فبدت فاتنة بتلك اللحظة فشعر بالضياع داخل عيونها وهو يسمعها تقول "هل فعلت المثل بمطعمي؟" 
لم يفكر وهو يتراجع بالمقعد ويجيبها "بالتأكيد، بالمناسبة لدي فكرة رائعة للمطعم ذكريني بها عندما نتفرغ" 
دق الباب ودخل أحدهم بالقهوة والعصير وتبعه عزت ورجل آخر بدا مرتبكا وهو يقف أمام ياسين الذي أدار التحقيق بطريقة أثارت إعجابها حقا 
عندما خرجا من المصنع كانت جائعة وهو ما قالته بعد أن ركبت السيارة وهو بجوارها فقال "رائع، إذن لنتناول الطعام بالقرية" 
نظرت له بلا فهم وسألته "أي قرية؟" 
كان يقود بمهارة على الطريق الترابي وهو يجيبها "القرية التي تجاور العزبة، معظم أهلها من العاملين بالأرض أو بالمصنع، أردت أن نذهب إليها قبل رحيلك ولكن لم تسمح الظروف" 
كانت القرية بسيطة حقا والبيوت الريفية جميلة والناس طيبة وابتسامتهم نقية.. 
أوقف السيارة ونزلا منها فرأت رجلا بعمر خمسيني بجلباب طويل يتجه إليهم وابتسامة كبيرة تملأ وجهه وهو يقول "وأخيرا لبيت دعوتي يا ياسين"
حياه ياسين بحب وقد ارتاحت ملامحه لرؤية الرجل وقال "عندما سمحت الظروف يا حاج، يُسر زوجتي، الحاج إبراهيم كبير القرية وصديق عزيز لوالدي ولي شخصيا" 
ربت الرجل على كتف ياسين ورحب بها وهو يقول بسعادة وحب واضحين بنبرته "أهلا بزوجة ابني، سمعنا بالحادث بل الحادثتان يا ابنتي حماك الله وحفظك، ولكن اسمح لي يا ياسين زوجتك جميلة حقا أين عثرت عليها؟" 
ضحك الجميع واحمر وجهها وياسين يقول والرجل يقودهم لبيت كبير "بسيناء يا حاج" 
كان البيت رائع حقا، ورائحة النعناع تنتشر بالمكان والأرائك الريفية تستقر بنظام رائع والنظافة تشع بكل مكان..
دخلوا لمكان واسع ومشرق ليجلسوا ثم دخلت امرأة متوسطة العمر لترحب بهم ووضعت أكواب الماء وذهبت دون انتظار وقال الحاج "زوجة ابني، وهي من تهتم بكل شيء بعد موت الحاجة"
قال ياسين بحزن واضح "رحمها الله، كانت امرأة رائعة" 
هز العجوز رأسه وملامحه تنم عن الحزن على شريكة حياته وقال بنبرة خافتة "كانت ونعم الزوجة رحمها الله، كيف حال ظافر وجينا؟ لم أرى ظافر منذ فترة طويلة" 
ضاقت عيون ياسين وكلمات الرجل تخترق عقله وتهز أجراس الانذار "أنت تعلم انشغاله" 
تساءل الرجل بنبرة حادة "بماذا ياسين؟ إنه حتى لا يذهب للمصنع؟ والأرض تحت رعايتي فأين يذهب؟" 
اندفعت الكلمات من الرجل كطلقات قوية تهز صورة ظافر أمام ياسين وضاقت عيونه وانغلقت نظراته على التساؤل داخله، هل ظافر يخدعه؟ 
لم يرد على تساؤل الحاج والمرأة تضع صينية كبيرة بها أشكال من الفطير والعسل والجبنة والبيض، طعام مثير جدا ورائحته رائعة وقال الحاج "تفضلوا، الإفطار لا يعني شيء ياسين لابد من تناول الغداء معي، مدام يُسر لم تعرفنا بعد"
لم يرد وذهنه مشغول بينما تراجعت هي وقالت "يا الله! ما كل هذا؟ إن الرائحة رائعة" 
ابتسم الحاج وبدأوا بتناول الطعام والحديث الممتع من الرجل وانجذب ياسين من شروده لحكايات الحاج حتى انتهوا من الطعام 
بعدها تناولوا الشاي بالحليب ثم قهوة للرجال وشاي بالنعناع لها وأخيرا قرر ياسين الذهاب ونهض وهي تبعته بلا جدال رغم سعادتها بالمكان والرجل يقول 
"سأنتظركم على الغداء بيوم آخر"
ابتسمت وقالت وهي حقا تتمنى أن تفعل "بالتأكيد يا عمي، شكرا للوقت الرائع" 
ابتسم الرجل بود ورحلت معه وعادا للأرض الزراعية حتى توقف فجأة بمكان غريب ونظراته تسبح بالمناظر بالخارج وتتوقف على مكان بعينه حتى قال 
"هناك ساقية قديمة كنا نذهب إليها ونحن أطفال، تحدثنا عنها من قبل ألا تذكرين؟" 
تبدلت نظراتها للضيق عندما ذكرها بما كان، أبعدت عيونها وهي لا ترغب بأن يرى حزنها بعيونها وهي تقول "لا" 
كاد يذهب ولكنها عادت له وقالت "لم لا نذهب لرؤيتها، ربما أتذكر شيء" 
حدق بها بشك وهو لا يعرف هل ذلك صواب أم خط- لذا سألها "هل أنتِ متأكدة؟" 
هزت رأسها فنزل ونزلت هي الأخرى واقتربت منه حتى سار بها دون أن يلمسها بطريق ضيق بين الأرض الزراعية حتى كادت تفقد توازنها فأمسكها بقوة من ذراعها حتى استعادت نفسها 
ارتفع وجهها لتلتقي بنظراته الجادة وهو بادلها النظرة للاحظة ثم اعتدلت ولم يتركها بل تحركت يده ليدها وهي لم تبعدها فقد كان دفء يده يمنحها راحة وأمان.. 
وأخيرا ظهرت الساقية القديمة وبدت متهالكة وبالطبع جفت المياه بها ونبتت أعشاب جافة حولها فتأملتها بعد أن ترك يدها وقالت بإعجاب "لم أظن أني سأراها على الحقيقة"
وضع يديه بجيوب بنطلونه كما اعتاد واستند بظهره على جزع شجرة ضخمة تمنح ظل للمكان الترابي وعيونه تتأملها وهي تلف حول الساقية بإعجاب وقال "لم يعد موجود منها الآن، الآلات الري احتلت الصدارة ولكن هذه تمتد لقديم الزمان" 
التفتت له، بدا رائعا وهو يستند على الشجرة وملامحه الوسيمة تتألق بنور الشمس ورجولته بقوامه الفاره مضاهي قوة الشجرة التي تقبع خلفه فشعرت بقلبها يرتجف من ضعفه أما ذلك الرجل 
أبعدت عيونها عنه وقالت "أخبرتني أنك كنت تأتي هنا بالصغر" 
لم يتحرك وهو يقول "نعم مع جينا وظافر وعهد" 
ذهبت ابتسامتها وندم هو لذلة لسانه فلا مكان لاسمها الآن..
لم تتحدث واستدارت للساقية وأخذت تعبث بالنبات عندما شعرت به خلفها وهو يقول بصوت خافت "لم يحدث شيء بيني وبينها" 
التفتت إليه وقد كان قريب منها جدا وينظر لها من الأعلى فرفعت وجهها إليه وقد أضاءت أشعة الشمس الباهتة عيونها لتلمع بزرقة أخذت عقله بالبريق الذي جعلها تبدو فاتنة بعيونه وهي تقول بضعف وربما ألم للذكرى 
"كانت تعانقك وتقبلك"
لم يبعد عيونه عن عيونها، بل واجها وهو يرد "نعم ولكن هي من فعلت وأنا لم أستجب وكنت أنزع ذراعيها عندما رأيتني معها" 
تحركت لتبتعد بلا رغبة لأن يرى الألم الذي ملأ قلبها، ولكنه أمسك ذراعها ليوقفها بل وأعادها برفق أمامه لتواجه نظراته وهو يقول "أخبرتك أن عهد تحارب من أجل الفوز بي منذ الطفولة ولو كنت أرغبها لتزوجتها منذ الصغر، لكن بعد أن وصلت الخامسة والثلاثين واخترت امرأة أخرى وتزوجتها فهذا لابد أن يعني الكثير يُسر أليس كذلك؟" 
كلماته كانت لا تقبل النقاش، هو على حق والعقل يوافق عليه..
فلم تملك إلا أن تهز رأسها وهي تريد أن تصدقه، لم تعد ترغب بالتفكير بأن امرأة أخرى بحياته
قربها منه أكثر وكلاهم لا يرفض بل القرب هو كل ما رغبا به، سألها بنبرة مختلفة، بها حنين غريب شعرت به وخشيت أن تصدقه فتجده وهم 
"أخبرتني أنكِ لا تريدين أن تتركيني فهل ما زلتِ عند رأيك؟" 
تعلقت عيونها به وبلمسة يده على ذراعها برقة جعلتها تترنح من داخلها ونبرة صوته منحتها إحساس بالرغبة في القرب منه والبقاء بجواره لنهاية العمر 
قالت بصوت يكاد لا يسمع ولكنه سمعه بقلبه وعقله "ولن أتراجع ياسين"
تمنت لو يصدقها ويتأكد أنها لا ترغب سوى به هو فقط، قربها منه أكثر ولمس وجنتها بأصابعه وأحنى وجهه ليقترب من وجهها ليقطع المسافة بينهم حتى..
قطع صوت رنين الهاتف لحظتهم، بل وأفزعها وجعلها ترتد للخلف وهو يزفر بغضب وهو يخرجه ليرى اسم عزت فرفع الهاتف لأذنه وهتف بعصبية واضحة 
"ماذا عزت؟" 
ارتبك الرجل دون فهم من غضب رئيسه "آسف يا فندم ولكن لابد من حضورك، هناك مشكلة مع ظافر بيه" 
التفت لها ووجهها الذي احترق من الاحمرار وصدرها الذي تحرك بسرعة من أنفاسها فأبعد عيونه وقال "نصف ساعة وأكون عندك" 
أغلق الهاتف وعاد لها ونبرته تعود للهدوء "هناك مشكلة بالمصنع لابد أن أعيدك البيت هيا" 
ولم يشير لم كاد يحدث بينهم منذ لحظة وهي لم تتحدث وظللهم الصمت حتى تركته بالبيت وهو يعود للمصنع 
تابعته وهو يرحل بالسيارة ولم تمنع نفسها من أن تستمتع بتلك السعادة التي شعرت بها بوجودها معه وبكلماته عن عهد والهدنة وتلك اللحظة التي كاد يُقبلها بها لولا الهاتف
****
نزلت جينا بالصباح واتجهت لغرفة الطعام لتقابلها أم هنا وقالت "صباح الخير يا هانم، يُسر هانم تبلغك أنها مع ياسين بيه بالعزبة" 
هزت رأسها بتفهم وقالت "حسنا، هل أعددت كل شيء للضيوف؟" 
قالت المرأة "نعم، يُسر هانم أبلغتني بكل شيء قبل أن تذهب" 
اطمأنت جينا وكادت تخرج عندما اصطدمت بمروان فتراجع كلاهم وهما يعتذران بذات الوقت ثم تحول الاعتذار إلى ضحك حتى هدأت عاصفة الضحك وقال 
"صباح الخير وآسف" 
ظلت ابتسامتها تُشرق على وجهها وهي تجيبه "صباح النور، هل أعجبك المكان؟" 
قال بعيون تتأملها وقد انتقت ملابسها بإتقان فبدت أكثر جمالا وهي تبتسم له "إنه رائع، والهدوء أجمل ما به" 
سمع صوت والدته تقول من خلفه "صباح الخير" 
أجاب الاثنان وأفسحا الطريق وجينا تقول "أتمنى أن تكوني نمتِ جيدا عمتي" 
جلست المرأة على مقعدها وقالت ببرود لم تنتبه له جينا "نعم فعلت، الهدوء يساعد على النوم" 
جلس الاثنان وسألت جينا "أين جنى؟" 
دخلت الفتاة فجأة بمرح مناسب لعمرها وهي تقول "أنا هنا، صباح الخير" 
ابتسمت لها جينا وهي ترد عليها ولحظات ودخل ظافر وهو يقول "صباح الخير، عمتي كيف حالك؟ مروان اشتقت لك؟" 
رحب به الجميع وجلس وهو يكمل "جنى! ما هذا لقد كبرت كثيرا" 
احمر وجه الفتاة وزاغت نظراتها بعيدا عنه وهي تقول "أنا بالعام الثاني بالكلية ظافر، بالتأكيد كبرت" 
ضحك الجميع وهو لا يتركها "آخر مرة رأيتك كنتِ بالابتدائي، بتلك الضفائر المميزة، أنتِ حتى لم تحضري زفاف ياسين" 
لم تنظر له وهي تجيبه بلا تفكير "كان لدي امتحانات فلم أستطع الحضور" 
العمة قطعت حوارهم باهتمام واضح وهي تسأل "أنا لا أرى ياسين ويُسر" 
جينا من أجابت بالطبع "ياسين لديه بعض العمل بالمصنع واصطحب يُسر ليمرا على الطبيب" 
لا تعلم جينا لماذا قالت ذلك ولكن نظرات عمتها لم تكن مريحة بينما قال مروان "أردت مشاهدة العزبة فهي تبدو رائعة" 
اقترح ظافر بلا اهتمام "جينا تحفظ كل مكان بها، يمكنها أن تصحبك بجولة" 
تفاجأ الجميع من رد العمة التي قالت بسرعة "لا" 
وعندما احمر وجه جينا والتفتت الأنظار كلها لها ارتبكت المرأة وقالت "أقصد لا يصح أن يذهبا وحدهما نحن بالريف والقيل والقال" 
حاولت جينا تدارك الأمر ومنعت أي أفكار سيئة منز اختراق ذهنها وهي تقول "معك حق عمتي، أنا أيضا لم أكن لأفعل" 
اعتدل ظافر وقال باهتمام "لتذهب معهم جنى" 
لكن العمة لا ترغب بكل ذلك فقالت "ولم لا تذهب أنت مع مروان ظافر؟" 
نظر لها وكذلك الجميع والدهشة ملأت عيونهم لاعتراضها واقتراحها فقال ظافر "بل نذهب كلنا عمتي وأنتِ لو شئتِ"
أبعدت العمة وجهها وهي ممتعضة وكأن هناك شيء تحاول منع نفسها من التصريح به، أخفضت صوتها وهي تقول "أنا لا أستطيع ظافر، قدمي لا تساعدني على التجول كثيرا، أحتاج للراحة" 
وصمت الجميع وهي لم تملك الاعتراض مرة أخرى وهم يتحركون جميعا للخارج حتى صعدوا على عربة بحصان وقاد ظافر وسط الأرض الزراعية وأشار لكل مكان وللفلاحين وبيوتهم الصغيرة 
بعد جولة طويلة تركوا العربة ونزلوا ليسيروا بين الأرض، وانقسموا ومروان يتحرك بجوار جينا وهو يقول "لم تفكري بالعودة لبيتكم بالقاهرة؟"
كانت مستمتعة بجولتهم وبوجودها مع مروان، هي انشغلت به منذ الأمس، نظراته، كلماته، كل شيء به جعلها منجذبه له 
أجابت "لا، لقد باعه ياسين بعد موت بابا بالاتفاق بيننا وإذا فكرنا بالذهاب نقيم ببيت ياسين الجديد فهو رائع حقا" 
ابتسم وهو يعرف علاقتها بياسين، بل كلهم معا حتى تمرد ظافر، عاد وسألها "وظافر ألم يفكر بالزواج؟" 
تأملت المكان حولها وما زالت تذكر خلافات أخويها بسبب عهد فقالت "لا، تعلم قصته مع عهد" 
ضحك وهو يذكر طفولتهم وخلافاتهم ومغامرتهم فقال "نعم ما زلت أذكر، هل ما زال يعيش بالأوهام؟" 
هزت أكتافها وتنهدت بحزن وهي تجيبه "للأسف" 
نظر للحزن بعيونها وهو يعلم حبها لإخوتها فقال "وعهد أيضا تعيش بالأوهام؟" 
قالت بنفس الحزن دون قدرة على التغلب عليه "بالنسبة لها ليست أوهام فهي لا تمل من مطاردة ياسين وأخشى على يُسر من مكائدها، أنت تعرف عهد" 
توقف وسط الأعشاب والنباتات فتوقفت ونظرت له وهو يحدق بعينيها ويقول "عهد من أصعب الشخصيات التي عرفتها، لم أحبها بأي يوم وأتمنى أن يجيد ياسين التصرف معها" 
قالت مصدقة على كلماته "معك حق أنا أيضا أتفق معك، ياسين أيضا يفهمها جيدا وأعلم أنه يعرف كيف يوقفها" 
قال بعد لحظة صمت وربما تردد تغلب عليه "جينا هل، أقصد، ألم تفكري بالزواج مرة أخرى؟" 
احمر وجهها وتراجعت من السؤال، لم يوجه رجل لها مثل هذا السؤال منذ تحررها.. تاهت منها الكلمات لحظة قبل أن تستدرك نفسها وتجيب "بصراحة لا" 
ظل يتجول بوجهها الذي حاولت إبعاده عنه وعدم مواجهته ولكنه لم يحررها وهو يقول "ولا تفكرين؟" 
عادت لنظراته غصبا، عيونها مليئة بالدهشة والتساؤل، وظلت صامته ولا يقاطعهم إلا صوت زقزقة العصافير فوقهم وربما تمايل النباتات بجوارهم حتى ابتلعت ريقها وهي تعلم أنهن ينتظر الرد
قالت "لا أعلم، لم يحدث ما يجعلني أفكر" 
لم يكن ليترك الفرصة تضيع وهي تتحرك لتفر منهن لكنه أسرع وقال ليوقفها "وإن تواجد ما يجعلك تفعلين فهل تمانعين؟" 
ارتدت ورفعت وجهها له حتى زاغت نظراتها على وجهه ثم تحركت مبتعدة أو هاربة، ولكنه تبعها فقالت "وهل تظن أن امرأة مطلقة لها فرصة أخرى؟" 
لم يدعها تبتعد بل أمسكها من ذراعها ليوقفها أمامه ويتحداها أن تفر منه وهو يقول "ولم لا جينا؟ فقط أنتِ، هل تقبلين؟" 
ظلت تتجول داخل عيونه وشعرت بقلبها يدق بقوة لم تعرفها منذ سنوات بل اختلفت كثيرا فهي لم تعد تلك المراهقة الصغيرة وعليها أن تجيد التصرف، لكن الخوف الساكن داخلها جعلها تتراجع ولا تعرف ما الذي فعله الآن؟ 
تاهت منها الكلمات وضاعت أنفاسها وهي تخفض صوتها بالرد "أقبل ماذا مروان؟" 
استجمع قوته وأخذ نفس عميق قبل أن يقول "أنا معجب بكِ جينا، منذ رأيتك بزفاف ياسين وأنا لم أكف عن التفكير بكِ لذا أسألك هل هناك فرصة لتجربة جديدة بحياتك؟" 
شعرت بالدموع تتجمع بعيونها وقد نست تلك الأمور وظنت أن حياتها انتهت بطلاقها من سليمان فهل يمكنها خوض تجربة جديدة؟
ابتعدت من أمامه راغبة بالهروب "أنا مطلقة مروان، أنت عليك التفكير جيدا، بل قد ترفض عمتي الأمر" 
تبعها لا يمكنه ترك الفرصة تفر منه وهو يقطع طريقها بحدة "وأنا مطلق جينا وقد فكرت جيدا، وأمي لا تتحكم بحياتي، أنا من يتخذ قراراتي الخاصة وهي حياتي أنا" 
مسحت دموعها وهي تحاول التحكم بقلبها الذي يؤلمها بدقاته وشعرت بالضياع رغم أن المفترض أن تكون سعيدة "لا أعلم، أنا حقا لا أعلم" 
لانت نبرته وقال وهو يعلن بصوته أنه لن يستسلم "هل بحياتك أحد؟" 
هزت رأسها بالنفي فابتسم ومسح دموعها بيده مما أصابها برجفة اهتز لها جسدها وهو يقول "إذن أنتِ فقط بحاجة لتهدئي لتجيدي التفكير وربما لو ترغبين بأن نتعارف جيدا قبل أن تتخذي أي قرار" 
ظلت واجمة لحظة ويده تمنحها هدوء وسكينة حتى هزت رأسها بالموافقة دون أن ترد 
بينما كانت جنى تتحرك بجوار ظافر الذي لم ينظر لها وهو يسألها "تبدين منزعجة من المكان؟"
أبعدت أوراق الزرع من حولها وهي تقول "لا أبدا ولكن لا شيء هنا يثير الاهتمام، حتى الشبكة صعبة جدا" 
التفت لها بنظرات هادئة وهو يقول "بالبيت الشبكة جيدة هل لديكِ من تريدين مهاتفته؟" 
نظرت له وهي لا تفهم المغزى من سؤاله "بالتأكيد، أصدقائي، فهم يعدون رحلة لسيناء آخر الشهر وأريد أن أعرف التفاصيل" 
لم يوقف فضوله وهو يمرح "وبينهم صديق مميز؟" 
احمر وجهها وهي تفهم سؤاله فهي ليس طفلة صغيرة وأجابت "ليس هناك صديق مميز، كلنا أصدقاء على نفس الدرجة" 
ابتسم وقال "لا تمزحي معي، ليس هناك فتاة بعمرك ليس لها صديق" 
التفتت له وواجهت نظراته ولم تعجبها كلماته فقالت بجدية "أنا لا أمزح ظافر، أنا لا أحب هذا النوع من الصداقات أو العلاقات، ما زلت بالدراسة وعندما أنتهي سأبحث عن عمل وبعدها ربما أفكر بما تقول" 
وتحركت مبتعدة تبحث عن أخيها بينما توقف هو يتابعها بدهشة من تفكيرها المتناقض مع جيل هذا الزمن
عاد الجميع للعربة وانطلق بهم ظافر إلى المصنع وهناك نزل الجميع لمشاهدته وعرفوا أن ياسين ويُسر قاموا بجولة بالصباح الباكر..
ما أن انتهوا وكادوا يذهبوا حتى استوقفهم الرجل الذي استبعده ياسين من العمل وأخبر ظافر بما حدث فغضب ظافر واستدعى عزت ووقتها اتصل عزت بياسين لاستدعائه بينما طلب ظافر من مروان أن يعود بجينا وجنى لانشغاله دون أن يذكر السبب

                  الفصل الثامن من هنا

تعليقات



<>