
في يوم جديد يحمل الكثير في طياته، بدأ كل منهم يومه بشكل مختلف. أراد هو اليوم قضاءه مع شخص يكنّ له مكاناً في قلبه. قدمه التي وطئت تلك الأرض الزراعية تغرس آثارها بين طبقات الطين المبتل وتترك أثرها، كما ترك حبه آثاره في قلب صاحبها. ابتسم وهو يراه يعمل بجد؛ يصرخ على هذا تارة وعلى ذلك أخرى، يوجه عماله نحو عملهم بانتظام، يشق طريقه بين نبات قصب السكر المزروعة بمساحة واسعة.
وضع «سيف» يديه على جانبي فمه ونادى عليه بصوت عالٍ:
-عم «جابر»... عم «جابر».
التفت «جابر» بسرعة نحو مصدر الصوت ليبتسم ابتسامة عريضة تزامنت مع لفظه لحروف اسمه بشغف قبل أن يتجه نحوه بخطى مسرعة يستقبله بلهفة:
_«سيف»!
-ازيك يا عم «جابر»؟
ربت «جابر» على عضده وأجابه محافظاً على ابتسامته فرحاً بوجوده:
-بخير مادام أنت بخير، نورت يا غالي.
ليجذب يده نحو تلك المصطبة العريضة الموضوعة تحت إحدى الأشجار:
-تعالى اجعد دا أنت وحشني.. وحشتني جعدتي معاك.
جلس «سيف» يربت على فخذه بامتنان:
_تسلم يا عم «جابر»، أنت كمان واحشني والله.
ثم التفت يميناً ويساراً ليسأله مستفسراً:
أمال «محمد» فين؟ مش شايفه.
_وصل مشوار وراجع طوالي، أصلو الحمد لله بجى بيراعي أكتر من أرض زراعية هنا، والناس بجت تطلبو عشان شغلو نظيف.
-خير ما عمل والله، برافو عليه.
حدق به «سيف» وسأله مازحاً يحرك يده يتفقد وجهه وجسده:
_أخبار صحتك إيه؟ شكلك عاوز كم تحليل على فحص شامل على...
ليقاطعه بضيق وينهره بذات المزاح:
_واد يا «سيف» أنت هتعملهم عليه؟ جاي تعمل دكتور هنا؟ عمك «جابر» صحته بمب وبميت راجل.
قالها «جابر» رافعاً كتفيه بتباهٍ، ثم ضرب على صدره تعبيراً عن تعافيه، لينفجر «سيف» ضاحكاً يؤكد على حديثه بمدح جعله يبتسم بغبطة:
_ربنا يديك الصحة، طول ما أنت بتشتغل يا عم «جابر» عمر المرض ما هيهوب ناحيتك، الشغل عافية يا راجل يا سكر.
وفي غمرة حديثهم وصل «محمد» الذي بدا عليه الإجهاد يلهث أنفاسه ويبتسم لـ«سيف» مرحباً:
_هلا يا دكتور، منورنا.
_بنورك يا بشمهندس.
نهض «جابر» يفسح مجالاً لولده على الرغم من رفضه، وقال يشير له بإصرار:
_تعالى اجعد، أروح أجيب حاجة وراجع.
جلس «محمد» بجسد متعب، عينيه تتبع والده ليلتفت نحو «سيف» يقول ضاحكاً:
_أنا عارف هو راح فين.
قطب «سيف» حاجبيه يسأله باستغراب:
_راح فين؟
_دلوجت تعرف، اصبر وهتشوف.
اندمج «سيف» و«محمد» في حديث علمي حول مشاريع «محمد» المستقبلية في إقامة منحل وتوظيف دراسته في زراعة أنواع نادرة من المزروعات تحت بيوت زجاجية؛ تلك الأفكار التي نالت استحسان «سيف» وتشجيعه، حتى إنه عرض المساعدة عليه لكن «محمد» اختار الرفض إلا أن تكون تلك المساعدة بشكل مشاركة في المشروع. ابتسم «سيف» متوقعاً جوابه، فهو يعلم أن «محمد» يتصف بعزة النفس وهذا أكثر ما يعجبه بشخصيته، ليربت على فخذه داعماً:
_طب ماشي يا «محمد»، شوف التكلفة وأنا مستعد أشارك.
وقبل أن يجيب «محمد» وجدوا «جابر» يقترب منهم حاملاً بطيخة كبيرة، ليضحك «سيف» و«محمد» وهم يجدونه يفرش الأرض ويدعوهم لتناول البطيخ كما كان يفعل عندما كانوا صغاراً؛ فالاثنان يعشقان البطيخ. هرول الاثنان نحوه فرحين ليهتف «سيف» مبتهجاً:
_الله بطيخ... متشكر يا عم «جابر»، جه في وقته.
_أمال أنا جبته ليه؟ عارف إنك بتعشجة يا غالي.
التقط منه «سيف» شريحة البطيخ وقال له بامتنان قبل أن يقضمها بتلذذ:
_تسلم يا عم «جابر».
ووسط ضحكات وكلام كثير استمتع به معهم، خطر في باله سؤال ليسأل:
_هو دكتور «حسام» أخباره إيه؟
تعجب «سيف» من تغير ملامحهم ونظرة الحزن التي سكنت عيونهم بعد أن كانت مبتهجة، ليجيبه «جابر» بصوت مضطرب:
_من ساعة ما اتجوز البت من ست شهور مشفناهمش.
رغم تعجبه من ذلك لكنه ادعى غير ذلك ليقول محاولاً تبرير فعلته:
_ما هو جايز الطريق طويل يا عم «جابر»، وهو كمان مشغول في المستشفى، «حسام» دكتور شاطر وأكيد انشغل في دراسته.
طالعه «جابر» بقلة حيلة وقال ما أشعره بالقلق:
_والله يا ابني إحنا لولا مدحك ليه وإنك تعرفو مكناش رضينا بيه، دا حتى البنت لسه صغيرة، لكن جولنا نصيب كويس دكتور ومحترم ولما كلمتك أكدت عليا إنه كويس.
ابتلع «سيف» ريقه بتوتر وتلعثمت كلماته بعد أن أصاب الشك مكاناً في قلبه، رغم سنوات الدراسة التي قضاها مع «حسام»، لكن يبدو أن هناك شيئاً خفياً في الموضوع لا يفهمه، ليقول معللاً بنبرة يشوبها شيء من الاعتذار:
_أنا والله يا عمي مشفتش منه حاجة وحشة طول ما كنا زمايل بس...
ليصمت يبتلع ذلك الخوف الذي يخشى إظهاره بأن يكون «حسام» ليس كما عهده. عين «جابر» التي كانت معلقة به ينتظر منه أن يكمل حديثه جعلته يكذب ليريح قلب ذلك الرجل المضطرب، ليرسم ابتسامة مزيفة وهو يوزع نظره بين «محمد» المترقب كوالده و«جابر» الذي لم تحِد عينيه عنه ويخبرهم مدعياً أنه تذكر شيئاً:
_آه... صحيح افتكرت، أنا شفته من شهرين في المستشفى وكان كلمني عن شغله مع دكتور كبير باين، عشان كده مشغول.
ابتسم «جابر» مقتنعاً بحديثه، لكن ابتسامة «محمد» كانت باهتة حملت بين طياتها شكه في صدق كلامه، ليقرر الهروب:
_«محمد»، ممكن نطل على خالتي «زهرة» أنا وأنت؟ أكيد هتزعل مني لو مزرتهاش.
ليهتف «جابر» مبتسماً:
_يووووو.. ده هي من امبارح كانت متضايجة عشان مطلتش عليها تاني.
لينهض بسرعة مشيراً لـ«محمد» بالذهاب معه:
_يبقى لازم أروح أصالحها.
****************************
أمسكت هاتفها ترسل له الصورة كما وعدته، ليعلق هو عليها بطبيعته الفكاهية ليسألها:
_هو مفيش صور لمزرعة الخيل؟ نفسي أشوفها.
لتجيبه بعبوس متذمرة:
_محدش رضي ياخدنا هناك، داحنا قضينا اليومين دول في بيت خالتي «زهرة».
_ما تكلمي عمي أو بابا يوروكم المزرعة.
لتتنهد بيأس تضغط على أزرار الهاتف تخبره بتمنٍ:
_ياريتك كنت معانا، كنت خدتنا هناك.
_ومين قالك إني هرضى آخدكم هناك؟
ضحكت بصوت منخفض خشية أن يسمعها أحد:
_كنت هزن عليك وأخليك توافق.
كرر كلامها مستنكراً:
_هزن عليك! ماشي يا ست «أحلام»، ما أنت حافظاني وعارفة أسراري اللي بتذليني بيهم.
_أكيد يا ابني، ما أنت عشرة عمر.
_آه، شبه عشرة «توم وجيري».
انفلتت ضحكتها التي تداركتها تكتمها بكف يدها تلتفت يميناً ويساراً تخشى أن يكون قد سمعها أحد، لتكتب له:
_طب أنت «توم» ولا «جيري»؟
_أكيد «توم» المغلوب ديماً، ما أنت واحدة مفترية يا «أحلام» متنكريش دا.
استهجنت حديثه وقالت تعاتبه:
_أنا مفترية؟ ماشي يا «شريف»، شوف مين هيبعتلك الصور بعد كده.
_«أحلام» اتلهي يا بت، أنت مفترية وأنا مش هجاملك، وسيبك من الكلام دا واسمعي؛ كلمي بابا أو عمو «طارق» ياخدوكو المزرعة بقى، عندي فضول أشوفها.
أغلقت هاتفها قبل أن تجيب عليه عندما وجدت «قمر» و«مليكة» يقتربون منها وتجلسان تتأففان بتضجر:
_أنا زهقت، هو إحنا خرجنا من بيت عشان نقعد في بيت تاني؟
قالتها «مليكة» وأيدت ذلك «قمر»، لتقترح عليهم «أحلام» اقتراح «شريف» علهم يساعدونها في إقناع والدها:
_إيه رأيكم نروح مزرعة الخيل؟
اتسعت عين «مليكة» وهتفت بحماس:
_يا ريت!
أخبرتهم «أحلام» باقتراحها ليؤيدنها ويقررن مفاتحة آبائهن، وبمجرد وصول «فارس» و«علي» التفت الفتيات حولهم يتوسلونهم برجاء الذهاب لرؤية الخيل، وبأساليب التدلل استطعن إقناعهم بذلك رغم رفض «شمس» لمعرفتها بتقاليدهم، وأيد «طارق» هذا الرفض لكن مع رجاء «ورد» لم يستطع المقاومة.
*****************************'
كان يلقى تشجيعاً من «سيف» و«أصيل» على تعلمه ركوب الخيل بسرعة وقدرته على إعطائه الأوامر. صفق «أصيل» يحيه وهو يرى «الأشهب» يتجاوب مع أمره بالسير:
-برافوووو.. حلو جوي يا «حسين»، خلي بالك.
صفر «سيف» ضاحكاً يزيد من دعمه بكلمات محفزة:
-أيوه كده يا بشمهندس.
أمسك اللجام بقوة وحذر يلوح لهم بتفاخر مع خطوات الحصان المتزنة، ليجرفه الحماس ويحاول زيادة سرعته كما علمه «أصيل». تسارعت خطوات الحصان وسط أنظار «سيف» و«أصيل» القلقة، دار حول الساحة يشعر بسيطرته عليه وكاد أن يجعله يعدو لكن هتاف «أصيل» المحذر منعه:
_«حسين» خلي بالك، كفاية كده، مشدش عليه عشان مينفرش منك.
أومأ له يطمئنه وبدأ يستمتع بذلك الشعور الذي منحه انتعاشاً ونسمات الهواء تداعب وجنتيه بلطف، كما تداعب خصلات «الأشهب» الذي كان يتحرك بخطوات سريعة ومتزنة. أغمض عينيه هنيهة قبل أن يفتحها فجأة وهو يستمع لأصوات متعالية وجلبة تقترب، اتسعت عينيه بدهشة وهو يجد الفتيات يقتربن بصحبة والده وأزواج خالاته. تشتت وهو يرى غضب «حسن» وجداله المعاتب مع والده في رفضه اقتراب الفتيات لوجود رجال غرباء، ثم استنكار والده الذي حاول أن يبرر له ويقنعه، ليستشيط غضباً عندما تجاوزته الفتيات بعناد نحو مكان وجود الخيل. اقترب «سيف» بحصانه الذي امتطاه منذ قليل نحوهم كأنه يحاول تلطيف الأجواء.
كل هذا ولا يزال هو يسيطر على «الأشهب» حتى وجدها تقترب من «سيف» تحاول لمس حصانه، لتضحك فرحة عندما لمسته. ضحكتها التي أربكته جعلت «الأشهب» يشعر بارتباك ليصهل بصوت عالٍ أفزعه قبل أن يرفع قدمه في محاولة لنفضه عن ظهره. فقد «حسين» السيطرة وأرعبه الموقف كما أرعب «أصيل» الذي ركض نحوه محاولاً تهدئة حصانه «الأشهب»، لكن حركته القوية جعلت «حسين» يفلت اللجام ويسقط طريحاً على الأرض وسط صرخات الخوف من الجميع يرددون اسمه بفزع:
_«حسين»... «حسين»!
«سيف» الذي نزل من الحصان بسرعة و«حسن» الذي قفز السور راكضاً نحوه اقتربوا منه يتفقدونه برعب، وصوت أبيه الملتاع يصرخ يطلب منهم طمأنته عليه. جثى «سيف» على ركبته يتفحصه ليقول «حسين» بصوت متألم ويده تمسك قدمه بوجع:
_رجلي بتوجعني.
هتف «سيف» بلهفة وصوت يملؤه الخوف:
_وضهرك يا «حسين»؟
هز رأسه نافياً يعتصر عينيه يحاول كتم صرخاته المتألمة:
_لا، أنا وقعت على رجلي.
«أصيل» الذي وصل متأخراً بعد أن أبعد «الأشهب» عنهم نظر لـ«سيف» بخوف يسأله بأنفاس متسارعة:
_طمني يا «سيف».
تلمس «سيف» قدمه يتفقدها ويسأله بعض الأسئلة، ليهتف «حسن»:
_خلينا ناخده المستشفى.
ليؤيده «أصيل» بعد أن جثى يجلس بجانب «سيف»:
_أيوه يا «سيف»، خلينا ناخده الوحدة.
_يا ولاد طمنوني!
صاح بها «علي» بفزع وصوت مرتجف، فقلبه يكاد يتمزق رعباً على ولده، ولم يكن «فارس» بأفضل منه ليصيح بغضب:
_«سيف» أنت مستني إيه؟ خلينا ناخده المستشفى.
دخل «طارق» الساحة بخطوات مسرعة وجلس يتفقده ليقول بهدوء:
_طمنهم يا «سيف»، مفيش خطر، مفيش كسر بس خلينا ناخده الوحدة.
لكنه التفت نحو «أصيل» وسأله:
_عندك شنطة إسعافات أولية أكيد؟
نادى «أصيل» على أحد العمال ليأتي بالحقيبة بسرعة، أجرى له «طارق» الإسعافات الأولية، وحمله «سيف» و«أصيل» نحو المستشفى، تبعهم «طارق» و«علي» و«فارس»، ليوكلوا مهمة إعادة الفتيات لـ«حسن».
************************
وقفت «مليكة» تذرف الدموع خوفاً على شقيقها لتقترب منها «ورد» تضمها وتحاول أن تهدئها. تأثرت «أحلام» لحزن ابنة خالتها وخوفها لتقول في محاولة للتخفيف عنها:
-متخافيش، هما مش طمنونا؟
لكن «مليكة» استمرت بالبكاء مما جعل «قمر» تشعر بالأسى عليها، لكنها تمتمت سراً بانزعاج متذمرة:
-الغبي ضيع علينا الخروجة، عاملي فيها خيال.
-«لوكا»!
صاح بها «حسن» الغاضب من تواجدهم، لكن رؤيته لشقيقته الباكية جعل ملامحه تلين فيشفق عليها ويحاول السيطرة على غضبه منهن لتهدئتها. هرولت «مليكة» نحوه ترتمي بين أحضانه وتنهار بالبكاء ليحتضنها يمسح على ظهرها كي يهدئها، كان يعلم مدى تعلقها به ليقول لها بهدوء وهو يقبل رأسها:
-اهدي يا حبيبتي، «حسين» بخير صدقيني.
وكطفلة صغيرة سألته من بين شهقاتها ودموعها:
-بس هو كان بيتوجع.. هو هيقدر يمشي تاني؟
أخرجها «حسن» من أحضانه ليمسح دموعها بيده ليبتسم ويخبرها يطمئنها:
-هيمشي يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة.
ليجذب يدها ويشير للأخريات أن يتبعنه نحو السيارة:
-تعالوا عشان أرجعكم وأطمن ماما.
كانت «قمر» تسير خلفه وقلبها يخفق بقوة؛ كان مشهد احتوائه لشقيقته زادها عشقاً له، كم هو حكيم ورزين! هكذا كانت تحاور نفسها وعينها تشمله بنظرات هائمة، لتبتسم فتلمح «ورد» تلك الابتسامة فتتنهد بيأس وهي تعلم سببها؛ فعين «قمر» المعلقة بـ«حسن» فضحتها أمامها لتوكزها خشية أن ينتبه الآخرون:
-خفي هتفضحينا.
استطاعت «ورد» بتوبيخها أن تنبهها لتستعيد السيطرة على تلك المشاعر التي كادت أن تفضحها.
****************************
وقفت بجسد مرتجف تبكي بانهيار، تردد الأدعية بخوف فتعلو شهقاتها بفزع فتنتحب بشفاه مرتعشة:
-يا حبيبي يا ابني.. ملحقتش تفرح يا قلب أمك.
لتبدأ بلطم فخذيها بهستيريا:
_خدني يا «حسن» اطمن عليه، ابني يا ناس قلبي قايد نار.
أمسكت «شمس» يدها تمنعها من ضرب فخذها وتنهرها بصوت حاد:
_أنت اتجننتي؟ بتفأولي على الولد؟ بيقولك مفهوش حاجة.
جلست «ندى» بجانبها تضمها محاولة تهدئتها:
_اهدي يا «هدى» مش كده، ما «حسن» طمنك وأنا والله اتصلت بـ«طارق» وطمني، استهدي بالله وصلي على النبي.
_إن شاء الله خير متخافيش يا أم «حسن»، «أصيل» كمان بيجول إنهم راجعين كمان شوية.
هتفت بها «زهرة» التي وقفت تطالعها بإشفاق، لكنها ظلت تبكي من دون توقف، ينهش قلبها القلق على ولدها.
وقف «حسن» ينتظرهم بقلق، عينيه تتحرك باضطراب، وبحركة عفوية رفع رأسه يدعو الله أن يكون شقيقه بخير، ليلمحها تقف خلف زجاج غرفتها المطلة على الحديقة، لتلتقي عينيه بعينيها؛ ثوانٍ كانت كفيلة بتغيبه وإرباكه. رعشة طفيفة أصابت قلبه فتجمدت عينيه عليها، لكنها هربت نحو الداخل بسرعة كما تفعل دائماً. أنزل رأسه يطالع الفراغ وكأن تلك الثواني بعثرته وهزت شيئاً بداخله لا يعلمه؛ طيفها الذي يلاحقه منذ الصباح ورؤيتها الآن زادت من تلك المشاعر التي ضربته ما بين فضول وتعجب من حديثها البارحة أو ربما شيء آخر بات يجهل تفسيره. صوت عجلات السيارات التي توقفت فأفزعه صريرها ينتشله من ضجيج تلك المشاعر المبهمة، ليركض نحو شقيقه الذي كان يمشي مستنداً على «سيف» و«أصيل» بعد أن جُبست قدمه.
تشبثت بأحضانه باكية تلومه بانهيار:
_كده يا ابني تعمل في أمك كده يا «حسين»؟ كان لازم تركب خيل؟ أبوك مش حذرك يا ابني؟
ضمها بقوة يحاول أن يطمئنها ومسح على رأسها بلطف:
_يا ماما ما أنا زي القرد قدامك أهو، وعمو «طارق» بيقول حاجة بسيطة هفك الجبس بعد أسبوعين متخافيش.
ربت «علي» على ظهرها بحنان وأيد كلامه:
_بس يا «هدى» الولد كويس أهو خلاص بطلي عياط.
قبل رأسها عدة قبلات وجذب يدها يقبلها متوسلاً:
_خلاص يا ماما كفاية يا روحي.
لتجذبها «شمس» تبعدها عنه عنوة لتحتضنه هي:
_يا هدهد سيبيني أطمن عليه.. الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
ابتعدت «هدى» تمسح دموعها لتحتضنه «شمس» فيبادلها هو العناق مبتسماً:
_حبيبتي يا خالتو.
ابتعدت عنه ترتب شعره وتنفض عنه التراب،العالق بين خصلاته وانحنت تقبل وجنتيه بعينين جاهدت فيها دموعها لكنها خانتها فانهمرت رغماً عنها بين أحضانه:
_يا روح خالتك.
_خيانة خيانة! بتحضنيه وتبوسيه كمان وقدام عينيه؟ طب راعي شعور جوزك الواقف.
هتف بها «فارس» مستنكراً وهو يقترب يمسح وجنة «حسين» يتصنع الانزعاج من تقبيل «شمس» له مازحاً، ليضحك الجميع على فعلته، ثم انحنى يمسح دموعها وينظر لـ«حسين» يمثل الحنق يخبره بعتاب محبب:
_كده خليت حبيبتي تعيط؟
ليحاول «حسين» إغاظته فينحني نحو الأمام يقبل «شمس» ويقول مشاكساً:
_حبيبتي خالتو القمر.
ليصيح «فارس» ينهره بمداعبة وهو يمسح قبلته لها:
_ولد! بتبوسها قدامي؟ اتقي شري يا ابن «علي».
ضحك الجميع على مناكفتهم لينحني «فارس» يضمه ويقبل رأسه بحب أبوي:
_الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
_الله يسلمك.
قالها «حسين» بامتنان وهو يطالع حزنهم ولهفتهم عليه، ليأتي دور «ندى» التي كان خوفها عليه مشابهاً لخوف أخواتها لتحتضنه وتقبله هي الأخرى تتحمد له بالسلامة، فطالما ذكرها «حسين» بوالدها الغائب فهو صديقه المقرب:
_ألف حمد لله على سلامتك يا «حسين»، _والله مش عارف «الأشهب» عمل كده ليه، دي مش طبيعته.
قالها «أصيل» يتحمد له بكلمات امتزجت بالاعتذار، ابتسم له «حسين» وقال مهوناً عليه:
_الغلط مش غلط الحصان، الغلط غلطي أنا يا «أصيل»، أنا اللي تحركت وخوفته.
بالكاد أنهى جملته ليجد من تندفع نحوه بسرعة تحتضنه بلهفة وتخبره بصوت باكٍ:
_خفت عليك أوي.
ضمها بقوة وقال يطمئنها:
_«لوكا» يا روحي متخافيش أنا كويس.
حركت يدها على ذراعيه ووجهه كأنها تتفقده وتتأكد من صدق حديثه، ليبتسم لها «حسين» ويعاود احتضانها قبل أن يخرجها ويقبل جبهتها مردداً:
_بخير الحمد لله صدقيني.
انسحب «أصيل» عندما وجد بنات خالته يدخلن إلى المكان، لتنظر له «ورد» و«أحلام» بقلق قبل أن يقلن بارتياح بعد الاطمئنان عليه:
_الحمد لله على السلامة.
التفت نحوهم وأجاب مبتسماً:
_الله يسلمكم، متشكر.
كانت عينيه تبحث بشوق عمن تقف خلفهم وينتظر أن يسمع صوتها أو حتى كلمة طيبة منها، عم الصمت لحظات ليسمع صوتها أخيراً تقول باقتضاب وهي تخطف نظرة سريعة نحوه:
_الحمد لله على السلامة.
ارتجف قلبه بين أضلعه كأن صوتها كان دواءه وكلماتها أنعشت قلبه ليجيب بسرعة:
_الله يسلمك، متشكر يا «قمر».
عينيه أبت أن تحيد عنها حتى أجبره نداء «سيف» المشاكس له:
_ابسط يا عم، شفت طلعت غالي إزاي؟ شايف خايفين عليك إزاي؟
دارت عينيه بين الجميع وهم ملتفين حوله ينظرون لنجاته بسعادة، ليدعو لهم بصدق:
_ربنا يحفظهم ويديم المحبة يارب.
أمّن الجميع على دعائه ليقترب منه والده يمسح على رأسه ويسأله بريبة:
_حبيبي، أنت متأكد إن رجلك بس اللي تأذت؟
لامه «طارق» الذي حمل الأدوية يظهرها أمامه يحاول إقناعه:
_«علي» إيه حكايتك أنت و«هدى»؟ ما قلنا مفيش حاجة، حتى حكاية رجله حاجة بسيطة، إحنا جبسناها احتياط عشان متتعبش.
_يعني هيقدر يمشي عليها تاني بعد ما يفك الجبس؟
هتفت بها «هدى» بحرقة وهي تجلس بجانبه تضمه إليها بخوف، ليؤنبها «طارق»:
_هيمشي إن شاء الله بلاش التشاؤم دا.
مسحت على صدره تردد الحمد لله قبل أن تمسح دموعها العالقة بين أجفانها.
خلت الغرفة من الجميع بعد قدوم «راجح» وتفقده ثم تحمد له بالسلامة واعتذر له على ما حدث، ليرحل الجميع بعد أن أصر عليهم العودة لتناول العشاء.
أراح جسده على الوسادة وتنهد بضجر؛ فقد باءت آماله بالفشل، كل ما خطط له ذهب أدراج الرياح. التفت نحو «حسن» الذي ظل يرافقه في الغرفة ليجده مندمجاً مع هاتفه. رفع رأسه يطالع تلك الجبيرة بضيق كأنها قيد كبّل حركته، زفر أنفاسه بحزن لكنه تعوذ من الشيطان عله خير، ليتمتم بالحمد ويريح رأسه على الوسادة من جديد:
_الحمد لله.
_محتاج حاجة يا «حسين»؟
قالها «حسن» بعد أن أحس بحركته ليلتفت نحوه مبتسماً ويقول بامتنان:
_لا، متشكر يا «حسن».
اعتدل «حسن» في جلوسه يرمقه بنظرة متفحصة قبل أن يسأله بتعجب:
_أنت وقعت إزاي يا «حسين»؟ أنا كنت شايفك مسيطر أوي على وضع الحصان، إيه اللي حصل؟
فاجأه سؤال «حسن» ليتوتر ويرمش بعينيه محاولاً الهروب؛ فماذا يخبره؟ أن ابتسامتها هي السبب؟ فقد أطاحت باتزانه ولخبطت كيانه. رحمه رنين هاتفه من إجابة السؤال، التقط هاتفه ليهتف بلهفة خالطها الشوق بعد أن علم هوية المتصل:
_«زياد»!
صاح بها ينظر نحو «حسن» قبل أن يجيب:
_ألو.
جاءه صوته الخائف يسأله بقلق:
_«حسين»، الحمد لله على السلامة، إيه اللي حصل؟
_متخافش يا «زياد» أنا كويس.
_أمال ماما بتقول وقع من الحصان؟
_أيوه صح بس متخافش حاجة بسيطة.
ليتنهد الآخر بارتياح قبل أن يسأله مجدداً:
_الحمد لله.. يعني أنت كويس أكيد يا «حسين»؟
ابتسم بسعادة وهو يشعر بخوف ابن خالته عليه وقلقه الظاهر بوضوح في نبرة صوته، ليخبره بشوق لذلك الغائب:
_كويس.. وحشتني، امتى راجع؟
_وأنت كمان يا «حسين» واحشني، لسه قدامي شهرين كمان أو أكتر لسه مش عارف.
_والله ليك وحشة يا راجل، فين أيامك يا «أبو طارق» وأيام العزومات والجيم؟
قهقه «زياد» ضاحكاً يجيبه متفائلاً:
_هترجع قريب إن شاء الله يا صاحبي.
انتهت تلك المكالمة التي أسعفته بعد أن عاد «حسن» لاندماجه بما كان يفعله ليتنهد زافراً أنفاسه بارتياح.
************************
كانت تجلس أمام حوض الزهور الذي أخذتها نحوه «بسملة» تريها إياه، صاحبتها «قمر» إلى ذلك المكان ليبتهجن مسرورات بذلك المنظر رغم أن الليل كان قد أسدل ستاره على المكان، لكن رائحة الزهور وتلك النجوم المتلألئة في السماء أضفت على المكان شاعرية جميلة. تناوبن على استنشاق الزهور والانبهار بمظهرها وتلك الجلسة الجميلة القريبة منها لتخبرهم «بسملة» وهي تشير نحوها:
-دا المكان المفضل عند بابا وماما، دايماً بيسهروا هنا.
ثم أضافت ضاحكة:
-لما يحبوا يزوغوا منا.
شاركتها «قمر» و«ورد» الضحكات، لتتوقف «قمر» وتسألها بحرج:
-بس شكل باباكي شديد أوي.
ابتسمت «بسملة» وقالت موضحة لهم:
-هو صوح عصبي وشديد لكن هو طيب وحنين جوي عليا ومع ماما كمان، هي ديماً بتجول أبوكم مع الناس شكل ومعانا شكل تاني.
أكملت حديثها لتنهض واقفة تشير نحو الداخل:
-هروح أجيبلنا حاجة نشربها.
رحلت «بسملة» وعادت «قمر» تطالع النجوم والسماء لتأخذ نفساً عميقاً وتزفره بقوة تحاول إنعاش نفسها بذلك الهواء العليل، لتنتبه لشرود «ورد» الجالسة أمامها فتسألها:
-مالك يا «ورد»؟ سرحانة فين؟
أعادها صوت «قمر» من شرودها لتلتفت نحوها تطالعها بصمت قبل أن تسألها:
-هو «سيف» يعرف يركب خيل؟
أومأت لها «قمر» تخبرها:
-أيوه «سيف» بيجي هنا كتير و«أصيل» علمه، دا اللي فهمته منه هو مرة حكى لبابا الحكاية دي.
هزت رأسها متفهمة وصورته وهو يمتطي ذلك الحصان كان أشبه بصورة بطل من أبطال رواياتها؛ كم كان جميلاً وجذاباً! لا يزال قلبها يخفق منذ أن رأته على ظهر حصانه ولا يزال عقلها الحالم يرسم لها لوحات تجمعها به كحبيبين. هزت رأسها من جديد تحاول نفض تلك الصور أو إخراجها من مخيلتها لتستغفر لعلها تتخلص من تلك المشاعر التي سكنت قلبها واستعمرت تفكيرها.
كانت «قمر» تراقب قسمات وجهها وتعابيره بإشفاق وهي تعلم بحبها لشقيقها الذي لا يشعر بها، لتقرر التخفيف عنها بطريقة فكاهية فقالت:
-شفتي ابن خالتك الأهبل اللي عاملي فيها فارس؟ يستاهل اللي جراله.
هزت «ورد» رأسها بقلة حيلة وهي تناظرها بعبوس وتلومها قائلة:
-حرام عليك يا «قمر»، «حسين» طيب دا أنا زعلت عليه.
لوحت بيدها مستهزئة قبل أن تنفجر ضاحكة تخبرها:
-بس شكله كان بيضحك!
ابتسامتها استفزت «ورد» وأغاظتها لتعاود تأنيبها بغضب:
-بس يا «قمر» حرام عليك، «حسين» مايستاهلش تقولي عليه كده.
نفت بيدها تستنكر حديثها:
-يووووو.. أنت هتفضلي تدافعي عنه؟ طب إيه رأيك إنه غبي وأهبل؟
-«قمر» عيب الكلام دا، افرضي «مليكة» ولا خالتك سمعوكي!
صاحت بها بحدة تنهرها لتلوي شفتها حانقة، لكنها توقفت عن الحديث عندما لمحت «بسملة» تقترب منهم.
**************************
في اليوم التالي وعلى مائدة الطعام جمعت «جابر» وعائلته بـ«سيف» الذي كان ضيفهم على وجبة الغداء، و«فرحة» تضع أمامه أنواعاً من المأكولات وأصنافه المفضلة حتى امتلأ ذلك الطبق بما لذ وطاب ليرفع كفه يشير لها أن تتوقف:
-كفاية كده يا خالة مش هقدر آكل كل دا.
لتحمل هي تلك الحمامة المقلية تضعها وتأمره بعناد:
-كل يا واد، دانت خاسس، أوعى تجولي ريجيم زي الواد «محمد» ما بيجول، النهاردة مفيش الكلام ده.. كل دا أنت خاسس.
-اسمع كلام خالتك يا «سيف».
هتف بها «جابر» وهو يضع له تلك الحمامة ويطعمه قطعة منها في فمه ليمضغها «سيف» مستسلماً لأمرهما:
_كل حاكم أنا عارفاك بتعشك الحمام.
قالتها «فرحة» تراقب تقييمه لها، لينظر لها ويقول بتلذذ قبل أن يقضم قطعة أخرى:
_تحفة.. تسلم إيدك يا خالة.
_بالهنا والشفا يا روح خالتك أنت.
_هو أنتو هتدلعوا «سيف» بس وتوكلوه؟ ما توكلوني زيه!
صاح بها «ساجد» وهو ينظر لوالده متذمراً. هز «جابر» رأسه بيأس قبل أن يقطع له قطعة ويضعها في فمه، فضربت «فرحة» كفيها بتعجب ثم صاحت به موبخة:
_يخيبك! أنت هتغير من «سيف» يا واد؟ دا ابني جبل ما تكونوا أنتم ولادي.
قالتها «فرحة» وهي تربت على كتفه ليجيبها مبتسماً بامتنان:
_ربنا يحفظك يا خالة، وأنت كمان غالية عليا أوي أنت وعم «جابر».
_ابسط يا دكتور، أم «محمد» وأبو «محمد» بيعزوك جوي دا إحنا مدلعين النهاردة على حسك.
صاح بها «محمد» هو الآخر مشيراً نحو المائدة العامرة أمامه:
_وأنا كمان بعزهم يا «محمد»، متبقاش زي «ساجد»، وأديني يا سيدي مسافر بكرة عشان تدلعوا.
لتشهق «فرحة» بدهشة وتسأله بوجه عابس:
_بالسرعة دي؟ دا أنتم مكملتوش تلات أيام.. متخليكو أسبوع.
_ما أقدرش أسيب المستشفى أكتر من كده يا خالة.
التقطت عينيه حزنها ليبتسم يطمئنها:
_متزعليش مش هتأخر، هاجي أزوركم قريب إن شاء الله.
_ياريت يا ولدي.
قالتها وعادت تضع أمامه الطعام ليقول فجأة كأنه تذكر شيئاً:
_أيوه صح يا خالة، لو عندك حاجة تحبي أوصلها لـ«نور»، أنا مستعد أوصلها لدكتور «حسام».
تحشرجت اللقمة في فمها مع ذكر تلك الغائبة التي تشعر بالخوف من صمتها المبهم وادعائها الراحة رغم صوتها المجهد. ابتلعت تلك اللقمة بصعوبة، كأن طعمها تحول علقماً في فمها، التقت عينيها بعيني «جابر» الذي لم يكن حاله بأفضل منها، ونظرات عينيهما تسأل:
«هل نور بخير؟»