رواية براعم الحب الفصل السابع7 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب الفصل السابع7 بقلم رشا عبد العزيز

بعض اللقاءات القدرية تعجزنا أمامها، نقف كغصن فتيّ تتصادمه رياح الشتات، تطيح به تارة وتعدله أخرى، مذبذب في مواجهة المجهول، فإما تكسر وإما تصمد.
​علقت صورتها في ذهنه وأبت الرحيل، تطرق ذاكرته كلما صمت. أخذ يحاول أن يلهي نفسه بأي شيء، لملم ملابسه وملابس شقيقه وحزم حقائبهم، أخذت عيناه تدور في المكان يتفقده خشية نسيانه شيئاً آخر.
استقرت عيناه على شقيقه الذي سند ظهره على ظهر السرير:
_​مش شكلك مستعجل يا «حسن»؟ كنت خلتها لليل.
حول نظره نحو الحقيبة قبل أن يعود ينظر إليه بذهن غائب، يدعك جبهته كأنه يحاول تذكر شيء، ليفتح عينيه يسأله:
_​مش عارف ليه حاسس إني نسيت حاجة بس مش فاكرها!
قطب حاجبيه يحاول إلقاء حديثه السابق عليه:
-​يا بني مستعجل ليه؟ كنت استنيت لليل.
أمسك الحقيبة ينزلها ويسحبها مبرراً له:
_​كدة أحسن ما نستعجل وننسى حاجة.
سار حتى الباب وقبل أن يخرج استوقفه صوت شقيقه يسأله برجاء:
_​«حسن» خرجني برة شوية، حاسس نفسي مخنوق.
التفت نحوه التفاتة سريعة يومئ له بالموافقة، غاب قليلاً وعاد يقترب منه، يمد له يده ليسنده حتى الخارج، ثم ساعده في الجلوس على درجات السلم الرخامية وجلس بجانبه، ليأخذ «حسين» نفساً عميقاً قبل أن يزفر بهدوء:
_​الهوا هنا حلو أوي، تحس بالطبيعة، ريحة العشب والورد والنعناع، حاجة جميلة.
_​فعلاً، والسما كمان صافية.
هكذا أيده «حسن» رافعاً رأسه ينظر إلى السماء باستحسان. الصمت ساد بينهما، كل واحد فيهما كان غارقاً في أفكاره؛ «حسين» الغارق بتلك الشرسة، و«حسن» لا يزال يعاني من طيف تلك الصامتة، حتى قطع ذلك الصمت صوت «سيف» القادم نحوهم:
_​مساء الخير.
_​مساء النور.
أجابوه بصوت واحد قبل أن يأخذ مكاناً بجانبهم ويبدأ بحديث بحماس عن مشروع «محمد» وما رآه.
كانوا مندمجين في الحديث عندما لمحوا إخوته «أصيل»، «آسر»، و«ياسين» يدخلون حاملين كرة بيدهم، لينادي «حسين» عليهم، فيطيعوا أمره ويتقدموا يقفون أمامهم:
_​كنتوا بتلعبوا كورة؟
_​أيوه، بس اتخانقنا وطردونا من الفريق.
_​أيوه، عشان عارفين إن إحنا كنا اللي هنفوز.
_​ما أنا كمان مسبتهمش وربيتهم!
_​أحسن، يستاهلوا عشان يبطلوا يغلطوا فينا.
هذا كان نقاش الأخوين الذي أنصت له الشباب محاولين منع انفلات ضحكاتهم المكتومة، حتى أنهى هذا النقاش صوت «حسين»:
_​طب ما تزعلوش، إحنا هنلعب معاكم.
اندهش الأخوان وتحركت أعينهما نحو جبيرته يرمقانها بنظرة ساخرة، قبل أن يتهكم «ياسين» يسأله:
_​هتلعب معانا وأنت مجبس؟
ابتسم «حسين» على كلامه وأشار نحو «سيف» و«حسن» وقال بحماس:
_​لا، أنا هكون الحكم والشباب هيلعبوا معاكم.
التفت الاثنان نحوه بسرعة يطالعانه بتعجب، لكنه استطاع إقناعهم ليبدأوا اللعب وسط تشجيع «حسين» للأخوين، وكرة ترفع هناك وتعود لتسقط هنا وسط صراخهم وضحكاتهم التي صدحت في المكان. استقرت الكرة تحت قدم «سيف» ليركلها بقوة، فصرخ الجميع معترضاً لأنها ابتعدت بشكل كبير، ليهرول «حسن» نحوها يبحث عنها، عيناه تدوران يمنة ويساراً حتى تسمر مكانه عندما وجدها تتدحرج نحو ذلك الملاك الجالس تقطف أوراق النعناع بهدوء وتجمعهم. كانت تبدو أنها تعمل بذهن منشغل عما تفعله، حتى لامست الكرة قدمها لتنتفض بذعر وترتد نحو الخلف، وازداد ذهولها عندما استدارت ووجدته يقف أمامها، لتشهق واضعة يدها على فمها في محاولة لكتمها.
رفع يده يحاول تهدئة خوفها واقترب من الكرة بحذر وسط تتبعها له، التقطها ونظر إليها بعد أن شعر بخطواتها المتعثرة في محاولة للهرب:
_​استني!
صوته زاد ارتباكها لتتعثر قدمها أكثر، فأسرع قائلاً:
_​استني.. أنا هاخد الكورة وأمشي.
وبحركة عفوية خانتها عيناها لتنظر له فتلتقي بعينيه المحدقة بها. لحظات قليلة سحرته تلك العينان البنيتان لتشل حركته هنيهة، أضاعت هي سحر تلك اللحظة عندما أشاحت نظرها نحو الجهة الأخرى، تاركة إياه مشتتاً يحاول لملمة ثباته ويستدير هارباً من أمامها. ابتلعت ريقها الذي جف من تلك المفاجأة ووقفت تحاول استجماع قواها لتستعيد اتزانها، ثم نظرت لأثره؛ هو ذات الشخص الذي رأته سابقاً، رفعت يدها تمسح على صدرها تلتقط أنفاسها المتسارعة قبل أن تلتقط سلتها وتهرول نحو الداخل.
أما هو، فعاد بالكرة ليواجه امتعاض الجميع من تأخره، عاد يلعب معهم لكن عقله كان في مكان آخر.
*********************
​وفي اليوم التالي، انتهت تلك الرحلة بعد وداع بدموع على أمل اللقاء مرة أخرى، فلم تترك «زهرة» و«فرحة» «شمس» إلا وأخذتا الوعد منها أن يعودوا من جديد في زيارة أخرى.
استعد أن يغادر بعد أن ساعد شقيقه الركوب بجانب «سيف»، واتجه إلى مكانه أمام سيارتهم، لمس مقبض الباب ولكن قبل أن يفتح الباب رفع نظره نحو ذلك المنزل، وشيء ما نغز ذلك القلب لا يعلم ما هو، سوى أنه تمنى في تلك اللحظة أن يراها قبل أن يغادر، لكن أمنيته لم تتحقق ليركب السيارة ويغادر.
"************
​لم يعرف كيف يقنعها أنه بخير منذ أن وصلوا، تضمه بين أحضانها تمسح على جسده بخوف وتسأله بين الحين والآخر:
_​يعني أنت كويس يا حبيبي؟
ضحك على سؤالها المتكرر ليؤكد لها كي يريحها:
_​والله يا تيتة كويس، هما مش طمنوكي؟ مش عمو «طارق» كمان طمنك؟
لتضرب ذراعه بخفة تلومه بحزن:
_​كان لازم تركب خيل يعني! وإلا عشان تلفت نظرها كنت هتودي نفسك في داهية...
كادت أن تسترسل لكنها بترت جملتها تبتلعها بارتباك، ليبتعد عن أحضانها بسرعة ويسألها باضطراب:
_​تقصدي مين يا تيتة؟
تهربت من سؤاله وادعت عدم فهمها لحديثه:
_​أقصد إيه يا حبيبي؟ أقصد مامتك طبعاً، مش أنت ديماً تقول هبهر أمي؟
وباقتناع مصطنع ابتسم عائداً نحو أحضانها يسايرها ويضفي على حديثه نوعاً من السخرية:
_​أهي انبهرت آخر انبهار!
عادت تمسح على رأسه بحب وتبتسم، فرغم إنكاره لكنها كانت تعلم بذلك الحب الذي يخفيه عن الجميع، لكنها استطاعت أن تعرفه من نظراته فهي تحفظه عن ظهر قلب.
***********************
​كانت تقبع داخل أحضانه، يضمها بشوق يمرمغ أنفه بين خصلات شعرها، يأخذ نفساً عميقاً ويزفره بلوعة متأوهاً بهيام:
—​آه... وحشتيني أوي أوي أوي أوي أوي.
ظل يكررها حتى قهقهت ضاحكة، فيهتز جسدها بين ذراعيه ليماثل اهتزاز جسدها ارتجاف قلبه بين أضلعه، وتنتقل ضحكتها كعدوى له ليضحك معها، حتى رفعت رأسها تنظر له بشوق نافس شوقه لها:
-​وأنت كمان وحشتني أوي يا روحي.
ثم ابتعدت عن أحضانه رغم اعتراضه، لكنها اعتدلت تواجه عينيها عينيه تخبره بصدق:
-​تعرف يا «فارس» حصلت حاجة هناك خلتني أخاف وفي نفس الوقت أفرح.
بهتت ملامحه وتنبهت حواسه يسألها بقلق تملكه بعد حديثها:
-​حصل إيه؟
ضحكة قصيرة خففت من توتره الظاهر لها لتقول ويدها تتلمس وجنته مطمئنة:
-​حبيبي ما تخافش، أنا هحكيلك.
لتميل بجسدها نحو الأمام تهمس له بفكاهة:
-​طلعنا متراقبين يا باشا!
زاد حديثها من ريبته يخبرها بضيق:
-​اتكلمي يا «شمس» قلقتيني، إيه وبلاش الألغاز دي.
وضعت يدها على فمها تطلق ضحكاتها التي زادت من حنقه، فيصيح بها بعد أن نفد صبره:
-​يوووه ما تتكلمي!
ومن بين ضحكاتها المتتالية، لا تدري من مظهره أم من ذلك الموقف، لتمسك يده:
-​خلاص يا حبيبي هتكلم، يا سيدي طلع البنات بيحسدوني عليك، وكلهم نفسهم في «فارس» رومانسي زي أونكل «فارس» أيقونة الحب.
غادر العبوس وجهه لتحل محله ابتسامة عريضة وصمت يحدق بها قبل أن يسألها بفخر:
-​بجد يا «مشمش»؟ هو أنا مفضوح كدة؟
نظرت له نظرة جانبية قبل أن تقول متهكمة:
-​مفضوح بس؟ مفضوح أوي يا حبيبي، دول أصروا يعرفوا حكاية حبنا حصلت إزاي، وسر رواية الحب الأسطورية على رأي «هدهد».
أخفض عينيه نحو خاتمه الساكن في بنصره يلمع، ليضيء في عقله شريط الماضي يتراءى أمام عينيه في لحظات أدهشتها، لتنادي عليه تسحبه من الماضي إلى الحاضر، ليرفع رأسه يستمع لسؤالها المتعجب:
-​مالك يا «فارس» روحت فين؟
تنهيدة طويلة سبقت جوابه وهو يومئ لها:
-​معاكِ يا نور عيني.
ثم باغتها يسحبها نحو أحضانه من جديد، مكبلاً جسدها بذراعيه رغم تملصها، يمنعها بعناد عن الابتعاد، ويسألها بصوت اختلطت فيه المشاعر ما بين عشق وخجل، ما بين ماضٍ يود نسيانه وحاضر أزاح ألمه:
-​وحكيتي الحكاية؟
عاودت محاولتها الابتعاد لكنه ثبط محاولاتها وطلب  بصوت منخفض:
-​احكيلي وأنتِ في حضني، بلاش تبعدي، عاوز أسمعها وأنتِ بين إيديا.
​روت له ما سردته للفتيات مبتسمة، يتخلل حديثها الضحكات وهي تصف له ردة فعلهم على روايتها، وما إن انتهت حتى شعرت بيديه تتراخى من حولها وحصار يديه ينتهي، لكن أذنها التي كانت تستمع إلى دقات قلبه  فتشعر بقلبه يزداد خفقانه رغم ارتخاء جسده، لتبتعد عنه مسرعة، تحيط وجهه بيديها وتسأله بخوف:
_​مالك يا «فارس»؟
تعلقت عيناها بعينيه تبصر نظرة منكسرة سبقت كلماته المتألمة يخبرها بصوت مهزوز:
_​القصة ناقصة يا «مشمش».
مسحت على وجنتيه بإبهامها برقة بعد أن فهمت ما يقصده بأن قصتها ينقصها جرحه لها:
_​القصة كاملة يا «فارس».. كاملة يا حبيبي.
لمعت الدموع في عينيه عندما وجد الدموع تتجمع في عينيها تخبره بحب كبر معهم وأثرى مشاعرهم:
_​أنا شيفاها كاملة، أنت «فارس» حبيبي وأمير أحلامي اللي بعشقه، غير كدة ما فيش.
مسحت دموعها بيديها بسرعة وتبسمت تلقي عليه بمشاعرها التي اختلجت في صدرها لتخرج بهيئة رجفة طفيفة أصابت يدها التي حطت على صدره تؤكد له صدق كلماتها:
_​تعرف بالعكس، لما حكيت للبنات حسيت قد إيه حبنا له طعم تاني، حب مستحيل واتحول لحقيقة. حقيقة قد ما هي حلوة خلت الناس كلها تاخد بالها منها وتتمنى تعيش زيها.
صبت كلماتها على قلبه كما يصب الماء البارد في جوف عطش، تروي ظمأه وتزيل مرارة الماضي، ليجذبها نحو أحضانه يحتويها قبل أن يضمها بقوة آذتها لكنها تغافلت عنها تستمتع بدفئها وجمال كلماته التي تلتها:
_​بحبك... بحبك... يا أغلى حاجة في حياتي.
​ثلاثة أشهر مرت منذ تلك الرحلة، جاهد فيها على نسيانها ليواري طيفها مقبرة النسيان، لكن كلما داهمته تلك الأفكار وجد صورتها تقف أمامه تخبره أنها موجودة، أيقونة من زمن مضى. تلك الفتاة الخجولة التي تحلم بها، بدأ عقله يرص أمامه صفاتها كأنه يزيد من إقناعه بها، فهي خجولة بتربية صارمة صعيدية، أكيد لازالت نقية كهواء مدينتها، لم يلوثها غبار صخب الموضة وزيف التمدن، جذورها عريقة لم تسمح لها بأخطاء، ستجعل منها تتمسك بالعادات والتقاليد كي تحافظ على مكانة عائلتها. لينبض قلبه في لحظة غفلة من عقله يرسم عينها الجميلة، لكنه لن ينكر أن عقله يختارها. قطع شروده نداءات متكررة:
_​«حسن».... «حسن»!
صوت أمه سحبه من ضجيج تلك الأفكار ليلتفت نحوها وهي تجلس بجانبه تسأله بريبة:
_​مالك يا «حسن»؟ عمالة أناديك وأنت ولا أنت هنا!
رمش بعينيه كأنه يعود إلى الواقع، يطالعها بتيه لا يعلم أيخبرها بما يجول في خاطره أم ينتظر. تعجبت من صمته لتمد يدها تتلمس كتفه وتسأله بحنان:
_​مالك يا حبيبي؟ شكلك تعبان.
أومأ بحركة بسيطة نافياً يطمئنها، قبل أن ينطلق لسانه المتردد قائلاً:
_​لا يا أمي أنا كويس يا حبيبتي، بس فيه حاجة شغلاني، ما تشغليش بالك.
زجرته بنظرة عتاب حانية تمسح بيدها على صدره:
_​ما أشغلش بالي إزاي يا «حسن»؟
ثم واصلت مسحها على صدره تحثه على الكلام:
_​اتكلم يا حبيبي وأنا هسمعك.
لكنه واصل صمته واكتفى بمنحها ابتسامة باهتة يخفي خلفها تردده، مما زادها قلقاً عليه لتستطرد محاولة التخفيف عنه وجعله ينساق معها في الحديث:
_​مش شوفتلك عروسة!
عيناه التائهتان تجمدتا عليها بدهشة وهي تسترسل ببهجة:
_​بنت جارتنا هنا وكمان زميلة «مليكة»، بس هي فرقة رابعة، أنا رحت بيتهم وشفتها، بنت
_حلوة وطيبة يا «حسن»...
كان ينظر لشفاهها تتحرك ولا يسمع ما تقوله، فوميض عينها بحماس كان كجرس ينذر بالخطر؛ والدته تسعى لتزوجه بل واختارت الزوجة التي تراها مناسبة له، بل وتخطو نحوها بخطوات مسرعة. إذن فليسبقها هو ليقاطعها بسرعة قبل أن تكمل وصف محاسن الفتاة التي اختارتها:
_​ملوش داعي يا ماما.
تعثرت باقي الكلمات بين شفتيها ترمقه متذمرة، ظناً منها أنه يرفض فكرة الزواج، وتسأله بتعجب:
_​ليه يا ابني؟ وأنت ناقصك إيه يا حبيبي؟
لتتسع عيناها بدهشة عندما ألقى عليها باقي حديثه:
_​أنا لقيت العروسة.
تحركت بجسدها مقتربة منه وقالت متلهفة:
_​هي مين يا حبيبي؟ نعرفها؟
ابتلع ريقه وهو يرى عينيها المصوبة نحوه بترقب أربكه، لكنه قرر إنهاء هذا التردد ليقذف عليها الاسم بسرعة، كأن عقله يخشى أن يتراجع:
_​«سندس» بنت «راجح» بيه.
ظلت تطالعه برهة من الزمن تحاول استيعاب ما سمعته، تزاحمت الأفكار أمامها وسؤال واحد سبق كل أسئلتها:
_​وأنت شفتها فين دي؟ البنت مش بتخرج من بيتهم، وكمان منطوية أوي ومش بتتكلم ولا بتختلط مع حد.
هربت عيناه من مواجهة عينيها المتربصة بجوابه ليخبرها باقتضاب:
_​لمحتها في جنينة بيتهم.
ارتد جسدها مستندة بظهرها على ظهر الأريكة، وعينها تزوغ في الفراغ أمامها. تعجبها وردة فعلها جعل الشك يتسلل إلى قلبه، استدار نحوها يسألها بخوف:
_​هي البنت فيها حاجة يا ماما؟
طالعته في حيرة وهي تجيبه ببطء حمل ترددها هذه المرة:
_​لا يا ابني، بالعكس دي ما شاء الله مؤدبة وهادية أوي، بس.....
_​بس إيه يا ماما؟
هتف بها بضيق يود سماع سبب ترددها.
​بس مختلفة عننا يا بني، هي تربيتها وبيئتها مختلفة.
تراخت ملامحه وتنهد بارتياح بعد سماع أسباب رفضها، ليمد يده يمسك يدها ليحاول إقناعها:
_​حبيبتي ما تخافيش، أكيد لما تعيش هنا هتتعود.
_​وافرض رفضوا؟
جملة والدته أرهبته، فهو لم يفكر بالرفض. هل ممكن أن يحدث هذا ويخسرها؟ وإن خسرها أين سيجد فتاة خاماً مثلها؟ دارت حدقتاه يحاول أن يجد حلاً، ليهتف بلهفة عندما ظن أنه وجد الحل:
_​نخلي خالتو «شمس» تضغط عليهم.
نفت رافضة وهي تحرك سبابتها أمام وجهه محذرة:
_​لا.. لا مش عاوزة أدخل «شمس» في الحكاية دي، عشان ميحصلش إحراج بينهم لو رفضوا، على الأقل أنا معرفتي فيهم سطحية مش زي علاقتهم بـ«شمس».
عبس وجهه وملأ صوته خيبة الأمل يسألها:
_​وهنعمل إيه؟
ضمت يديه بقوة تحاول منحه الأمل وهي تقول بابتسامة:
_​هكلم «زهرة» وأشوف رأيها، وأنت صلي استخارة وربنا يقدم اللي فيه الخير
********************
​انزوت في غرفتها تختبئ بها كما تفعل منذ أسبوع، تهرب من حديثهم منذ أن علمت بخطبة ذلك الشاب لها وهي لا تعلم ماذا تفعل. سقطت عيناها على يدها المرتعشة كما يرتعش سائر جسدها، فإظهارهم موافقتهم أمامها؛ فـ«راجح» و«أصيل» أشادوا بأخلاقه، و«زهرة» أعربت عن راحتها لـ«هدى» وطيبتها، لتحاصرها عيونهم تخرسها، كأنهم يدفعونها برفق نحو الموافقة، لتجد نفسها تقف أمام كلمة واحدة:
_​موافقة.
ازداد ارتجاف جسدها لتهرب من أمامهم حتى لا يشعروا بها. شعرت كأنهم ينسجون حولها خيوطاً ويحركونها كدمية نحو اتخاذ القرار الذي كان من الأساس قرارهم، فهي لا تمتلك حق الرفض رغم أنهم لم يخبروها بذلك، لكن كلمات المدح التي ذكرت بحقه وحق عائلته، لمعة الرضا والفرح في عيونهم، تلك الابتسامة العريضة التي رسمت على وجوههم أخبرتها أن عليها الموافقة.
تنهدت بفتور تتذكر حديث شقيقتها «بسمة» التي تحسدها أنها ستترك الصعيد وتعيش في العاصمة، سترى ذلك العالم المبهر كما وصفته. ليتها تعلم ما تشعر به وذلك الخوف الذي استوطن قلبها، كيف ستعيش هناك بعيدة عنهم في مكان غريب لا تعلم عنه شيئاً؟ تسللت دموعها تحرق وجنتها بحرقة، فلا أحد يفهمها حتى والدتها أخبرتها أن بعد الطريق ليس بالمشكلة، يمكنها القدوم مع شقيقها متى شاءت، وأن الهواتف وبرامج التواصل لم تجعل لتلك المسافات قيمة.
نهضت بثقل تقف أمام مرآتها تواجه شحوب وجهها وتلك المشاعر، لعلها تستطيع السيطرة على مخاوفها. مدت يدها تمسح دموعها وتسأل نفسها:
_​مش جايز كلامهم صح وأنتِ بتبالغي؟ خايفة من إيه يا «سندس»؟
لتجيب بصوت يائس:
_​أنا ما بعرفش أتكلم مع حد كلمتين على بعض، هعيش إزاي مع ناس معرفهمش؟ وكمان ليهم تقاليد وعوايد غيرنا.
لتتسارع أنفاسها مع سؤالها التالي ويخفق قلبها بين ضلوعها باضطراب، تخرج كلماتها باستحياء:
_​هعيش مع راجل ما شفتوش غير مرتين... كيف؟
ليلوح طيفه أمامها وتستعيد ذاكرتها لقاءه معها. هل يعقل أنه أعجب بها من النظرة الأولى كما يقولون؟ أو ربما اختارها لاسم عائلتها؟ أنهك التفكير عقلها لتسند يديها على طاولة الزينة وترفع عينيها نحو السماء تدعو الله وحده منجيها:
_​يارب أنا صليت صلاة الاستخارة ووكلت أمري، يارب ريح قلبي.
ربما يكون هذا الشيء الوحيد الذي منحها الطمأنينة، فما سيختاره الله لها هو الأفضل.
***********************
​كانت «أحلام» تغفو على وسادتها، حرارتها المرتفعة جعلتها تهلوس بأحاديث غير مفهومة تخرج من بين أسنانها المصطكة. جبينها متعرق ووجهها شاحب، أثار فزع شقيقتها التي كانت تجلس بجانبها وتصنع لها الكمادات. مسحت على جبهتها برفق تزيل حبات العرق التي تتكون عليها، يبدو أن خافض الحرارة الذي تناولته لم يجدِ نفعاً حتى المسكن الموجود في صيدلية منزلهم الخاصة لم يعطِ مفعولاً. بدأت تهمهم:
_​ماما... ماما...
_​يا حبيبتي يا بنتي.
هتفت بها «ندى» بعين دامعة بعد أن أغلقت الهاتف مع «طارق» تخبره بقلق عن تدهور حالتها، لتسألها «ورد» بلهفة:
_​قالك إيه يا ماما؟
_​بيقولي استني شوية الدوا ياخد مفعول، ودخلوها الحمام تبرد جسمها شوية على ما هو يرجع ويجيب الدوا تاني يكون مفعوله أقوى.
وميض هاتفها وصوت رنينه برسائل متكررة جعل «ندى» تنتبه لتقول ضجرة بصوت متعب:
_​ما تشوفي تلفونها اللي مبطلش رن من ساعة.
التقطت «ورد» الهاتف، كانت شاشته مغلقة لكن إشعار الرسائل كان يظهر هوية مرسلها. ابتلعت ريقها باضطراب وهي تجد اسم ابن خالتها الذي زادت رسائله عن 30 رسالة. كانت تحاول جعل الهاتف صامتاً وهي تختلس النظرات نحو والدتها التي جلست بجانب شقيقتها تحاول جعلها تشرب قليلاً من الماء. تنهدت بارتياح وهي تجدها منشغلة عن سؤالها، لكن رنين الهاتف المفاجئ جعلها ترتبك وكاد الهاتف أن يسقط من يدها من شدة ارتباكها لولا تداركها الأمر. ازداد اضطرابها بعد سؤال والدتها:
_​هو مين اللي بيتصل يا «ورد»؟
تلعثم لسانها وهربت عيناها بعيداً عنها واضطرت أن تكذب عليها وتقول بتهتهة قبل أن تخرج من الغرفة كي تجيبه:
_​دا... أقصد دي «فرح» صاحبتها.
خرجت مبتعدة عن المكان وزفرت أنفاسها بارتياح بعد أن توقفت نغمة الرنين، لكن رنينه عاد ليصدح من جديد فأجابته بسرعة:
_​أيوه يا «شريف».
ليسألها بصوت ملأه القلق الذي امتزج بضيق:
_​«أحلام» فين ومبتردش على التلفون ليه؟
​أصلها تعبانة يا «شريف».
وقبل أن تكمل حديثها سألها بصوت خائف:
_​عندها إيه؟ تعبانة من إيه يا «ورد»؟
شرحت له حالتها وأغلقت الهاتف عائدة نحو غرفة شقيقتها، ولم تمر نصف ساعة حتى سمعوا جرس الباب. سبقت «ورد» العاملة نحوه لتفتحه وتتفاجأ به يقف أمامها، لفظت اسمه بتعجب:
_​«شريف»!
مد يده بكيس الدواء وقال بأنفاس لاهثة:
_​الدوا دا كويس أوي، استخدمته لما كنت تعبان هينفع «أحلام».
التقطت منه الكيس شاكرة، وكانت تخشى أن يطلب منها الدخول لكنها حمدت الله عندما قال لها:
_​عن إذنك أنا مستعجل، ابقي طمنيني عن «أحلام».
أومأت له بالموافقة وشكرته بامتنان:
_​متشكرة يا «شريف»، هطمنك إن شاء الله.
انصرف هو فأغلقت الباب خلفه وعادت إلى غرفة شقيقتها لتواجهها عين والدتها مستفسرة:
_​مين اللي كان على الباب يا «ورد»؟ وإيه الكيس اللي في إيدك؟
تلجلجت الكلمات بين شفتيها واحتارت بما تجيب حتى استجمعت قواها تلقي الإجابة دفعة واحدة:
_​«شريف» جايب دوا لـ«أحلام».
تجهم وجهها وعقدت حاجبيها تسألها بضيق:
_​وهو عرف منين إنها عيانة؟
طأطأت رأسها بارتباك تجيبها بخفوت:
_​أصل سأل عليها وقلت له إنها عيانة.
زفرت أنفاسها متأففة وكتمت غيظها، فهي لم تكن في حالة تسمح لها بالجدال.
****************************
​جاء ذلك اليوم المخصص للتجمع العائلي لتمتزج الأحاديث والضحكات كالعادة. تجمع الجميع يستمعون لحديث «فارس» و«علي» يقصون عليهم بعض ذكرياتهم. كان «حسين» يحدق بشقيقه المبتسم بدهشة، وجهه المبتهج وعيناه اللتان تومضان بشكل غريب لم يعتد عليه، لينحني نحو شقيقته الجالسة بجانبه يسألها بتعجب هامساً:
_​هو «حسن» ماله؟ شكله سعيد كدة؟
التفتت نحوه تخبره بذات الهمس، تخبره بسر سعادته:
_​شكل أهل العروسة وافقوا.
اتسعت عيناه متفاجئاً من هذا الخبر:
_​بجد! طب ألف مبروك.
عادت «مليكة» تقترب منه تخبره بذات الهمس:
_​شكلنا مستنيين الإعلان الرسمي.
مط شفتيه يرفع حاجبيه بدهشة قبل أن يعود يثبت عينيه على والديه، فلفت انتباهه كلام العيون بينهما وتلك النظرات المتبادلة بينهم وبين جدته «صفاء» التي لم تغادر البسمة شفتيها، حتى وجد والدته تقول بحماس ظهرت معه ملامح الحرج على شقيقه وشاركها ذلك الحماس نظرات والده الداعمة:
_​عندي ليكم خبر يا جماعة هيفرحكم.
اتجهت الأنظار نحوها بترقب وساد الصمت المكان، كان الجميع يريد سماع ذلك الخبر بشغف لتلقي هي عليهم الخبر بسعادة:
_​«حسن» هيخطب «سندس» بنت «راجح» بيه، و«زهرة» كلمتني النهاردة وبلغتني إنهم موافقين.
تعالت التبريكات واتسعت الابتسامات ممتزجة ببعض العتب المحبب من شقيقاتها اللاتي تولين تقديم التهاني لها يلمنها على عدم اطلاعهن بتلك الخطبة.
ووسط ذلك الضجيج كان هناك ضجيج من نوع آخر، فقد تيبست الدماء في عروقها تنظر إليهم بعين شاخصة تحاول استيعاب ما يجري. تسارعت أنفاسها تشعر بقلبها يحترق بين أضلعها وهي تبصر السعادة المتجلية على وجهه يستقبل التبريكات من الجميع بسرور ظاهر. ودت لو تستطيع الصراخ تسأله لماذا فعل بها ذلك؟ ألم يرَ حبها؟ لماذا ذهب لخطبة أخرى وهي تعشقه؟ لماذا مزق قلبها ودهس على مشاعرها بلا رحمة؟ شعرت بهواء تلك الصالة الواسعة يتلاشى والأكسجين قد نفد من رئتيها، فبدأت أنفاسها تثقل حد الاختناق. حاولت النهوض والهروب من المكان لكن أقدامها خذلتها كأنها شلت.
اقتربت منها «ورد» تطالعها بإشفاق، فعينَا «قمر» معلقتان بـ«حسن» لا تحيدان عنه كأنها تمثال ثلج. مدت يدها تلمس يدها التي شعرت ببرودتها لتناديها بقلق:
_​«قمر» أنتِ كويسة؟
لكنها لم تجب عليها، هل صمت أذناها ولم تعد تسمع سوى أنين قلبها يتلوى على نار الخذلان؟ كم تمنت أن تبتلعها الأرض الآن كي تتخلص من ذلك الألم.
وقبل أن تحاول «ورد» مناداتها من جديد، صدح صوت «صفاء» قائلة بسعادة:
_​هو أنا كمان عندي حاجة عاوزة أقولها وطلب، مش عارفة لو ممكن أطلبه هنا رغم إنه مش من الأصول يطلب هنا، لكن أنا عشمانة فيك يا «فارس» أنت و«شمس».
نظرت «شمس» نحو «فارس» بحيرة قبل أن تصوب نظرها نحو زوجة عمها التي استرسلت تخبرهم بثقة:
_​لكن بيت «حسن» هو بيتكم كلكم يا ولاد، عشان كدة أنا هعتبر إنكم في بيتكم عشان أقول طلبي اللي أتمنى إنكم مترفضهوش.
_​اتفضلي يا امرأت عمي، واللي أقدر عليه مش هتأخر.
قالها «فارس» باضطراب، وازدادت حيرتهما ينظران لها بترقب وعيناهما تتقابل باستفهام بين اللحظة والأخرى، لتخطف هي نظرة نحو حفيدها الغالي وزوجها الذي فطن طلب زوجته فابتسم يدعمها وتقول:
_​أنا عاوزة أفرح بأحفادي في يوم واحد، وبما إني اللي مربية «حسين» وبعتبره ابني، فأنا بطلب إيد «قمر» بنتك لـ«حسين» ابني.
كان يتأملها كالأبله، لا يستطيع أن يتخيل أنها تحقق له حلمه، خفق قلبه بجنون وهو ينظر لها بدهشة شاركها بها الجميع، حتى والداه اللذان كانت سعادتهما كبيرة يهتفون بلهفة:
_​إحنا نتشرف بنسبك يا «فارس» وياريت توافق.
_​أيوه يا «مشمش»، هو أنا هلاقي عروسة لابني أحسن من «قمر»؟
ألجمت الصدمة الاثنين وعيون الجميع تترصدهم كي يعلموا الإجابة، ليلتفتوا نحو صغيرتهم تلك التي كانت في حالة يرثى لها. توالت عليها الصدمات بلا رحمة؛ حبيبها يخطب غيرها، وشقيقه الذي لا تطيقه يخطبها. كادت أن تنهار لولا يد «ورد» التي ضمت كفيها تدعمها لتشعر بارتجافها وعيناها تتحرك نحو أشقائها ووالديها دون أن تلتفت تلتقط الإجابة، لتسمع والدها يقول:
_​بصراحة «حسين» دا غالي عليا، ولو اتمنيت لبنتي راجل مش هتمنى أحسن منه.
ثم التفت نحو والدتها التي أكدت كلامه وهي توزع نظرها بين شقيقتها وزوجها من جهة، وعمها وزوجته من جهة أخرى:
_​«حسين» دا ابني زيه زي «سيف» و«شريف»، وشهادتي فيه مجروحة بس هو عارف أنا بحبه قد إيه.
قالت كلمتها الأخيرة تنظر له بحب، ليبادلها هو بنظرات امتنان رافقتها ابتسامة عريضة:
_​متشكر يا خالتو.
لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً، فقد بهتت واضطرب صاحبها عندما سمع «فارس» يقول مشيراً نحو «شمس»:
_​إذا كان على رأيي أنا و«شمس» فإحنا معندناش مانع، لكن يفضل الرأي الأول والأخير لـ«قمر».
ذكر اسمها جعل الجميع يلتفت نحوها وأولهم هو، ليجدها تجلس صامتة. بلع ريقه بخوف من رفضها وخفق قلبه بفزع وهو يتخيل ماذا سيحصل لو رفضته، لكن وقبل أن تطلب «شمس» منحها مدة للتفكير، فاجأت الجميع بما جعل الدهشة ترتسم على وجوههم، والصدمة الأكبر كانت من نصيب «ورد» الجالسة بجانبها وهي تسمعها تقول بجمود:
_​أنا موافقة.

تعليقات



<>