رواية عشقت مجنونة الكبدة الفصل السادس6بقلم نور محمد
المية كانت ساقعة تلج، وريحة الدخان والبارود مالية الجو. بطة كانت بتترعش على المركب الصغير، وعمها رضوان حاطط السكينة على رقبتها، ووشه نصه محروق من الانفجار، وعينيه بتطق شر شيطاني.
بطة بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تستجمع شجاعتها وقالت بصوت بيترعش بس لسانها الطويل متسابش: "إنت.. إنت ريحتك شياط يا راجل يا خرفان! ابعد السكينة دي عن رقبتي، ده أنا لسه دافعة قسط الغسالة ومفرحتش بيها! وبعدين هتاخدني رهينة فين؟ ده أنا لو بعتوني خردة مش هجيب تمن تذكرة الميكروباص!"
رضوان ضغط بالسكينة أكتر على رقبتها لحد ما جرحها جرح سطحي، وصرخ بغل: "اخرسي يا بنت الكلب! إنتي الكارت الوحيد اللي هيخرجني من البلد دي بعد ما أبوكي وشيرين هربوا في الزحمة والبوليس حاصر المكان.. هتبقي تذكرتي لبر الأمان يا بطوطة!"
بطة دمعة نزلت من عينيها وهيا بتبص على المخزن اللي بيتحرق هناك على الشط، قلبها كان مقبوض وروحها بتتسحب منها وهيا بتهمس بوجع: "سيف.. سيف مات.. الراجل الوحيد اللي حسيت معاه بالأمان راح، وأبويا طلع شيطان.. يارب خدني وريحني بقى!"
رضوان ضحك بشماتة ولسه بيلف عشان يشغل موتور المركب...
طرااااااااااش!!!
إيدين قوية جداً، طالعة من تحت مية النيل، مسكت في حافة المركب!
رضوان برّق عينيه برعب وبص لتحت. في كسر من الثانية، سيف نط جوة المركب زي الأسد الجريح. هدومه كانت مقطعة، وشه مليان رماد ودم، وكتفه بينزف بشدة، لكن عينيه كانت بتلمع بغضب يحرق بلد بحالها.
بطة صرخت بفرحة ودموعها نزلت شلالات: "سييييييييف!! عفريت سيف طلعلي تاني! ياماااا ده عايش! ياحبيبي ياخويا يا سندي!"
سيف بصلها نظرة خاطفة كلها عشق وطمأنينة، وبعدين وجه نظره لرضوان، وبصوت أجش بيرجف من التعب والغضب قال: "أنا قسماً بعزة جلال الله.. لو السكينة دي لمست شعرة منها هقطعلك إيدك اللي ماسكاها!"
رضوان شد بطة قدامه وحط السكينة على رقبتها تاني وهو بيرجع لورا وبيقول برعب: "لو قربت هقتلها! هقتلها يا سيف!"
بقلم... نور محمد
بطة لقت نفسها في موقف حياة أو موت، وفي لحظة تجلى فيها "شبح" عربية الكبدة، داست بكل قوتها بكعب جزمتها القديمة على رجل رضوان المحروقة!
رضوان صرخ بأعلى صوته وسابها غصب عنه.
سيف مضيعش ولا ثانية، هجم عليه بضربة بوكس طيرت السكينة من إيده، ومسكه من لياقة قميصه المحروق، ونزل فيه ضرب بكسر عضم وهو بيصرخ: "ده عشان أبويا! وده عشان دمرت عيلتي! وده عشان فكرت بس تلمسها!"
وفي الضربة الأخيرة، رفعه بإيديه الاتنين ورماه بكل قوته في مية النيل الضلمة، ورضوان غطس ومطلعش تاني.
سيف أخد نفسه بصعوبة، وبدأ يترنح، ووقع على ركبه على أرضية المركب وهو بيكح دم.
بطة صرخت ونزلت على ركبها قدامه، أخدت راسه في حضنها وهيا بتعيط بهستيريا، وبتمسح الدم من على وشه بإيديها اللي بتترعش: "سيف! سيف والنبي فتح عينك.. إنت كويس؟ أبوك فين؟ طلعتوا إزاي من النار دي؟"
سيف فتح عينيه بضعف، وابتسم ابتسامة باهتة وهو بيبصلها، رفع إيده السليمة ولمس خدها المبلول بالدموع وقال بصوت متقطع ودافي جداً: "أبويا.. أبويا البوليس أنقذه في آخر لحظة والرجالة طلعوه من ورا.. بس أنا مكنتش هقدر أطلع من غير ما أجيبك.. روحي كانت معاكي على المركب ده يا بطة."
بطة شهقت وحضنته جامد وهيا بتشم ريحته وسط الدم والدخان، وقالت وسط شهقاتها: "يا واد إنت بتجيب الكلام ده منين وإنت بتموت كده؟ ده أنا لو قعدت ١٠٠ سنة أبيع كبدة مش هلاقي زيك! إنت بطل.. إنت أحسن راجل في الدنيا يا سيف!"
سيف ضحك بخفة ووجع، وباس راسها وهو ساند عليها وقال بهمس رومانسي دوب كل ذرة كيانها: "عارفة.. وأنا في وسط النار جوه.. مكنتش خايف من الموت.. كنت خايف بس إني مقدرش أوفي بوعدي ليكي.. مقدرش أفتحلك المطعم اللي وعدتك بيه.. ولا أقدر ألبسك الفستان الأبيض اللي يليق بأجمل ست شافتها عيني."
بطة وشها احمر ونسيت كل المصايب اللي هما فيها، ومسكت إيده وباستها وقالت برقة: "أنا مش عايزة مطاعم ولا فساتين.. أنا عايزاك إنت.. نعيش في أوضة على السطوح وناكل دقة، بس تفضل في حضني ومتبعدش عني أبداً."
كانت لحظة من أجمل لحظات العشق وسط الخراب والدمار، سيف قفل عينيه واستسلم لتعب ونزيف كتفه، وبطة فضلت ضماه وهيا بتدعي ربنا ينجيه.
المركب فضل يمشي بيهم في النيل لحد ما وصلوا لبر أمان، حتة ضلمة على الشط، مفهاش غير كشاف نور واحد ضعيف.
بطة سحبت سيف بالعافية ونزلوا على الشط، وهيا بتنهج وبتبص حواليها: "الحمد لله.. إحنا وصلنا.. سيف فتح عينك، أنا هروح أدور على إسعاف أو عربية شرطة!"
ولسه بطة هتقوم تقف...
فجــــــــــــأة!!
صوت سقفة بطيئة وباردة جاية من الضلمة!
بطة اتجمدت في مكانها، وسيف فتح عينيه بصعوبة وحاول يرفع راسه.
من تحت كشاف النور الضعيف، ظهر راجل لابس بالطو أسود طويل، ماسك سيجار غالي، وبيمشي بخطوات واثقة ومستفزة.
الراجل ده مكنش عمها رضوان... ومكنش محمود أبوها!
الراجل وقف قدامهم، وابتسم ابتسامة شيطانية، ورمى السيجار على الأرض وداس عليه ببرود.
بطة برقت عينيها بصدمة مرعبة، حطت إيدها على بوقها وصرخت صرخة مكتومة، وسيف همس بصوت مشلول من الصدمة:
"اللـــــــــواء؟!! سيادة اللواء؟!!"
أيوة! اللواء اللي اقتحم المخزن لإنقاذهم، واللي المفروض إنه رئيس سيف في الشغل!
اللواء طلع مسدس كاتم للصوت، ووجهه على راس سيف وهو بيضحك بسخرية وقال:
"عفارم عليك يا سيف.. كنت ظابط ممتاز، ونفذت الخطة بتاعتي بالحرف الواحد.. جمعتلي محمود ورضوان والتمثال في مكان واحد عشان أخلص منهم كلهم بضربة واحدة.. والبوليس اللي اقتحم المخزن دول كانوا رجالتي أنا يا بطل، مش قوات خاصة ولا حاجة!"
بطة حست إن الأرض بتلف بيها.. مؤامرة جوة مؤامرة جوة خيانة!
اللواء بص لبطة وقال بدموية: "وإنتي يا حلوة.. دورك خلص لحد كده.. سلميلي على أبوكي لما تشوفيه في جهنم!"
وحط إيده على الزناد، وعينه في عين سيف اللي مش قادر يتحرك...
