
_موافقة.
كلمة ألقتها في لحظة تهور ظنت فيها أنها تداري خيبة أملها وترضي قلبها المكسور. إن كان هو اختار غيرها فهي أيضًا ستختار غيره، لكن مهلاً ماذا فعلت؟
تلك الكلمة التي قالتها في لحظة عناد كانت كغفلة غاب فيها عقلها، كانت وليدة لحظة طيش لم تحسب عواقبها. حوار دار بينها وبين نفسها قبل أن ترفع عينها وتصدمها الحقيقة.
وجدت الجميع يلتفون حوله يهنئونه بسعادة، والأدهى تلك الفرحة التي تراها على وجه عائلتها؛ والدها الذي يحتضنه بفخر ووالدتها تقبله، إخوتها يربتون على كتفه، خالاتها وأولادهم. تسارعت أنفاسها وكادت أن تتهور من جديد وتخبرهم أن يتوقفوا، لقد تراجعت، هي غبية ووافقت في لحظة استهتار منها. حركت شفاهها تحاول أن تنطق، لكن صوتها بحّ ولم تستطع أن تخرج الكلمات من صدرها، ألجمتها الحقيقة التي تغافلت عنها. تجمعت الدموع في عينها وهي تجد حبيبها يقف بجانبه يضمه بسرور.
وهبطت دموعها الهاربة حين غمرها «فارس» و«شمس» يباركان لها، كانت تشعر بشفتي والدها تلامسان خدها بحنان وصوته يخرج مرتاحًا:
_كبرتي يا روحي وبقيتي عروسة.. عروسة لأحلى عريس، «حسين» الراجل اللي كنت بتمنى يكون من نصيبك.
ضمها إليه لتسند رأسها على صدره، دفء أحضانه جعل دموعها تنساب رغمًا عنها، لكنها تداركت ذلك؛ حركت وجهها على صدره تسمح لقماش قميصه أن يمتص تلك الدموع قبل أن تفضحها.
جذبتها «شمس» تحتضنها وتبارك لها، تبعتها «هدى» التي كانت سعادتها تفوق الجميع تقبلها وتعدها أنها ستكون ابنتها منذ هذه اللحظة، تبعها الجميع حتى جاء دور «ورد» وكادت أن تنهار بين أحضانها عندما همست بجانب أذنها تعاتبها:
_عملتي كدة ليه يا مجنونة؟
لتسمع شهقتها المكتومة فتنهرها بسرعة:
_أوعي تعيطي لتفضحينا، أمسكي نفسك.
ضمتها «ورد» مدة تطلق ضحكات مزيفة تداري بها صوت أنينها الخافت حتى استطاعت «قمر» السيطرة على نفسها.
*********************
لا تعلم كيف انتهى ذلك اليوم الذي حُدد فيه يوم الخطبة، وانصرف الجميع نحو منازلهم لتجد نفسها أمام باب غرفتها. دخلت الغرفة وأغلقت الباب ولم تعد قدماها تستطيعان حملها لتسقط تفترش الأرض، تستند بظهرها على الباب وتسمح لدموعها أن تتحرر من محبسها لتنهار باكية بانتحاب. وضعت كفيها على وجهها وظلت تبكي حتى رفعت وجهها وبدأت تلطم خديها في لحظة استيعاب هستيرية:
_أنا عملت إيه؟ أنا اتجننت؟ إزاي أعمل كدة؟!
نهضت بسرعة نحو الحمام الملحق بغرفتها ووقفت أمام الحوض، فتحت الماء وبدأت تجمع الماء بيديها وتلقيه على وجهها بجنون لعل ما حدث يكون مجرد كابوس وستصحو منه. كررت فعلتها عدة مرات حتى تعبت، لتتوقف تستند بيديها على الحوض تلهث أنفاسها والماء يقطر من وجهها وملابسها. نظرت لانعكاس وجهها في المرآة، رفعت يديها تمسح وجهها بعنف وهي تردد اسمه مستنكرة:
-«حسين».. «حسين»!
تسارعت أنفاسها رافضة وهي تتذكره باشمئزاز، لتضع يدها على فمها كأنها تلطم لسانها لتعاقبه قبل أن ترفعها تردد بازدراء:
-أنا أتجوز «حسين»؟!
أما هو فقد كان على النقيض منها؛ دخل غرفته والفرحة تملؤه، خلايا جسمه ترقص باستماع. جلس على السرير وأغمض عينيه باسترخاء يحاول تذكر ما حدث منذ قليل بتعجب؛ حلمه يتحقق، أصبحت خطيبته بل ووافقت بمحض إرادتها! يتذكر تلك اللحظة بانتشاء، كم كان يود أن يهرول نحوها ويأخذها بين أحضانه ويضمها بقوة يخبرها بحبه الخفي. تنهد بعشق وأمسك هاتفه ينظر لصورتها المخزونة ليقبل شاشته عدة قبلات مرددًا:
-بحبك.. بحبك.
ثم احتضن الهاتف يتخيل أنه يحتضنها ليتأوه بهيام:
-آه.. آه.. يا «قمر» بعشقك يا حبيبتي.
توقف فجأة لتتسع عيناه في لحظة إدراك تمنى بها أن يكون استنتاجه حقيقة، ليهمس متسائلاً:
هو أنتِ ممكن تكوني بتحبيني زي ما بحبك؟
عاد ينظر إلى صورتها ويقول مبتهجًا كأنه يحاورها وعقله يصور له مشاهد من المستقبل:
-أكيد بكرة لما نتخطب ونتجوز أكيد هتعترفي ليا بحبك زي ما هعترفلك بحبي.
زفر أنفاسه العاشقة بأمل:
—إمتى آخذك في حضني وأقولك بحبك من سنين؟
**********************
وفي اليوم التالي لم تخرج من غرفتها فلم تستطع مواجهة والديها، وادعت أنها تعاني من صداع وتحتاج إلى النوم. كانت تمثل النوم عندما سمعت طرقات على الباب أعقبها فتحه وإغلاقه، لتسمع وقع خطوات تقترب منها، ثم شعرت بمن يجلس بجانبها ويهزها مناديًا:
-قومي يا «قمر» أنا عارفة إنك صاحية، يلا عاوزة أتكلم معاكي.
أزاحت الغطاء بسرعة وقالت بدهشة:
-«ورد»؟!
لتجيبها «ورد» بصوت محتقن:
—أيوه يا أختي اتعدلي خلينا نتكلم.
اعتدلت في رقودها ورفعت يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها قبل أن تضعها خلف أذنها وتقول بتوتر:
-نتكلم في إيه؟
لتجيبها «ورد» ساخطة:
-في الهباب اللي عملتيه امبارح، ممكن أعرف وافقتي على «حسين» ليه وأنتِ أصلاً مش بطيقيه؟
نظرت إلى عين «ورد» التي تحاصرها، لا تعلم بماذا تجيب حتى وجدتها تسألها بتهكم:
-عاوزة تنتقمي من «حسن»؟
حركت رأسها نافية وقالت بتيه:
-مش عارفة.
ضحكة ساخرة خرجت من فمها تردد حديثها باستنكار:
-يا سلام مش عارفة! أمال وافقتي ليه؟
هربت بعينيها بعيدًا وأجابت بصوت باكٍ:
-صدقيني مش عارفة، جايز بانتقم زي ما قلتي، بانتقم لكرامتي.
صاحت بها «ورد» تؤنبها:
-تنتقمي لكرامتك إيه؟ هو كان وعدك بحاجة ولا قالك بحبك؟ ده أصلاً ماكنش شايفك!
لتلتفت نحوها بسرعة تخبرها بحرقة وبصوت غاضب:
-بس أنا بحبه، ليه محسش بيا؟
ضربت «ورد» جانب رأسها توبخها بسخط:
-أنتِ مجنونة يا بنتي؟ ما حسش بيكِ إيه؟ أنتِ واعية يا «قمر» بتقولي إيه؟
انسابت دموعها بقهر لتطالعها «ورد» بإشفاق، زفرت نفسًا طويلاً تخرج معه غيظها منها لتحاول التخفيف من وتيرة كلامها لتسألها بهدوء:
-طب هو محسش بيكِ، «حسين» ذنبه إيه؟
لتلوح بيدها بعدم مبالاة:
-مش عارفة.
وضعت «ورد» يدها على ساعدها ثم رفعت يدها تمسك ذقنها وتعيد رأسها لتتواجه عيونهما تخبرها بتعقل:
-«قمر» الوضع حساس، أنتِ كده هتسببي مشكلة بين خالتو «شمس» وخالتو «هدى» وأنتِ عارفة علاقتهم حلوة إزاي، حتى عمو «فارس» بيعتبر أونكل «علي» أخوه. اهدي يا «قمر» وفكري أنتِ حطيتي نفسك وحطيتيهم في الموقف ده.
عضت «قمر» على شفتيها بحزن تدرك حقيقة كلامها وأغمضت عينيها لتنساب دموعها أكثر دون أن تعقب، لتكمل «ورد»:
-انسحابك دلوقتي هيعمل مشاكل أكيد.
ثم تنهدت مستاءة قبل أن تستطرد بما جعل «قمر» تنظر لها بتيه:
-و«حسين» مايستاهلش اللي بيحصل ليه.
******************************
لقد جاء ذلك اليوم الذي انتظره منذ ثلاثة أشهر؛ كان يجلس بجانب والدته وقدماه تهتزان باضطراب، لاحظته «هدى» لتدنو منه تربت على يده وتهمس مؤنبة:
-مالك يا «حسن» ما تهدى.
التفت لها نصف التفاتة قبل أن يرفع يده يمسح بمنديله الورقي حبات العرق التي تكونت على جبينه من شدة الحرج. عيناه تخطفان النظرات نحو باب الغرفة ينتظر حضورها، تحركت عيناه بنظرات مستهجنة نحو خالته الجالسة بجانب والدتها التي لم تكف عن الثرثرة منذ أن جلسوا، تنهد باستياء مغمغمًا:
-يارب يا «سندس» ماتطلعيش زي أمك بتتكلمي كتير.
سئمت «هدى» هي الأخرى من الانتظار لتسأل «زهرة» بأسلوب مؤدب:
-هو إحنا مش هنشوف العروسة يا «أم أصيل»؟
التفتت نحوها «زهرة» المندمجة في الحديث وقالت بخجل وهي تنهض واقفة:
-أيوه أكيد حالاً.
رحلت «زهرة» ليمضي وقت طويل لكنها لم تعود، طالع «حسن» ساعة يده بضجر قبل أن يزفر أنفاسه متأففًا، لتلوح ابتسامة مشاكسة على وجه «شمس» وهي تهتف تمازحه:
-الصبر حلو يا عريس، البنية بتتكسف.
شعر بالخجل وهو يرى تلك الابتسامات والإشارات المتبادلة بين والدته وخالته. ما هي سوى لحظات ليجدها تدخل تتبع والدتها باستحياء، خطواتها يبدو عليها التوتر ووالدتها تسحبها خلفها وكأنها تسحبها جبرًا، لتلقي السلام بصوت خافت بالكاد سُمع.
نهضت «هدى» تستقبلها بحب وكذلك فعلت «شمس»، انتبه لإجاباتها الخجلة. جلست بجانب والدتها مخفضة الرأس ولم تنظر حتى اتجاهه حتى إنها لم تلقِ عليه السلام. ابتسم وهو يجد بشرتها تتحول للون الأحمر عندما سمع «هدى» تطلب منهم أن يبتعدوا عنهم فاسحين لهم المجال لتتعرف هي عليه. واتسعت ابتسامته عندما وجدها تمسك بيد والدتها تنظر لها بعين متوسلة أن لا تتركها، لكن «زهرة» أزاحت يدها بقوة وأشارت لها نحو نهاية الصالة تهمس لها بما وصل إلى مسامعه:
-أنا هقعد مع خالتك «شمس» وأم «حسن» هناك، «حسن» عاوز يقولك كلمتين وخلاص، عشر دقايق وراجعة.
أتبعت حديثها بنظرة حازمة تجبرها على البقاء قبل أن تتركها وتذهب حيث أشارت.
كانت المسافة بينهما كبيرة لينهض يجلس في الكرسي القريب من الأريكة، وما إن تحرك حتى وجدها تنتفض مبتعدة تزحف بجسدها إلى نهاية الأريكة الأخرى. انفلتت ضحكة بسيطة منه على تصرفها، جلس يتأملها؛ جسدها يرتعش، يداها الموضوعتان على حجرها تدعكهما ببعضهما بقوة، شفتاها ترتعشان ارتعاشة بسيطة لتخرج لسانها تلعقهما كأنهما جفتا من شدة ارتباكها. كل هذا جعله يبتسم بانتشاء وهي بتصرفاتها تغذي فكرته أنها اختياره الصحيح، تلك الفتاة الخام التي يبحث عنها، كل شيء يوحي أنها بلا ماضٍ. لاحت على شفتيه ابتسامة انتصار ليتحمحم:
-احم.. أنا «حسن».
حافظت على صمتها ولم تجب عليه.
-إزيك يا «سندس» عاملة إيه؟
تابعت هي الصمت ليحاول مشاكساتها فيكرر نداءه:
-«سندس».. «سندس».. «سندس».
رفعت رأسها بنظرة خاطفة قبل أن تحاول خفضه ليضحك:
-الحمد لله افتكرتك مش بتسمعي.
ابتسامة خجلة ارتسمت على وجهها تجيبه بصوت خافت ورقيق:
-الحمد لله.
سماعه لصوتها جعله يبتسم، يتذكر حوارها مع قطتها ليشاکسها من جديد:
-وكمان طلع صوتك حلو، أمال حارمانا منه ليه؟
ازداد تورد وجنتيها وبدأت تضغط على يديها أكثر ليمزحها:
-مش هترفعي رأسك وتشوفي عريسك؟
استمرت في صمتها ليسترسل بمزاحه:
-يا «سندس» ارفعي رأسك ما هو دي فرصتك الأخيرة مفيش بعدها تراجع، يعني مش هتيجي بعد ما نتجوز تقولي ماشوفتكش كويس.
جملته هذه جعلت قلبها يخفق بشدة وانفرج ثغرها بابتسامة مرتبكة، لم تكن تستطيع رفع وجهها ولم تكن بحاجة لذلك فمنذ أن تقدم لخطبتها استرجعت لقاءاتهما البسيطة وطبعت صورته في عقلها. يئس من استجابتها برفع رأسها ليقول:
-يعني خلاص مافيش فايدة مش هترفعي رأسك وتبصيلي؟
تنهيدة طويلة خرجت منه ليقول لها:
_طب معندكيش سؤال عاوزة تسأليه؟ طلب عاوزة تطلبيه؟طب هو حد ضغط عليك؟ اجبرك يعني
اكتفت بهز رأسها رافضة، ورغم أنه كان يود أن يراها لكن رفضها وخجلها أسعداه ليقرر أن يحاول للمرة الأخيرة وهو يقول راجيًا:
-أنا خلاص همشي بس ممكن قبل ما أمشي أشوف عروستي؟ ممكن يا «سندس»؟
ثبت عينيه عليها وظل ينتظر استجابتها لطلبه. شعرت بالحرج لكنها خشيت أن رفضها يكون غير لائق، فهذا حقه وما جاء لأجله في هذه الجلسة. رفعت رأسها ببطء لتلتقي عيناها بعينيه، لحظة فقط تضاعفت فيها ابتسامته بسعادة لتخفضه بسرعة من جديد، وانتفض قلبها يرتعش بمشاعر تجربها للمرة الأولى وهي تسمعه يقول:
_بسم الله ما شاء الله تبارك الرحمن، قمر وأحلى من القمر.
واستطرد قائلاً بتمنٍ صادق:
-ربنا يبارك لنا ويكتب لنا الخير سوا.
قلبها دعا بما دعا به لسانه وتمنت أن يستجيب الله دعاءه.
**********************
كانوا يجلسون مندمجين مع أحد الأفلام ينتظرون خروج «طارق» من الحمام كي يتناولوا الطعام، يتناقشون في هذا الفيلم الذي لم تعجب قصته «ندى» واعتبرت أنه مجرد فيلم مفسد للأخلاق يحلل ما حرمه الله باسم الحب، رغم أنها لم تشاهد سوى مشهدين منه الآن.
-ما هو يا ماما هي دي الأفلام اللي مطلوبة في السوق يعني بالمختصر بتجيب فلوس.
هتفت بها «ورد» تفسر لوالدتها ما تعتقده، لتزجرها «ندى» بنظرة غاضبة:
-يعني أفسد جيل عشان أكسب فلوس؟ ده إيه المنطق ده؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.
ربعت «أحلام» قدميها على الأريكة وقالت توزع نظرها بين الشاشة ووالدتها:
-ماما المنتج بيفكر بالفلوس، وإلا الجيل؟ الفلوس أكيد.
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
تمتمت بها قبل أن تصرخ بالاثنتين توبخهما:
-ما أنتو السبب، أنتو لو بتقاطعوا الأفلام الهابطة دي مكانش هيكون فيه مكسب ولا فلوس ولا فساد.
لوت «أحلام» شفتها بسخط وقالت تستهجن حديثها:
_يا ماما المشاهدات بتاعته بالملايين، يعني هو إحنا الجوز اللي هنأثر؟
تبعت حديثها تشير نحو شقيقتها التي أيدت كلامها بابتسامة تلاشت تدريجيًا وهي تسمع تأنيب والدتها:
_ولو، ابدأ بنفسك أولاً، مالكم أنتو ومال ملايين المشاهدات.
_ابدأ بنفسك أولاً.. كده مس «ندى» بتدي درس.
قالها «طارق» ضاحكًا يمسح على خصلات شعره الرطبة موزعًا نظره بين الثلاثة قبل أن يجلس بجانبها، يبتسم على ضيقها من تهكمه ليحاول مراضاتها:
_مزعلينك في إيه البنات دول؟ وأنا أملص لك ودانهم يا حبيبتي.
ضيقت عينيها واضعة يدها على ذقنها تجيبه باستنكار تستهزئ من تهكمه:
_لا أنا كنت بس بديهم درس.
انفجر ضاحكًا يرفع يده يضمها رغم تمنعها، حتى توقف يمسح دموعه من شدة الضحك يخبرها من بين ضحكاته:
_طب ما تديني أنا كمان يا «ندوش» درس معاهم.
زفرت أنفاسها بضيق بعد أن استفزتها ضحكاته وقالت بحنق وهي تحاول النهوض:
_لا أنا أقوم أحضر العشا أحسن.
جذبها نحوه يمنعها ثم غمز لصغيرتيه وصرخ بانفعال مزيف:
_قوموا يا بنات حضروا العشا، اتحركوا!
كتمت الفتيات ضحكاتهما وهما تنهضان تمتثلان لطلب والدهما الذي التفت نحوها بعد أن غادرتا يقبل رأسها:
_هو الجميل زعل مني ولا إيه؟
ابتعدت ونظرت له نظرة جانبية معترضة قبل أن تقول له معاتبة:
_كده يا «طارق»؟ ده بدل ما نتعاون أنا وأنت عشان نحميهم من البلاوي والفتن اللي محاوطاهم.
ضمها من جديد وقال معتذرًا:
_عندك حق أنا آسف، بس معلش يا «ندى» أنا سايبلك المهمة دي وأنتِ قدها وقدود يامس.
أنهى حديثه يربت على ذراعها ليزداد حنقها منه وتنهض بسرعة تمتمت بغيظ:
_لا أنا أسيبك قبل ما أنفجر.
ارتفعت ضحكاته وعيناه تتابعانها وهي تنهض مبتعدة، وقبل أن تصل إلى المطبخ صدح صوت جرس الباب لتغير طريقها متجهة نحوه. فتحت الباب لتتسع عيناها وظلت متسمرة للحظات تتأمل الواقف أمامها كأنه حلم، حتى اقترب هو منها يهتف بشوق:
_وحشتيني يا ماما.
صوته أكد لها وجوده لتشهق وتنساب دموعها تصرخ باسمه متلهفة:
_«زياد»!
احتضنها يقبل رأسها عدة قبلات وضمته بقوة تستنشق قربه تردد عبارات الشوق له:
_وحشتني يا قلب وروح أمك.
أبعدها عن أحضانه يقبل يديها بعين باكية وبلهفة مماثلة، لكنها جذبته من جديد نحو أحضانها تعتصره تود لو تحبسه بين ثنايا قلبها فلا يبتعد عنها مرة أخرى:
_الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
صراخها باسمه جعل «طارق» يهرول نحوهم، ولم يكن شوقه بأقل من شوق والدته، كان يطالع المشهد بعين دامعة وفخر والد بولده. ابتعد «زياد» عن أحضان والدته لينتبه إلى وقوف والده خلفها، ليبتعد عنها رغم تمسكه بها كأنه طفل صغير، لكن شوقه لوالده دفعه نحو أحضانه. احتضنه «طارق» بتوق كبير:
_الحمد لله على السلامة يا غالي.
_الله يسلمك يا بابا.
خرج من أحضانه يمسح دموعه ليربت «طارق» على كتفه قبل أن تندفع نحو شقيقاته يستقبلنه بشوق. وما إن انتهى من استقبالهم حتى سحبته «ندى» التي لم تتوقف دموعها نحوها، تمسح على وجهه وكتفه كأنها تتفقده تسأله بصوت مختنق:
_الحمد لله على السلامة يا حبيبي، أنت كويس؟
عاد يضمها ويقبل رأسها من جديد يطمئنها:
_حبيبتي والله أنا كويس.
وصلة من الضحك والمحادثات أخذتهم حتى استأذن منهم ليأخذ حمامًا قبل أن يتناول العشاء معهم. وبعد مضي فترة من الوقت جلس الجميع على مائدة الطعام لتبدأ «ندى» بوضع الطعام أمامه رغم اعتراضه على الكمية، لكنها لم تستمع إليه بل بدأت بإطعامه بنفسها:
_كل يا حبيبي شكلك هفتان وأكيد طبخ أمك وحشك.
ليجيبها والطعام يملأ فمه بالكاد يستطيع مضغ اللقمة لتدس أخرى مكانها:
_وحشني أوي.. أوي يا ماما تسلم إيدك.
كان «طارق» يراقبهم مبتسمًا ليحاول مشاكساتها وهو يدعي الضيق ويقول بتهكم:
_أيوه حبيب القلب شرف يبقى «طارق» يتركن على الرف.
حنقه المزيف جعلها تلتفت إليه تستهجن حديثه وتعاتبه:
_أنا يا «طارق» أركنك على الرف؟
وقبل أن تكمل عتابها سبقها هو مشيرًا نحو الطبق الفارغ أمامه يقول بحدة مصطنعة:
_بصي يا «ندى» لطبقي وأنتِ تعرفي، ده أنتِ كنتِ بتمليلي الطبق قبل ما تحطي لقمة في بقك!
عينها التي طالعته بأسف، فلهفتها على صغيرها وفرحتها بوجوده أنستها الجميع، لتلتقط الطبق تملأه وتضعه أمامه معتذرة:
_معلش يا حبيبي حقك عليا.
أومأ برأسه متقبلاً اعتذارها لكنه أراد أن يمازحها فغمز لها:
_بس أنا محدش أكلني.
أصابها حديثه بالحرج لتلتفت وعيناها تتنقلان بين أولادها الذين يكتمون ضحكاتهم، وعادت بعينيها نحوه متعجبة من جرأته أمامهم. عضت على شفتها السفلية كنوع من التنبيه، لكنه عاد يغمز لها من جديد لتبتسم وتلتقط الطعام تطعمه كما طلب.
وعادت تتناول هي طعامها قبل أن تعترض وهي تسمعه يخبر ولده بعد أسئلة عديدة عن دراسته وشهادته التي حصل عليها في تعامله مع أجهزة وتقنيات حديثة في علاج وتجميل الأسنان:
_خلاص إحنا ناخد الشقة اللي قدام عيادتي ونفتحها عيادة ليك، أهو كدة نكون قريبين من بعض وهشوف مهندس ديكور يشطبها قبل ما الأجهزة توصل من برة.
_وجوازه يا «طارق»؟ هو إحنا مش اتفقنا إنه يتجوز أول ما يرجع؟
هتفت بها بامتعاض قوبل باستنكار من «طارق»:
_«ندى» خلي الولد يفتح عيادته وحكاية الجواز خليها بعدها.
زاد اعتراضها فحاولت إقناعه:
_وماله يا «طارق» لو مهندس الديكور اشتغل العيادة والجناح بتاعه في نفس الوقت؟
_وليه الصربعة دي؟ يعني هو الجواز هيطير؟
وضعت كفها على يده الموضوعة على الطاولة تسأله برجاء، تنقل بصرها بين ولدها الذي بانت على قسماته علامات الخجل:
_وحياتي يا «طارق» عاوزة أفرح بيه.
تنهد «طارق» بيأس، يعلم مدى أهمية هذا الموضوع بالنسبة لها، لينظر نحو ولده عساه يكون هو المخرج من إلحاحها ليشير نحوه:
_طب أنت إيه رأيك يا «زياد»؟
لكن «زياد» لم يكن ليخيب ظنه عندما قال ببرود:
_اللي تشوفوه يا بابا.
وبعد أن سمعت جوابه عادت عيناها تتوسله ليزفر نفسًا طويلاً ويحرك رأسه بقلة حيلة متمتمًا:
_خلاص يا ستي اللي تشوفوه.
كده إحنا محتاجين فساتين جديدة عشان _هيكون عندنا أكتر من عريس.
قالتها «أحلام» وهي تصفق بحماس، لتصيب الدهشة «زياد» فسألها مستفسرًا:
_ليه؟ هو فيه عريس تاني؟
أيوه «حسن» ابن خالتك «هدى» خطب.
أجابته «ندى» لتتسع ابتسامته وهو يلومهم:
_من إمتى؟ وليه محدش قالي؟
يا بني وهو أنت كنت بتكلم حد؟ ده أنت من أسبوعين وأنت مش بتتكلم يدوبك السلام عليكم أنا بخير مع السلامة.
أومأ لها يوافقها حديثها ويقول:
_عندك حق ما هو الامتحانات كانت واخدة كل وقتي، بس «حسين» ليه متصلش بيا وبلغني؟
ليضحك شقيقتاه وتقول «أحلام»:
_سيب «حسين» ده مشغول هو كمان بخطوبته.
زادت دهشته وقال يقطب حاجبيه متعجبًا:
_بجد! وما قالش ليه؟ ده هما أسبوعين اللي متكلمتش فيها معاكم ألاقي العيلة كلها مخطوبة! طب بس أما أشوفه الخاين ده.. طب وخطب مين؟
لتجيبه «ورد» قبل أن تدس اللقمة في فمها:
_«قمر» بنت خالتو «شمس».
تجمد جسده يحاول استيعاب ما سمعه، لا لا عقله يرفض تقبل الفكرة إلا هي، حبيبته التي قرر أن يخبر والدته عنها اليوم، حلم طفولته وصباه تضيع وتذهب لأعز أصدقائه! احترق فؤاده وتحشرج صوته بين ثنايا صدره يحاول السيطرة على نفسه قبل أن ينهار أمامهم. أفلت الملعقة لينهض ويقول بتلعثم:
_الحمد لله.
اعترضت «ندى» على إنهائه طعامه لتمسك يده تمنعه:
_على فين يا حبيبي؟ أنت ما أكلتش حاجة.
سحب يده من بين يديها برفق وقال بتوتر:
_معلش تعبان وعاوز أنام.
غادر المكان وأعين عائلته تتبعه. وصل غرفته ليدخلها بجسد أنهكته الحسرة وخيبة الأمل. جلس على سريره، أحنى رأسه واضعه بين يديه، لا يستطيع أن يصدق ما يحصل. زفر أنفاسه لعله يستطيع إطفاء تلك النار المشتعلة داخله. قلبه يعتصره من شدة الآلام وهو يرى أحلامه تحترق كما يحترق صدره بين أضلعه. رفع رأسه يلتفت نحو حقيبة سفره الموضوعة على السرير ليمد يده يفتح سحابها ويخرج تلك العلبة المخملية من داخلها. فتحها لينظر بسخرية حزينة إلى خاتم الخطبة الذي انتقاه من أجلها، وشرد بتفكيره وهو يتخيلها برفقة صاحبه؛ مجرد الخيال أصابه بالانهيار، إذاً كيف سيتحمل رؤيتها بين أحضان غيره؟
نظر إلى تلك العلبة المخملية القابعة بين يديه بحسرة ليقبض عليها بأنامله بقوة كأنه يقبض على قلبه، يخرس أنينه يرتجف كطائر ذبيح يتمنى الموت ليتخلص من هذا الألم. كم ود لو يستطيع الصراخ بكل قوته يخرج تلك النار التي تحرق قلبه بندم.
_غبي.. غبي! هكذا نعت نفسه يشتمها، لماذا لم يخبر والدته التي وعدها بأن يتزوج ما أن يعود، فتنتظر عودته بفارغ الصبر كي تحقق حلمًا لطالما تمنته تكرره عليه كل يوم برجاء. عاد يشتم نفسه:
غبي.. غبي ليه ماقلتلهاش على اسمها بدل ما أرجع ألاقيها مخطوبة؟ ومن مين؟ من أعز صحابي!
تأوه بكسرة يضرب بقبضة يده على قلبه يندب بالدموع حبه الضائع:
آه.. آه.. يا حب عمري اللي ضاع.
وفي وقت لاحق كان لا يزال متمددًا على سريره، لم يستطع حساب تلك الساعات التي قضاها شارد الذهن يتذكر كيف كان يخطط لإخبارها وكيف كان سيكون شكل بيتهما وماذا يود تسمية أولادهما، وكيف أن كل شيء تبخر في لحظات. ليعود لجلد نفسه من جديد يلومها على عدم اتخاذ تلك الخطوة بعد التخرج وإصراره على تطوير ذاته ليسبقه ابن خالته لها. لماذا لم ينسَ كل شيء ويخطبها أولاً؟ لماذا لم يخبرها بمشاعره وأثر الإفصاح عنها عن وجود رباط رسمي؟
أسئلة كثيرة وصراع عقيم بينه وبين ذاته، وما بين «لماذا» و«لو» كانت تتقاذفه الأفكار وتنهكه. توسل عينيه أن تنام لعله يتخلص من ذلك الصراع المقيت وينسى الحزن الجاثم على صدره، لكن حتى النوم سُلب منه ليسمع فجأة طرقات على الباب، ضربات كانت تشابه عزفًا لنغمة شعبية. اضطربت ضربات قلبه وخشي أن يكون هو من يقف خلف الباب، وتمنى أن لا يصدق حدسه، ولكن قبل أن يكمل تلك الأمنية صدح صوته مناديًا:
_اصحى يا «أبو طارق» اصحى يا بني، «حسين الجوهري» وصل! يعني الفرفشة يعني الخروجات يعني مفيش نوم.
أغمض عينيه يعتصرهما وقلبه يسأله كيف سيواجهه. نهض بإرهاق يخطو خطواته بثقل حتى وصل الباب وحمد الله أنه أقفله. مد يده يلمس المقبض، وقف لحظات يتأمل الباب الذي يفصل بينهما ويتذكر كيف كانا كشخص واحد، لكن اليوم ليس الباب فقط من يقف بينهما، أصبحت هي الحاجز الذي سيبعده عن صديقه. تمزق قلبه وهو يسمع صوته المتلهف يناديه:
_يا بني اصحى بقى إيدي تعبت.
تحلى بأقصى درجات الثبات ورفع يده يشعث شعره وأخذ نفسًا عميقًا وزفره بقوة قبل أن يفتح الباب يغمض عينًا ويفتح أخرى يتصنع النوم وبصوت مثل فيه النعاس وافتعل فيه الفكاهة قال متذمراً:
_يا بني إيه الغاغة اللي أنت عاملها دي؟
_«زياد»!
صاح بها «حسين» قبل أن يندفع نحوه يحتضنه بقوة يميل بجسديهما يميناً ويساراً هاتفا بشوق:
_ألف حمد لله على السلامة وحشتني.. وحشتني يا صاحبي.
اعتصره قلبه وارتجفت أوصاله ويد «حسين» تتحرك على ظهره. تماسك حتى لا ينهار ورفع يده التي كانت مترددة يبادله العناق، يرمي حزنه أمام شوقه لصديقه وينسى في هذه اللحظة أنه غريمه:
_الله يسلمك يا «حسين»، أنت كمان وحشتني يا صاحبي.
خرج من أحضانه ليلكمه على كتفه بقوة يعاتبه:
_اسكت يلا، أوعى تكون عاوز تنسيني خيانتك.
أغمض إحدى عينيه يدعك كتفه متأوهاً يسأله بضيق:
_خاين إيه يا حيوان؟ حد يضرب حد كده؟
ليلكمه مرة أخرى وهو يقول بغضب:
_أنا ولا أنت الحيوان؟ تخطب من غير ما أعرف؟!
ليشرق وجهه بابتسامة ويرفع يداه يمسح على كتفيه ويقول بغضب مصطنع:
_يا سلام! وهو أنت كنت بترد؟ أنا رنيت عليك كام مرة وأنت مديني طناش.
رفع حاجبيه يجيبه باقتناع:
_عندك حق كنت مشغول شوية مع الامتحانات.
جاهد ليبتسم ويبتلع غصة مرة ويتحامل على حزنه فتخرج كلماته مجبرة:
_ألف مبروك يا صاحبي.
بادله العناق بسعادة:
_الله يبارك فيك عقبالك.
تلعثم صوته وامتزج بجدية مزيفة:
_إن شاء الله.
*********"" "" *************
وقفت أمام مرآتها تلتقط أحمر شفاه يتناسب مع عمرها ويتناسق مع فستانها الذي انتقته رقيقاً وبسيطاً يليق بوالدة العروس. رفعت أحمر الشفاه تطلي شفتيها فتعض عليها لتمتزج ألوانه معها، ثم رفعت إصبعها ترتبه. عندها لمحت صورته المنعكسة على المرآة يتأملها بعشق فاضت به عيناه، لتبتسم وهي تجده يقترب حتى أصبح خلفها. طوق خصرها بيديه وانحنى يقبل كتفها قبل أن يسند ذقنه عليه يخبرها بهيام:
-كل ما بتكبري بتحلوي أكتر.
أنا حلوة من زمان يا «ابن الجوهري».
هتفت بها معترضة قبل أن تضع أحمر الشفاه على الطاولة وتستدير لتواجهه، حافظ هو على أسرها بين ذراعيه لتضرب صدره بخفة بيدها تعاتبه:
-يعني زمان ماكنتش حلوة يا باشا؟
ليجيبها بسرعة ترافق إجابته قبلة على جبينها:
-كنتِ قمر.
انحنت نحو الأمام تقبل وجنته ثم ابتعدت لتنظر إلى عينيه بعمق تبادله كلمات غزله:
-حبك هو اللي بيحليني يا نور عيني.
ثم أردفت وهي تمسح أثر أحمر الشفاه عن وجنته برفق:
-ألف مبروك يا «أبو الولاد».
تجعدت ملامح وجهه متذمراً بعبوس يلومها مازحاً يضرب جبهته بجبهتها:
-إيه «أبو الولاد» دي؟ أنا حبيبك قبل وأهم من كل حاجة.
قهقهت ضاحكة تحيط عنقه بذراعيها وتعتذر بدلال:
-ولا تزعل، ألف مبروك يا حبيبي.. تعرف يا «فارس» مش مصدقة إن النهاردة خطوبة بنتنا، أنا فرحانة أوي.
تنهيدة طويلة خرجت منه حملت عبئاً مخزوناً بين ثنايا صدره، تعجبت هي منها لتحرك كفيها تمسح على كتفيه بقلق استشعرته خلاياه من حنان لمساتها، ليخبرها بمخاوفه:
-صدقيني يا «شمس» لولا إن العريس هو «حسين» عمري ما كنت هوافق إني أجوز «قمر» دلوقتي.
كلماته قرأت حقيقة دُفنت داخلها هي أيضاً كأنها تشاركه الهواجس ذاتها لتؤيده:
-عندك حق، بس «حسين» هيحافظ عليها إن شاء الله.
ليحرك رأسه بثقة يوافقها الرأي:
-«حسين» شاب ممتاز وطموح.
-وبيحبها.
كلمة قذفتها بعفوية جعلت عينيه تتسعان بحنق أربكها، حين شعرت بيديه تضغطان على جسدها ووجهه يتجهم بغضب، حتى إنها ندمت على البوح بها لتتدارك حديثها وتقول مفسرة في محاولة لامتصاص غضبه:
-أنا اللي حاسة بكدة يا «فارس»، ده مجرد إحساس لما شفت فرحته بعد موافقة «قمر».
تراخت ملامحه الغاضبة وتمتم يدعو لهما:
-ربنا يسعدهم.
**********************
على الجانب الآخر كانت «قمر»؛ كانت كالجسد بلا روح، تتحرك كالمغيبة. فستان بلون اللؤلؤ زينته قطع الكريستال والدانتيل غطى جسدها، اختاره والدها كهدية لها في هذا اليوم. مررت يدها عليه تتلمسه لتصطدم يدها بأحجاره ونقوشه، تخدش قلبها قبل أصابعها، فلم يكن فستاناً لخطبتها بل كان زياً لإعدام روحها التي سترتبط بذلك السمج، لا تطيق الحديث معه فكيف ستعيش معه حياة؟
نظرت إلى مرآتها تبصر عينيها التي أخفت احمرار جفنيها بمساحيق التجميل وشحوب وجهها الذي غطته بطبقات من اللون الوردي الزائف. لم تذق طعم النوم الهانئ منذ ثلاثة أيام، ولم تتوقف عينها عن البكاء تسأل نفسها: أي مصيبة أوقعت نفسها بها؟ خفق قلبها بحرقة، فلم تخطُ هي بعد جرح شقيقها لتصنع هي لنفسها جرحاً أعمق بارتباطها به. طأطأت رأسها بخزي على ما صنعته بنفسها. ساعة منبهها التي رنت فجأة أوقفتها في دوامة أفكارها كصاعقة، وكان ذلك الصوت رن في عقلها. نظرت إلى ساعة يدها لتجد أن حفلة خطبتها قد اقتربت. رفعت رأسها تنظر إلى نفسها بتمعن لتتسارع أنفاسها باضطراب مع اقتراب وقوع تلك المصيبة، تهمس بإصرار تحاول إصلاح ذلك الخطأ:
-لازم أتصرف، لازم أبلغ بابا إني غيرت رأيي.. أنا مش موافقة أتخطب لـ «حسين».