رواية فرصة ثانية الفصل السابع7بقلم ملك عبد الله احمد


رواية فرصة ثانية الفصل السابع7بقلم ملك عبد  الله احمد


كنتوا فين؟!!!

_نـهـلـة! أنـا وأنتِ... 

_أحم هو فين جوزك يا ست نهلة؟ معلش خرجنا أنا وهنا عشان كنت عامل لكِ مفاجأة، وهنا كانت بتساعدني.
 ها، فين أحمد روحي نادي عليه، محتاجه.

بصتلنا شوية بهدوء وبعدين مشيت.

_لكن أنا فضلت واقفة أبصلها بعين تانية
عين شايفة فيها شخص غير اللي اتعودت عليه.
هي نفس الملامح…
الملامح اللي شوفتها مرة واحدة في الحقيقة،
وآلاف المرات في صورة قديمة.

_نهلة متعرفش حاجة ولا حتى إن أمها كانت متجوزة قبل كده وعندها بنت هي بعيدة عن كل ده.

"بصيتله بنرفزة…
وأنا أصلاً كنت بتحمّل فوق طاقتي خلاص" 

_والمطلوب؟!!

_ أنا مش طالب حاجة بس على الأقل متكسريش فرحتها.

_وإنها تعرف إني أكون أختها هيكسر فرحتها؟!

_مش قصدي كده أكيد بس هتبقى صدمة ليها، ومحتاجة تمهيد وفهم والوقت مش وقته.

"ابتسمت بسخرية، وقلبي بيتكسر جوايا" 
_عندك حق الوقت مش وقته.
لكن عادي يتكسر قلبي أنا من غير حتى ما تمهدلي.

_هنا…

_أستاذة هنا لو سمحت كفاية لحد كده.

لفّيت و رجعت أمشي من تاني…
خرجت من نفس الباب بس المرة دي كنت ماشية بهدوء غريب كل خطوة كنت باخدها كنت براجع فيها حساباتي مع الحياة بسأل نفسي
هو ليه كل ده بيحصل؟
ليه الدنيا قاسية بالشكل ده
وليه الوجع فيها دايمًا بييجي من أقرب الناس؟

"مشيتُ كالتائه في طريقٍ لم يحلم يومًا أن يكون مساره،
طريقٍ غريبٍ عن قلبي… كأنني أُدفع إليه دفعًا
من الأماكن التي ظننتها يومًا مأمنًا لقلبي" 

روحت بيتي وحاولت أعيش يومي بشكل طبيعي، كإنه ما حصلش أي حاجة.
كإن اللي فات كله عدى كده وعدّى معاه الإحساس.
فضلت ألف في البيت من غير هدف،
أدخل أوضة وأطلع منها، وأروح للتانية وأنا مش عارفة أنا رايحة فين ولا بدوّر على إيه.
البيت ساكت وسكونه تقيل على قلبي،
وأفكاري بتجري جوا دماغي من غير ما توقف.
مسكت موبايلي لحظة، بصيت للشاشة شوية
وبعدها قفلته تمامًا، كإني بقفل باب بيني وبين الدنيا كلها.
ماكانش عندي طاقة أكلم حد،
ولا أرد على سؤال،
ولا حتى أسمع كلمة مواساة.
كنت محتاجة بس أبقى لوحدي شوية
منفصلة عن العالم كله،
وسايبة نفسي تايهة وسط الصمت اللي مالي قلبي.

لكن فجأة…
مرّ قدام عيني شريط طويل من الذكريات شريط تقيل، موجع، من أول يوم فهمت فيه أنا مين.
يومها بس أدركت إني كنت طفلة اتسابت في أول الطريق
طفلة لسه بتتعلم تمشي في الدنيا، لكن الدنيا سبقتها بالقسوة.
طفلة كان المفروض تتدلّع لكن اتقسى عليها.
طفلة كان المفروض تتحضن لكن اتخذلت.
اتخذلت من حب ومن حنية ومن أم ومن أمان ومن أب كان المفروض يكون السند.
آه… لو كانوا معايا.
لو كنت عشت زي أي طفل محتاج بس شوية مشاعر من أهله حضن صغير يلمّ قلبي، وكلمة دافية تمسح مرارة الأيام.
حضن واحد كان ممكن يكفي خذلان سنين.
وحنية بسيطة كانت ممكن تداوي مرارة الفقد اللي كبرت جوايا بدري.
بس بدل ده كله كبرت وأنا بتعلم إزاي أداوي نفسي لوحدي،
وأخبّي وجعي،
وأعيش بوش عادي وقلب مكسور.
وساعتها سألت نفسي
أنا الوحشة؟ ولا هما؟
أنا السيئة؟
أنا الظالمة؟
أنا الجاني؟
ولا أنا… الضحية؟
طب لو أنا ضحية فعلًا ليه اتكسرت بالشكل ده؟
ليه اتوجعت للدرجة دي؟
ليه كل حاجة في حياتي سابت علامة وجع؟
يمكن أنا إنسانة عادية بس يمكن نصيبي كان إني أعيش
وقلبي مليان جروح.
جروح محدش شافها ولا حد حس بمرارتها.
جروح خلتني أكبر بدري… بدري أوي
لدرجة إني بقيت ساعات أبص لنفسي وأسأل
أنا أصلًا كنت طفلة في يوم من الأيام…
ولا اتولدت موجوعة كده من البداية؟

فوقت على خبطٍ متواصل على الباب…
فضلت مكاني ساكتة، متحركتش ولا خطوة
على اعتقاد إن أكيد نهلة أو جاسر محدش غيرهم ممكن ييجيلي في الوقت ده.

لكنّي مكنتش حابة أشوفهم.
مش قادرة أتخيل إنهم عاشوا مع أمي الوقت اللي كان المفروض أعيشه أنا…
مش قادرة أستوعب إن ييجي اليوم اللي أشوف فيه البنت اللي أمي سابتني مرمية وراحت اتجوزت وخلفت
وبقت هي اللي بتعيش كل اللي أنا كنت بحلم بيه.
حضن…
بيت…
أم…
وحياة عادية كنت بطلبها بس.
الخبط زاد أقوى وأسرع كأنه بيطالبني أفتح غصب عني.
قومت بتكاسل خطواتي تقيلة مدّيت إيدي وفتحت الباب
لكن اتجمدت مكاني.
اتذهلت من اللي واقفين قدامي
عيني وسعت، وملامحي اتصلبت من الصدمة،
ولا كلمة قدرت تطلع مني.
ثواني عدّت تقيلة لحد ما الصوت قطع صمتي:
_مش هتدخلينا يا هنا؟!

رمشت كذا مرة كأني بحاول أتأكد إني مش بحلم
وبصوت متلخبط خرج مني السؤال:
_إنتوا… هِنا إزاي؟!

_خالك كان عايز يشوفك وهناك محدش كان عارف بيتك.
بس أنا كنت عارفة.
مكنتش هقدر أقول قدامهم، لكن اتصرفت وقولتله وجينا.

رفعت عيني لها بعدم فهم، والكلمات خرجت مني متلخبطة بين غضب واستغراب:
_أنا مش فاهمة إنتوا عايزين مني إيه؟ وجايين هنا ليه؟

بصتلي لحظة وبصت وراها، قبل ما تقول بهدوء متردد:
_ممكن ندخل؟

وقفت ثانية…
ثانية طويلة، كأنها واقفة بين بابين
باب أقفله وأقفل معاه كل حاجة،
وباب أفتحه ويمكن يغير كل اللي فاكرة إني فهمته.
من غير ما أفكر كتير فتحت الباب أكتر، واتنحّيت على جنب.
دخلوا.
مش عارفة ليه عملت كده يمكن لأن في صوت جوايا خافت، ضعيف
كان بيهمسلي اسمعي يمكن فيه حاجة هتغير كل مفاهيمك.

قعدوا قدامي والسكون كان شاغل المكان
كسرت الصمت وأنا واقفة قصادهم، وقلت ببرود حاولت أخبيه ورا هدوئي لكن جوايا كان في ألف سؤال بيصرخوا في وقت واحد: 
_نعم؟!

_مش فاكرني يا هنا؟

بصيتله بهدوء هدوء كان شكله ساكن لكن جواه عاصفة.
وقُلت:
_فاكراك يا خالي بس السؤال الأهم فاكرني أنت يا خالي؟

اتنهد وبص للأرض لحظة، كأنه بيدوّر على كلام يلم شتات سنين فاتت.
_فاكرك وعارف إني قصرت معاكي كتير.
لكن وأنا بحاول معاكي وإنتِ صغيرة، كنت بحاول مع أمك تاخدك لو كانت بس بتميل شوية
أهل أبوكي مكنوش بيرضوا وهي مكنتش بتحاول أصلاً.
وأنا مكنش ينفع أخدك بوجود أبوكي وأمك وأهل أبوكي.
ولما كبرتي حاولت أقرب منك لكن إنتِ كنتِ بترفضيني.
فاستودعتك عند ربنا قولت يا رب احميها، وخلي أهل والدها يكونوا كويسين معاها لكن من اللي شايفه دلوقتي لأ._

اتحركت بهدوء وقعدت قصاده بصيتله بعينين هادية عكس النار اللي كانت بتاكلني من جوا.
وقُلت:
_عارف إمتى أعاتب حضرتك؟
وأثور عليك وأحس إنك خذلتني؟
لما تكون أنت الوحيد اللي اتخليت عني في عز وجعي وقهرتي.
لكن أنا مقدرش أعاتبك واللي جابوني على الدنيا خذلوني هعاتبك إنك محاولتش عشاني؟ وأمي وأبويا عايشين
وهما اللي راميني؟!!_

سكتنا لحظة وبعدين قال بهدوء:
_مامتك يا هنا كانت شخصية هوائية اعتمادية.
مكنتش مؤهلة للجواز أصلاً، لكن أصرت على أبوكي.
كانوا عيال طايشة مش فاهمين حاجة.
وكل واحد فيهم كان مختلف عن التاني في كل حاجة.
لكن لما هددونا اضطرينا نوافق.
والنتيجة كانت مؤسفة علينا كلنا لكن ما باليد حيلة.

رفعت عيني بسرعة وقلت بحدة:
_حضرتك شايف إن ده مبرر؟!!

هز راسه وقال:
_لأ أكيد لأ.
أنا بقولك ده عشان تفهمي حاجة.
رغم شخصية أمك وأبوكي ربنا كان ليه حكمة إنهم يتجمعوا عشان تيجي أنتِ.
لو ربنا شايف إن ملكيش فايدة في الدنيا مكنش خلقك أصلاً.
في آلاف الأطفال بتموت وهي لسه أجنة في بطن أمهاتها
أو أول ما يتولدوا أو وهم صغيرين.
عشان رسالتهم خلصت لهِنا لكن معنى إنك موجودة لحد دلوقتي يبقى لسه رسالتك متقضتش.
يبقى لسه حكمتك في وجودك موجودة.
وبصلي بعين فيها شفقة وقال:
_لو الأهل والقرايب والصحاب والأحباب خذلوكي ازعلي
وعيطي واقفلي على نفسك واهربي من العالم.
لكن يوم واحد بس يا هنا عشان هما ميستاهلوش حزنك.
الوجع يستاهل لكن هما لأ اللي وجعك ميلزمكيش حتى لو كان مين.
وبصلي بنبرة هادية وقال:
﴿يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم﴾
_مش زيه لأ أحسن منه.
مفيش حاجة اسمها إن الفرصة، أو الشخص، أو الحلم اللي ضاع هو الوحيد اللي مفيش بعده تاني.
رب المرة اللي ضاعت هو نفسه رب المرات اللي جاية.
_كل أمر ربنا خير وكل عوضه جميل.
رب الخير لا يأتي إلا بالخير. 

معرفتش أمسك نفسي الدموع نزلت غصب عني.
كنت ببكي وجوايا سؤال واحد بيوجع أكتر من أي حاجة
هل كان ممكن حياتي تبقى أحسن لو كنت معاه؟
يمكن عيلة أمي كانت كويسة بس أنا…
أنا اللي كنت برفضهم وببعد عنهم.
مسحت دموعي بسرعة وبصيتله وقلت بصوت مكسور:
_طب ليه
ليه محاولتش معايا ألف مرة؟
حضرتك عارف أنا تعبت قد إيه؟
عارف إيه اللي حصلي؟
أنا كنت بموت والله.
كنت بتكسر كل يوم وبنهار لوحدي ومش بلاقي حد يقف جنبي.

_كنت بقف لوحدي وأقع وأقوم وأتكسر تاني  لحد ما طاقتي خلصت.
رفعت عيني ليه وقُلت بقهرة: 
_وبعدين أكتشف إن عندي أخت وإن أمي فضلت غيري عني وإني اتحرمت من طفولتي وغيري عاشها.

وسألته السؤال اللي كان بيحرق قلبي من سنين:
_هو أنا وحشة يا خالو؟!!

قام من مكانه بسرعة وقرب مني وقال بصوت مليان حنان:
_ إنتِ أجمل بنوتة عيني شافتها يا هنا. 

وسكت لحظة قبل ما يكمل:
_عارفة إن ربنا حرمني من نعمة الأب؟
كان نفسي يكون عندي بنت شبهك وكنت هسميها هنا.
وكان نفسي تيجي عشان تشوفيها يمكن قلبك يميل.

وبصلي بأسف واضح:
_أنا آسف يا هنا والله.
بس إنتِ كنتِ بتصدي كل الفرص اللي كنت بحاول فيها عشانك.
عارفة نهلة أختك شبهك أوي وحنينة زيك.

هزيت راسي بصمت وأنا بمسح دموعي، وبصيت جنبي لقيتها قاعدة بصمت، باين عليها التعب والحزن.
 همست باستغراب:
– نور!! مش كنتِ مع جوزك ومسافرة؟ إيه اللي جابك هنا؟ وغريبة كده إزاي عرفتي بوجودي؟ وليه مهتمة بيا كده؟

اتنهدت وقالت بحزن:
– عايزة أعاتبك، لكن اللوم عليّا ليه مضربتنيش على وشي وقولتلي إني داخلة جهنم؟ ليه مقولتيش إن حياتي هتتدمّر؟

رديت عليها، وحسّيت بالأسى على مظهرها اللي لسه طفلة بتعيش حياتها:
– أنا قولتلك، وأنتِ شوفتي بعينك بس مصيرك تختاري اللي يوجعك إنتِ وصلتِ لإيه؟

– عايزة أطلق يا هنا…

قومت جنبها ومسكت إيدها:
– احمدي ربنا إن ربنا نور بصيرتك اطلبي الطلاق وخلي أهلك يساعدوكي. 

– ياسر عنده كـ'انسر، وصل مرحلة صعبة أوي وانتشر في جسمه.

اتجمدت من الصدمة:
– إيـه؟! إزاي هو مكتشفش ده؟ مش دكتور وأكيد فاهم. 

– كان عارف... ساب نفسه من غير ما يتعالج.

ارتبكت وسألته بدهشة:
– قصدك إيه؟! إنه كان عايز يمـ'وت نفسه؟
تعليقات



<>