رواية ارواح لا تستبدل الفصل الثامن8 بقلم الاء محمد حجازي


رواية ارواح لا تستبدل الفصل الثامن8 بقلم الاء محمد حجازي

أنا السبب… أنا اللي ضيعتكم… أنا وأمكم… كنا بنعاند بعض… وننسى إن في عيال بتتدمر بينا.

نغم وقعت على الأرض وهي بتعيط:
أنا تعبت… والله تعبت…

مازن جري عليها، حضنها بسرعة، بيطبطب عليها:
خلاص… خلاص يا نغم… كفاية… كل حاجة انتهت… أنا معاكي… ومش هسيبك.

وفاء واقفة… بتبص عليهم… لأول مرة تحس إنها خسرت كل حاجة… بس بعد فوات الأوان.

وفاء رفعت وشها فجأة، عينيها كلها دموع وغضب متراكم بقاله سنين، وبصت لأبوها بنظرة مليانة وجع وانهيار…

بعصبية وصوت متكسر: 
دلوقتي بس… دلوقتي بس أخدت بالك…؟! 
بعد ايه…؟!
 بعد ما خربتوا كل حاجة جوانا…؟!
 مهما كنتوا هتصلحوا… إحنا خلاص اتدمرنا… فاهم يعني ايه اتدمرنا…؟!
 يعني بنت فينا طالعة مش لاقية حب… وبنت طالعة بتاكل نفسها من الغيرة… يعني روحين ضاعوا بسبب أنانية أب وأم… كل واحد فيكم كان بيشد في التاني… وإحنا الحبل اللي اتقطع!

كانت بتصرخ بكل اللي جواها… سنين من الكتمان خرجت دفعة واحدة…

تعرف يعني ايه طفل يشوف أبوه وأمه بيحاربوا بعض…؟!
 تعرف يعني ايه يبقى البيت اللي المفروض أمان يبقى ساحة حرب…؟! كل يوم مشاكل… كل يوم شد… كل يوم عند… وكل واحد فيكم ناسي إن في أطفال قاعدين بيتكسروا حتة حتة!

أشارت على نفسها وعلى نغم: 
بص علينا! 
شوف عملتوا فينا ايه!
 دي ضاعت في الوحدة… وأنا ضعت في الكره!
 لا أنا لقيت أم تحتوي… ولا هي لقت أب يحتوي… وكل واحد فيكم كان فاكر إنه بينتقم من التاني… لكن الحقيقة إنكم كنتوا بتنتقموا مننا إحنا!

صوتها بقى أعلى، وكأنها بتوجه كلامها لكل أب وأم في الدنيا: 
أي أب،و أي أم… بيفكروا في نفسهم وبس… بيفكروا في وجعهم… في كرامتهم… في خلافاتهم… وينسوا إن في أطفال بينهم… لازم يعرفوا إنهم مش بيكسروا بعض… هم بيكسروا عيالهم!

 الطفل اللي بيكبر من غير حب… بيتحول لمشروع إنسان موجوع طول عمره… يا إما مكسور… يا إما مؤذي… يا إما تايه…!

دموعها كانت بتنزل بجنون: 
الطلاق مش نهاية العالم… لكن القسوة هي النهاية! ا
لانفصال مش كارثة… الكارثة إنكم تنفصلوا وتنسوا إن في قلوب صغيرة لازم تتطمن! 
لازم تتحب! لازم تتحضن! لازم تحس إنها مش ذنب…!

بقت بتنهج بشدة: 
مش كل مرة تقولوا أصل الظروف… أصل المشاكل… أصل الحياة!
 لا! في أطفال ملهاش ذنب! 
أطفال بتدفع تمن قراراتكم طول عمرها… بتكبر وهي حاسة إنها ناقصة… إنها أقل… إنها مش مستاهلة الحب!

بصت لأبوها بكره وانكسار: 
أنا بكرهك… لأنك ما حسستنيش يوم إني بنتك… وبكره أمي… لأنها سابتني… وبكرهها هي كمان!

شاورِت على نغم وهي بتصرخ بانهيار: 
بكرهك يا نغم!
 بكرهك لأنك كنتي دايمًا الحاجة الحلوة اللي أنا محرومة منها… بكرهكم كلكم… كلكم…!

انهارت على الأرض وهي بتصرخ وتعيط بشكل هستيري: 
أنا بكرهكم…! بكرهكم…!

في اللحظة دي، دخل إبراهيم بسرعة، صوته هادي لكنه حازم:
وفاء… تعالي معايا.

رفعت رأسها له، وضحكت ضحكة باكية موجوعة: 
أجي معاك فين…؟! 
مستشفى المجانين…؟!
 أنا مش مجنونة! سامع؟! 
أنا مش مجنونة!

وقعت على الأرض، بتضرب بإيديها الأرض وهي بتصرخ: 
أنا مش مجنونة…! 
أنا مش مجنونة…!

إبراهيم نزل لمستواها، مسك إيديها برفق شديد، وصوته كله حنية:
لا… انتي مش مجنونة… انتي مريضة… والمرض النفسي مش عيب… ولا جنان… المرض النفسي زي أي مرض… بيتعالج.

بصلها بحزن صادق: 
انتي جواكي إنسانة كويسة… طيبة… بتحب… لكن الوجع… والإهمال… والحرمان، شوّهوا كل ده، خليكي صدقتي إنك وحشة… وإن الكره هو الحل، مع إنك في الحقيقة موجوعة… بس.

وفاء كانت بتبكي، جسمها كله بيرتعش. 

إبراهيم كمل وهو بيمسح دموعها:
انتي بتحبي نغم، غصب عنك بتحبيها، لأنها أختك، وبتحبي أبوكي وأمك، لكن تراكم الوجع خلاكي مش شايفة ده… خلاكي تايهة جوا نفسك، وإحنا هنساعدك، هنحارب التعب اللي جواكي، مش انتي.

صرخت فيه بعنف:
لاااا! أنا مش رايحة حتة! 
أنا مش مجنونة! أنا بكرهكم كلكم!

نغم، رغم انهيارها، جريت عليها فورًا، حضنتها وهي بتعيط بحرقة:
وفاء… حبيبتي… فوقي… أنا مسامحاكي… والله مسامحاكي… انتي أختي… ومليش غيرك… بالله عليكي فوقي…

وفاء بصتلها لحظة، نظرة تايهة، مكسورة، وكأن كل الحقد اللي جواها بدأ ينهار: 

لكن فجأة… جسمها ارتخى بالكامل…ووقعت فاقدة الوعي.

نغم صرخت برعب:
وفاااااء! وفاااااء قومي! 
عشان خاطري!

الأب واقف… بينهار لأول مرة… بيعيط على بناته… على عمر ضاع… على أخطاء رجعت دمرت الكل…

مازن كان بيساعد بسرعة، وخالد واقف بعيد… مذهول… ساكت… شايف بعنيه نتيجة أنانيته وضعفه…

إبراهيم قال بسرعة وحزم:
لازم المستشفى حالًا… دي محتاجة علاج… محتاجة فرصة تنقذ اللي باقي منها…

نغم كانت ماسكة إيد أختها وبتعيط:
خديها… بس رجعهالي… بالله عليك رجعهالي كويسة… أنا مليش غيرها…

ووسط كل الدموع، وسط كل الانهيار، كان في حقيقة واحدة بس ظهرت:
أحيانًا… أكبر جروحنا مش بتكون من أعدائنا…بتكون من أقرب الناس لينا. 

لكن حتى الجروح العميقة… ممكن تتعالج… لو لقينا حد ينقذنا… قبل فوات الأوان. 
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» 
الإسعاف وصلت بسرعة، وصوت السرينة مالي المكان، ونغم كانت ماسكة إيد وفاء طول الطريق، دموعها ما وقفتش لحظة، وإيديها بتترعش بخوف: 
وفاء… فوقي… عشان خاطري… أنا مسامحاكي… بس فوقي… بالله عليكي…

مازن كان جنبهم، بيحاول يثبت نغم، وأبوهم واقف مصدوم، أول مرة يحس فعلًا إنه ممكن يخسر بناته الاتنين بسبب أخطائه…

وصلوا مستشفى إبراهيم للأمراض النفسية والعصبية، والدكاترة خدوا وفاء فورًا، دخلت الطوارئ، وبدأوا الإجراءات بسرعة… أجهزة، فحوصات، ومحلول اتعلق لها…

نغم كانت واقفة بره، جسمها كله بيترعش: 
لو سمحت… حد يطمني عليها؟! 

إبراهيم خرج بعد شوية، وشه متوتر لكنه هادي:
الحمد لله، لحقناها في الوقت المناسب… بس حالتها النفسية أخطر بكتير من الجسدية.

دخلوا مكتبه… نغم، مازن، وأبوها…

نغم بصوت متكسر: 
لو سمحت يا دكتور… ممكن أفهم حالة أختي؟ 
هي كويسة؟ هتبقى كويسة…؟

إبراهيم أخد نفس طويل، وقعد قدامهم:
وفاء ضحية سنين طويلة من التراكمات النفسية… المقارنة… الإهمال… الحرمان… الإحساس إنها أقل… هي كانت شايفة إنك عايشة الحياة اللي نفسها فيها… شايفاكي مع والدتك، شايفاكي حرة، جميلة، محبوبة، بتلبسي اللي نفسك فيه… بينما هي كانت محبوسة داخل مشاعر نقص مستمرة.

بصلهم بجدية:
الغيرة الطبيعية لو ما اتعالجتش… بتتحول لحقد… والحقد لو تراكم… بيتحول لتشوه نفسي… وهي للأسف وصلت لمرحلة إنها ربطت سعادتها بتدميرك… مش لأنها شريرة… لكن لأنها مريضة.

الأب نزل دموعه: 
يعني… أنا السبب…؟

إبراهيم رد بحزم:
 أيوه… جزء كبير جدًا… لأن الأطفال لما بيتربوا وسط صراعات أسرية، بيتقسموا نفسيًا… واحد بيكسر نفسه… وواحد بيكسر غيره.

نغم كانت بتعيط: 
طب… والحل…؟

قبل ما يكمل… الباب اتفتح بعنف: 
يا دكتور الحق!
 المريضة اللي جت من شوية… أول ما فاقت حاولت تنتحر!

الكل اتجمد.

نغم صرخت:
 وفااااااااااااااااااااااااااااااااااء!

إبراهيم جري بسرعة، ومازن ونغم وراها…دخلوا، لقوا الأطباء بيحاولوا يوقفوا النزيف…

بعد وقت طويل كأنه عمر… خرج إبراهيم: 
الحمد لله… وقفنا النزيف… بس فقدت دم كتير… ومحتاجة نقل دم فورًا.

نغم بدون تردد: 
أنا… أنا نفس فصيلتها… خدوا دمي كله… بس أنقذوها…

مازن بصلها بوجع وفخر…

دخلت نغم، وتبرعت…
خرجت بعدها وهي دايخة جدًا…

إبراهيم لحقها بسرعة:
 انتي لازم ترتاحي… وتشربي حاجة فورًا.

أنا كويسة… المهم وفاء… طمني عليها…

ابتسم بحزن: 
حالياً مستقرة… أهم حاجة دلوقتي الدعم النفسي… أول ما تفوق، لازم تبدأ رحلة علاج حقيقية.

بعد ساعة كانت عليهم كأنها سنة… الممرضة دخلت:
يا دكتور… المريضة فاقت.

إبراهيم دخل أوضتها…
وفاء كانت مغمضة عينيها، دموعها نازلة في صمت.

إبراهيم  بهدوء: 
حمد لله على السلامة.

لفت وشها بعيد، وهي بتعيط…

كمل بحزن: 
مش هسألك ليه عملتي كده؟ … هسألك… ليه أذيتي نفسك بالشكل ده…؟
سكتت…

إبراهيم قرب منها:
الانتحار مش هروب… الانتحار ذنب عظيم… كبيرة من الكبائر… ربنا 

قال: 
"ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا" 

وصوتُه بقى أقوى:
وقال سبحانه: 
"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" 

بصلها بدموع حقيقية:
انتي كنتي عايزة تموتي على معصية؟
 تقابلي ربنا بجرح صنعتيه بإيدك؟! 

رسول الله ﷺ قال: 
"من قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة." 

وفاء بدأت تنتحب…
أنا… أنا كنت تعبانة…

إبراهيم بحنان: 
وأي إنسان بيتعب… بس التعب مش معناه نهايتنا… العلاج موجود… الرحمة موجودة… التوبة موجودة… لكن طول ما الروح فينا.
كمل:
 ربنا اللي خلقك… هو الأعلم بوجعك… وقال:
" لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"
يعني انتي تقدري تتخطي… مهما كان الألم.

وفاء كانت بتصرخ ببكاء:
 أنا وحشة… أنا أذيتهم كلهم…

إبراهيم هز راسه: 
لا… انتي مش وحشة… انتي مريضة… وفي فرق كبير بين المريض والشرير. الشرير بيؤذي وهو راضي… أما انتي… فأذيتي لأنك غرقانة.

قعد جنبها:
في ناس كتير بتفكر إن الموت راحة… لكنه مش راحة لو كان بمعصية… الراحة الحقيقية إنك تحاربي… تتعالجي… ترجعي نفسك.

قال بحزم:
 التوبة مش بس إنك تندمي… التوبة إنك تعيشي وتصلحي.

وفاء كانت بتعيط بانهيار
: ربنا هيسامحني…؟

إبراهيم ابتسم: 
ربنا قال: 
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" 
يعني مهما غلطتي… باب الرحمة مفتوح.

دخلت نغم فجأة، دموعها بتنزل…
وفاء…
وفاء بصتلها، ولفت وشها النحية تانية ودموعها بتنزل يحزن. 

نغم حضنتها فورًا رغم تعبها: 
ششش… خلاص… انتي عايشة… وده أهم حاجة… هنبدأ من جديد.

مازن واقف، متأثر… والأب بيبكي بصمت… وخالد بعيد… ساكت… لأول مرة يستوعب حجم الخراب اللي شارك فيه…

إبراهيم بصلهم وقال: 
المرض النفسي مش نهاية… بس السكوت عنه هو النهاية الحقيقية.
وأحيانًا… النجاة مش إننا ما نقعش…
النجاة الحقيقية… إننا نلاقي حد يمسك إيدنا… بعد ما نقع. 

كمل يهدوء وهو بيبص لنغم: 
تقدرو اتفضلو انتو دلوقتي؟ 

الأب  بص لوفاء بحزن وخرج وبعدين مازن. 

ونغم قربت من سرير وفاء ببطء، دموعها لسه على خدها، وإيديها بترتعش وهي بتمد إيديها لأختها: 
وفاء… أنا جنبك… والله ما سيبتك…

لكن وفاء، أول ما لمست إيديها، سحبت إيديها بعنف شديد، وكأن لمستها بتحرقها: 
اطلعي بره…!
 اطلعي بره أنا مش عايزة أشوفك…! 
كفاية… كفاية إحساس بالنقص قدامك… كفاية وجع…!

وزقتها بكل القوة اللي عندها…
نغم رجعت لورا فجأة، وجسمها اختل، وكانت هتقع…

إبراهيم لحقها بسرعة، سندها قبل ما تقع، وإيده حاوطتها بحماية…
في نفس اللحظة… باب الأوضة اتفتح بعنف…
خالد دخل…

                   الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>