رواية ارواح لا تستبدل الفصل التاسع9 بقلم الاء محمد حجازي
اطلعي بره…! اطلعي بره أنا مش عايزة أشوفك…! كفاية… كفاية إحساس بالنقص قدامك… كفاية وجع…!
وزقتها بكل القوة اللي عندها…
نغم رجعت لورا فجأة، وجسمها اختل، وكانت هتقع…
إبراهيم لحقها بسرعة، سندها قبل ما تقع، وإيده حاوطتها بحماية…
في نفس اللحظة… باب الأوضة اتفتح بعنف…
خالد دخل…
كانت عينيه مليانة غضب، لكن الغضب ده كان مخلوط بغيرة وأنانية وجرح كبرياء...
أول ما شاف نغم في حضن إبراهيم، ضحك بسخرية مرة:
اااه… هو ده بقى اللي طلبتي الطلاق عشانه…؟
وأنا اللي كنت مغفل… كنت بفكر أصلح… وأرجع… وأدي فرصة لوحدة طلعت بترمي شباكها على أول راجل يقف جنبها…!
برافو يا نغم… بجد دور البراءة اللي كنتي عاملاه كان ممتاز… طلعتي أرخص مما توقعت.
ما لحقش يكمل…
صوت القلم على وشه دوّى في الأوضة كلها.
نغم، رغم تعبها وضعفها، كانت واقفة قدامه، عنيها كلها نار:
إياك… إياك تنطق اسمي بلسانك القذر ده!
صوتها كان عالي… قوي… لأول مرة بالشكل ده:
أنا أنضف منك… ومن أشكالك… ومن تفكيرك المريض!
ما تفكرش إن كل الناس زيك… لمجرد إنك خاين… ومنافق… ومريض قلب!
خالد بص لها مصدوم.
نغم كملت، وهي بتمسح بكرامته الأرض فعلًا:
الرخص…؟
الرخص الحقيقي معمول باسمك أنت!
إنت مثال حي للرخص… للنفاق… للاستغلال باسم الدين! شيخ؟! شيخ إيه يا شيخ…؟!
هو في شيخ يتسلى ببنت الناس…؟!
هو في شيخ يربط واحدة بيه… ويكسرها… وبعدها يفكر يطلقها عشان واحدة تانية ؟!
إنت لا شيخ… ولا راجل… إنت مجرد واحد لابس قناع الدين علشان يستخبى ورا وساخته!
خالد اتعصب، وصوته علي:
نغم!
فوقي لنفسك…!
وشوفي إنتي بتكلمي مين؟!
أنا خالد! الشيخ خالد! اللي كنتي بتتمني منه مجرد نظرة!
نغم ضحكت… ضحكة كلها وجع واحتقار:
الحمد لله إني ما نسيتش… عشان أفضل فاكرة أنا كنت قد إيه غبية… وساذجة… وأنا فاكرة إنك راجل محترم… وأنا شايفاك عوض… طلعت أسوأ درس ممكن أتعلمه.
قربت منه، وعينيها ثابتة فيه:
كنت فاكرة إنك بتحبني… طلع كل اللي كنت بتعمله مجرد تحكم… كنت فاكرة إنك عايز مصلحتي… طلع اللي يهمك صورتك… كنت فاكرة إنك شيخ… طلع اسم على الفاضي… ومضمون فارغ.
خالد لأول مرة بدأ يتوتر:
صدقيني… أنا كنت مستحيل أتجوز وفاء… أنا كنت بس—
نغم رفعت إيديها توقفه بعصبية شديدة،وصدمة،وزهول:
استنى… استنى…استني!
يعني إيه…؟!
يعني كنت ناوي تدمرني… وتدمر أختي… وتلعب بينا إحنا الاتنين… لمجرد نزوة…؟! إنت وصلت بيك القذارة للدرجة دي…؟!
دموعها نزلت، لكن صوتها فضل قوي:
أنا كنت مراتك!
أنا اللي قولت عليا شرفك… وبيتك… وعرضك… وفي الآخر كنت مستعد ترميني… وتفكر حتى مجرد تفكير في أختي؟!
كانت بتصرخ حرفيًا:
إنت مريض! مريض قلب… ومريض أخلاق… ومريض ضمير!
إنت لو آخر راجل في الدنيا… والله ما كنت أتشرف إني أكمل معاك ثانية واحدة!
إبراهيم كان واقف مش عارف يقول اي، بس عينيه كلها فخر بيها…
نغم كملت وهي بتشاور على الباب:
اطلع بره.
يلا… امشي!
مش عايزة أشوف وشك… ولا أسمع صوتك… حسبي الله ونعم الوكيل فيك… ربنا ينتقم منك على كل دمعة نزلت مني… على كل مرة شكيت في نفسي بسببك… على كل وجع زرعته جوايا!
خالد حاول يتكلم، لكنها صرخت بأعلى صوتها:
براااااااااااااااااا!
الأوضة كلها سكتت.
حتى خالد… واقف… مصدوم…
لأول مرة يشوف نغم اللي كان فاكرها ضعيفة… بالقوة دي.
إبراهيم بص لخالد بحدة:
لو عندك ذرة كرامة… امشي.
خالد بص لنغم… لكن اللي شافه في عينيها كان النهاية… مافيش حب… مافيش انبهار… مافيش حتى كره…
بس احتقار.
لف… ومشى.
ونغم، أول ما الباب اتقفل… جسمها كله انهار… لكن المرة دي…
ما كانتش بتنهار ضعف…
كانت بتنهار… بعد ما أخيرًا… حررت نفسها.
وفاء، أول ما خالد خرج من الأوضة واتقفل الباب وراه بعنف، بصت لنغم اللي كانت واقفة بتحاول تاخد نفسها، لكن فجأة جسمها كله اترعش، وشها فقد لونه تمامًا، وعينيها قفلت ببطء، قبل ما تقع على الأرض زي الورقة الدبلانة.
وفاء صرخت بخضة ورعب:
إبراهيم! الحق! نغم!
إبراهيم جري بسرعة،وفاء كانت بترتعش وهي بتبص لأختها:
شيلها بسرعة... بالله عليك شوفها... نغم!
نغم فوقي... ردي عليا... أنا آسفة... والله آسفة...
إبراهيم شال نغم بسرعة وحطها على السرير اللي جنب وفاء، وبدأ يكشف عليها بسرعة، بينما مازن كان واقف بره الباب بعد دخل وإبراهيم طلعة، حاسس إن قلبه بيتسحب منه.
مازن قال بلهفة وخوف:
إبراهيم... بالله عليك طمني... نغم مالها؟!
إبراهيم خرج بعد دقائق، وشه كان جاد جدًا، لكنه حاول يطمنهم: اهدوا... هي دلوقتي فقدت الوعي بسبب ضغط نفسي وعصبي شديد جدًا... البنت دي واضح إنها شايلة فوق طاقتها بكتير... من كتر الصدمات والخذلان والانهيار اللي مرت بيه الفترة الأخيرة، جسمها وعقلها أعلنوا استسلامهم.
مازن قال بخوف:
يعني هي كويسة؟!
إبراهيم تنهد:
جسديًا؟
هتبقى كويسة... لكن نفسيًا؟
لا... نغم داخلة على مرحلة خطيرة جدًا لو ما أخدتش رعاية حقيقية... هي محتاجة تغيير جو كامل، محتاجة أمان، احتواء، حب... محتاجة تحس إنها مش لوحدها... لأن اللي وصلتله ده ممكن بسهولة جدًا يتحول لاكتئاب حاد... ولو الاكتئاب تمكن منها... ممكن يوصلها لأفكار انتحارية.
الأب حس إن رجله مش شايلاه:
س انتحار؟! بنتي؟!
إبراهيم بصله بحدة ممزوجة بحزن:
أيوه... لأن الإهمال النفسي بيدمر أكتر من الضرب... البنت دي من كلامها وتصرفاتها واضح إنها عاشت سنين بتحاول تتماسك وهي مكسورة... كانت محتاجة أب يحتويها، وأم تحسسها إنها مهمة، وأسرة تحميها... مش تتشد من كل ناحية لحد ما تنهار.
الأب سكت، لكن دموعه نزلت لأول مرة بصدق.
إبراهيم كمل، وصوته بقى أقوى:
اسمحلي يا عمي... المشكلة مش خالد لوحده... ولا وفاء لوحدها... المشكلة بدأت من سنين... من يوم ما انفصلتوا، وكل واحد فيكم عاش حياته كأن مفيش أطفال بينكم.
بصله الأب بوجع.
إبراهيم قال:
في آباء وأمهات كتير بيفتكروا إن الطلاق نهاية علاقتهم ببعض... لكن بينسوا إن فيه أولاد مالهمش ذنب... أولاد بيتربوا بين كسر، وحرمان، وشعور بالنقص، والمقارنات، والغيرة، والوحدة... الطفل مش محتاج فلوس وبس... محتاج حضن... كلمة... اهتمام... محتاج يحس إنه مش عبء.
إبراهيم بص لوفاء من قزاز الأوضة:
وفاء مثال حي... تراكمات نفسية، مقارنة، إحساس بالنقص، غيرة، واحتياج... كل ده اتحول لمرض... ونغم مثال تاني... وحدة، حرمان، خذلان... الاتنين ضحايا.
مازن ضغط على إيده بعصبية:
يعني كل ده كان ممكن ما يحصلش؟
إبراهيم:
كان ممكن يقل جدًا... لو كان فيه وعي... لو بعد الانفصال فضل فيه احترام وتوازن... لو الأولاد حسوا إنهم لسه مهمين... مش كل واحد يحدفهم للتاني.
الأب قعد على الكرسي بانهيار:
أنا ظلمتهم... أنا ضيعتهم...
إبراهيم قرب منه:
الاعتراف بداية العلاج... لكن لسه قدامك فرصة تصلح... بنتك محتاجاك... الاتنين محتاجينك... بس مش بالصوت العالي، ولا الفرض... بالاحتواء.
مازن بص للأب بنظرة كلها ألم:
نغم طول عمرها كانت بتتمنى منك نظرة... حضن... سؤال واحد بس: مالك يا بنتي؟
الأب بكى:
وأنا فشلت...
إبراهيم:
ما تركزش في الفشل... ركز في اللي جاي... لأن اللي حصل حصل... لكن اللي جاي بإيدك.
وفاء من جوه الأوضة كانت بتبكي بانهيار وهي سامعة كل كلمة.
مازن بص لإبراهيم:
وأنا؟ أعمل إيه؟
إبراهيم حط إيده على كتفه:
خليك زي ما أنت... سند... لأن وجودك هو أكتر حاجة مثبتاها لحد دلوقتي... لكن لازم تبعدها عن أي ضغط... أي ذكرى مؤذية... أي شخص كسرها... خصوصًا خالد.
مازن بعصبية:
الكلب ده لو قرب لها تاني...
إبراهيم قاطعه:
مش بالعنف... نغم دلوقتي محتاجة سلام... مش حروب جديدة.
مازن أخد نفس طويل:
حاضر... بس والله لو حد فكر يأذيها تاني...
إبراهيم:
أنا عارف... بس قوتك الحقيقية دلوقتي إنك تحميها نفسيًا.
وفجأة، الممرضة خرجت:
الدكتور، المحلول ركب... والحالة استقرت.
إبراهيم هز راسه:
كويس.
بص لمازن:
ادخل لها... بس بهدوء.
مازن دخل الأوضة، شاف نغم نايمة، وشها شاحب جدًا، المحلول في إيديها، وكأنها طفلة مكسورة.
قرب منها، مسك إيديها بحنان، وبصوت مبحوح قال:
حقك عليا... والله ما هسمح لحد يوجعك تاني... لا خالد... ولا غيره... كفاية اللي شفتيه... من النهاردة... أنا ضهرك... وسندك... وأهلك... وهعوضك عن كل دمعة نزلت منك.
دمعة نزلت من عين نغم وهي نايمة أثر المحلول...
وكأن قلبها، حتى وهو مكسور... لسه سامعه.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»
عدّى شهر كامل...
شهر مليان بأحداث كتير، وجع قديم بيتصلح، وقلوب كانت مكسورة بتحاول تقوم من جديد...
أبو نغم وأمها، ولأول مرة من سنين طويلة، ابتدوا يتعاملوا بعقل... يقربوا من بعض، مش كزوجين... لكن كأبوين فهموا أخيرًا إن عنادهم القديم دمّر بناتهم، وإن اللي باقي من العمر لازم يتعاش صح علشان يعوضوا ولو جزء صغير من الخراب اللي حصل...
أبوها بقى يسأل عنها كل يوم... يطمن... يحاول يقرب... وأمها كمان بدأت تحتويها بشكل أكبر...
أما نغم...
فكانت بتتحسن... واحدة واحدة...
الجرح لسه موجود... لكن بقى فيه حد كل يوم بيحط عليه مرهم...
مازن...
ماسبهاش لحظة طول الشهر كله.
كان معاها في كل نوبة ضعف... كل دمعة... كل خوف... كل مرة تفوق من كابوس...
كان بيضحكها غصب عنها... يخرجها... يسمعها... يحتويها...
بقى فعلًا الأمان اللي عمرها ما عرفته.
أما وفاء...
فكانت حالتها النفسية بتتحسن هي كمان تحت إشراف إبراهيم...
لكنها كانت رافضة الزيارة تمامًا...
كل مرة نغم تروح، الممرضات يبلغوها:
للأسف... وفاء لسه رافضة تشوف أي حد.
ورغم الوجع... نغم ما بطلتش تروح.
لحد يوم...
راحت كعادتها، لكنها قابلت إبراهيم في الممر...
إبراهيم وقف قدامها، وكان واضح عليه التوتر، قال بهدوء:
نغم... ممكن أتكلم معاكي في موضوع مهم جدًا؟
نغم بصتله باستغراب:
خير إن شاء الله؟
إبراهيم أخد نفس عميق:
ممكن تيجي المكتب؟
هزت راسها، ودخلت معاه.
أول ما قعدوا، كان واضح إنه مش عارف يبدأ.
نغم ابتسمت بخفة:
مالك يا دكتور؟
شكلك متوتر كده ليه؟
إبراهيم بص لها للحظة، وبعدها قال بصوت صادق جدًا:
عاملة إيه يا نغم؟
نغم:
بخير الحمد لله... بصراحة بقيت أحسن بكتير.
إبراهيم هز راسه، لكنه فضل ساكت شوية.
نغم بدأت تقلق:
فيه حاجة؟
إبراهيم بص في عينيها مباشرة:
بصي... أنا كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع... ويمكن الظروف مش أنسب حاجة... بس والله غصب عني... مش قادر أصبر أكتر من كده.
