رواية ممر اورفاندا الفصل الثامن8 بقلم حميده عبد الحميد
قبلت قدامي وعايز أرجع البيت، فجأة الأرض اهتزت تحت رجلي وفجأة ظهر ثعبان ضخم، راسو واصل لفروع الشجر العالية، وقف قدامي زي "الزول" منتصب القامة، عيونه كانت الزي الجمر المولع وسط الغابة.
بديت أرجع كم خطوة لورا، ومنظره كان قبيح وقُبحه م بيتوصف، ريحته كانت زي رماد محروق ودم فاسد. وفي اللحظة دي بالذات، م خفت منه، وبالأخص بعد كلام "سوليث" الأخير، وإنو "مورجانا" فكت ورانا كل أنواع الجن والمردة الكبار، فأكيد دا واحد منهم. وهو م بيقدر يعمل لي شي إلا لو فتحت ليهو باب الخوف، وأول خطوة ممكن يعملها انو يسيطر على جسدي، بس دا في حالة واحدة: إذا أنا خُفت منه وبينت ليهو نقطة ضعفي.
وقفت بكل ثبات وشموخ، شديت طولي وبقيت أعاين ليهو بنظرات حادة، كأني بتحداه. هو وسع عيونه وزاد من حجمه، وبدأ يصدر فحيح بيجمد الدم في العروق، وفجأة انتفخ بجسمه كله لمن اختفى زي الدخان وسط الشجر. وشكوا عرف إنو م ح يلقى فيني فرصة، والثبات في اللحظة دي كان درعي الوحيد.
بعد ما اختفى من طريقي، واصلت سكتي وبقيت بمد في الخطوة. ويمكن كنت خايف شوية، بس م خايف من الجن، بل خايف إنو الزمن م يكفينا وسندس تنسحب قبلي وم أقدر أعمل ليها شي. حرفياً حياتي ارتبطت بحياة سندس، ومستحيل أعدي يوم واحد بدونها؛ هي النفس الطالع والداخل، هي الأمان في وسط الفوضى الحاصله دي كلها
. وحسب كلام محسن، المسافة من بيته وبيت أبوه 24 ساعة، يعني لازم نتحرك حالياً. سرعت من خطواتي وبقت شبيهة بالجري، الهواء كان بيضرب في وشي وأنا بنهج، وصلت البيت بنفس متقطع ولقيت محسن صاحي، وشكله كان بيفتش علي.
أول ما شافني قال لي:
"خير يا زول.. من قبيل وين أنت؟"
سكت مسافة، وكنت مجبور إني أحكي لمحسن عشان يكون أمام الصورة ونقدر نتصرف ، واحتمال كبير يمكن يصدقني
. طلعت القلادة من جيبي وقلت ليهو:
"أنت قبيل سألتني من دي، صح؟"
شالها مني وبقى يعاين ليها بكل حذر، فجأة ملامحه اتغيرت، وصوته بقى واطي ومرتعش وقال:
"قلادة ممر أورفاندا.."
طبعاً صدمني صدمة عمري وبقيت في حالة هلع، قلت ليهو:
"عرفت كيف؟"
غمض عيونه بقوة كأنو بيطرد فكرة من راسه وقال:
"م عارف.. تصدق م عارف زاتو نطقت الاسم دا كيف! الاسم مّر بذاكرتي زي الطيف."
قلت ليهو:
"كلامك صح، دي قلادة ممر أورفاندا، بس قبل أي شي بلقى عندك آلة حادة؟"
قال لي:
"في فاس ينفع؟"
قلت ليهو:
"جيبو سريع."
دخل المخزن وجا طالع ومعاه الفأس، شلتو منه وختيت القلادة في الأرض. رفعت الفأس بكل قوتي، استجمعت كل غضبي وخوفي على سندس وضربت بيها القلادة. اتكسرت لنصين، ومع الكسرة دي طلع صوت صرخة مدوية، صوت م بشري، صرخة فيها حشرجة وغيظ بيمزق الطبلة، كأنو وحش بيموت داخل المعدن. محسن اتخلع ورجع كم خطوة لورا ووشه بقى شاحب، قلت ليهو:
"اتكسر الشر يا محسن."
قال لي وهو بيرجف:
"في شنو؟ احكي لي!"
قلت ليو تعال جوا وبحكي ليك كل شي
دخلنا الغرفه وقعدنا وبديت أحكي ليهو القصة كاملة، من بداية البيت الجديد وشجرة "الزونيا" لحدي ما جينا هنا. سرح مسافة وقال:
"سبحان الله، قصتك غريبة شديد، ولو م شفتك كسرت القلادة قدام عيني وسمعت الصوت الطلع حالياً دا، م كنت صدقتك. والغريبة أنا عرفت اسم القلادة دي من وين؟"
قلت ليهو:
"في جزء من النص مفقود، وح أعرف الموضوع دا عما قريب.. والمهم لازم نطلع حالاً ونمشي لأبوك."
قال لي:
"تمام."
قلت ليهو:
"أول لازم أتكلم مع مرتي قبل أي شي."
قال لي تمام مشينا البيت التاني
ودخلنا جوة وندهت على سندس، جات طالعة وعيونها نعسانين ومدبلة. أول ما شافتني، مشيت عليها ومسكت يدينها بين يديني، كانت باردة زي التلج.
قلت ليها بصوت مليان حنية وخوف:
"سندس.. حصل كدا وكدا.. و’سوليث‘ ماتت."
دموعها نزلو من دون صوت، وملامح الحزن ظهرت واضحة في وشها، كأنو جبل انهد فوق راسي وأنا شايف انكسارها. مسحت دموعها بإبهامي وقلت ليها:
"حالياً أنا ومحسن طالعين عشان أصالحو مع أبوه، ودي فرصتنا الوحيدة يا سندس. بس دايرك توعديني بشي.. انو م تفرطي في الأذكار والتحصين والقرآن، وحاليا هم مركزين عليك شديد، وانتي عارفه ، لو حصل ليك شي أنا بنتهي."
هزت رأسها بنفي وبدأت تبكي بصوت مسموع وقالت لي:
" لأ انا ماشة معاك.. م تخليني هنا برايي، أنا بخاف عليك أكثر من نفسي."
قلت ليها وأنا بضم يدينها لصدري:
"م ينفع يا سندس، أنا متأكد أثناء سيري لهناك ح أواجه مشاكل كتيرة، والجن م ح يخلوني أوصل بسلام. وقعادك هنا وتحصينك لنفسك أفضل بكتير من انو تمشي معاي . وموش انتي عايزانا نستقر ونرتاح من المشاكل دي؟ موش عايزة يكون عندنا بيت حلو ودافئ نعيش فيه أنا وانتي بكل حب وسلام؟"
هزت رأسها برضا وهي بتمسح دموعها، عيونها كانت بتقول كلام كتير، خوف وحب وقلق. قلت ليها:
"طيب، انتي ح تقعدي هنا وح توعديني بالشي الطلبتو منك."
بصوت خافت ومكسور قالت لي:
"حاضر.. بس أرجع لي طيب."
لثمت جبينها وطلعت وأنا قلبي واجعني على فراقها ولو ليوم واحد.
طلعنا أنا ومحسن، الساعة بقت 2:30 ، الضلام كان غاطي السماء كلو، كأنو الليل لابس توب أسود وتقيل و م داير يترفع. اتحركنا ودخلنا بطريق الجبل، الطريق كان ضيق ومخيف ، وأصوات البوم والرياح بتصفر بين الصخور.
محسن قال لي وهو سايق:
"ح أعمل أي شي عشان أبوي يوافق يصالحني يا أيوب. وسبحان الله، زمان كنت لمن أمشي ليهو عشان نتصالح وهو يرفض، أنا برضو كنت بتجادل معاه وبوصلها معاه للحد، ومرات بتشاكل معاه عديل وبحس بنفسي م واعي.. كأنو في شي جواي بيمنعني أهدا."
طبعاً بعد ما قال "م واعي"، قلبي نقزني، حسيت وكأنو محسن فيه روح سلبية أو ممسوس، بس كنت م متأكد. قطعنا ربع المسافة ودخلنا بين الغابات الكثيفة، الأشجار كانت متداخلة لدرجة إنها حجبوا أي نور جاي من السماء. فجأة، العربية كحت ووقفت.. أو اتعطلت تماماً. عاينت لمحسن وقلت ليهو:
"يكون البنزين خلص؟"
قال لي:
"لالا م ظنيت، قبيل الصباح كبيت ليها، كدي أشوف المشكلة وين."
نزلنا من العربية وسط هدوء مريب، حتى الحشرات سكتت. هو بدأ يتفحص الموتور، وقف مسافة وحك راسه بخفة وقال:
"ماف أي عطل هنا! اي حاجه سليمه."
طق.. وقعت لي الفكرة، عرفت إنو ديل الشواطين هم العطلوها عشان يمنعونا نصل.
وفجأة، ومن دون أي مقدمات، ظهرت مرا من بين الأشجار، لبسها مقطع وشعرها منكوش، وقفت وقالت بصوت باكي:
"ولدي.. ولدي وقع في البحر، تعالوا طلعوه لي!"
محسن قلبه رهيف، صدق وعايز يجري معاها، بس مسكت يده بقوة وقلت ليهو:
"أوعى يا زول.. أثبت مكانك!"
المرأة وقفت تاني وبقت تبكي بنحيق يقطع القلب وقالت:
"م جايين تساعدوا ولدي؟ حرام عليكم!"
قلت ليها بجمود:
"معليش.. شوفي ناس غيرنا."
فجأة، في لحظة واحدة، إتبدل الحال. صوتها اتحول من النحيب لصوت خشن ومبحوح، صوت طالع من تحت الأرض، ووشها بدأ يتمطط، عيونها وسعت لدرجة مخيفة وبقت حمراء زي الجمر، وضوافرها طالت وبقت زي المخالب. الغابة فجأة بقت باردة لدرجة التجمد، وبدت تظهر أشباح وظلال بتتحرك بسرعة بين الشجر.
محسن قلع عيونه من الرعب وقال:
"جنية!"
قلت ليهو بصرامة:
"أي جنية.. أثبت." وقفت قدامها وقلت ليها:
"أمشي من هنا!"
ضحكت ضحكة هستيرية هزت الشجر وقالت بصوتها الخشن:
"على جثتك بمشي.. و ما ح توصلوا!"
قلت لمحسن:
"عندك قرآن في تلفونك؟"
قال لي بإنفاس متلاحقة:
"أي.. أي عندي."
طلعه من جيبه وفتح لي النمط بيدي بترجف، دخلت التطبيق وشغلت سورة البقرة بأعلى صوت، وختيت التلفون جوة العربية. بمجرد ما صوت القارئ صدح في المكان، الجنية بدت تصرخ وتتلوى كأنها بتتحرق، واختفت وسط الأشجار وهي بتتوعد.
بعد دقيقة قلت لمحسن:
"شوف العربية اشتغلت؟"
قال لي:
"ثواني.." مشى عليها ودورها، طوالي اشتغلت.
ركبت وقلت ليهو:
"دوس بنزين.. م تقيف!"
وفعلاً عمل كدا، والقرآن كان شغال بيملا المكان سكينة وسط الرعب دا. بعدنا شوية من المخلوقة ديك، وفجأة، محسن ضغط فرامل بقوة لدرجة إن راسي خبط في التابلوه.
قلت ليهو بفزع:
"مالك؟ وقفت ليه؟"
محسن م رد علي، كان قاعد متخشب، شبه واعي، وفجأة عيونه بدت تتحول تدريجياً للون الأبيض الكامل، ملامح وشه اتشنجت وبقت قاسية. قلت ليهو بخوف:
"محسن؟"
ختيت يدي على كتفه عشان أهزه، بس في لحظة، شال يدي وفناها بعيد بقوة م طبيعية، وصوته اتحول تماماً، بقى صوت غريب ومرعب، وقال لي بحدة:
"أنا م محسن ولا زفت.. وأقفل القرآن دا سريع!"
هنا طوالي فهمت، وعرفت إنو محسن فعلاً ممسوس من زمان، وقبيل لمن شاف القلادة، "الجن" اللي جواه هو العرفها، وعشان كدا هو م قادر يتصالح مع أبوه أبداً، لأنو الشيطان اللي لابسه بيمنعه. حرفياً، كنت أمام تحدي صعب وشديد كمان ٠٠
