رواية ممر اورفاندا الفصل التاسع9 بقلم حميده عبد الحميد


رواية ممر اورفاندا الفصل التاسع9 بقلم حميده عبد الحميد

​في اللحظة دي إتجمدت في مكاني والدم نشف في عروقي، العربية اتحولت لقفص ضيق وهنا. محسن — أو الكيان اللابسه — كان بيعاين لي بعيون بيضاء خالية من أي رحمة، ملامح وشو كانت بتتحرك تحت الجلد كأنو في "دود" بيحفر جوه.
​وصوت القرآن الجاي من التلفون كان بيخليه يتنفض ويصرخ صرخات مكتومة، وكل مرة الصوت يبقى عالي، وهو  بيزيد عدوانية اكتر 
. فجأة، مد يده لرقبتي وضغط عليها بقوة م بشرية، وهو بيقول بفحيح مقزز:
"قلت ليك اقفلووو. انت م قعد تفهم ولا شنوووو ؟؟ .. ياخ م تمتحن صبري، أنا السكنت الجسد دا من سنين، وأنا الح أدفنكم هنا سوا!"

​بقيت بصارع فيهو عشان  اقدر اتنفس، والدنيا بدت تضلم في عيوني. في اللحظة دي، اتذكرت كلام "سوليث" واتذكرت سندس المستنياني  وحارسه جيتي وانا جايب ليها الاخبار السمحه 
. طوالي اتشجعت وقويت نفسي و قلت بصوت قوي ومسموع ما لازم تستسلم ي أيوب نهائي
، وكُنت مُصر إنو م أقفل القرآن. هنا بيدي التانية، وبصعوبة بالغة، حتى قدرت أصل لمقبض الباب فتحته، ورميت نفسي لبره العربية وأنا بجر التلفون معاي.
​وقعت في الأرض الوعرة، ومحسن نزل وراي بخطوات تقيلة ومهتزة، جسمه كان بيتحرك بطريقة مريحة، كأنو مفاصله مكسورة. القرآن لسه شغال بصوت القارئ "ياسر الدوسري"، والصوت كان بيملا الغابة المهجورة دي هيبة وقوة . وقفت على حيلي ونفضت التراب مني، رفعت التلفون في وشو وقلت ليهو بصوت ثابت:
"الجسد دا م حقك، والروح دي روح مؤمنة، اطلع منها يا ملعون!"

​بدأ يضحك ضحكة هستيرية، وفجأة صوته بقى زي صدى جاي من بير غريقه وقال:
"مؤمنة؟ محسن دا حقي أنا! أنا الزرعت الكره بينه وبين أبوه، أنا المنعت الصلح يتم  وعشان يفضل جسده ضعيف ومهزوز.  وهل انت مفتكر نفسك لمن كسرت القلادة انتهيت مننا خلاص ؟ لا انت دابك فتحت بوابة الجحيم!"

​في اللحظة دي، الغابة بدت تضج بأصوات غريبة، وهمسات بتمشي وسط الشجر، وظلال سوداء بدت تتجمع حوالينا وعرفت إنو "مورجانا" م ح تخليني أصل لبيت أبو محسن بالساهل. قربت من محسن وأنا بقرا آية الكرسي بصوت عالي ويقين طالع من أعماق قلبي. في اللحظة دي بدأ يتراجع، ويده بدت ترجف، وعيونه الكانت بيضاء بدت تدمع دم أسود. وفجأة، صرخ صرخة هزت أركان الغابة كلها، ووقع في الأرض غمران.

​فجأة الهدوء رجع للمكان، تاني بس كان هدوء "ما قبل العاصفة". جريت عليه، وجسيت نبضه، كان لسه حي بس نفسه ضيق. رفعته بصعوبة ودخلته العربية، وعرفت إنو م عندي زمن ولازم نتحرك حالاً. ركبت قدام الدريكسيون، وبقيت بسوق بسرعة مجنونة. الطريق كان بيتمطط قدامي، والأشجار بدت تتمايل عشان تقفل الدرب، بس صوت القرآن كان بيفتح لينا ممر من نور وسط العتمة دي. كلها 
​بعد ساعات من التوتر والخوف، بدا ضي الصباح يظهر وسط الجبال. الحمدلله  وداب  قدرت اتمكن في السواقه وزدت من السرعة وكسرت حاجز الـ 24 ساعة، وفجأة ظهر قدامي بيت قديم مبني من الطين والحجر، واقف بشموخ في وسط الخلاء. عرفت إنو دا بيت أبو محسن. نزلت وسندت محسن اللي بدأ يفتح عيونه ببطء وهو م فاهم أي شي، وشو كان شاحب وتعبان شديد. أول ما وصلنا الباب، رفعت يدي وطرقته لحظات بس وطلع لينا راجل كبير كان عنده هيبة وكاريزما وملامحه كانت قاسية زي الحجر.
​عاين لمحسن، وبعدين عاين لي وقال بصوت جهوري:
"جيت داير شنو يا محسن؟"
الحمدلله محسن رجع لطبيعته، صلح وقفته وعاين لأبوه بكل ثقة وقال ليه: "جيت عشان اعتذر منك يا أبوي".
أبوه ضحك وقال ليه: "أبوي؟ موش أنا قلت ليك م تناديني بأبوي وأنا اتبريت منك  من زمان، أنت ولد عاق وما نافع!"
​إدخلت وقلت ليه: "يا عم مقداد المسامح كريم ونحنا بشر بنغلط وانتو الكبار لازم تسامحونا ومحسن عرف غلطه وهو جا واعتذر منك ليه م عايز تسامحو؟"
رفع عصايته قصاد وش محسن وقال لي: "دا.. دا.. دا أنا بموت وما بسامحه، دا م نافع ويلا امشوا من هنا!"
عاينت للساعة من تلفون محسن ولقيت فضل ساعة واحدة بس والـ 24 ساعة تنتهي! راسي لفة وبديت افقد الأمل خلاص، وأبو محسن إنسان عنيد وشديد كمان، قررت أحاول معاه تاني. اتنفست بهدوء وقلت ليه:

​"يا عم مقداد، المسامح كريم، وربنا بيغفر الذنوب جميعاً، ونحن كبشر بنغلط وبنصيب، ومحسن غلط وجا يعتذر ليك، وده دليل على إنه اتعلم من غلطه وبقي إنسان أحسن، من اول  وبتمالك نفسه عند الغضب، وربنا قال في كتابه الكريم: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فربنا بيحب المحسنين، وبيحب العافين عن الناس، وأنت كمسلم لازم تتحلى بالصفات دي، وتسامح ولدك وتفتح ليه صفحة جديدة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.. وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ). لازم نكون من أهل الخير، ومن أهل السماح، فسامح ولدك وربنا ح يسامحك، ويرفع قدرك، فالمسامحة هي صفة الأنبياء وهي طريق الجنة، فكن من أهل الجنة ياعم مقداد  وسامح ولدك "
​سكت مسافة وأبا يتكلم وأنا كل مرة بعاين للساعة البقت تجري جري.. فضل 10 دقايق بس وأنا واقف على أعصابي  وحارس عم مقداد ينطق ويقول لمحسن سامحتك. بديت أحنسه عشان يسامحه: "عم مقداد حلفتك بالله سامح محسن.. عليك الله سامحه". بس كان لسه داخل في صامت. محسن لمن شافني اتوترت أكتر هو برضو بقى يحنس في أبوه، بس عم مقداد أعند منه ماف ، رزع العصاية في الأرض بقوة وقال: "مستحيل أسامحه!"
​في اللحظة دي عاينت للساعة ولقيتها تمت 24 خلاص! قلبي ضرب بقوة وجات صورة سندس في بالي.. خيالها وهي بتتبخر أو بتصرخ تحت يد مورجانا خلى جسمي كلو  يرجف ويبرد،  رجولي بقت ما شايلاني . وفجأة، السكوت حول البيت اتقلب لضجيج مرعب؛ وبديت اسمع أصوات طبول وجنازير بتمشي في حاجه زي الصخرة ، وزئير حيوانات غريبة، وصرخات م مفهومة جاية من بعيد كأنها بتعلن "نهاية الوقت خلاص 

​عاينت لعم مقداد بوجع وقلت ليه: "يا عمي.. ضيعتنا وضيعت سندس ".
وفي آخر لحظة، ومع دقات الساعة اللي بتعلن ضياع الأمل، عم مقداد اتنهد تنهيدة شقت صدره، وفي اللحظة دي عيونه دمعت ، وقال بصوت مهزوز "بس  بعد كلامك دا يا ولدي الكلوا ايمان وتوعيه .. أنا قررت أسامحه.. وسامحتو خلاص !"

                الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>