عُناب...
لما مريم اتصلت لي ، كنت ياداب و صلت مكان القهوة وكان المفترض أرجع البيت بسرعة مجرد ما هي اتصلت علي ، لأني عارفاها بتخاف من فتحي وما بترتاح ليه ، بس قلت اقعد شوية عشان ما يتضايق مني.
قعدت مسافة و اتصلت عليها قلت اشوفها..
الجرس رنّ لغاية ما فصل ، رجعت اتصلت ليها تاني و تالت من غير رد.
قمت ع حيلي وقلت لي علي.. وصلني البيت بسرعة ، قلبي اكلني عليها ، بقيت أقول معقولة تكون نامت؟ ولا تلفونها صامت؟ ، القلق بدأ يتسرب جواي ، لدرجة بقيت أستعجله في الطريق بكل جوارحي.
أول ما العربية ما قربت بشارع بيتنا ، شفت الناس جارية في الشارع برعب حقيقي ، علي بقى يقول لي في شنو الناس دي جارية كدا مالا؟ ، قلت ليه ما عارفة و الله!.
الشارع الكان هادي قبل ساعات ، بقى مليان ناس ، فجأة جاتني أصوات صراخ عالية ، نزلت بسرعة لقيت مرا ف الشارع سألتها في شنو؟ ، ردت لي بسرعة وهي جارية.. فتحي ولد حاجة بدرية مات!.
مجرد ما قالت كدا بس فكيت صرخة عالية ، بقيت جارية و انا ما مستوعبة؟ ، و علي جااري وراي ما فاهم الحاصل.
مجرد ما وصلت لفت البيت ، دمي اتجمد في عروقي ، رجلي بقت ما شايلاني ، النسوان بصرخوا بصوت عالي والرجال بتشهدوا ، و مانعين الناس من الدخول ، بقيت أصرخ فيهم في شنو ؟ ، فتحي القتلو شنو؟.
ماف زول رد علي ، دفعتهم بيدي و دخلت جوا بخوف وقلب مقبوض.. أول ما وصلت باب المطبخ، شفت المنظر المستحيل انساه لغاية ما أموت..
فتحي.. ممدد في الأرض وسط بركة من الدم ، وعيونه شبه مفتوحة ، و عمتي واقعة جنبه شاحبة و ما بتتحرك صرخت صرخة هزت أركان البيت ، و الدنيا لفت بي ،
تاني ما وعيت بحاجة..
ما عارفة كم مرّ من الزمن ، صحيت ولقيت بنات جيرانا واقفين جمبي.. و شايفة رجلين لابسين أبيض داخلين بسرعة ، شايلين نقالة ، حاولت أرفع راسي بصعوبة ، الصورة رجعت لي المطبخ.. الدم.. فتحي.. عمتي..
قمت و أنا مترنحة ، لقيت فايز خاتي يدو في رأسه ودموعو بتنزل ، ما فاهم حاجة.
واحد منهم نزل جنب فتحي ، عاين ليه ثواني.. وبعدها الزول دا متوفي.
ما وقفوا كتير.. اتجهوا لعمتي مباشرة ، شالوها بسرعة وطلعوا بيها ، فايز جرى وراهم بدون ما يلتفت.
اتذكرت مريم!
بقيت أصرخ فيهم.. مرييييم! مريم وين ما شفتوها؟!
واحدة من بنات الجيران ردت لي وهي بتبكي .. نحن شفناها لما دخلنا ، وبعدها اختفت!.
قلت ليها.. اختفت كيف يعني؟! ، قالو لي.. والله تاني ما شفناها!.
جريت ناحية الغرف ، و رجعت المطبخ تاني ، هنا ياداب انتبهت لشكل المكان ، المطبخ كان جايط شديد ، السلطة مكشحة و التربيزة مزحزحة من مكانها ، و السكين واقع في الأرض ، المكان كان بحكي مصارعة حصلت ، رجعت لورا و أنا مصدومة ، و كمية من الأفكار بدت تضرب راسي..
ما مرت دقائق ، إلا و سمعت صوت الناس بتقول الشرطة جات..
دخلوا بسرعة.. بقوا يطلعوا الناس برا ، ف ثواني فضوا المكان.
الضابط دخل المطبخ بحذر ، و وقف يعاين للجثة و للفوضى الحاصلة.
بعدها طلع و سألنا.. منو أول زول دخل و اكتشف الحادثة دي ؟ ، بنات الجيران ردوا ليه بخوف..
نحن!.. نحن سمعنا الصراخ ، ولما دخلنا ، ما لقينا زول غير مريم.
قال ليهم.. وين مريم دي؟ ، قالو ليه اختفت..
سألهم بإستغراب.. كيف يعني اختفت؟.
قالوا... والله ما عارفين ، كانت مرعوبة و ملطخة بالدم بس أشرت لينا لجوا ، نحن ما ركزنا معاها من الخلعة ، وبعدها ما ظهرت تاني.
التفت علي و سألني.. إنتِ بتقربي ليهم شنو؟ ووين كنتي وقت الحادثة ؟.
قلت ليه و انا ببكي.. المتوفي دا ولد عمتي ، كنت برا البيت ، و لما جيت لقيت الناس متجمعة.
سجل كلامنا بسرعة ، و التفت لواحد من العساكر..
قال ليهم.. اقفلوا المكان كويس ، ومافي زول يدخل.
بعدها قال بحسم.. دي جريمة قتل! ، ومن شكل المكان واضح انه كان في عِراك هنا.
في نفس الوقت ، دخل واحد من العساكر ، وبقى يأشر على الحاجات القريبة.. في سكين هنا.. و تلفون.. وشبشب.. و فردة حلق.
الضابط قال ليه.. صورو كل حاجة ، وبعدها جهزوا الجثة للنقل.
في اللحظة دي دخل أبوي مخلوع ، و لسانه حاله بقول الحاصل شنو؟! ، مجرد ما شفته جريت عليه و أنا ببكي.. يا أبوي.. فتحي مات.. وعمتي وقعت.. ومريم اختفت!.
وقف مكانه مصدوم.. مريم اختفت؟!
الضابط قرب منه وقال ليه..
دي جريمة قتل ، و من أقوالهم ، مريم دي كانت آخر زول موجود هنا و حاليا مختفية.
سكت لحظة وقال.. لازم نلقاها.. فوراً!.
_____________
مريم...
ما كنت شايفة قدامي.. بس كنت بجري.
نَفسي متقطع ، دموعي نازلة بدون توقف ، و صدري واجعني كأنو في حاجة ضاغطة على ضلوعي ، كنت بحاول أمسح الدم من يدي بكل قوتي ، و كأني بقدر أمسح الحصل كله ، أو كأني بقدر أرجع الزمن لورا ثواني بس.. قبل ما السكين تنزل على رقبته.
دخلت شارع ، و بعده شارع تاني ، ما كنت عارفة أنا وين و لا كنت سامعة حاجة حولي ، غير صوت خطواتي.
فجأة البيوت بقت غريبة، والوجوه أغرب، وكأن المدينة كلها بقت تطاردني.
في ناس وقفوا يتفرجوا علي بذهول ، واحدة قالت لي بخوف.. بسم الله الساكيكِ منو يابت؟! . لكن ما رديت.. بس فضلت جارية..
واحد تاني حاول يقرب مني ويسألني.. مالك يا بت الناس؟! ، زحيت منه وكملت جري وكأنه ماك الموت عايز يقبض روحي.
كنت كل ما أبعد.. بحس كأني لسه في نفس المكان، لسه في المطبخ، لسه شايفة عيون فتحي وهي بتنطفي.
الضلام بدا يزيد اكتر وأكتر ، مرت ساعات وانا بجري لغاية ما لقيت نفسي بدخل في شوارع فاضية وزقاقات موحشة وكأنها ممرات تحت الأرض ، الحيط كانت بتضيق على ، الرعب سكن قلبي و انا شايفة خيالات و أشكال ما طبيعية.
في واحدة من الزقاقات الضيقة دي ، ظهر لي راجل فجأة من العدم وقف قدامي ملامحه ما كانت باينة بس عيونه كانت بتلمع بنفس نظرة فتحي و بنظرة مليانة خبث قال لي...
على وين يا عسل؟ اتفضلي.. البيت بيتك!.
من غير ما أشعر لقيت نفسي بصرخ و بدفعه بيدي بكل قوتي ، بقيت اجري بهيستريا ، وانا بلهث و بتلفت وراي لغاية ما الزقاقات دي اختفت فجأة و لقيت نفسي في شارع رئيسي ، و قدامي ظلط كبير.
قطعت الظلط بمخاطرة كبيرة ، لدرجة العربات كانت بتضرب بوري في وشي ، ما وقفت جري لغاية ما دخلت في حي راقي.
كان عبارة عن شوارع واسعة، شجر عالي، وبيوت كبيرة وكأنها مهجورة.
هنا.. نفسي بدأ يبقى تقيل ، وكأن الهوا في المنطقة دي انعدم ، بقيت أجري بشكل بطيء.. لغاية ما بقيت أمشي وأنا مترنحة ، بحاول أثبت نفسي ، وأنا حاسة بدوار رهيب في راسي ، لقيت مصطبة قعدت فيها.
بس الصمت في الحي ده كان مرعب أكتر من صراخ الزقاقات الدخلت فيها ، صمت خلاني اسمع الصوت الكنت بهرب منه رجع يصرخ في راسي...
إنتِ عملتي شنو؟.. قتلتي يا مريم!.
رفعت يدي و بقيت أعاين ليها برعب حقيقي و كأني أول مرة أشوف يدي دي! ، همست لنفسي.. أنا قتلت! بس عمتي!.. لا مستحيل!..
مسكت راسي و بقيت أبكي بحرقة شديدة ، و بصراخ مكتوم ، فضلت منزلة راسي على ركبي لمسافة من الزمن ، قلبي بنزف بوجع ما ليه نهاية.. كنت وحيدة، ومجرمة، وضايعة في عالم ما بشبهني.
وسط ما كنت منزلة راسي وببكي ، فجأة… سمعت صوت عربية جاية ، ماكان عندي حيل اقوم أجرى..
و لا حاولت ارفع راسي ، بس حسيت بنور الكشافات بتكشف علي ، غمضت عيوني برعب.
العربية وقفت قصادي.. استسلمت ف مكاني و انا بقول في سري..
البوليس جا يمسكني ، بقيت أبكي و أتنهد.
ثوان والباب اتفتح واتقفل ، وخطوات كعب عالي بدت تقرب مني.. رفعت راسي وأنا بمسح دموعي بيدي.
جات وقفت قدامي بنت في أواخر العشرينات..
كانت جميلة ومتأنقة ، لابسة فستان ضيق على جسمها فاكة شعرها ، و ريحة عطرها كانت واضحة وقوية.
كنت بعاين ليه وأنا ساكته..
قالت لي بصوت ناعم...
— يا بت ، إنتِ كويسة؟.. ما قدرت أتكلم ، بس دموعي نزلت أكتر.
قعدت جنبي في المصطبة ، عاينت لشكلي المبهدل ، و لرجولي الحافية.
سألتني للمرة التانية..
— يا بت الناس ، مالك؟ الحاصل عليك شنو؟.
لساني كان مربوط ، والكلام ميت في حلقي..
قالت لي.. طيب
— أهلك وين؟ في زول عمل ليك حاجة؟ ردي علي يا بت..
كنت بس ببكي وبشهق ، ما قادرة أطلع حرف واحد.
فجأة.. الصمت دا اتكسر بصوت عربية بوكس جان مارة جمبنا وفيها شباب..
أول ما شافونا، خففوا السرعة ، وبقوا يعاينو لينا بشكل ما مريح..
واحد منهم قال بصوت عالي.. مالا دي؟
التاني ضحك وقال.. شكلها تعبانة ، ومنتهية.
رجع تاني قال.. تعالوا اركبوا نوصلكم!!.
جسمي كله اتجمد ، خوفت وبكيت أكتر ، بس البت عاينت ليهم بنظرة حادة لغاية ما مشوا..
وقفت على حيلها، وقالت لي بنبرة جادة..
— شايفة؟.. دي أول معاكسة ، والأشكال دي ما بترحم بت زيك.
سكتت لحظة.. وبعدين قالت لي..
— يا بت.. الدنيا ليل لو ما عندك مكان تمشيه ، تعالي معاي ، الشارع دا ما مكانك!.
قلبي كان بدق بسرعة وخوفي بقى أكبر ، عاينت ليها بتردد ، وقلت ف نفسي...
كيف ح أقضي الليل ف الشارع؟، وعيون الناس ما بترحم؟ ، ما قلت ليها حاجة، بس قمت و مشيت وراها.
من غير ما أعرف عنها أي حاجة ، بس كنت عايزة أهرب من الشارع ومن نفسي.
ساعة كاملة مرت ، ونحن ماشين ، والبيوت بتمر من حولنا زي الأشباح ، لغاية ما دخلنا حي هادي لدرجة تخوّف ، شوارعه واسعة ومُوحشة.
وقفت قدام بيت من طابقين ، نزلت وفتحت لي الباب.. كنت خايفة أنزل معاها ، بس ما بيدي حيلة ، كانت أرحم لي من الحقيقة الهربت منها
مشيت وراها وأنا بجر توبي ، وبتلفت وراي بخوف ،
أول ما ما دخلنا البيت ، لقيت مرا كبيرة ملامحها حادة زي السكين ، ومعاها بت تانية سمراء في العشرينات ، كانوا قاعدين في الحوش ، البت سلمت عليهم وانا فضلت واقفة.
ما سألوني مالك؟ بس فضلوا يعاينوا لي لفترة طويلة و بذهول ممزوج ببرود غريب ، عيونهم كانت بتمسح في شكلي وكأنهم بقروا قصة حياتي في ثانية.
حسيت بعدم ارتياح من عيونهم ، بس البت المعاي أشرت لي بيدها عشان أمشي وراها.
كان في سلم خارجي "حديدي" بودي للطابق الفوق..
طلعت وراها ، مجرد ما دخلنا الشقة لمحت بت تانية قاعدة في الكنبة ، بتتكلم في التلفون وبتضحك بصوت عالي.. حسيت ضحكتها جرحتني! ، كيف في زول بقدر يضحك والدنيا حوالي ماتت؟.
ما ركزت معاي كتير ، وأنا كمان ما كان فيني حيل أعاين لزول.
البت فتحت باب غرفة ع طرف ، ودخلتني.. الغرفة كانت مرتبة و فيها سريرين ، ألوانها صارخة وبتختلف تماماً عن بساطة بيتنا.
جابت لي شبشب ، و طلعت لي ملابس ، قالت لي..
دا الحمام ادخلي رتبي نفسك ، و طلعت قفلت الباب وراها.
فضلت واقفة مكاني.. ما قادرة أتحرك خطوة واحدة ناحية الحمام ، قعدت في طرف السرير، ونزلت راسي بين يديني.
سرحت هنااك.. في المطبخ، شايفة فتحي وعمتي واقعين ، تاني بقيت أبكي بحرقة.
بعد مسافة، الباب اتفتح ، دخلت ومعاها صينية أكل وكباية موية ، ختتهم في التربيزة ، و عاينت لي بإستغراب ، لأني لسه بمنظري داك ، بس ما اتكلمت خلتني وطلعت.
فضلت قاعدة مكاني ، الساعات بتمر وأنا ما حاسة بيها. بقيت أقول لنفسي بصمت..
و الله أنا ما كان قصدي اقتلو! ، بس عايزة يبعد مني!
عمتي!.. ياربي عمتي ماتت؟ ولا لسه حية؟.. يعني أنا بقيت مجرمة خلاص؟.
فضلت على الحالة دي لغاية ما الصباح جاء ، انتبهت على صوت الباب بفتح ، دخلت البت وهي مخلوعة، وقفت قدامي وهي بتعاين لي بصدمة..
سجمي! إنتِ من أمس قاعدة كدا؟ ، لا غيرتي.. لا أكلتي.. لا شربتي.. و لا حتى نمتي؟! إنتِ عايزة تموتي روحك ولا شنو؟!.
رفعت ليها راسي بصعوبة ، عاينت للصينية كانت زي ما هي.
مسكتني من يدي بقوة خلتني أقوم غصباً عني ، وجرتني ناحية الحمام وهي بتقول لي.. كفاية بكا عليك الله.
دخلتني وقفلت الباب وراي ، ما قدرت أوقف قدام المراية ، كنت خايفة من نفسي ، خايفة أشوف مريم القاتلة!.
فتحت فيني موية ، و بقيت اغسل نفسي بغِل ، بس كنت شامة ريحة الدم لسه بتطاردني ف خيالي.
طلعت بعد مسافة، لقيتها منتظراني وفي يدها كباية شاي، أشرت لي أقعد ، و بدت تتكلم معاي...
— أنا ما عارفة الحصل ليكِ شنو؟ ، ولا عايزة أضغط عليك.. بس البكا عمره ما حلّ مشكله.
احكي لي!.. ممكن أقدر أساعدك ، وإنتِ هنا في أمان، ماف زول بعرفك ولا في زول ح يسألك.
الكلمة خنقتني.. أمان؟ كيف في أمان وأنا شلت روح بني آدم؟ أقول ليها شنو؟ أقول ليها أنا البنت الكانت بتخاف من ضلها ،و في الآخر القتلت ود عمتها و خلت أمه تقع من طولها وتهرب.
عاينت ليها، كنت عايزة أصرخ أقول ليها.. أنا قتلت! بس قبل ما أنطقها ، الصوت الفي راسي خلاني أسكت "لو عرفت إنك قاتلة، ح تجيب ليكِ البوليس فوراً".
سكتت ودفنت راسي بين يديني ، والغموض بقى يلف الغرفة زي الضباب ، وأنا ما عارفة.. هل أنا في مخبأ؟ ولا في فخ جديد؟!.
_____________
أواب.....
كلمة "بحبك" الطلعت منها في العربية دي ،أجمل معزوفة سمعتها في حياتي ، في اللحظة ديك، لما رمت نفسها في حضني بعفوية و خوف غلب خجلها، حسيت إني امتلكت الدنيا وما فيها ، وأنه خلاص ماف شيء ناقصني تاني.
كنت حاسي بروح تانية ، روح خفيفة طايرة في السما، ولأول مرة في حياتي أحس إني عايز أعمل حاجة جادة، حاجة تربطني بمريم للأبد.
فضلت الليل كله وأنا سارح في خيالها، ببتسم زي المجنون وأنا بفتكر ملامحها وهي بتقول الكلمة ديك برجفة خلت قلبي يذوب.
تاني يوم.. وأنا بشرب في شاي الصباح مع أمي ، حسيت إن السر بقى أكبر من إني أخفيه ، عاينت ليها وقلت بدون مقدمات ، وبصوت مليان حزم..
— يا أمي.. أنا عايز أخطب مريم.
رفعت لي راسها بإستغراب ، وختت كباية الشاي وهي بتعاين لي بتفحص..
— جبت القرار المفاجئ ده من وين يا أواب؟.
رديت ليها وأنا بحاول أداري خجلي الفضحني ، بس عيوني كانت بتلمع بصدق.. أنا بحبها يا أمي.. وعايزها تكون معاي.
ابتسامة حنينة اترسمت على وش أمي ، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
قالت لي بصوت هادي..والله يا ولدي أنا من زمان اتمنيتها تكون من نصيبك ، وكنت عايزة أفتح ليك الموضوع ده بس قلت لغاية ما تتخرج.
في اللحظة ديك ، حسيت براحة غريبة، كأنو الموضوع انتهى قبل ما يبدأ، وكأنو الأبواب كلها اتفتحت لينا.
بس ما كنت عارف إن الأقدار داسه لينا ، فاجعة ح تدمر كل أحلامي البنيتها ، وإنو السعادة الكنت حاسي بيها دي ، هي آخر لحظات الأمان قبل ما نغرق في بحر من الدم والضياع.
حاولت أتصل ليها بالليل ، بس لقيت تلفونها قافل. ابتسمت و قلت في سرّي.. أكيد لسه خجلانة من الحضن الحضنتني ليه في العربية ، رسلت ليها كم رسالة حب ، و نمت بحلم بيوم خطوبتنا.
تاني يوم.. نفس الحال ، تلفونها قافل ، قلقت عليها شوية ، بس لما سألت عائشة طمنتني إنها كويسة ومع عُناب في بيت المناسبة.
ارتحت و ضحكت من قلبي على خجلها وبراءتها البتخليها تختفي بالأيام عشان "لحظة حب" صادقة.
في نفس اليوم ، أبو صاحبي اتوفى ، وانشغلت مع العزا والشباب والواجب ، في تالت يوم و أنا في قمة انشغالي مع ناس العزاء ، فجأة تلفوني رنّ.. كانت هي! مريم!..
قلبي دقّ، بس الجوطة الحولي كانت ما بتسمح لي.. رديت ليها بسرعة ، مريم أنا مشغول شديد برجع ليك بعدين ، قفلت الخط بسرعة. ما كنت عارف إني بقفل الخط في وش آخر مكالمة لينا.
لما فضيت قريب للمغرب ، رجعت اتصلت ليها.. ما ردت. كررت الاتصال مرة واتنين ، ونفس السكون المستفز. افتكرتها زعلت من قفلة الخط، رسلت ليها رسائل اعتذار كتيرة ، يا مريم والله كان غصباً عني.. معليش ردي علي كنت منتظر ردها بفارغ الصبر.
رجعت البيت بعد العشاء، أول ما فتحت الباب، لقيت أمي و أريج، قاعدين وشوشهم مخطوفة ، سألتهم..
— مالكم يا جماعة؟ في شنو؟.
أمي عاينت لي بصوت مكسور.. فتحي.. ولد أخت عبد الرحمن ، لقوه مقتول في البيت ، وأمه بدرية دخلت في غيبوبة شالوها بالإسعاف.
وقفت مكاني مشدوه.. فتحي؟ القتله منو؟ وبأي سبب؟!.
أول حاجة فكرت فيها هي مريم! ، مريم كانت معاهم ، ياربي هي كويسة؟ لازم أعرف منها الحاصل شنو؟. ضربت ليها.. ما ردت.
ضربت لعائشة.. ردت لي من أول رنة وهي بتبكي بصوت يقطع القلب ، سألتها بجنون..
عائشة! في شنو؟ مريم وين؟ ، قالت لي من وسط دموعها كلمة خلت الدنيا تضلم في عيوني لثواني..
مريم مفقودة يا أواب.. مريم ما لاقينها!.
الكلمة دي خلتني مشوش لثواني..
— مفقودة؟
عائشة كانت لسه بتبكي وتتكلم.. بس أنا.. ما كنت سامع.. غير كلمة مفقودة!.
قلبي بدا يدق بطريقة غريبة.. سريعة.. و موجعة..
عقلي حاول يشتغل ..
فتحي مات.. ومريم.. اختفت؟
كيف يعني؟!..
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أركّز مع عائشة ، لكن ما قدرت أفهم ولا كلمة زيادة ، وبعدها قفلت..
قعدت في مكاني كم ثانية، ساكت وتايه..
فجأة.. جاتني صورة في راسي.. فتحي نفسه!
اتذكرت كلامها ، ضيقها منو ، خوفها من نظراتو لما كان بجيهم للطريقة البتتغير بيها لما اسمو ينذكر.
قلبي قبض زيادة.
وقفت فجأة و قلت بصوت عالي.. لا مُستحيل.
طلعت من البيت شبه جاري ، و أنا بردد..
لازم أمشي.. لازم أعرف.
وصلت بيت عمتها ، لقيتو مليان ناس ، رجال و نسوان أصوات همس وبكاء مخلوطة ببعض ، نزلت من العربية وقلبي بدق بعنف.
قعدت جمب أقرب جماعة لاقتني عشان اعرف الحاصل
بدوا يتكلموا بهمس..
طيب هربت ليه؟.. بتكون هي القتلته!..
في حاجة غلط؟.. ما معقولة تختفي ساي!..
الكلام كان بقع في قلبي زي الرصاص.. من غير أحس قلت ليهم. مريم ما بتعمل كدا، اوعكم تتكلموا فيها!
قلتها وأنا ضاغط على أسناني ، الناس بدت تلتفت علي بإستغراب و دهشة، بس نظراتهم ما كلمت مصدقة.
في اللحظة ديك.. عرفت إني الوحيد البصدقها ، حتى لو الدنيا كلها قالت إنها مذنبة ، و الوحيد الممكن يلقاها.
طلعت بسرعة.. و انا بردد لازم القاكِ يا مريم ، لو ما لقيتك أنا بضيع وراكِ...
يتبع.....
