رواية بقاء الفصل التاسع 9 بقلم رباب حسين
..... ألم
بقلم الكاتبة : رباب حسين
تجلس وحيدة... سقطت حصونها، فقدت هدوئها الذي تواجه به أصعب المواقف، صمت عقلها الذي كان يوهمها أنها لا تحبه، أخرسه القلب الذي يدمي حزناً وألماً.
أحببت معذبي؛ أكثر من يكرهني. لم أشعر بالحب في حياتي قط، والآن سقط قلبي يتألم في عشق مستحيل.
قبضت على ثوبها تعتصره في ألم، وكأنها تريد أن تقبض على ذلك القلب النابض، الناطق بالعشق له هو، تريده أن يصمت، أن يكف عن هذا الألم، فصرخ القلب المعذب ليدمي تلك العين.
أطلقت العنان لعينيها تفيض دمعاً كي تريح ما يشعر به قلبها، تحدثه لما يا قلبي؟ لما عشقته؟ أتريد العذاب أكثر؟
تنازلت كثيراً، ضحيت بحلمي ومستقبلي وعملي كطبيبة لأنقذ أبي وعائلتي من الموت، لم أبالي أبداً بنفسي، دائماََ أفضل سعادة الناس على سعادتي.... ما ذنبي؟ ماذا فعلت لكي أشعر بهذا الألم؟ لماذا أدفع ثمن أخطاء غيري؟ والآن هل أقول لعائلتي وأشعل نيران قد حاولت أن أخمدها بيدي؟ لااا سيتأذى صقر، لا أستطيع أذيته، يجب عليا أن أحميه. إذاً هل أصمت ولا أخبر أحد؟ ولكن كيف! إنه كبير البلد حتماً سيعرفون إنه تزوج.
توقفت لبرهة تستوعب ما تفكر به، ما هذا؟! أخاف عليه أيضاً وهو يتفنن في تعذيبي؟!
يا الله ماذا أفعل؟ أصمت وأتحمل؟ أم أتحدث وأنقذ نفسي من هذا العذاب وأرحل من هنا، و انتظر سماع خبر وفاته، ويلحق به جدي الهلالي حزنًا عليه! لااااا لا لا أستطيع.
رفعت عينيها الباكية إلى السماء وقالت: يارب ليس لي سواك، أعني.
ظلت تبكي وحيدة، مهزومة ضعيفة، رحلت ابتسامتها؛ مصدر قوتها، وكسر قلبها، تكاد تجزم أنها تسمع صوت تحطمه الآن.
ظلت هكذا حتى جاء وقت الغداء، تذكرت ما طلبته جهاد منها ثم قالت بصوت منخفض لنفسها:
كمان هحضرله الهدوم اللي هيروح يخطب بيها.
أغمضت عينيها بألم، جففت دموعها ونهضت لتواجه الأمر، يجب عليها أن تتحمل في سبيل المحافظه على عائلتها وعليه أيضاً.
دخلت المنزل مرة أخرى، وجدت هنية تبحث عنها، و قد استيقظ صقر وجلس يتناول الطعام مع جده وأمه، لمحها صقر تدخل من الباب، فعقد حاجبيه متعجبًا وقال في نفسه:
هي لابسه كده ليه؟
نظر إلى أمه وعلم أنها أمرتها بارتداء هذه الملابس بالتأكيد، ثم أكمل تناول طعامه ولم يعلق بشيء.
كانت هنية تجذب ليل من يدها وقالت
هنية : كنتي فين يا بتي؟ أنا فكرتك طلعتي تنامي وعدور عليكي عشان تاكلي.
قالت ليل بصوت مكسور، وعينيها تنظر إلى صقر تترقب ما يفعل : كنت برا يا خالة عايزة حاجة.
هنية : تعالي كلي يلا حضرنا الوكيل.
ليل : لا مش جعانة.
وجدت هنية أنا عيون ليل مسلطة على صقر، ربتت على كتفها وقالت
هنية : إيه اللي حوصل يا بتي؟ جولي فضفضي.
ليل : مفيش حاجة. ثم نظرت لها وقالت : تعالي معايا أوضة صقر وريني الطقم والقفطان الجداد بتوعه عشان مش عارفاهم.
هنية : حاضر.
ذهبا معاً إلى غرفته، فتحت هنية الخزانة وأعطت الثياب إلى ليل، أخذتها ليل وذهبت إلى غرفة الغسيل، أخذت تنظف وتجفف الثياب وقامت بكيهم.
كان صقر والهلالي يجلسان معاً بعد تناول الغداء ويتحدثان سوياً.
الهلالي : جاي من بدري يا صجر ومسألتش ولا مرة على ليل.
صقر : شفتها وهي داخلة من الجنينة.
الهلالي : بس أكديه؟
صقر : أعمل إيه يعني يا جدي؟!
صمت الهلالي عندما وجد ليل تصعد السلم وهي تحمل بيدها ثياب صقر فقال.
الهلالي : ليل تعالي يا بتي.
التفت وذهبت إليه وقالت:
أؤمر يا جدي.
الهلالي : رايحة فين بالخلاجات ديه؟
ليل : كنت بنضفهم وبكويهم وهطلعهم فوق.
نظر الهلالي إلى صقر وقال : عايز الخلاجات ديه ليه يا صجر فيه فرح في البلد ولا إيه؟
علم صقر أن أمه تعد لزيارة رفعت لطلب يد زهرة، وأنها من المؤكد أخبرت ليل كي تعذبها أكثر، وأمرتها بتنضيف الثياب بنفسها.
صقر بإبتسامة باردة : اه يا جدي فيه فرح قريب إن شاء الله....... فرحي.
تعجب الهلالي وقال : فرحك؟!! كيف عاد؟
صقر : الصراحة كنت هفاتحك في الموضوع يا جدي، بس قلت خليه بكره بعد ما يمشي بيت بركات.
الهلالي بغضب قليلاً : تفاتحني فيه إيه؟
صقر : في إني يعني... أنا هتجوز زهرة.
زاد غضب الهلالي ووقف وقال : تتجوز زهرة كيف؟ جنيت إياك!
صقر : ليه يا جدي هو اللي يتجوز يبقي مجنون؟
الهلالي : لما تكون الزواجة ديه هتجيب أجله يبجى مجنون وستين مجنون.
وأخذ يجوب أمامه وقال: أنا بعمل إيه وإنت بتعمل إيه؟ بحاول أحميك وأنت مصر تجتل حالك، عايز تروح تخطب بعد سبوع من زواجك؟ ومراتك بتنضفلك هدومك كمان! إيه الجبروت ديه؟ كيف تعمل في بنت الناس أكديه؟
صقر : قصدك الناس اللي قتلو أبويا وعمامي، اللي قتلو عيالك وأخوك.
الهلالي : جصدي الناس اللي حطيت أيدي في أيدهم عشان أحميك، عشان مدفنكش بإيدي زي ما دفنت ولادي، عشان تعيش وتخلف وتجيب عيال يشيلو اسمي واسمك.
خرج الخدم على صوت الهلالي، ونزلت جهاد أيضًا لترى ماذا يحدث، وليل تراقب الهلالي وتشعر بالخوف، وجهه لا يبشر بالخير، تشعر أنه على وشك وعكة صحية.
وقف صقر وقال : إنت غصبتني أتجوز مرة وسمعت كلامك، عشان عارف إنك خايف عليا، لكن مش من حق أي حد يمنعني إني أتجوز اللي أنا اخترتها تكون زوجة ليا وأم أولادي اللي هما احفادك اللي إنت عايزهم.
الهلالي : إنت بتعلي حسك عليا يا صجر..... ضرب عكازه الأرض وقال : الجوازة ديه مش هتم ولو على موتي.
صقر : لا هتم يا جدي هتم.
رفع الهلالي عكازه في وجه صقر وقال : هكسر دماغك بإيدي دي.....
ثم صمت، وسقط العكاز من يده، ووضع يده فوق قلبه بألم. ركضت ليل إليه وقالت بفزع.
ليل : جدي.... جدي.
ثم نظرت إلى الخدم وقالت: بسرعة شنطتي من فوق.
ركضت فاطمة لتحضر الحقيبة، ونزل صقر على ركبتيه ولحقت به جهاد وهم يصرخون به كي يجيبهم.
صقر : جدي... جدي، أنا أسف يا جدي مش قصدي أعلي صوتي عليك، أرجوك يا جدي متسبنيش.
أخذت ليل الحقيبة من فاطمة وكشفت عليه، ثم دونت أسامي بعض الأدوية وقالت لصقر.
ليل : هات الحقن ديه بسرعة.
خرج صقر مسرعاً واشترى الحقن، وأخذتها ليل وأعطتها له فوراً وقالت:
لازم يروح مستشفى، أنا لحقته بس لازم عناية.
طلب صقر الأسعاف ويداه ترتجف من الخوف، وبدلت ليل ثيابها وانتظرت الأسعاف، وصعدت إليها معه لم تتركه.
وصلو للمشفى ولحق بها صقر وجهاد في سيارة صقر.
دخلت معه وقالت داخل الطوارئ بصوت مرتفع: بسرعة على العناية المركزة فوراً.
تقدم الطبيب ونظر لها بتعجب وقال:
إنتي مين؟
هنا تدخل صقر وأمسك الطبيب من ذراعه وقال :مراتي.
نظر له الطبيب ثم أردف: بسرعة خدوه على العناية.
ذهبت ليل معه، كانت تركض بجواره ودخلت معه العناية، وظلت مع طبيب الطوارئ حتى أطمئنت على حالته أنها مستقرة الآن.
خرجا معاً ثم تقدم الطبيب منها وقال: الصراحة يا دكتورة إنتي اللي أنقذتيه، لو مكنش خد الحقنة كانت الجلطة هتأثر عليه الصراحة، إتفاجأت بيكي وإنتي بتقولي إنك لسه خريجة جديدة.
ليل : الحمد إنها عدت على خير يا دكتور...
الطبيب : مصطفى... اسمي مصطفى.
رأه صقر واتجه إليه، ثم أمسك مصطفى من ذراعه برجاء وقال:
طمني يا دكتور أرجوك.
مصطفى : إسئل الطبيب المعالج، أنا معملش حاجة. دكتورة ليل هي اللي تقدر تطمنك.
نظر إليها صقر منتظرًا أن تتحدث فقالت.
ليل بابتسامة : مفيش حاجة، اطمن أنا لحقت الجلطة وأنا في البيت، بس كان لازم اطمن على مؤشراته الحيوية، والحمد لله هو نايم دلوقتي ومفيش أي خطر عليه، بس لازم يفضل هنا يومين تلاتة لحد ما الحالة تستقر، لأن الضغط عالي نتيجة العصبية طبعاً.
نظر لها صقر وقال : شكراً يا ليل، متشكر أوي، مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه، مش مصدق إني كنت هخسر جدي كمان.
تاهت ليل عندما سمعت شفتاه تنطق اسمها لأول مرة، نظرت في عينيه وتاهت بهما، كم اشتاقت لهما ولنظرته، ولأول مرة ترى بهما نظرة الخوف والرجاء والشكر، نظرة دافئة تعبر عن قلب صقر الحقيقي، هذا القلب الحنون الذي يخفيه عن أعين الناس وكانت هي تراه وتعرفه جيدًا.
بادلها النظر في عينيها لأول مرة، يشعر أن غضبه تجاهها يتلاشي.
كل هذا تحت أنظار جهاد التي حمدت الله على سلامة عمها، واستغربت صمت ليل وصقر، ولماذا ينظر صقر إليها هكذا؟! قالت.
جهاد : ينفع نشوفه؟
انتبه صقر وليل لها، وقُطِع اتصال أعينهما، ثم قالت
ليل : لا مش النهاردة، آسفة الزيارة بكرة إن شاء الله، لازم يرتاح، متقلقوش أنا هفضل معاه مش هسيبه، ومش هرجع على البيت معاكم هفضل هنا، روحو إنتو وتعالو بكرة، وياريت تتصلو بأهلي وتبلغوهم باللي حصل، لأني نسيت تليفوني في البيت.
صقر : أنا هبلغهم وهروح أمي وهجيب تليفونك وأرجعلك، عشان لو حصل حاجة تبلغيني.
ليل : إن شاء الله مش هيحصل حاجة.
صقر : طيب هروح وأرجعلك.
أخذ جهاد وذهب إلى المنزل، وأحضر هاتف ليل وقاد سيارته إلى المشفى، وأثناء قيادته وجد مكالمة صادرة على هاتف ليل، نظر من يتصل وجد اسم دكتور أحمد.
نظر مطولاً من هذا الذي يتصل بزوجته في هذا الوقت المتأخر؟ شعر بالغضب قليلاً ولكنه نفض الفكرة من رأسه، فلا يهم. ولكن مهلاً بالطبع يهم إنها زوجته مهما كان.
وصل إلى المشفى صعد إلى غرفة العناية ولكن لم يستطع الدخول، فطلب من إحدى الممرضات أن تعطي لها هاتفها، ثم عاد إلى المنزل.
أخذ حمام دافئ واستلقى بالفراش، يتذكر ما حدث، كيف تشاجر مع جده بسبب زهرة؟ هو محق إنه قرار خاطئ، ليس هذا التوقيت المناسب، إذا حقًا أراد الزواج بأخرى فليس الآن.
وقرر أن يبلغ جده بأنه لغى فكرة الزواج من تفكيره الآن، وأنه سينفذ أوامره.
ثم تذكر نظرتها، إذ ظهرت صورتها أمام عينيه فجأة، لا يعلم ما السر وراء ذلك، ولكن تيقن بأن هناك أمر غير اعتيادي يحدث بداخله.
هل ينبض القلب لمن أحبه أم لا؟!
