رواية بقاء الفصل السادس 6 بقلم رباب حسين

          

رواية بقاء الفصل السادس 6 بقلم رباب حسين

... إعتذار


بقلم الكاتبة : رباب حسين


ليس من السهل أن يحافظ الإنسان على هدوءه طوال الوقت، ولكن الأسوء أن ينفجر ذلك الغضب بوجه الشخص الخطأ. 


لم تكن تعلم أن هناك بركان خامد بداخله، كانت تظنه مثلها؛ أن لديه نفس الرغبة في إنهاء هذا الصراع، لم تعرف أن هناك صراع آخر بداخله. 

ترى... ماذا سيفعل صقر هذه المرة؟


خرجت ليل من غرفة صقر ونزلت إلى الأسفل بعد أن جففت دموعها ة، حمدت ربها أن لم يسمعهم الجد أو جهاد؛ فكانا بحديقة المنزل. 


نزلت إلى هنية التي سمعت أصواتهما ولكن لم تحدد سبب هذا الشجار، نظرت لها هنية بقلق وقالت 


هنية : حضرتلك الوكل يا بتي تعالي كلي. 


ليل بابتسامة هادئة : شكراً يا خالة. 


جلست معها بالمطبخ تتناول الطعام، تفكر في حديث صقر شاردة، ترى إلى أين ذهب؛ هل سينفذ تهديده الآن؟ حذرها من الخطأ، ولكن غبية قد أخطئت دون وعي، فدموع هنية أحزنتها وأغضبتها كثيراََ.


ظلت هكذا شاردة حتى تحدثت هنية : خابرة يا بتي باللي إنتي فيه، ليه في عز زعلك بتضحكي يا بتي إبكي. 


هنا ونظرت إليها ليل، نزلت دمعة حارقة من عينيها وقالت : غلطت يا خالة.... غلطت. 


هنية : كلنا عنغلط متزعليش. 


مسحت دمعتها سريعاََ وابتسمت من وسط حزنها وقالت 


ليل : يارب يسامحني. 


هنية : يفرج معاكي زعله؟ 


ليل : يفرق معايا غضبه ربنا يستر. 


أنهت طعامها أرادت أن تذهب إلى الهلالي تتحدث معه ولكنه جالس مع جهاد، فلم ترغب أن تحتك بها الآن، فصعدت إلى غرفتها وقررت أن تنتظر صقر تعتذر منه. 


خلد من في المنزل إلى النوم وتأخر صقر قليلاً حتى عاد في منتصف الليل، انتظرت قليلاً وذهبت إلى غرفته، طرقت الباب وانتظرت حتى يفتح. 


صقر بتعجب: إنتي بتعملي إيه هنا؟!

ليل بهدوء ونظرة رجاء: ممكن أتكلم معاك شوية؟ 


صقر : لا.


كاد يغلق الباب ولكن منعته ليل بيدها.


ليل : الناس نايمة خلينا متحضرين ونتكلم بهدوء.


تأفف صقر وقال : قولي.


ليل : أنا أسفة.


نظر لها صقر ولم يجبها. 


ليل : أنا عارفة إني غلطت في الكلام، وقولت كلام مينفعش زوجة تقوله لجوزها ولا يتقال لراجل عموماً، بس أنا لما بتعصب مش بعرف أنا بقول إيه. 


صقر ببرود: وبعدين. 


ليل : أرجوك متخليش غلطتي تعميك أكتر وتنفذ اللي قولته. 


صقر : اااااه إنتي جاية تعتذري عشان خايفة على عيلتك. 


ليل : لا وخايفة عليك إنت كمان، صدقني الانتقام وحش، أرجوك بلاش تخلي حد يدفع تمن غلطتي، أنا مستعدة لأي عقاب وموافقة على أي طلب أعمله. دلوقتي نص الليل جاية أشوف طالب مني إيه أعمله. 


صقر : هتندمي على الكلمة ديه. 


جذبها من يدها وأدخلها الغرفة وأغلق الباب، دفعها إلى الحائط مما جعلها تخاف من إقترابه منها وهو ينظر إليه نظرة لا تحمل الخير


ليل بخوف : انتااا بتعمل إيه؟


صقر : إنتي وافقتي على أي عقاب صح؟


لم تجيبه ولكن نظرت إليه نظرة خوف


صقر : لا دماغك متروحش لبعيد، قولتلك أنا قرفان منك بس عايز أربيكي على اللي قولتيه النهاردة. 

ليل: مش ملاحظ إنك بتستغل الوضع، أنا قصدي لو حابب أعمل حاجة في البيت لكن حاجة تانية لا. 

صقر: إنتي عايزة تغلطي وكمان تختاري نوع العقاب!

ليل بغضب: إنت كمان عمال تغلط فيا، أنا متربية كويس ومش محتاجة حد يربيني، وخصوصاً إنت، على الأقل أنا بعرف حدودي مع الناس وبحترم الكبير والصغير لكن إنت مش بتحترم حد، وفاكر نفسك عشان الناس عمالة تقولك يا كبير خلاص شايف إنك تقدر تدوس على الناس كلها. 


لم يتحمل صقر حديثها المهين، لم يشعر بما يفعل، رفع يده عالياََ وسقطت على وجنتها دون شعور. 

نظرت إليه في عينيه وتجمعت الدموع في عينيها. ضربها! حقاً؟


ليل ببكاء والدموع تتساقط من عينيها : بتضربني؟! 


صقر : اه، كنت ناوي اختارلك عقاب أخف بس واضح إن لسانك الطويل ده مش هيتأدب إلا كده. 

ليل بحزن: يعني كده قبلت إعتذاري؟

صقر: اه، بس آخر مرة هسامحك على غلطة. 


خرجت من الغرفة تركض إلى غرفتها، تبكي بصدمة، هل ضربها؟ لم يضربها أحد من قبل كيف يضربها؟


أما صقر نظر إلى يده بتعجب. ماذا يفعل؟ هل ضرب امرأة الآن؟ لا هذه ليست أخلاقه؛ كيف فعل ذلك؟ غضبه يعميه حقاََ يتصرف على عكس قناعاته، هل يفقد ذاته؟ ولأول مرة يختل إحترامه لنفسه، حتى وإن أخطأت كان عليه التحكم بغصبه أكثر من ذلك. 


ثم تذكر بكاءها، لا يعرف لما أصابه الحزن، هي دائماً تواجه كل المصاعب بابتسامة، حتى وهي متعبة، أو حين يوبخها. 

وضع يده بين خصلات شعره بغضب، يااااا الله! كيف لدموع النساء أن تزلزل الجسد هكذا؟ أولاً هنية والآن هي. 


دلف إلى المرحاض يأخذ حماماً دافئاََ، يحاول أن يهدأ ويضع حدود لهذا الشذوذ عن طبيعته، ثم خرج ونام وهو غاضب من نفسه. 


أما ليل ظلت تبكي حتى غفت، كانت تصبر نفسها وتقول برغم من الألم إلا إنه أفضل من أذية أحداََ من العائلة أو أن يتأذي هو، وما جعلها تهدأ قليلًا هو ذلك الخجل والصدمة التي ظهرت داخل عينيه بعد أن صفعها، وكأنه تفاجأ مما فعل، وهذا ما أكد ظنونها، صقر يمتلك شخصية مختلفة ولكن لا يزال يطغى عليه شخصية الرجل الصعيدي الذي يعرف حدوده جيدًا، وكانت هذه النظرة كفيلة بأن تجعلها تهدأ قليلًا. 


كم ستتحمل بعد في سبيل تلك التضحيات؟


سطعت شمس الشتاء عليهم، استيقظ من في المنزل ونزلت ليل إلى أسفل بعد أن أخفت أثر الصفعة التي على وجهها بمساحيق التجميل. وجدتهم على طاولة الطعام، كان صقر يرتدي جلباب صعيدي، لأول مرة تراه بها، جذب نظرها دون سبب، فقط تطلعت به لعدة ثواني، فهو يملك طالة تخطف العيون. 

نظر لها الجد وابتسم لها، بادلته الابتسام وذهبت إلى المطبخ أوقفها الهلالي بصوته : على فين يا بتي؟ 


إنتبه صقر لها نظرو إلى بعضهما البعض، شعر بالخجل لأول مرة، لذا أبعد عينيه عنها سريعًا. ثم قالت


ليل : هروح أفطر يا جدي. 


الهلالي : تعالي يا بتي أجعدي معايا. 


نظرت ليل إليهما ولم ترغب أن تجلس أمامه، تشعر بأنها على وشك البكاء فقالت


ليل : لا يا جدي معلش، خليني أفطر مع خالة هنيه النهاردة. 


الهلالي : طيب أفطري وتعالي ورايا على الجنينة. 


ليل : حاضر يا جدي. 


تناولو الفطار وارتدت ليل حجابها وخرجت إلى جدها في الحديقة، جلست بجواره بعد أن قبلت رأسه وبدا عليها الحزن فقال


الهلالي : مالك يا بتي لساتك تعبانة؟ 


ليل بابتسامتها الهادئة : لا يا جدي أنا كويسة. 


الهلالي : واه أومال ليه عيونك حزينة؟ حتى ضحكتك دايماََ حزينة. 


ليل : معلش، يمكن لسه مخدتش على الوضع الجديد. 


لفت نظرها دخول أمها وأبوها ونور بنت عمها وزيد وزياد اللذين أتوا للأطمئنان عليها ومباركتها على الزواج، ركضت نحوهم ولحق بها الهلالي ليرحب بهم. 


ليل : إيه المفاجأة الحلوة ديه؟


حسن : حبينا نطمن عليكي يا ليل، الف سلامة يا حبيبتي شكلك بقيتي أحسن. 


ليل : اه يا حبيبي خفيت الحمد لله. 


قبلتها أمل وقالت : وحشتيني أوي يا ليل، معرفش هقعد من غيرك إزاي؟ 


ليل: متقوليش كده يا ماما بقى، متفكرنيش هعيط بجد. 


زيد بابتسامة مشرقة : مبروك يا عروسة، إيه مش شايفة غير ماما بس؟ 


ليل: لا شايفاكو طبعًا، بس الصراحهة يا زيد مستنياكو تتكلمو عشان أعرف مين زيد ومين زياد. 


زياد بوقار : حتى هي عرفت إنك المجنون فينا. 


زيد : مجنون أحسن من تقلك.... يا عم فك بقى الدنيا مش مستهلة التعقيد ده. 


زياد : مية مرة قولتلك مش معنى إني مش بهزر زيك يبقى أنا معقد. 


نور :بس بقى انتو هتتخانقو هنا كمان. 


ثم ذهبت إلى ليل قبلتها وأحتضنتها. 


نور : تصدقي وحشتيني، كان نفسي أجيلك من بدري بس جم أول يوم و سابوني نايمة. 


حسن : متصدقيش يا ليل صحيتها أنا وزيد أد كده، لكن ما شاء الله نومها ولا أهل الكهف. 


ضحكو جميعًا ثم قال الهلالي : نورتونا إتفضلوا. 


دخلو جميعاََ إلى المنزل ورأو صقر يتجه إلى المندرة نظر إليهم ثم ذهب ليرحب بهم. 


صقر : أهلاََ وسهلاََ بعيلة بركات، نورتو إتفضلوا. 


تقدمو منه وهناك نظرات تتطاير بين زيد وزياد وصقر، فهم كانو على وعد بقتل بعضهم البعض. 


شعرت ليل ببعض التوتر بالأجواء، فقالت يلا ندخل يا جماعة واقفين ليه؟ 


ذهبوا أمامها وأخذهم الهلالي إلى غرفة الضيوف وكادت تلحق بهم ليل، إلى أن أوقفها صقر وأمسكها من يدها واقترب من أذنها وقال. 


صقر :شايفك بتعزمي بقلب جامد، والله وصدقتي إنك بقيتي مرات الكبير وبتعزمي في بيته. 


ليل بهمس : مش ديه أوامرك إني مبينش حاجة، ولا تحب أسيبهم وأدخل المطبخ؟ 


صقر : شيلي الضحكة اللي على وشك ديه قدام الرجالة اللي جوا. 


ترك يدها وذهب خلفهم ولحقت به حتى قاعة الضيوف ثم قال. 


صقر بتكبر : أسف يا جماعة، كان نفسي أقعد معاكم بس عندي جلسة في المندرة، عن أذنكم. 


التفت إليها ولاحظ أنها تضع مساحيق التجميل، ذهب من أمامها وجلست هي معهم ثم قال. 


الهلالي : منورين، ثواني والضيافة عتيجي. 


ثم خرج بعد أن ابتسم في وجه ليل وجلست ليل معاهم. 


زياد بغضب قليل: طول عمره متكبر ومغرور، ليل لو عملك أي حاجة تعالي قوليلي، إوعي تفتكري إنك لوحدك، عندك أخوات دلوقتي. 


ابتسمت ليل بسعادة، الشعور بوجود عائلة تهتم بك مطمئن للغاية. ثم قالت


ليل : هو اه مغرور بس طيب.


نظر زياد إلى زيد ثم قال 


زيد : شكلك متعرفيش عنه حاجة، أنا قلت طيبة ومش هتاكل مع عيلة الهلالي. 


حسن : خلاص يا ولاد بقى. 


نور : بصي بقى يا ليل، أنا جبتلك هدية صغيرة. 


ليل : حبيبتي يا نور مفيش داعي أبدًا، أنا أصلاََ مبسوطة إني بقى عندي عيلة واخوات، ومبسوطة بيكي أوي، حاسة إن ليا أخت دلوقتي، ديه أكبر هدية بالنسبالي.


نور : نفس إحساسي والله.


ظلو يتحدثون وانضم إليهم الهلالي قليلاََ ثم ذهبوا جميعاََ.


صعدت إلى غرفتها وأثناء سيرها سمعت صوت همهمة يأتي من إحدى الغرف، دخلت الغرفة وجدت الخدم متجمعين عند نافذة جانبية من ااغرفة فقالت


ليل : بتعملو إيه يا بنات؟ 


شعرن جميعاََ بالفزع والتفتوا إلى الصوت، ثم نهدت فاطمة و قالت: حرام عليكي يا دكتورة، فكرناكي الحجة أم صجر. 


ليل بتعجب : فيه إيه مالكو بتعملو إيه؟ 


إقتربت منهن ونظرت من النافذة، وجدته يطل على نافذة غرفة أخرى، ووجدت صقر يظهر منه وهو جالس يتحدث مع الرجال وأصواتهم مرتفعة قالت. 


ليل : هي ديه المندرة اللي قال عليها؟ 


سعيدة بهمس : أيوة؛ وطي صوتك يا دكتورة أحسن يشوفنا الكبير. 


استمعت إلى صوت صقر يقول بحدة : أنا قولت يا حمدان تجيب شهود على كلامك. 


حمدان : وأنا جيبت عبد الرحيم، هو هيشهد. 


صقر : أتكلم يا عبد الرحيم. 


عبد الرحيم : يا كبير أنا شفت حمدان وهو بيدي فلوس لعماد. 


عماد : محصلش. 


صقر بغضب : عارف يا عماد جزاء اللي يكدب عندي هنا إيه؟ 


بلع عماد ريقه بخوف من نظرة صقر له وقال: يا كبير هو أداني فلوس بس مش كلها. 


صاح صقر : يعني أداك وإنت بتنكر؟ 


عماد : مش كملين يا كبير. 


صقر : بس إنت جيتلي وقلت خد مني فلوس ومردهاش صح ولا لا؟ 


عماد : حصل يا كبير. 


صقر : عقابك عندي على كدبك عليا. 


نادي بصوت مرتفع: قناوي. 


دخل قناوي من باب المندرة المطل على الحديقة وقال. 


قناوي : أمرك يا كبير. 


صقر : خد عماد وحطه في أوضة الجنينة يومين ميشوفش الشمس. 


قناوي : أمرك يا كبير، وأخذ يجذب عماد من يده وهو يطلب العفو منه ثم قال. 


صقر : حمدان باقي الفلوس تروحله وتديني ميعاد تلتزم بيه. 


حمدان : هو سبوع يا كبير هاخد تمن الغلة واديله الفلوس. 


صقر : تاني مرة لما تحتاج علاج لأمك تعالى عندي وأنا هديك. 


حمدان : جمايلك فوج راسنا يا كبير. 


كل هذا تسمعه ليل وهي تنظر إلى صقر نظرة إعجاب، ثم تذكرت حديثه معها أمس أنه لم يقتل وهذا أسعدها كثيراً، لا تعلم لما تصدقه ولكن لا يوجد لديه دافع للكذب.

والآن تراه يحكم بين الناس بالعدل، كم هو حازم وذو شخصية قوية وفريدة من نوعها. 


ثم تذكرت كيف تحدثت معه وقالت له أنه جبان، فحدثت نفسها بصوت هادئ وقالت : ده جبان يا ليل؟!


يبدو وأن هناك فتيلة حب قد بدأت تشتعل داخل قلبها، هل وقعت بعشق ذلك المتكبر الغاضب أم يستمر في معاملتها بجفاء حتى تنطفئ تلك الشرارة؟

                الفصل السابع من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا 


تعليقات



<>