رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل الثامن والعشرون28 بقلم ليله عادل
[بعنوان:صحوة قلب ميت ]
بدأت ماسة تقترب من عماد، والسكين بين يديها في وضع الهجوم، خطواتها بطيئة لكنها حاسمة، بقرار لا يعرف الرجعة.
كانت على بعد خطوات منه، وفجأة وقف أمامها جسد فصل بينها وبين هدفها "سليم"
الذي جاء منذ لحظات، فوجد السكون يخيم علي المكان بشكل مريب، تحرك متجها نحو الدرج، لكنه توقف حين لمح ماسة تتسلل من باب الزجاجي المؤدي إلى الحديقة، عقد حاجبيه باستغراب، وتراجع خطوة إلى الخلف، ثم تحرك خلفها بحذر، وحين لمح السكين بين يديها، اتسعت عيناه بصدمة، وأسرع يعترض طريقها ...
تجمدت ماسة في مكانها، وبرقت عيناها بدهشة، أما سليم فحدق فيها مصدوما مما كانت تنوي فعله.
لم ينطق بكلمة فقط نظر إليها نظرة حادة، ومد يده بسرعة، وأمسك بنصل السكين من جهته، غير عابئ بالحدة التي قد تجرحه، حاول أن يسحب السكين، وعيناه مشتعلتان بالغضب، لكنها تشبثت بها
بعينين حادتين تحملان غضبا وانتقاما لا يعرفان مثيلا..
ضغط سليم أكثر على حد السكين وهو يشدها من بين يدها، وفي لحظة، انغرز النصل في راحة يده، وقطرة دم حمراء تسللت ببطء على حافة النصل، لكن سليم لم يتركها
رفع عينيه إليها، بنظرة حادة كأنه يقول دون كلمات: سيبي السكينة، مش هينفع.
أما ماسة فحدقت فيه بضيق واضح، نظرة ممتلئة بالضجر والغضب والرفض، شدت قبضتها أكثر، ترفض أن يتدخل بينها وبين ما قررت فعله.
دارت بينهم حرب من النظرات دون كلمات فقط أنفاس متقطعة، وصوت احتكاك المعدن المرتجف بين قبضتيهما...
مرت ثواني، هي تشد وهو يشد، وعيونهما تقول كل شيء، كانت لحظات لكنها مرت كدهر كامل.
في تلك اللحظة، التفت عماد على الحركة، وقد انتبه أخيرا لما يحدث.
لكن سليم لمح ظله يتحرك من طرف عينه، فخرج صوته فجأة حادا: كمان عايزة تقتليني؟! هي وصلت لكده؟!
وفجأة رفع يده وصفعها، فتجمدت ماسة عند كلماته.
اقترب عماد يتساءل بذهول: في إيه يا سليم؟!
صرخ وهو يشد السكينه من بين يدها بقوة:
سيبي السكينة! بقولك سيبي!
دفع يدها بقوة، فسقطت السكين على الأرض.
قبض على ذراعها بقسوة انفعالية، وصاح بصوت يرتجف من الصدمة: عايزة تقتليني يا واطية؟! امشي قدامي!
لم تتحدث ماسة، فقط تنظر له بعينان متسعتان، وكأنها خرجت لتوها من غيبوبة الغضب الذي تلبستها.
سحبها إلى الداخل بخطوات متسارعة، وهو يزمجر: والله لأعرفك أزاي ترفعي سكينة على سليم الراوي! نسيتي نفسك يا حقيرة؟! يلا قدامي!
في تلك الأثناء كان رشدي قد وصل القصر..
فتح باب وتقدم نحو الدرج، وحين رأى ذلك المشهد، توقف يشاهد ما يحدث بعينين متسعتين من بدهشة.
بينما جاء عماد من خلفهم مذهولا.
التقت عينا رشدي بعماد، في سؤال صامت عالق بينهما: ماذا يحدث هنا؟
ثم رفع رشدي نظره إلى الأعلى، حيث كان سليم يسحب ماسة على الدرج بعنف وهو يصرخ ويتوعد لها، بينما بدأ الجميع يخرجون على صوته المرتفع.
خرجت فايزة من المكتب، وتبعتها صافيناز.
أما فريدة وإبراهيم فخرجا من غرفة المعيشة، ووقفوا جميعا يشاهدون ما يحدث، والذهول يسيطر على وجوههم، حتى سمعوا صوت إغلاق الباب في الأعلى.
فايزة بعدم فهم: في إيه؟
عماد وهو لايزال مذهولا: ماسة كانت ماسكة سكينة، وكانت عايزة تقتل سليم.
نظر رشدي اليه، وقال بصدمة: نعم؟! أنت بتقول إيه؟!
في نفس اللحظه نظر إبراهيم إلى فريدة، وقال بحزم: فريدة إحنا هنمشي حالا، أنا مش هقعد ثانية واحدة في القصر ده.
قال كلماته وتحرك، بينما وزع رشدي نظراته بينهم وهو يتساءل بحدة: أنا عايز أفهم في إيه! حد يفهمني!
تابع بنبرة ساخرة: ايه الفجوة الزمنية اللى وقعت فيها دى، أنا على حد علمي غبت عشر أيام مش عشر سنين؟!ماسة جت هنا أزاي؟! وتقتل سليم ليه؟! أنا مش فاهم حاجة!
نظرت إليه فايزة، وقالت بهدوء حاسم: مش هنا، تعالي نتكلم في المكتب.
أنهت كلماتها وتحركت نحو المكتب، لحق بها عماد وصافيناز بينما ظل رشدي واقفا للحظات في مكانه، يحاول أن يستوعب، ثم رفع عينيه نحو الدرج مرة أخرى، وتنهد ببطء قبل أن يتحرك هو الآخر نحو المكتب.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
في المكتب.
جلست فايزة على المقعد، تضع قدما فوق الأخرى، بينما جلست صافيناز على الأريكة، ووقف عماد بجانبها، وعيناه تراقبان الباب.
دخل رشدي وأغلق الباب خلفه، لم ينتظر لحظة، وسأل مباشرة: أنا عايز أفهم بقى أية الحكاية؟
ابتسمت فايزة ابتسامة جانبيه، وقالت بهدوء: مفيش، كل اللي نفسنا فيه يحصل من زمان، أهو حصل.
ضيق رشدي عينه متسائلا بعدم فهم: مش فاهم برضو عملتوا ايه؟!
صافيناز بضيق: استنى بس يا رشدي، قبل ماتفهم في حاجة مهمه لازم نفهمها...
وجهه نظراتها الى عماد وتساءلت: أنت متأكد يا عماد إنك شوفت ماسة بتحاول تقتل سليم؟!
أجاب بثقة: أيوه أنا كنت واقف في الجنينه بعمل مكالمة، وفجأة سمعت صوت سليم عالي، ولما قربت لقيته بيحاول ياخد السكينة من إيديها.
مرر رشدي يده في شعره بعصبية: أنا هفضل أسأل كتير، في إيه؟
عماد ببساطة ممزوجه بسخرية: مفيش يا سيدي، كان عندي فكرة، إننا نخلي سليم يشك في سلوك ماسة؟
ضيق رشدي عينيه بتساءل: أزاى؟!
تابع عماد وكأنه يحكي شيئا عاديا: زي ماسمعت، فكرت إن سليم لو شك في سلوك ماسة ووقتها هيقتلها بنفسه وساعتها الحكايه تخلص..
كان رشدي ينظر إليه بعدم فهم، وعيناه تمتلئان بالاستيعاب المتردد، فأومأ عماد برأسه ردا على نظراته: أنا هفهمك الحكاية من الأول.
توقف لحظة، ثم تابع: الحكاية بدأت لما بعت لسليم صور لماسة وهي مع مصطفى.
علي اتجاه آخر، عند سليم وماسة
وقفا سليم وماسة أمام بعضهما، والغضب يمتلكهما، لكن حاول سليم خفض صوته حتى لا يسمع أحد مايحدث.
سليم بغضب معاتب: إيه اللي كنتي هتعمليه ده، أنتِ اتجنتتي يا ماسة؟! كنتي هتبوظي كل اللى عملناه بتهورك ده؟
نظرت له، والغضب يشتعل في عينيها، وقالت بشدة: كنت عايزني اعمل ايه وانا سماعه وهو عامل يفتخر باللي عمله فيا هو وأختك؟ كأن إللي عمله ده عمل عظيم، لما داس على شرفي، وأختك القذرة اللي قلعتني هدومي ونيمتني في حضن راجل غريب؟ وواقفه بتضحك ومبسوطة بنجاح خطتها القذرة...
تابعت بانين وانكسار وهي تشير نحو نفسها: بتضحك على إللي عملته فيا...
واصلت وهي تجز على اسنانها بكراهيه: انا لو عليا، كنت دخلت إيدي جوه قلبها وعصرته ورميته للكلاب، بس الكلاب هتقرف تاكل منها ! لازم اقتله، انا شوفته قصاد عيني بيضحك، عارف يعني ايه بيضحك وفرحانه أن دي فكرته ونجحت؟!
ثم صرخت بنبرة مبحوحه بغضب: بعدين أنت أزاي أصلا متقوليش؟! أزاي تخبي عليا إن أختك قلعتني؟ وكل ده حصل معايا، ها؟
مد يده ليهدئها: اهدي وهفهمك.
ضربت يده بيدها المرتجفتين وهي تصرخ: أهدي! وهتفهمني؟! ايه الدم حن، هتبقي اختك القذرة على شرف مراتك..
نظر لها بتأثر، لم يعرف ماذا يقول؟! يفهم طبيعة غضبها، فتركها تفصح عن مشاعرها بصمت.
استرسلت دون توقف بدموع ووجع: متقوليش أهدي! مش ههدى! مش هفضل ساكته وأنا شايفه القذر اللي اسمه عماد عايش بيتنفس ويضحك وأنا حياتي اتدمرت! عشت أيام خايفة أخرج من الأوضة، خايفة اتحرك، وهو بياكل ويشرب وعايش حياته عادي، وأنا كده!
تنهد وهو ينظر داخل عينيها بعينين توعدها: وأنا قولتلك هجيبلك حقك...
تابع بضجر: كنتي عايزاني أقولك إيه؟ وأقولك إزاي بالحالة اللى كنتي فيها؟
تابع بعينين تشتعلان: عايزني اقولك ببساطه كده إن هما نيموكي في حضن مصطفى وقلعولكي! هقولهالك ازاي؟! ازاي يا ماسة ازاي؟!
ثم أخذ نفسا عميقا، وتابع بصوت أخف: في حاجات مينفعش تتقال، في حاجات لازم نسكت عنها ونخبيها علشان اللي بنحبه ميتجرحش، ومنتدمروش أكتر وأكتر، معرفتك مكانتش هتفيد أي حاجة غير إنك هتدمري أكتر وهتتكسري أكتر.
ردت بنبرة محشرجه: واديني عرفت.
نظر لها بثبات، وقال بوعد: وأنا مش هسيب حقك، هجيبلك حقك لحد عندك، وهتشوفي بعينك!
امسك يدها، وقال بصوت حازم وهو يركز النظر داخل عينيها: اصبري عليا، ولو حقك بالطريقة اللي هجيبهولك بيها معجبكيش، قوليلي عايزة أجيبهولك أزاي، وأنا هجيبهولك بطريقتك، ماشي؟
نظرت له بضعف، وجلست على الأريكة لا تعرف ماذا تقول، ثم انهارت بالدموع.
نظر لها بأسف لوهله ثم جلس على ركبتيه أمامها، أمسك يديها وقال وهو يقسم: ولله العظيم، هجيبلك حقك، وهكون كابوس ليهم.
رفعت عينيها إليه، والدموع تمحو ملامحها، تبادلت النظرات معه لحظة، هي بضعف ووجع، هو يحمل وعدا صادقا.
ثم أمسك رأسها وضمها إلى صدره، وربت على شعرها برفق، محاولا أن يمنحها القليل من الطمأنينة والحب وسط كل هذا الألم.
على اتجاه آخر، مكتب عزت.
كان رشدي يستمع لعماد بذهول تام، علق بدهشة: إيه اللي انت بتقوله ده؟! انتوا عملتوا كده فعلا؟ والباشا وافق؟!
أومأ عماد برأسه وكأنه لم يفعل شيء: أه وافق، والناس اللى نفذت كانت تبعه، أومال إحنا ممكن نعمل حاجة زي كده من غيره؟ ده كان سليم لقطها..
واضاف بسخرية: ده راداره مبيخيبش...
تابع، بإبتسامة واسعة وهو يعدل ياقة بتفاخر: بس ايه رأيك مش ملعوبه؟! انا خططي مبتخيبش، كش ومات الملك علطول.
هز رشدي رأسه بإيجاب بإبتسامة صغيرة مليئه بالانزعاج والاستنكار، قال مؤيدا: فعلا الأفكار الوس"خه دي، متطلعش الا منك يا عماد..
وفجأة اندفع نحوه، ولكمه بقوة حتى ترنح عماد وعاد إلى الخلف..
نهضت فايزة وصافيناز على الفور، اتجهت صافيناز نحو عماد لتطمئن عليه، بينما توقفت فايزة أمام رشدي بمنع، وهي تصيح فيه: ايه اللي بتعمله ده انت اتجننت؟؛
صرخ رشدي بانفعال: هو فيه جنان أكتر من اللى عملتوه؟!
فايزة بهدوء بارد: إيه مشكلة؟! انت أكتر واحد المفروض تكون مبسوط.
رد بغضب متعجب: أكون مبسوط بإيه؟! إنكم عريتوا ماسة ونيمتوها في حضن راجل غريب؟! ومكفاكمش كده وبس، لا كمان تبلغوا البوليس علشان يتعملها قضيه، إيه الفكرة القذرة دي؟ ده الشيطان نفسه مش هيقدر يفكر فيها!
عماد بغضب، وهو يضع يده على وجهه محل الضربة:
الفكرة القذرة دي هي اللي جابت سليم الأرض وخلتنا نرجع ماسة لجيبنا من تاني، وبعدين إيه المشكلة يعني؟ مكبرها كده ليه؟ هي هتكون أول ولا آخر ست جوزها افتكر انها ملبساه قرون.
نظر له رشدي من أعلى لأسفل باستحقار واشمئزاز: تصدق يا ياض يا عماد، أحنا ضحايا لعدم إجهاضك والله، ما هي الأشكال اللي شبهك دي، أهاليهم كان لازم يجهضوهم علشان منشوفش العينة الوسخ*ة دي!
ثم وجه نظره إلى صافيناز، وقال باحتقار: وانتِ قدرتي ازاي تقلعيها هدومها؟! دي ست زيك مهما كان إللي بينكم، دي مرات اخوكي!!! متوقعتش أنك بالقذرة والجحود ده؟!
هز رأسه بشميزاز، وهو يمرر اصابعه على جبيينه بضجر، فلم يتخيل قط أنهم يحملون تلك القذارة في عقولهم، أضاف غير مصدق: أنا مش مصدقكم، والله العظيم ما مصدقكم!
ثم وجه نظره إلى فايزة، وسألها بتعجب: بعدين مش دي ماسة يا هانم اللي كنتي بتقولي عليها محترمة؟! وأنا أشهدلها بكده، مستحيل اللعب مع سليم في موضوع الخيانه؟! ماسة بنت مؤدبه استحاله تعمل كدة.. راح فين كلامك؟ مخوفتيش حتى على شكلنا وسط الناس لو سليم مكانش لحق يلم الموضوع!؟
انتصبت صافيناز في وقفتها، وتساءلت بتعجب: أنا اللي مش قادرة أستوعب رد فعلك ده يا رشدي، بالذات بعد اللي عملته معاها زمان؟!
قطب حاجبيه وقال بنبرة لازعه: اللي عملته معاها زمان حاجة، واللي حصل دلوقتي حاجة تانية!
تابع وهو يضغط على كلماته باشمئزاز ممزوج بعدم التصدق: قضية زنا؟! وتقلعوها؟! إيه القرف ده؟!
رمقه عماد من أعلى لأسفل وهو يقول بنبرة ساخرة: والنبي بلاش الشويتين دول يا رشدي، علشان كل اللى أحنا فيه دى بسببك أصلا، مش هي مش دي ماسة اللى كنت هتغتصبها وهو جه انقذها منك؟! وكنت حاطت عينك عليها وعايز تاخدها من سليم؟!
ضحك بسخرية وهو يضيف: بلاش تعمل دور الشريف علينا عشان مش لايق عليك، واحد مغتصب وشمام زيك، مش لايق عليه جو .. ازاي .. ومينفعش، الله يرحم صفاء وغيرها.
قلب رشدي عينه وقال بنبرة رجولية من بين اسنانه: أنا بقى هعرفك المغتصب الشمام ده هيعمل فيك ايه؟!
وفجأة اندفع نحوه، ووجه له لكمة قوية جعلت رأس عماد يرتد للخلف.
صرخ عماد بغضب: أنت بتضربني يا شمام؟ طب تعالي!؟
رد الكمه وبدأ يتبادلان الضرب، حتي تحول المكان إلى فوضى، دفع... صراخ... ومحاولة من فايزة وصافيناز للفصل بينهما لكن دون جدوى
وفي تلك اللحظة انفتح الباب بعنف، ودخل عزت، وقد اتسعت عيناه بعدم استيعاب وهو يصرخ: في إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا؟!
اندفع نحوهما سريعا وفصل بينهما بعنف وهو يهتف بغضب: بتعملوا إيه في بعض؟! أنتم اتجننتوا؟!
ابتعد رشدي، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، بينما ركضت صافيناز نحو عماد لتطمئن عليه.
صاح عزت بغضب: أنا محتاج افهم ايه اللي انتم بتعملوه في بعض ده؟!
اقترب رشدي من عزت بعينين مشتعلتين وقال: قولي انت ياباشا، إيه اللي انتم عملتوه مع ماسة ده؟!
ضيق عزت عينيه وقال بهدوء: عملنا إيه؟
رشدي بتهكم لازع: أزاي تقبل بالفكرة القذرة إللي النجس ده قالها.
تابع يتساؤل متعجب: هي ماسة دي مش اسمها على اسمنا! وده مش ابنك، مش اسمه سليم عزت عبد الله الراوي، يعني اللي كان هيحصل لها ده هيمسنا زي ما هيمس سليم بالضبط.
تابع بلوم لازع: أزاي يا باشا، يا عاقل، تقبل بالمزبله دي؟!
نظر إليه عزت من أعلى إلى أسفل باستغراب، يشعر ان الذي يقف أمامه ليس رشدي الذي يسبقه تاريخ اسود، لكنه لم يظهر أي رد فعل، وكأن كلمات رشدي لم تعني له شيئا.
تساءل بهدوء مهيمن: سيبك من موضوع ماسة، الموضوع ده انتهى خلاص، خلينا في الأهم بقى يا أستاذ، محتاج أفهم حكاية فستان فرح مراتك اللي كله كان الماظ.
صاحت صافيناز بانفعال: هو انت هتسيبه كده عادي بعد اللي عمله في عماد يا بابي؟!
نظر لها رشدي وقال بسوقيه: عايزة يعمل معايا إيه يا حربوقه؟ يعلقلى الفلكه؟
صافيناز باشمئزاز: هتفضل طول عمرك سوقي وهمجي
رشدي بسوقيه: طب ابلعي لسانك بدل موريكي السوقي ممكن يعمل فيكي ايه أنتِ كمان، أنا مش طايقك!
كادت أن ترد، ولكن سبقها عزت بحزم: خدي جوزك واخرجي دلوقتي يا صافي..
نظرت له بدهشة، فرد على تلك النظرة بحسم: يلا، اسمعي الكلام.
نظرت لرشدي بكراهيه وجزت على اسنانها ثم أمسكت عماد من يديه وخرجا معا: يلا يا حبيبي.
بينما ظل نظر عزت مثبتا على رشدي: ها، جاوبني.
رشدي بنبرة لازعه: متقلقش، مأخذتش حجر واحد من الورش.
جلس عزت على المقعد، وهز رأسه بايجاب: أنا عارف، علشان كده محتاج توضيح.
تنهد رشدي موضحا: مفيش، خدت صفقة سلاح، هو أنت فاكر إني معرفش أخلص صفقة سلاح زي كده؟ أنا رشدي الراوي برضو..
فايزة بسخرية لازعه: عرضت نفسك للخطر، وروحت جبت السلاح وبدلته بالألماظ عشان تعمل فستان لمراتك؟! طب سليم لما عملها زمان، كنا محتاجين فلوس إنما دلوقتي؟!
مد وجهه بلا مبالاه وهو يجلس على المقعد: والله مفرقتش، محتاج فلوس علشان مشكلة، محتاج أدلع مراتي، محتاج أجيب بيهم صفقة بومبم وأفرقعهم في العيد، كله كان بفلوسي وبشغلي محدش ليه دعوه، ولا حد ليه حق يقوللي عملت ايه وليه.
عزت بضجر: مفيش مشكلة، بس لما تعمل حاجة زي كده لازم تعرفني، أنت اسمك على اسمي، يعني لو كان حصلك حاجه كان هيقولوا عزت الراوي، مش رشدي الراوي!
رفع رشدي حاجبيه ينظر له باستغراب: يا سبحان الله، طب ما أنت عملت كده برضو مع ماسة ومفكرتش في اسمك، لو كانت اتسجنت كانت هتبقي فضيح لينا واسمنا هيبقي على كل لسان؟!
أجابه عزت موضحا بجمود وجبروت: أوعى تكون فاكر إني ممكن اخاطر باسم العيلة، او اني كنت هسمح إن الموضوع يتسرب ويتعرف...
تابع بشيطانيه: أنا بس كنت عايز سليم يصدق، ووجود الشرطه يخليه يصدق ويخاف على اسمه من الفضيحة، وميبقاش قدامه حل غير إنه يقتلها بإيده، لكن للأسف لحد دلوقتي لغز بالنسبالى إنه مقتلهاش، وهتفضل مصدر خطر وازعاج لينا طول ما هي معاه، حتي لو مش طايقها زى دلوقتي...
رشدي بضجر: هي مش هتتكلم، لو كانت عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان، أنا اتكلمت معاها، وقولتلكم الكلام ده، بس برضو مفيش فايده.
تحركت فايزه لتجلس، وتساءلت بنبرة مستخفه: وكنا هنضمن سكوتها ازاي كان ممكن يجي عليها يوم وتتكلم؟!
رشدي بحده: تمام، بس كان في ألف طريقة علشان نضمن سكوتها إلا دي!
مالت فايزة براسها قليلا قالت بتعجب: أنا مش فاهمة، أنت ايه مشكلتك؟ وفعلا عماد عنده حق، ده مش أنت؟! لو كان سليم كنت فهمت، لكن أنت؟
أكمل عزت على حديثها ساخرا: واضح إن مي غيرت فيك كتير، بس الصراحه مكنتش اتوقع التغير، يوصل للمستوه ده.
ابتسمت فايزة بسخرية، وأضافت على حديث عزت: ولا تكون لسه حاطط عينك على ماسة، وبتحبها؟ وزعلان على اللي حصلها؟
ضحك رشدي بسخرية مرة: أنا فعلا ممكن أكون كنت حاطط عيني على ماسة زمان، وممكن اكون وسخ وعملت كل حاجة غلط، ومسبتش حاجة حرام إلا وعملتها، بس مش عديم الشرف والكرامة للدرجة دي، اللي إنتو عملتوه عدى كل الحدود، لازم تفهموا إن اللي حصل ده كان غلط.
عزت ببرود حاسم: وأنا قولتلك، اللي حصل حصل الموضوع انتهى، ملكش دعوة، خليك في مراتك، وفي مشروعك وبس،واقف اتفرج من سكات.
تنهد رشدي، وقد أدرك أن الحديث معهم أو عتابهم لن يجدي نفعا، فقلوبهم صارت سوداء كالفحم: ماشي يا باشا، أنا عارف مهما اتكلمت مش هنوصل لنقطه، عموما أتمنى القرف ده ميوصلش لمي، ولو عملتوا حاجه مقرفه تاني مع ماسة هتزعلوا، كفاية أوى القرف اللى حصل.
ثم تحرك وغادر المكان، نظرت فايزة إلي مغادرته، وقالت بدهشة: أنا مش مصدقة إنه ضرب عماد! وزعلانه على ماسة و كل اللي بيعمله ده!!
عزت بتفكير: رشدي بقى لغز زي سليم، مش فاهم في ايه؟!
فايزة وهي تضع قدم فوق قدم: صحيح ماسة حاولت تقتل سليم من شوية.
التفت اليها بسرعة وصدمه: إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟!
فايزة بتوضح: عماد شافها، كانت ماسكة سكينة، وسليم شدها منها وضربها.
تنهد وهو يفك اول أزرار من قميصه باختناق: أنا مستني اللحظة اللي ييجي فيها يقول إنه قتلها، ونخلص بقى من الكابوس ده.
فايزه بتوضيح: صحيح هي عايزة تهرب، وهددتني لو مساعدناهاش، هتتكلم...
نظر لها بصدمه، فردت على نظراته على نفس ذات الوتيرة: صافيناز قالت فكرة عجبتني، أننا نهربها هي وأهلها في سفينة مثلا وبعد كده نغرقها قضاء وقدر، وننهي القصة دي خالص.
نظر لها عزت قليلا بتفكير ثم قال: هتعرفي تهربيها؟
ابتسمت ابتسامة ثقه: هنهربها سوا يا عزت، عماد بكرة هيجيب تليفون ورقم جديد، هديهولها عشان نتواصل بيه مع بعض.
هز رأسه وقال بهدوء: تمام.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
عند سليم وماسة.
كانت ماسة ماتزال تبكي بين ذراعية، ظل يربت على ظهرها بصمت، حتى هدأت قليلا، ابتعدت عنه ببطء، وأخذت نفسا عميقا وهي تمسح دموعها براحة يديها.
تنهدت وقالت بصوت مبحوح: أنا هحاول يا سليم،
مغلطش تاني، وامسك نفسي، بس صدقني اللي سمعته وشوفته خلاني مفكرش.
نظر إليها بإبتسامة صغيرة: أنا عارف، عارف يا حبيبتي.
أخذت نفسا عميقا، ثم خفضت نظرها قليلا، فوقعت عيناها على يده المجروحه، فاتسعت عيناها، وتوقفت تحدق في كفه بصدمة وقلق: سليم! إيه ده؟!
نظر إلى كفه وكأنه انتبه للتو: آه... ده؟ تقريبا اتجرحت لما مسكت السكينة.
نهضت بسرعة وكأنها لم تحتمل المنظر، واتجهت إلى أحد الأدراج أخرجت علبة الإسعافات الأولية بسرعة.
بينما جلس سليم على الأريكة، وقطرات الدم تنزل ببطء من كفه، عادت وجلست بجانبه، وأمسكت يده بحذر.
قالت بقلق: هو أنت محسيتش بيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: والله ماحسيت، أو يعني مش حاسس بيه قوي.
بدأت تضع قطعة قطن على الجرح وهي تتساءل باستغراب: أزاي يعني؟
تنهد وقال بهدوء مر: مش عارف، يمكن من كتر الجروح اللي الواحد حاسس بيها جوه قلبه، الجرح اللي زي ده بيبقى عادي.
توقفت يدها للحظة، ونظرت إليه بتأثر، ثم أكملت لف الشاش حول كفه برفق، مسحت على يده وقبلتها ثم قالت بهدوء: طب دلوقتي، إحنا هنعمل إيه؟
تنهد، وقال: أنا هنزل تحت شوية، وهقفل عليكي الباب بالمفتاح، المفروض إني دلوقتي متعصب، وعايز أبقى لوحدي، بس هرجعلك تاني.
توقف وتحرك نحو الباب وغمز لها بمرح قبل أن يصيح بغضب مصطنع: لو سمعت حسك هموتك.
وبالفعل خرج وأغلق الباب خلفه بعنف، بينما ابتسمت ماسة إبتسامة باهته لم تصل إلي عينيها، وجلست على الفراش تحدق في الفراغ بصمت.
في الممر..
كان سليم يسير بوجه متجهم، في اللحظه التي كان رشدي فيها يصعد لأعلى، وما إن لمحه رشدى، حتي وقف أمامه قائلا: كويس إني قابلتك، كنت عايز أكلمك.
سليم ببرود: بعدين يا رشدي.
امسك رشدي كتفه وهو ينظر داخل عينه وكأنه يترجاه ان يهدأ ويتراجع عن موقفه: سليم اوعى تصدق اللى حصل، أكيد في حاجة غلط، ماسة مستحيل دي...
قاطعه سليم بنظرة حادة: رشدي، مش عايز أي كلام في الموضوع ده.
ثم نظر إليه وسأله: وبعدين أنت جيت إمتى؟
أجابه متنهد: لسه جاي، أصل أبو مي تعبان.
أومأ سليم برأسه باقتضاب: ماشي.
رشدي بطلب: طب تعالي نتكلم شويه.
زفر سليم بضيق: أنا مخنوق دلوقتي، ومش عايز أتكلم.
تركه واقفا، وتحرك مبتعدا في الممر، ظل رشدي ينظر لآثاره بضيق، لم يكن انزعاجه من منظر سليم فحسب، فهو ما زال يحمل ثقل الماضي في قلبه، لكن ماحدث مع ماسة أزعجه بشدة.
اقترب خطوة من غرفة ماسة، كان يريد طرق الباب والتحدث معها، لكن قبل أن يطرق، توقف فجأة، نظر حوله بتردد، متذكرا أن سليم ما زال في القصر.
شد فكه قليلا وسحب يده، وهو يفكر أنه لو تحدث معها الآن، قد ينفتح الكلام عن الماضي.
يعرف جيدا أن هذا الموضوع بلاخص لا يجب أن يصل إلى أذن سليم، أي كلمة، أو تلميح، قد يسمعها، ستكون كارثة.
زفر بضيق، ثم انسحب بهدوء من المكان، وهو يتمتم لنفسه: مش وقته...
تحرك في الممر حتى وصل إلى جناحه.
فتح الباب، لكن الغرفة بدت مختلفة الآن، الديكور الأثاث كل شيء، أغلق الباب خلفه ببطء.
ثم اتجه نحو الشرفة، وقف هناك لحظة، ينظر في الفراغ، وكأن شيئا ثقيلا يدور في رأسه، بعد ثوان رفع هاتفه، واجري اتصالا، انتظر قليلا، وما إن جاءه الرد حتى قال بنبرة منخفضة حادة: ألو، ايه يا شوقي، هو أنا مش قولتلك تدورلي ورا الزفت اللي اسمه عماد؟
جاءه صوت شوقي من الطرف الآخر: يا باشا أكيد جبتلك معلومات، بس معرفتش أكلمك علشان كنت في شهر العسل وكده.
رشدي بحدة: عرفت إيه يا شوقي اخلص؟
شوقي: بص بقى، هو داخل كذا مشروع، وصافيناز هانم عملت له توكيل عام، يقدر بالتوكيل ده يبيع كل حاجة.
قطب رشدي حاجبيه وقال بشدة: أنا عايز حاجات تجيب من الآخر، تحطه تحت ضرسي.
شوقي بتفاخر: في طبعا، هو شكله مرافق سارة؛ صاحبة صافيناز هانم.
اعتدل رشدي في واقفه، وقال بصدمة: أنت بتقول إيه؟!
شوقي بسرعة: أنا شوفتهم خارجين كذا مرة مع بعض، بس الصراحة مش عارف الموضوع بينهم إيه بالظبط.
ضغط رشدي على الهاتف بقوة وهو يقول: معاك صور؟
شوقي: أيوه يا باشا، هبعتهالك حالا
أغلق المكالمة وبعد ثوانٍ، أضاء الهاتف بوصول الصور فتح الرسائل ونظر إليها، فاتسعت عيناه ببطء؛ كانت هناك عدة صور لعماد وهو يصافح سارة، وأخرى يقترب منها ويقبلها على خدها، وثالثة كانت يده على ظهرها وهما جالسان معا في أحد الكافيهات.
ظل يتأمل الصور للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باردة، وهمس وهو ينظر للشاشة: ده إحنا كده شكلنا هنلعب، والملعب هيولع بينا يا ثعلوب.
رفع الهاتف مرة أخرى واتصل بشوقي، ما إن رد حتى قال بنبرة حازمة: بقولك إيه يا شوقي، أنا عايزك تجيب آخر الحوار ده، فاهم؟ وتعرف الكلام على ايه؟!
شوقي: فاهم يا باشا.
رشدي بشدة: ركزلي مع سارة دي كويس، لو راحلها الشقة تاني، أو عمل أي حركة تبلغني فورا وتصور فيديو..
ثم أضاف بغل: أنا عايز عماد يبقى زي العجينه تحت ايدي.
شوقي بثقة: تمام يا باشا، أوامرك.
أغلق رشدي الهاتف، ثم نظر أمامه والابتسامة مازالت على وجهه، ضحك بخفة، وضرب بيده على السور المعدني، وتمتم بنبرة المعتادة: يمكن الصوره مفيهاش حاجه اوي، بس انا عارف اختي الحربوقه، وعارف كمان العبك منين يا ثعلوب.
💕_______________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاه اخر في الهول.
كان الخدم والحراس يحملون حقائب سفر كبيرة ويخرجون بها إلى الخارج.
في تلك اللحظة خرجت فايزة برفقة عزت وحين شاهدا ما يحدث تبادلا نظرات الاستغراب.
قالت فايزة بطريقتها المعتادة: إيه اللي بيحصل ده؟شنط مين دى؟!
وقبل أن تجيب الخادمة جاءها صوت فريدة وهي تهبط الدرج وخلفها إبراهيم: شنطي أنا وإبراهيم والبنات يا مامي.
نظرت لها فايزة وقالت: ورايحين على فين كده؟!
توقفت أمامهما وقالت بثبات: أنا خلاص يا مامي خدت القرار وهنفذه، أنا مش هقعد في القصر تاني بعد اللي بيحصل ده.
قطب عزت حاجبيه وقال بضيق: مش إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا فريدة؟
فريدة بحزم: بس بعد اللي حصل واللي بيحصل دلوقتي، أنا مش هعيش بناتي في الجو ده.
علقت فايزة وهي ترفع حاجبها قليلا: وياترى ده قرارك، ولا...
ثم رفعت عينيها نحو إبراهيم وأكملت: ولا قرار إبراهيم؟
نظرت لها فريدة بثبات قبل أن تجيب: أنا وإبراهيم واحد يا مامي.
ثم قالت بهدوء: بعد إذنكم.
وما إن أنهت كلماتها حتى تحركت، وإبراهيم يسير بجانبها.
ظل عزت ينظر إليهما وهما يغادران، ثم التفت إلى فايزة قائلا بضيق: مكانش وقته أبدا اللي عملته فريدة ده.
ابتسمت فايزة ابتسامة خفيفة وقالت: بالعكس وقته، واللي عملته هو الصح.
ثم أكملت بنبرة أخفض وهي تقترب منه: علشان كده أنا مأصرتش إنها تفضل.
نظر لها باستفهام، فتابعت بفحيح افاعي: فريدة مؤثره بشكل كبير على سليم، ممكن تلعب في دماغه وتخليه يدور، وسليم لو دور ممكن يوصل لحاجة...
توقفت لحظة ثم قالت بنبرة حاسمة: وإحنا مش عايزين ده.
زفر عزت ببطء وقال بانزعاج: تمام، خلصينا من الموضوع ده بسرعة..
ثم أضاف محذرا: بس عرفيني كل خطوة، متعمليش حاجة من دماغك من غير ما تقولي.
ردت بثقة: متقلقش.
على إتجاه آخر في الحديقة العلوية.
كان سليم جالسا هناك شاردا، يفكر فيما يريد فعله، في تلك الأثناء اقتربت منه سحر، وهي تحمل فنجان قهوة.
قالت بهدوء: القهوة يا بيه.
أخذها منها: شكرا.
ثم التفت حوله يتأكد أن لا أحد قريب، وقال بصوت منخفض: بقولك إيه كمان ساعة كده طلعي أكل لماسة، وخدي بالك كويس أحسن حد يشوفك.
هزت رأسها قائلة: حاضر، متقلقش.
وفور أن لمح فايزة تقترب، نهض سريعا: لا خلاص، شيلي القهوة دى، أنا ماشي.
تحرك ليغادر، لكن فايزة أوقفته قائلة: رايح فين؟
رد ببرود: عندي مشوار شغل واحتمال أسافر، محدش يفتحلها مهما حصل.
فايزة بحدة خفيفة: لازم نتكلم في اللي حصل.
سليم دون أن يلتفت: مفيش كلام، بعد إذنك.
توقفت تنظر لآثارة بضجر ثم جلست مكانه تفكر، بينما تحرك سليم مبتعدا، وصعد إلى سيارته وانطلق خارج القصر.
الفيلا التي يقيم بها مصطفى 6مساء.
إحدى الغرف
جلس مصطفى خلف شاشة كبيرة منقسمة إلى مربعات صغيرة، يركز نظره فيها بدقة.
كانت عيناه تتنقلان بين اللقطات، يسجل ملاحظات، يوقف بعض المشاهد، يلتقط صورا محددة، ثم يرسلها إلى هاتفه.
في تلك اللحظة، طرق الباب بخفة، فقال: اتفضل.
دخلت آلاء، تحمل كوبا من الشاي، وقالت بابتسامة بسيطة:مساء الخير يا دكتور، لقيتك اتأخرت، بقالك كتير من بعد الغدا، فقولت أعملك شاي.
رفع عينيه إليها بابتسامة ودودة: شكرا يا آلاء، تسلم إيدك.
أخذ الكوب ووضعه أمامه، بينما جلست هي على المقعد المجاور، ونظرت إلى الشاشات بدهشة: هو أنت بتعمل إيه؟
أشار بعينه إلى الشاشات، وقال بهدوء: متفق مع سليم إني أساعده، هو دلوقتي مش واثق في حد، ومستحيل يلاحق يراقب أهله بنفسه فحبيت اساعده بدل ما أنا فاضي كدة.
هزت رأسها بتفهم، ثم نظرت للشاشات مرة أخرى، وقالت بتأثر: على فكرة، سليم ده صعبان عليا أوي...
تنهدت وهي تتتابع بثقل: من بره شكله راجل قوي وهيبة، أول ماشوفته حسيت بده، بس لما عرفت قصته، حسيت إن الفلوس والسلطة، على قد ما هي حلوة، على قد ما هي نقمة...
صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أهدأ: عنده كل حاجة، بس شوف أهله عملوا فيه إيه؟! حتى أمه وأبوه! حاجة مرعبة...
خفضت عينيها، وقالت بمرارة خفيفة: الضربة لما بتيجي من الأهل بتكسر أوي، أصل الإنسان ملوش في الدنيا غير أهله، هما عكازه اللى بيتسند عليه.
تابعت بإبتسامة محبه: يعني محمود أخويا ده، رغم كل اللي عمله فيا، بس والله ضفره برقبتهم، هو طيب وغلبان والله، بس الشيطان زين له اللي بيعمله...
نظر إليها مصطفى باستغراب: لسه بتدافعي عنه يا آلاء بعد كل اللى عمله فيكي؟!
هزت رأسها وأكملت: مش قصة بدافع عنه، بس الفقر مع الجهل عامل زي قنبلة موقوتة، بيخلي الغلط يبان صح، وأنا عارفة محمود أخويا مش ده أصله...
ابتسمت بحزن: دى كان شاطر في النجارة وكسيب، بس اتلم عليه أصحاب السوء ولعبوا في دماغوا، واقنعوه إن القمار بيغنى بسرعه، في الأول كان بيكسب، وكان بيجيب لنا كل حاجة، بس بعد كده؟ بدأ يخسر، ما القماره عامل زي البحر الهادي يشدك لحد مايغرقك...
رفعت عينيها نحوه: لحد ما بقي دلوقتي مستعد يدوس على أي حاجة حتى نفسه علشان يعوض، بس انا والله صعبان عليا اللى هو فيه، نفسي يفوق لنفسه ويرجع عن السكه دى، وأنا والله هسامحه على كل حاجه، أحنا الاتنين مهما كان ملناش اللى بعض، والله بدعيله في كل صلاه ربنا يهديه.
تنهد مصطفى، وقال بأسف: للأسف ناس كتير دلوقتي عايزة توصل بسرعة، شايفين اللي حواليهم بقوا أغنيا ومشهورين فجأة، فمستعجلين الطريق.
ثم تابع بلطف: ربنا يهديه، ويصلحلكم الأحوال بإذن الله.
تمتمت بخفوت: يارب
صمتت لحظة، ثم نظرت له بتردد، وقالت: على فكرة، أنا ممكن أساعدك.
ابتسمت بخفة، وتابعت: بدل ما أنا قاعدة زهقانة كده.
رفع حاجبه مبتسما: لحقتي تزهقي؟ ده إحنا بقالنا كام يوم بس!
ضحكت بخجل: أنا من تالتة ثانوي تقريبا وحياتي كلها ضغط؛ مذاكرة، وشغل، مكنتش بارتاح، يمكن اتعودت على الشقى.
هز رأسه بتفهم، وقال بخفة: طيب اعتبريها استراحة محارب بقي، علشان اللي جاي.
نظرت له باستغراب: مش فاهمة؟
اعتدل في جلسته، وقال بجدية: هكلم سليم يجيبلك المحاضرات، الامتحانات قربت ولازم تذاكري، أنت مش آخر سنه؟ مش عايزه تتخرجي ولا ايه؟!
اتسعت عيناها بفرحة: بجد؟ ينفع؟
ابتسم بلطف: طبعا ينفع، وأنا هذاكر معاكي كمان، ونبقي نظبطلك دخول الامتحان.
أشرق وجهها بامتنان واضح: يا ريت والله يا دكتور، أنا كنت شايلة هم الموضوع ده أوي.
قال بهدوء مطمئن: متشيليش هم طول ما أنا موجود، اتفقنا؟
هزت رأسها بابتسامة: اتفقنا.
أخذ رشفة من الكوب، ثم قال: يومين كده وهكلمه، علشان الفترة دي الدنيا عنده ملخبطة شوية.
هز رأسها سريعا بتفهم: مفيش مشكلة.
ثم أشار إلى الشاشة أمامه: طب بما إنك عايزة تساعديني، شايفة التسجيلات دي؟
مد لها فلاشة صغيرة: حطيهم على الفلاشة دي.
ابتسمت بحماس، وهي تأخذها منه: ماشي
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 6مساء
جناح سليم وماسة
جلست ماسة على الفراش، تعبث بهاتفها وتقلب في التطبيقات بلا تركيز.
وفجأة سمعت طرقا خفيفا على النافذة، رفعت رأسها سريعا، لتجد سليم يلوح لها من الخارج، ابتسمت فورا، واتجهت نحو الباب الزجاجي لتفتح قفل الشرفة..
فتحته وهي تقول بقلق: أنا خايفة عليك من حوار المشي على السور ده، خايفة لا في مرة تقع.
ابتسم بثقة وهو يدخل: متقلقيش، فتحتي التسجيلات ووسمعتي حاجة؟
هزت رأسها بنفي: لا بصراحة، قولت أقعد شوية أقلب كده على فيسبوك أفصل.
سليم وهو يخلع سترته: طب أنا هاخد شاور بسرعة
وبعدين نشوف التسجيلات سوا، الكل فاكر إني
مش موجود، خرجت من القصر قصادهم بعدين دخلت محدش واخد باله، وشويه وسحر هتطلعلنا اكل..
أومأت برأسها بإيجاب: ماشي، بس فهمني الأول، فاكرينك بره إزاي؟
رد موضحا: مفيش، قولت للهانم إني خارج وعندي سفر، وخرجت فعلا بالعربية قدام كل الحراس، كلمت عشري، جه خدني، واستخبيت في عربيته، أنا كمان بعرف أدخل وأخرج من القصر من غير ماحد يحس بيا.
ابتسمت له بمداعبة وهي تغمز له: بقيت خطر.
رد بمزاح: طبعا وخطر اوي كمان.
اضاف وهو يمسح على شعرها برفق: مش هتأخر عليكي.
وبالفعل أخذ حماما سريعا، ثم عاد بعد دقائق وجلس بجانبها.
فتح اللابتوب، وبدأا يشاهدان ماحدث خلال اليوم، خصوصا المشاهد التي جمعت عماد برشدي.
مرت الدقائق وهما يراقبان الشاشة بتركيز بعد الانتهاء، شهقت ماسة بدهشة: إيه ده؟! إيه اللي أنا سمعته وشوفته ده؟!
مد وجهه وهو يقول باستغراب: معرفش، ولما خرجت من عندك، حاول يوقفني، كان عايز يكلمني، بس أنا مرضيتش، خوفت افقد اعصابي عليه.
قطبت حاجبيها بتعجب: طب هو عايز إيه؟ بيعمل كده ليه؟! بقى رشدي يزعل ويضرب عماد علشاني؟!
ضحكت بسخرية وتابعت: ممثل والله، للحظه صدقته، اصلك لو كنت شوفت طريقته معايا لما كان بيهددني تقول استحاله ده هو ده..
تنهد وهو يستند ظهره على ظهر الاريكة بتفكير: اكيد عنده هدف، في حاجة في دماغه، بس ايه هي بقى لازم نعرف ونركز.
زفرت باختناق، ثم أسندت ظهرها إلى الأريكة، نظر إليها؛ يشعر بثقل ما تمر به، ثم سحبها إلى حضنه ووضع قبلة طويلة أعلى رأسها كمحاولة للتخفيف عنها، وقال بنبرة لطيفة: بقولك إيه، تيجي نشغل فيلم كرتون؟
رفعت عينيها نحوه باستغراب: كرتون؟
ابتسم سليم بخفة: أيوه نفك شوية عن نفسنا.
سألته بتردد وهي ما بين أحضانه إليه: طب مش هنكمل التسجيلات، علشان تعرف اللي حصل؟
رد بهدوء وهو يهز كتفيه: بعدين...
ثم أضاف وهو يبتسم بمكر خفيف: وبعدين، في تلاتة بيسمعوا معانا.
اقترب قليلا وقال وهو يغمز بعينه: قطعة السكر بطلت تحب الكرتون وبقت تعشق النكد؟
ابتسمت أخيرا وقالت بدلال وهي تبتعد: هتفرجنى على سيمبا.
اتسعت ابتسامة وهو يقول بحماس طفولي: وعلى نيمو كمان!
ضحكت بخفة وبالفعل شغل سليم فيلما، وبدآ يشاهدانه معا، وبعد قليل جاءت سحر تحمل الطعام وتضعه دون أن تحدث ضجيجا أو يشعر بها أحد.
جلسا يتناولان الطعام ويشاهدان الفيلم، حاول سليم أن يسرق لها بعض اللحظات الهادئة بعيدا عن كل ما يحدث حولهما، وبقي معها باقي اليوم...
************
في صباح اليوم التالي
كان الصباح قد بدأ يتسلل إلى الغرفة في إتمام الثامنة صباحا،حين اقترب سليم منها محاولا إيقاظها برفق.
سليم بلطف: ماسة، يا عشقي، يلا قومي.
رمشت بعينيها بكسل وهي تتمتم بنعاس: إيه يا سليم، بتصحيني بدري ليه كده؟
اقترب منها أكثر، وأزاح خصلات شعرها عن وجهها برفق: علشان لازم أمشي دلوقتي قبل مايصحوا، يلا قومي.
تمطت قليلا، وقالت وهي تغلق عينيها مرة أخرى: طيب روح أنت، وسيبني أنام.
هز رأسه نافيا: لا مش هينفع.
فتحت عينها، ونظرت له بتعجب: ليه؟
رد موضحا: عشان لازم أربطك.
اتسعت عيناها وهي تعتدل في جلستها: تربطني؟! تربطني أزاي يعني؟
رفع الحبل أمامها، ثم اقترب منها بهدوء: مضطر أعمل كده، علشان لو حد جه وشافك، يبقى باين إني عاقبتك على العملة اللي عملتيها امبارح.
عقدت حاجبيها: طب افرض محدش جه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة: لا هييجوا، الهانم هتيجي علشان المفروض النهارده تسلمك التليفون.
زفرت باختناق: طب استنى شوية طيب.
رد باعتراض: استنى إيه؟ مش هينفع لازم أمشي.
رفعت يدها بسرعة: استنى هخش الحمام.
نهضت ودخلت المرحاض، وبعد لحظات خرجت وتوقفت أمام المرآة، أخذت تتفحص وجهها، تتأكد أن آثار علامات الضرب الخادعة مازالت ظاهرة كما هي.
ثم التفتت إليه، وقالت بنبرة خفيفة: بقولك إيه أنا كده تمام؟ ولا محتاجة أحط شوية علامات ضرب تاني؟
نظر لها بتفحص، ثم هز رأسه: لا مش محتاجة.
ثم أشار للحبل: تعالي بقى أربطك، علشان متأخرش
جلست على الأرض، وقلبت وجهها بدلال طفولي: هو لازم يعني، افرض اتأخروا؟ وبعدين أنت عارف إن عندى فرط حركه ومش بحب أقعد كتير، مش كفايه محبوسه في الأوضه، وكمان اتربط؟
تبسم على دلالها، وجلس أمامها وأعاد خصلات شعرها خلف أذنيها: معلش حقك عليا، هحاول متأخرش عليكي، وبعدين يا قطعة السكر أنا مش هربطك علشان أذنبك، أنا بس عايزه اوهمهم إني معاقبك.
زفرت بدلال: طيب.
شعر بانزعاجها، يؤلمه ما يفعله بها لكنه مضطر، صمت لحظة يفكر في شيء ما، ثم قال: طب بصي جتلي فكرة، إيه رايك أعلمك تربطي وتفكي نفسك، وكده كده هقفل عليكي الباب فهيبقي معاكي وقت قبل ما أي حد يدخل إنك تظبطي الدنيا، إيه رأيك؟
نظرت له بحماس، وكأنها تعلقت بأي شيء يخفف عنها: حلو ده، يلا ندرب!
ابتسم، وقال بجدية: بس لازم تبقي مركزة، مع الكاميرات كويس، علشان لو حد جاب المفتاح الاحتياطي وطلع فتح علطول!
هزت رأسها بسرعة: ماشي، اتفقنا.
قبلته في خده بدلال تابعت: أنت أحلى سلوملوم في الدنيا والله.
ابتسم على طريقتها، وبدأ يدربها ويشرح لها خطوة خطوة، وهي تحاول أكثر من مرة، تفشل تارة، ثم تعيد المحاولة تاىة أخري بإصرار، حتى نجحت أخيرا في إحكام الرباط عليها بقوة، نظر إليها بإعجاب قائلا: بس كده حلو، اثبتي على دي.
ثم أشار إلى الكاميرا الصغيرة في الغرفة: وبعدين لو حسيتي بزهق، أو عايزة أي حاجة، كلميني أنا سامعك وشايفك، ومش هتأخر عليكي برضوا.
اومأت له بالموافقة، وقامت تتمطئ ثم تسطحت على الفراش مرة أخري، فنظر ليها بزهول: أنتِ بتعملى ايه؟!
أجابته بكسل، وهي تحكم الغطاء عليها: هنام، مش أنت علمتني خلاص؟ أمشي بقي ومتقلقش.
هز رأسه بقلة حيلة، وقال بغلب: أقسم بالله، أنا ماخايف إلا من المهلبية اللى أنتِ فيها دى، ولو اتقفشنا هتبقي أنتِ السبب.
وضعت الغطاء فوق رأسها، وقالت: طب يلا روح أنت بقي علشان متتأخرش، ومتنساش تقفل الباب بالمفتاح، واقفل الستاير وأنت خارج.
رفع رأسه لأعلي ضاحكا: يارب صبرني.
ثم اتجه إلي الشرفه كي يغادر، فرفعت الغطاء عن رأسها، وقالت بتذمر طفولي: أنت مش ناسي حاجه يا سليم!
ابتسم بخفة، وتقدم نحوها، ثم انحني ليضع قبلة طويلة على جبينها قبل أن يتركها ويغادر دون صوت.
علي اتجاه آخر في جناح رشدي.
خرج من المرحاض، يلف منشفة حول خصره، بينما كانت قطرات الماء ماتزال تنساب على جسده
وقف أمام المرآة لحظة يتأمل انعكاسه، ثم مد يده إلى هاتفه وأجرى اتصالا: ألو يا نور؟ لما سليم يوصل المجموعة بلغيني؛ علشان محتاجه في موضوع مهم.
توقف لحظة يستمع ثم قال: ماشي، سلام.
أغلق الهاتف وبدأ في ارتداء ملابسه، ثم فتح أحد الأدراج، وأزاح بعض الجوارب جانبا، قبل أن يضغط على جزء صغير في أرضية الدرج.
فانفتح جزء مخفي بداخله فتح درج آخر، مد يده وأخرج كيسا صغيرا من البودرة، سكب قليلا منها على يده ثم استنشقها سريعا، قبل أن يعيد الكيس إلى مكانه ويغلق الدرج وكأن شيئا لم يكن، بعدها أمسك هاتفه مرة أخرى واتصل بمي.
دار بينهما حديث قصير، أخبرته خلاله أنها ستعود اليوم إلى القصر.
أغلق الهاتف، ثم نزل إلى الأسفل، جلس مع العائلة على مائدة الإفطار، وأثناء جلوسه رن هاتفه، كانت نور وأخبرته أن سليم وصل للمجموعة، ابتسم ابتسامة خفيفة وهو ينهي المكالمة، وانتظر حتى بدأ الجميع بمغادرة القصر، ونهض بهدوء واتجه إلى الأعلى نحو جناح سليم وماسة.
توقف أمام الباب للحظات ثم طرق عليه، في الداخل كانت ماسة لاتزال نائمه، وما إن سمعت لصوت الطرق حتى اعتدلت من نومتها سريعا، وارتسمت على ملامحها التوتر: مين؟
جاءها صوته من الخارج: أنا رشدي يا ماسة، افتحي.
اتسعت عيناها، ووضعت يدها على فهمها، وقامت مسرعة إلي الحبل لتربط نفسها كما علمها سليم، وهي ترفع صوتها قليلا بحزن: مقفول عليا يا رشدي!
سليم قفل الباب عليا، ورابطني!
ثم بدأت تمثل البكاء والخوف وهي تعقد الحبل حول قدميها جيدا: أنا بكرهكم، ربنا ياخدكم واحد واحد وينتقم منكم!
ثم تمتمت في سرها سريعا: بعد الشر عليك يا سليم
في الخارج، تجمد رشدي في مكانه مصدوما مما يسمع، وقال معلقا: طب اهدى، أنا مش فاهم حاجة!
جاءه صوتها ببكاء مصطنعا بتوسل: وحياة النبي يا رشدي افتحلي عايزة أدخل الحمام وأشرب شوية ميه!
ضحكت بخفوت، ثم أضافت بانكسار وهي تعقد الحبل حول يديها: حرام عليكم، أنا معملتش حاجة، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم!
تنهد رشدي بضيق: طيب، استني.
ابتعد قليلا وتوقف عند الدرابزين، وصاح بصوت رجولي جهوري: أماني....أماني! أنتِ ياللي اسمك أماني!
خرجت أماني" كبيرة الخدم " من المطبخ مسرعة، وصعدت الدرج وهي تقول: أيوه يا رشدي بيه؟
أشار إلى الباب: عايز مفتاح الأوضة دي.
تجمدت أماني وهي تقول برجاء: لا الله يخليك يا بيه مش هينفع.
قطب حاجبيه بحدة: بتقولي إيه؟
حاولت التبرير بتوتر: اصل سليم بيه.
قاطعها بصرامة: أماني، أنتِ نسيتي نفسك؟
ثم أشار للباب: هاتي مفتاح الباب، يلا.
ترددت: أصل...
اقترب منها قليلا وقال ببرود مخيف: كلمة كمان، وهيكون آخر يوم ليكي هنا، ومش هيفرق معايا إنك بقالك سنين بتخدمينا.
خفضت أماني رأسها بعجز: حاضر.
ثم قالت بسرعة: هروح أجيب المفاتيح وجاية.
تحركت مسرعة تركض إلى الأسفل، بينما اقترب رشدي من الباب مرة أخرى وقال: ماسة اهدي أنا هفتحلك، دقيقة بس.
في الداخل، كانت ماسة انتهت من عقد الحبل حول قدميها، فتنهدت بارتياح.
في المطبخ
دخلت أماني مسرعة، وهي تفتش بارتباك في الأدراج بحثا عن المفاتيح.
نظرت إليها سحر وبعض الخادمات باستغراب.
إحدى الخادمات: إيه يا أماني؟ رشدي بيه بيصرخ كده ليه؟
أماني بارتباك: عايزني أفتحله باب أوضة ماسة هانم.
شهقت خادمة الأخرى قائلة: يا نهار إسود، بس سليم بيه!
أماني وهي تلتقط المفاتيح: نعمل إيه يعني؟ هو يبقي يتصرف مع أخوه بقي، مليش دعوة!
اقتربت منها سحر وقالت بصوت منخفض: روحي يا أماني، إحنا مش عايزين مشاكل معاهم، دول إخوات يا حبيبتي يصطفوا مع بعض.
ثم التفتت سحر إلى باقي الخادمات، وقالت بحزم: يلا كل واحدة على شغلها.
تبادلت معهن نظرة سريعة، ثم تحركت بخطوات هادئة نحو الحمام.
أغلقت الباب خلفها، وأخرجت هاتفا صغيرا كانت تخفيه في صدرها، فتحت صنبور الماء، ثم أجرت اتصالا سريعا بسليم، انتظرت قليلا حتى جاءها صوته: ألو، إيوه يا سحر؟
سحر بصوت خافت: أيوه يا سليم بيه، رشدي بيه دلوقتي كان بيصرخ على أماني عشان تديله مفتاح الأوضة الاحتياطي بتاعة الست ماسة، واضح إنه عايز يفتحلها الباب، قولت أعرفك علشان تبقى في الصورة.
اعتدل في جلسته فجأة: الكلام ده حصل إمتى؟
سحر: لسه حالا.
قال سريعا: طب اقفلي أنتِ دلوقتي.
أغلق الخط، ثم فتح اللابتوب بسرعة وضغط على أحد الملفات.
وفي اللحظة التالية ظهر على الشاشة ماسة جالسة وقد انتهت من ربط الحبل كما تدربا، بينما ضغط على الزر جاءه صوره صغيره للممر ورشدي متوقفا أمام الباب.
وضع السماعات في أذنيه، وأخذ يراقب مايحدث بعينين متيقظتين.
في القصر
كان رشدي لا يزال متوقفا أمام الباب بانتظار أماني وهو يصرخ: كل دى يا أماني؟!
في تلك اللحظه عادت أماني راكضة، تحمل مجموعة كبيرة من المفاتيح.
اماني وهي تلهث: جايه أهو...
أشار لها بعصبية: يلا، افتحي.
بدأت تبحث بين المفاتيح واحدا تلو الآخر بيد مرتجفة ثم وجدته اخيرا، فوضعته في الباب حتى انفتح، فأشار لها رشدي: امشي أنتِ.
ابتعدت أماني فورا ودخل رشدي الغرفة...
وما إن وقعت عيناه على ماسة حتى تجمد مكانه و اتسعت عيناه بصدمة.
كانت مربوطة على الأرض، وآثار الضرب واضحة على وجهها، لم يتخيل أبدا أن سليم قد يفعل بها كل ذلك.
ركض نحوها سريعا وهو يقول بذهول: إيه ده؟! إيه اللي حصل؟
نظرت له بعينين دامعتين وقالت برجاء: فكني يا رشدي والنبي، أنا معملتش حاجة.
أسرع يفك الحبال من حول يديها وقدميها: حاضر، حاضر.
وما إن تحررت حتى اندفعت نحو زجاجة الماء الموضوعة على الطاولة الصغيرة، وأمسكتها بسرعة وبدأت تشرب منها بنهم وكأنها كانت عطشى منذ ساعات طويلة.
وقف رشدي ببطئ ينظر إليها متأثرا، وفي عينيه شيء من الحزن على حالتها.
وفجأة ركضت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفها.
وقفت أمام المرآة للحظات، تحاول أن تغوص أكثر في دورها، ترتب أفكارها سريعا.
كانت تعلم جيدا أن اللعب مع رشدي أخطر، ولذلك يجب أن يكون كل شيء محسوبا.
شدت سيفون المرحاض، وفتحت المياه قليلا حتى يبدو الأمر طبيعيا.
ثم خرجت بعد لحظات، تتنفس بصعوبة وكأنها مازالت مرهقة.
وضعت يدها على قلبها وهي تحاول تهدئة أنفاسها، ثم بدأت تفرد ذراعيها وساقيها مدعيه تخشبهما.
جلست ببطء على المقعد القريب وهي تفرد قدميها، كل هذا ورشدي لا يزال واقفا مكانه، ينظر إليها بصدمة.
اقترب منها أخيرا وجلس على المقعد بجوارها، ثم قال وهو ينظر إلى وجهها بقلق: إيه اللي حصل؟!
نظرت إليه وعيناها تلمعان بالدموع المحبوسة، ثم قالت بمرارة: أنت هتمثل عليا؟ ما أنت عارف كل حاجة.
توقفت لحظة ثم أكملت بصوت مرتجف: عارف إن أهلك هما اللي دبروا كل ده، وإنهم خطفوني، ونيموني في حضن مصطفى واتهموني في شرفي..
ثم أشارت إلى نفسها بانكسار: وأنا مظلومة، واخوك قتل الدكتور الغلابان اللي وقف جنبي، منكم لله ربنا ينتقم منكم.
رفعت عينيها نحوه مباشرة، وتساءلت بقهر: عايزين مني إيه تاني يا رشدي؟ مش أنت قولتلي متتكلميش؟ وأنا مش هتكلم، ومش هقول حاجة، والله ما هقول حاجة...
ثم همست بألم وبكاء: بس سيبوني في حالي بقى..
هز رأسه بسرعة موضحا بصدق: ماسة أنا معرفش حاجة صدقيني، كل اللي حصل دي أنا معرفش عنه حاجة.
نظرت له بسخرية وأشارت بيدها: هعمل نفسي مصدقه، واديك عرفت دلوقتي إنهم خططوا لكل ده.
اضافت بحدة: روح قول لسليم وبرئني.
تغيرت ملامحه قليلا، وهو ينظر بعيدا: مش هقدر أقول لسليم.
ابتسمت بمرارة: طبعا حاجة متوقعة.
ثم نظرت له بحده: أنت جاي هنا ليه يا رشدي؟
وليه فكتني؟
اقتربت كلماتها من الاتهام: عايز مني إيه؟ جاي تكمل تهديد؟
ثم اشتعل الغضب في صوتها: هو أنت مكفاكش اللي عملته فيا زمان؟ أنت وأهلك، واللي عملتوه دلوقتي كمان؟ جاي تكمل..
حدقت فيه بقوة: عايزين مني إيه تاني؟
تنهد ببطء وقال: أنا مش عايز منك حاجة صدقيني..
ثم أكمل بهدوء: أنا جاي أطمن عليكي وأساعدك.
فور أن استمعت إلى كلماته، ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة، بالطبع لم تكن تصدق حرفا مما يقوله.
رفعت عينيها نحوه بنظرة مليئة بالشك، أما رشدي فظل ينظر إلى وجهها، خاصة آثار الضرب الظاهرة عليه.
تغيرت ملامحه قليلا، وكأن المشهد آلمه بالفعل، ثم قال بنبرة بدت متأثرة: صدقيني أنا معاكي.
توقف لحظة قبل أن يكمل: وهحاول أثبت براءتك.
حدقت فيه لحظة طويلة، قبل أن تميل برأسها قليلا وتقول ببرود ساخر: أنت؟
ثم أضافت بابتسامة باهتة: هتثبت برائتي؟ غريبة اوي الحنية دي، مش شبهك يا رشدي.
ثم نظرت له بحدة، وقالت محاولة استدراجه: ولا يمكن عندك مصلحة تانية؟
نظر لها بحسم: مفيش اي مصلحه، أنا هساعدك تثبتي برائتك..
ثم أضاف بتردد: بس مينفعش أقول لسليم إيه اللي حصل.
عقدت حاجبيها متسأله: وليه مينفعش؟
صمت لحظة قبل أن يقول بصوت منخفض: علشان لو فتحت الموضوع ده، هفتح على نفسي باب كبير، حاجات أنا مش عايزها تحصل، لو بعتهم، هم أول ناس هيسلموني لسليم.
عدل من جلسته ونظر لها: ملكيش دعوة، أنا هخلي سليم يعرف إنك اتظلمتي بطريقتى.
ثم نظر في عينيها مباشرة: ماسة أنا معاكي ولو حصل اي حاجه عرفيني.
وتابع بنبرة تحمل معنى قديم بينهما: إحنا على اتفاقنا، طول ما لسانك جوه بوقك ومش هتحكي حاجة لسليم أنا معاكي.
ابتسمت ابتسامه جانبيه بسخريه وهي تنظر له من أعلى لأسفل: هي دي بقى المصلحه! خايف على حبيبه القلب احسن تعرف حقيقتك القذره..
نظرت إليه طويلا، وقالت بجمود: مش أنا بقولك الحنية دي مش لايقة عليك يا رشدي، وأكيد وراها حاجة.
تنهدت وهي تحول نظرها إلى الأمام: عموما، أنا اتفقت مع الهانم إنها تهربني، أنا مش عايزة أكتر من كده...
حدقت في ملامحه بثبات، وتابعت: تروح تقول لأمك ولأبوك ولإخواتك، إن اللي أنا عايزاه بسيط.
توقفت لحظة قبل أن تكمل: عايزة أهرب، وأمشي أنا وأهلي، وتأمنوا حياتنا، غير كده مش عايزة منكم أي حاجة.
رفع حاجبه قليلا: هتهربي أزاي؟
ابتسمت بسخرية خفيفة: عيب عليك يا رشدي، أنت آخر واحد يسأل السؤال ده..
ثم أكملت وهي تنظر إليه بحدة: ده أنت خرجتني قبل كده أكتر من مرة.
هزت كتفيها بلا مبالاة: ومش فارق معايا خالص أتبرأ قدام سليم.
نهضت وبدأت تتحرك في الغرفة ببطء وهي تتكلم، وكأنها تفرغ ما بداخلها: أنا تعبت منكم ومن المشاكل اللي عملتوهالي زمان، ودلوقتي.
توقفت للحظة ثم قالت بصوت متعب: أنا عايزة أعيش مرتاحة، عايزة أنام يوم واحد بس مرتاحة.
التفتت اليه وقالت بوجع: كفاية بقى..
ثم أضافت وهي تنظر له بنظرة فاحصة: والحنية اللي نازلة عليك فجأة دي، وإنك واقف معايا وعايز تثبت براءتي...
ابتسمت ابتسامة ساخرة: أنا متأكدة إنك بتعمل كده عشان حاجة واحدة بس.
اقتربت منه قليلا: علشان تفضل قدام مراتك ملاك، وأنا هديك ده يا رشدي.
رفعت يدها قليلا وكأنها تقسم: مش هقولها حاجة، ومش هفتح الموضوع.
لكن نبرتها تحولت فجأة إلى تهديد صريح: بس أقسم بالله العظيم، لو مهربتونيش قريب...
نظرت في عينيه مباشرة: هقول لسليم كل حاجة، وعليا وعلى أعدائي، ولو جيت بقى تاني، وحطيت عينك في عيني وقولتلي: هموتلك أهلك...
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت بهدوء مرعب: هقولك موتهم يا رشدي.
ثم أكملت بصوت منخفض: علشان الموت رحمة ليهم.
وأضافت بمرارة: الموت رحمة من إنهم يعيشوا في الحياة دي.
اقترب رشدي منها وتوقف أمامها مباشرة، ظل ينظر إليها لحظات قبل أن يقول بهدوء: أنا فاهم موقفك من ناحيتي، وليكي حق متصدقينيش..
تنهد قليلا: وأيوه أنا فعلا مش عايزك تتكلمي..
ثم أكمل بصراحة: وأكيد خايف على مشاعر مي، ومستحيل أسمح إن حد يخليني أخسرها.
توقف لحظة قبل أن يضيف بعينين تحولت لسواد خطر: واللي يفكر يعمل كده في يوم من الأيام، مش هتكفيني روحه..
ثم قال وهو ينظر إليها بجدية: بس أنا مش عايز أعاديكي تاني يا ماسة..
مسح على وجهه بتعب: أنا فعلا زهقت، واتعصبت جدا لما عرفت اللي حصلك.
ثم قال بنبرة صادقة نسبيا: وفعلا عايز أساعدك بس موضوع هروبك ده مش حل، سليم هيعرف يجيبك زي ما جابك قبل كده.
رفعت حاجبها وقالت بسخرية: لا المرة دي غير، لما الباشا الكبير يبقى معاكم، وكلكم تقعدوا مع بعض كده بربطه المعلم هتلاقوا حل، انتوا ديابه سعرانه تاخدوا دكتوراه في اذيه الناس.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم مسح علي وجهه ببطء وقال: تمام يا ماسة، أنا هروح لسليم وأحاول أتكلم معاه يبطل يربطك كده.
ثم نظر إلى الحبال الملقاة على الأرض وسألها: هو أنتِ كنتي مربوطة كده من امبارح؟
أومأت برأسها بتعب: أيوه.
ثم قالت فجأة باستعطاف: بقولك إيه ماتخليهم يطلعولي أكل، أنا مكلتش من أول امبارح.
نظر لها بدهشة: بتتكلمي جد؟
ردت ببرود: أومال بهزر؟
هز رأسه بضيق: سليم اتجنن على الآخر...
ثم أضاف وهو يحاول تبرير الأمر: بس أنتِ أكيد فاهمة موقفه، هم ظبطوها عليه على المسطرة.
تنهد قليلا ثم قال بجدية: بس والله العظيم هعمل كل اللي في وسعي عشان أثبت براءتك.
اقترب خطوة وقال بنبرة منخفضة: خلينا مع بعض يا ماسة، صدقيني مصلحتك معايا..
ثم أكمل بصراحه: أنا أكتر واحد عارف وساختهم، وعارف أولهم من آخرهم..
وأشار إلى نفسه وهو يركز في عينه: حمايتك في إيدي، وأي اتفاق يحصل بينك وبينهم قوليلي عليه..
توقف لحظة: اتفقنا؟ مش هتخسري حاجة لو صدقتيني..
نظرت له قليلا ثم قالت: ماشي يا رشدي.
أومأ برأسه: أنا همشي، وهخلي سحر تطلعلك أكل.
وقبل أن يخرج، تصنعت ماسة الخوف فجأة وقالت بخوف: بس سليم ممكن ييجي يضربني تاني، خصوصا إنك فكتني.
رد بسرعة: لا مش هيضربك تاني، أنا هبقى موجود، متخافيش.
نظرت له نظرة غريبة وقالت بخفة ساخرة وتقليل:
أنت؟
رد عليها بنبرة معتادة: لا متبصليش كده بنظرات التقليل دي، أنتِ أكتر واحدة عارفة رشدي عامل أزاي.
قالت ببرود وهي تحول نظرها بعيدا عنه: أنتم كلكم زي بعض.
توقفت لحظة ثم أضافت بنبرة باهتة: أهم حاجة عندي دلوقتي، أنا وبس.
ظل رشدي ينظر إليها لحظة، بنظرة طويلة لم تفهم معناها، ثم استدار وخرج من الغرفة دون أن يقول شيئا آخر، وأغلق الباب خلفه.
بقيت ماسة تنظر إلى الباب للحظات باستغراب، ثم همست لنفسها: يا ترى وراك إيه يا رشدي، واللي بتعمله ده آخره ايه؟
وما إن اطمئنت لمغادرته، حتي تحركت سريعا نحو غرفة الدريسنج، وأخرجت هاتفا صغيرا كانت تخفيه، ثم اتصلت بسليم.
ماسة بلهفة: سليم، أنت شوفت اللي حصل بيني وبين رشدي؟
جاءها صوته هادئا: أيوه، سحر اتصلت بيا وقالتلي، وشوفت كل حاجه، وقاعد مستنيه.
ماسة بحيرة: أنا مش فاهمة ماله!
سليم بثبات: لما أرجع نتكلم.
ماسة بقلق: طب متتأخرش.
سليم موضحا: لا، مش هتأخر، بس لازم برضو أوهمهم إني شايف شغلي عادي.
ماسة: طيب، سلام.
ظلت متوقفة في مكانها، غارقة في التفكير في كلمات رشدي، وفيما يريده منها حقا، بينما القلق بدأ يتسلل إلى صدرها ببطء.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاة اخري في ممر القصر.
بعد أن خرج رشدي من عند ماسة، كان يسير في الممر بخطوات بطيئة، فرغم قسوته، ورغم كل ما فعله في حياته، إلي أن شيئا في داخله كان يشعر بالضيق لأجلها، نعم ارتكب الكثير من الأخطاء، وكان جزءا من لعبة قذرة كادت تدمر حياتها، لكن في بعض اللحظات كان له وجه آخر.
فلا يمكن أن ينسى أحد أنه نفسه من قتل السائق يوم حاول الاعتداء عليها، وكان يحزن من معامله سليم القاسيه معاها في بداية زواجهم..
في تلك اللحظات كان يتصرف من قلبه لا من عقله، كان يتمنى أن يجد حلا يبرئها به دون الانسياق لشيء يكشف الحقيقة..
زفر بضيق وهو يسير، وفجأة سمع صوت صافيناز تتحدث مع إحدى الخادمات وهي تقول: السواق حضر العربيه..
توقف لحظة، ولمعت فكرة في رأسه، فابتسم ابتسامة خفيفة، واتجه نحو الدرج وصعد إلى الطابق العلوي حتى وصل إلى جناح عماد وصافيناز، لم يطرق الباب، وفتحه مباشرة.
كان عماد يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه، رفع نظره عبر المرآة فرأى انعكاس رشدي خلفه.
ابتسم رشدي وقال بنبرته المعتادة: بخ!
لكن عماد لم يلتفت إليه، وظل يعدل ملابسه وهو يقول ببرود: طول عمرك قليل الذوق وعديم التربية، طبيعي تفتح الباب من غير ما تستأذن.
اقترب رشدي ببطء وهو يبتسم ابتسامة ساخرة معلقا: أكون قليل الذوق وعديم التربية، أحسن ما أكون ثعلوب يا ثعلوب...
اقترب أكثر وهو يكمل بسخرية لاذعة: لا ثعلب إيه، ده أنت غلبت الثعالب.
رفع حاجبه وأضاف بتحقير: أنت تشكيلة كده من حيوانات سيئة السمعة؛ خنزير على حرباية على ثعبان علي ضبع..
ثم قال وهو يضحك بسخرية: علشان الضبع بيحب ياكل اللحمة ميتة، يعني بياكل بواقي الاكل، يسرق الاكل، زيك كدة بتحب تاكل على حساب جثث الأبرياء.
اقترب منه أكثر: أنت تشكيلة حيوانات قذرة يا عمدة.
أخذ عماد زجاجة عطر ورش منها قليلا ببرود: خلصت؟ عايز إيه؟
ابتسم رشدي وقال بهدوء: حاجة بسيطة اوي.
أخرج هاتفه وبدأ يقلب فيه قليلا، ثم رفعه أمام عماد، كانت صورة له مع سارة، لم ينتبه عماد في البداية، فعلق رشدي متعجبا بسخرية: إيه ده، أنت مبتشوفش من بعيد؟
اقترب منه أكثر: هقربلك يا حبيبي.
قرب الهاتف من وجهه، وقال بنبرة لازعه بسخرية: شايف صورتك وأنت منور مع سارة؟
ثم قلب الصورة، وأظهر صورا أخرى.
مر توتر خفيف في عيني عماد لكنه تماسك سريعا،
والتفتت له، وقال بابتسامة باردة: المفروض لما توريني صور زي دي أخاف وأجري؟
ضحك بسخرية وهو يضيف: روح العب مع حد غيري، الصور دي متهزنيش.
ابتسم رشدي بهدوء: والله ممثل يا واد.
ثم اقترب قليلا وقال: يمكن الكلام ده يمشي على حد غيري، بس ميمشيش عليا..
ثم أضاف ببطء: ولو خال عليا...
رفع الهاتف أمامه: مش هيخيل على صافيناز!
تغيرت ملامح عماد قليلا، فتابع رشدي ببرد وهو ينظر للصور: عندك حق، الصور مفيهاش حاجة كبيرة...
ثم مال نحوه وهمس: بس تخيل بقى، لو الصور دي اتبعتت لـصافيناز، ومعاها نصيحه صغيرة "خلي بالك من جوزك، وصاحبتك الانتيم "
رفع حاجبه: تفتكر هتعمل فيك إيه يا عمدة؟ أنت عارف صافيناز كويس، الموضوع ده عندها كسر رقاب.
ثم أضاف وهو يضحك: بالمناسبة، الموضوع ده عرفي ولا شرعي؟ ولا كدة كدة؟!
لوح بيده بلا مبالاة: مش مهم، مش هتفرق كتير هي تعرف بطريقتها.
نظر له عماد بحدة: انت عايز إيه يا رشدي؟ بتعمل كل ده ليه؟
رشدي ببرود: عايزك تبطل وساخة، وتبعد عن ماسة وسليم.
ثم أضاف بضيق: وكفاية اللي حصل لحد كده، وإذا كنت فاكر إنها هتتكلم، اطمن، هي مش هتتكلم، بطل بقي توسوس للباشا زي ما كنت بتوسوسلي زمان.
ابتسم عماد بسخرية: أنا بس عايز أفهم، الحنية دي كلها ليه؟ علشان نفسك فيها؟
اقترب رشدي خطوة أخرى وقال بتهكم: أنا امبارح ضربتك بوكسين، النهارده هتزعل، ومفيش اللي يحشني عنك.
ابتسم عماد ابتسامة جانبيه: اهدى شوية يا رشدي،
اللي حصل ده كان مجرد فكرة...
نظر له بثبات: فكرة قولتها، زي أفكارك زمان، بتحاسبني ليه؟ حاسب اللي وافق ونفذ...
ثم قال ببطء: لأن مفيش خطوة واحدة في الموضوع ده كانت هتتم، إلا بموافقة الباشا، وتحت حمايته.
صمت لحظة ثم أكمل: آه كانت فكرة وسخة، وأختك حطت لمسات أقذر..
اقترب قليلا وقال بحدة: بس متتشطرش عليا، أنا مبعملش حاجة إلا بموافقتكم.
ابتسم رشدي ببطء: مظبوط
ثم أشار بإصبعه بتحذير: بس لو مبطلتش اللي بتعمله ده هتخسر كتير.
صمت لحظة، وأكمل بخبث: كفاية الفلوس اللي اتحولتلك، والتوكيل اللي اتعملك، لكن كرسي العرش بعيد عن شنبك.
اقترب أكثر وقال وهو يربت على وجهه باصبعيه: بلاش طمع يا عمدة، علشان ميقلش اللى عمال تجمعه، كفاية سايبك تكبش من صافيناز، بس أنا سايبك بمزاجي علشان هي حربوءه وتستاهل كل اللى يجرلها، فاتلم ولم دماغك الوس*خة دى شوية علشان مزعلش منك، وأنا زعلي وحش..
ابتعد قليلا، وقال بمراوغة: وعلى فكرة، الصور دى عينه بسيطه، لكن معايا حاجات تانية كتير هتزعلك أوي.
وأضاف ساخرا: وساعتها أنا هقعد أتفرج، وأنا شايف صافيناز بتروق عليك.
ثم استدار متجها نحو الباب، وقبل أن يغلق الباب أشار له قائلا: سلام يا ثعلوب.
خرج وأغلق الباب خلفه، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة، كان يعرف جيدا مدى صعوبة ما فعله الآن على عماد.
في الداخل...
ظل عماد واقفا مكانه، يقبض على يديه بقوة حتى برزت عروقها، صحيح أن الصور ليست فاضحة، ولا يوجد فيها ما يدينه بشكل واضح..
لكن المشكلة ليست في تلك الصور، بل في صافيناز، هو يعرفها جيدا، لو وصلت إليها تلك الصور، حتى لو كانت بريئة، فهي قادرة على تحويلها إلى بركان قد ينفجر في وجهه في أي لحظة، ويهدم كل ما يحاول فعله.
تنهد بضيق، وهو يتمتم: شكل كده يا رشدي، لازم أخلص منك قريب.
تابع بضجر: الضمير اللي صحي فجأة ده مش عاجبني خالص.
اقترب من المرآة مرة أخرى، وعدل ياقة قميصه ببطء ثم ابتسم ابتسامة باردة: بس خليني أفكر الأول، أقطم رقبتك منين وبسرعه...
مجموعة الراوي.
مكتب سليم،11:00صباحا.
جلس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على شاشة اللابتوب، يراجع بعض الملفات بتركيز، وبعد لحظات فتح الباب، ودخل رشدي بابتسامة صغيرة.
رشدي بطريقة المعتادة: صباحو.
رفع سليم عينيه عن الشاشة، وقال بهدوء: صباح الخير.
تقدم رشدي وجلس أمامه على المقعد.
تسأل سليم بنبرة خفيفة: إيه اللي جابك بسرعة كده؟ للدرجة دي زهقت من شهر العسل؟
هز رأسه بنفي: زهقت إيه بس؟! أنا قولتلك امبارح إن أبو مي كان تعبان، هي بقى متعلقة بيه جدا، كان لازم ننزل..
نظر إليه سليم متسائلا: طب هو عامل إيه دلوقتي؟
اومأ رشدي برأسه: كويس الحمد لله.
مد سليم وجهه وتساءل: تمام، طب ايه هتستلم الشغل بقى ولا هتكمل أجازة؟
هز رشدي كتفيه موضحا: هستلم بس مش النهارده..
واضاف بنبرة جدية: بقولك إيه؟! أنا عايز أتكلم معاك في موضوع.
أغلق سليم اللابتوب ونظر له: خير.
مال رشدي للأمام قليلا وقال: أول حاجة، أنا فتحت الباب على ماسة، وفكتها، واتكلمنا..
اضاف بتعجب مصحوب يضجر: إيه اللي أنت كنت عامله فيها ده؟ رابطها بالحبل؟!
تصلب وجه سليم، وقال بحدة: أنت إزاي تعمل كده يا رشدي؟ ومين أصلا سمحلك تفتح الباب؟
رفع رشدي يده مهدئا: ممكن تهدى، ومتتعصبش؟!
ضرب سليم المكتب بقبضته: متعصبش إيه؟!
رشدي بشدة: ايوه متتعصبش؟! انت ازاي تفضل رابطها بالحبل من امبارح؟! وكمان تمنع عنها الأكل وشرب والحمام؟! وهو أنت أسرها، وعلامات الضرب اللي في جسمها، مش كنت بطلت الجنان ده؟!
سليم من بين اسنانه بضجر: ده اقل حاجة اعملها معاها بعد إللي عملته الفاجرة، لا وكمان كانت عايزة تقتلني!
رشدي بانزعاج: فاجرة إيه بس؟ عيب، دي مراتك.
رفع حاجبه، ونظر له ساخرا: عيب؟!
تابع بمرارة: ماسة مش بريئة يا رشدي، انت متعرفش عملت ايه؟!
رشدى بهدوء: لا عرفت، الهانم حكتلي..
اضاف وهو يتساءل بلوم: أزاي مصدق حاجة زي كده علي ماسة؟
اجابه من بين اسنانه بوجع مصتنع: شوفتها بعيني.
هز رشدي رأسه بعدم تصدق: حتى لو!! مش كل حاجة بنشوفها أو بنسمعها تبقى الحقيقة، يمكن كذب!
ثم أكمل بنبرة متأثرة قليلا يحاول اقناعه: هي قالتلك إنها اتخطفت، ممكن تكون صادقة.
سليم بضيق: وقالتلي كمان أنها بتحب مصطفى، وعايزة تتطلق علشان تتجوزة.
تابع بنظره حاده: لو فعلا صادقه اشمعنا مصطفى يكون معاها؟! لو مخطوفه فعلا، فاللي خطفها هيحطها مع اي حد؟! هيعرف مصطفى منين؟
تابع من بين اسنانه: انا شوفتها معاه في اوضه النوم: اسكت يا رشدي، انت مش فاهم حاجة..
ضيق عينه باستغراب: هي قالتلك إنها بتحبه؟! ولا سمعت؟!
هز سليم رأسه بتأكيد مرير: اممم وقفت قصاد عيني وقالتلي انها حبته، وكانت هتقتلني امبارح لأني قتلته.
صمت رشدي للحظة، يحاول استيعاب مايقوله، شعر أن هناك شيء خاطئ لابد أن يعرفه؟!
بينما كان سليم يراقبه بدقة، يدرس أثر الحديث عليه ويحاول كشف ما وراء الصمت.
تنهد رشدي، وقال باعتراض: اكيد قالتلك كدة علشان توجعك وتعصبك..
نظر بعيدا، تابع بنبرة صدقه: أنا أكتر واحد عارف ماسة بتحبك قد إيه؟! مش معقول كل الحب ده اتغير فجاه؟! سليم اهدى واوزن الأمور، وفكر صح، مستحيل ماسة تعمل كدة، أنا متأكد في حاجة غلط.
واصل رشدي حديثه يحاول إقناعه، بينما عاد سليم بظهره متكئا إلى الخلف، وأخذ يرمقه من أعلي لأسفل بنظرة باردة، مليئة بعدم التصديق.
في داخله كان متيقنا أن رشدي ليس بهذه الطيبه؛ فمنذ متى وهو يدافع عن ماسة بهذا الشكل؟ اليس هو نفسه من هددها من قبل؟! بل وكان سببا في هروبها أكثر من مرة.
شرد ذهنه فيما فعله مع عماد بالأمس، وأخذ يفكر في التغير المفاجئ الذي طرأ عليه، فليس من المعقول أنه تغير هكذا لمجرد زواجه من مي!
توقف عقله عند السؤال الذي طرق رأسه بإلحاح: يا تري عايز توصل لايه يا رشدي من اللى بتعمله ده؟
لاحظ رشدي شروده، فتوقف عن الحديث، وقال متعجبا: سليم أنت معايا؟
انتبه اليه وتغيرت ملامحه في جزء من الثانية، اعتدل في جلسته، وعاد وجهه إلى هدوئه المعتاد: أه بسمعك.
تابع يحاول إقناعه: أنت مش هتخسر حاجة لو دورت، ولو طلعت مش بريئه طلقها وسيبها تمشي، لكن الضرب والتعذيب ده مش صح.
ابتسم سليم ابتسامة باردة: الخاطية بتتقتل.
ثم أضاف بنبرة مظلمة: وأنا هقتلها، بس بعد ما أعذبها، انت لو مكاني هتعمل اكتر من كدة.
نظر له رشدي بقلق، وحاول اقناعه: صدقني يا سليم،
أنا متأكد إن ماسة مظلومة، أنت نفسك قبل كده أنقذتها مني!
ظل سليم ينظر إليه لحظة طويلة، ثم قال بنبرة تحذير حادة: رشدي ملكش دعوة بالموضوع ده، خليك في حالك، وأياك تفتحلها أو تحاول تحميها تاني، كده هتبقى بتعاديني...
فتح رشدي فمه ليعترض: يا سليم-
قاطعه سليم بحدة: ولا كلمة، اقفل على موضوع ده....
ثم رفع عينه اليه، وقال بخبث: سيبك من ماسة، في موضوع أهم بكتير يخصك لازم تعرفه.
عقد حاجبيه باستغراب: موضوع ايه؟!
مال سليم للأمام وقال بهدوء ثقيل: أنت عارف مين اللي خلاك تدمن؟ انت مأدمنتش بسبب الكام شمه بتوع نيللي الله يرحمها..
تابع بشر خبيث: الموضوع ابعد من كدة في حد ورا الحكاية دي..
تجمد رشدي في مكانه، وقال ببطء: مين؟
سليم دون تردد: منى.
شهق رشدي بدهشة: منى؟! أزاي؟
عاد بظهره للخلف وقال ببرود: هي اللي زقت عليك نيللي؛ علشان تخليك تدمن.
ظل ينظر إليه بعدم تصديق: أنت متأكد؟
رفع سليم حاجبه بسخرية خفيفة: عيب تسألني سؤال زي ده يا رشدي.
اقترب رشدي أكثر وقال بحدة: عرفت ازاي، مين قالك؟
لوح سليم بيده بلا مبالاة: مش مهم عرفت منين وأزاي؟! المهم إننا لازم نعرف هي ليه عملت كده؟! وتتعاقب.
جز رشدي على أسنانه بغضب وهو ينهض بانفعال: بنت الكلب، والله لأوريها!
رفع سليم يده مهدئا بتصنع: اصبر بس اهدى، مش كل حاجه تتحل بجنونك...
ثم أضاف بنبرة اخبث: أنا أصلا مكنتش عايز أقولك علشان اندفاعك ده؟!
ضرب رشدي المكتب بقبضته بعصبية: أومال أعمل إيه؟! بنت الكلب دي دمرت حياتي!
سليم بهدوء: خلينا الأول نعرف السبب، وبعدين ناخد حقك، اقعد خلينا نتكلم.
هز رشدي رأسه بعنف: لا يا سليم، لازم أنتقم مش هستنى افهم أسباب.
تحرك نحو الباب وقال بحدة: والله لأعرفها مين هو رشدي الراوي وادفعها الثمن.
رفع سليم صوته بتمثيل وهو ينهض ببطىء: يابنى اصبر الأمور مبتتحلش كدة؟!
لكن رشدي خرج من المكتب بعصبية ولم يستمع له، جلس مكانه مره أخري بابتسامة ماكرة، وأخذ يدير مقعده يمينا ويسارا ببطء، وهو يتمتم: طول عمرك متهور يا رشدي، يلا هي بنت حلال وتستاهل..
في تلك اللحظة رفع هاتفه، وضغط على رقم، انتظر قليلا، ثم قال: إيوة يا مكي، عايزك تعرفلي رشدي هيعمل ايه مع مني.
ثم أنهى المكالمة بكلمة مقتضبة: سلام.
وضع الهاتف ببطء، وأدار كرسيه قليلا واستند إلى ظهره، رافعا بصره للأعلى بابتسامة باردة؛ وشعر لأول مرة منذ زمن أن انتقامه بدأ يؤتي بثماره.
علي اتجاه آخر.
خرج رشدي من المجموعة بخطوات سريعة، والغضب يكسو ملامحه، وجد شوقي متكئا على سيارته وهو يحتسى قهوته، فوقف أمامه بوجه متجهم قائلا: شوقي عايزك تجيبلي منى على مخزن المعادي حالا.
عقد حاجبيه بعدم فهم: منى مين يا باشا؟
اجابه بنبرة حادة: منى مرات طه! شوفها في أنهي مصيبة، وجيبها يلا!
هز رأسه بسرعة:حاضر يا باشا.
تحرك مسرعا نحو سيارته.
بينما صعد رشدي سيارته هو الآخر، أدار المحرك بعنف وانطلق بها مسرعا.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
في احد النوادي الرياضية12:00 مساء.
كانت منى تخرج من النادي، تحمل حقيبتها على كتفها وتسير نحو سيارتها.
فتحت الباب وكادت أن تصعد، لكن فجأة توقفت سيارة جيب سوداء بجوارها، وفي لحظة واحدة هبط منها رجلان ملثمان.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، أمسك أحدهما بذراعها بقوة، بينما وضع الآخر يده على فمها.
حاولت الصراخ: ممم...!
كانت تضربهما بيديها وتحاول الإفلات، لكنهما كانا أقوى، حملاها بسرعة إلى داخل السيارة، وانغلق الباب بقوة، وانطلقت السيارة مسرعة...
بينما ظلت منى في الداخل تحاول الصراخ والضرب بعنف لكن دون جدوى..
كلية أسنان عين شمس، 12:00مساء
الكافتيريا.
كانت عائشة تجلس مع صديقاتها في الكافتيريا، يتبادلن الأحاديث والضحكات الخفيفة بعد المحاضرة.
وفي هذه الأثناء، اقترب محمد من الطاولة وهو يقول بنبرة لطيفة: السلام عليكم.
رفع الجميع رؤوسهم نحوه، فهم يعرفونه جيدا، وردوا التحية بخفوت: وعليكم السلام.
أما عائشة فتجمدت في مكانها قليلا، وظهر الضيق واضحا علي ملامحها.
ابتسم محمد بخفة: إيه يا شوشو، عاملة إيه؟
لم تنظر إليه، واكتفت بالرد وهي تنظر أمامها: الحمد لله.
تردد لحظة ثم قال: ممكن نتكلم لوحدنا؟
تبادلت صديقاتها النظرات مع بعضهن، ثم بدأن ينهضن واحدة تلو الأخرى.
إحدى الصديقات: إحنا هنجيب حاجة من هناك ونرجع.
تركوهما وحدهما، جلس أمامها، ومرت لحظة صامتة بينهما، حتي تنهد وقال: أتمنى تكوني هديتي شوية، ونعرف نتكلم بقى.
ثم أضاف بحذر: ولا لسه متعصبة مني ومش عايزة تتكلمي؟
رفعت عينيها نحوه أخيرا وقالت بحدة هادئة: متعصبة منك دي تقولها لو إحنا متخانقين على حاجة ضايقتني، مش بعد اللي حصل...
رد بسرعة: أنتِ فهمتيني غلط.
ابتسمت ابتسامة جانبية مليئة بالمرارة: لا أنا فهمتك صح..
ثم أضافت وهي تنظر إليه بثبات: على فكرة يا محمد، أنا لقطت الحتة دي فيك من زمان.
تنهدت قليلا: علشان كده كنت دايما خايفة.
رفعت كتفيها قليلا: إحنا مش زي بعض، أفكارنا مش واحدة، اختياراتنا مش واحدة ورؤيتنا مختلفه..
وأشارت بيدها بخفة: الحاجات اللي أنا بشوفها عادي وتنفع، أنت بتشوفها لأ...
ثم أضافت بنبرة أهدأ: وبتبقى هجومي أوي وقاسي، ودي حاجات كفيله تنهي اي علاقه وتبوظ اي جوازه، اهم حاجه في الجواز والعلاقه بين اي اثنين هي التفاهم، ممكن نكون مختلفين في بعض الاشياء بس في حاجات مصيريه مينفعش نبقي مختلفين فيها وده اللي حصل.
رد بسرعة مفسرا: أنا خايف على مصطفى، مصطفى ده أخويا.
نظرت اليه، وقالت باستهجان: أنت عمرك ماهتخاف على مصطفى أكتر مننا، ولا أكتر من نفسه...
ثم أضافت بهدوء: كان ممكن تقول رأيك بطرق تانية.
هزت رأسها، وأكلمت بحسم: بس دي شخصيتك يا محمد للأسف...
رفعت عينيها إليه مباشرة: وأنا مش حابة نكمل، خلاص الموضوع بينا مش نافع، أنت بالنسبة لي بقيت مجرد صديق لأخويا وبس.
نظر لها بصمت للحظة، ثم قال بهدوء حزين: عارفة، على قد ما أنا زعلان بس مش متفاجئ...
خفض عينيه، وأكمل وهو يزم شفتيه: أنتِ محبتنيش...
رفع عينيه إليها مرة أخرى: حاولتي بس معرفتيش..
ابتسم ابتسامة باهتة: طول عمري أنا اللي بجري وبحاول، وأنتِ دايما خايفة، ومترددة...
هز رأسه وتابع: مش عشان موضوع باباكي، بس لو كنتي حبيتيني بجد، كنتي صدقتيني.
صمت لحظة، وتابع: مكنتيش هتخافي...
ثم قال بهدوء مؤلم: بس أنتِ محبتنيش يا عائشة.
وقف من مكانه ببطء: أنا مش هضايقك تاني، بس أنا دايما هبقى جنبك، لو احتاجتيني.
قال كلماته الأخيرة، وتحرك مبتعدا، كانت خطواته بطيئة، كأن كل خطوة تبعده عنها أكثر مما كان يتخيل يوما..
أما عائشة فظلت جالسة في مكانها، تنظر أمامها إلى نقطة بعيدة دون أن ترى شيئا، كانت تعض خدها من الداخل بقوة، محاولة أن تمنع تلك الغصة التي ارتفعت في صدرها...
امتزج في عينيها الضيق بالحزن، ثم أخرجت نفسا طويلا ببطء، كأنها تحاول أن تهدئ قلبها.
بعد لحظات...
جاءت إحدى صديقاتها وجلست أمامها وهي تتساءل بقلق: إيه؟ عملتوا إيه، اتصالحتوا؟
هز رأسها، وأجابتها بهدوء: خلاص كل حاجة انتهت.
عقدت صديقتها حاجبيها: طب ما كنتي تاخدي فرصة.
أجابتها وهي تنظر بعيدا: الفرصة دي بتكون لحد أكون حاسة اني واثقه فيه..
صمتت لحظة قبل أن تضيف: بس أنا ومحمد عمرنا ما وصلنا للنقطه دي..
ثم غيرت الموضوع فجأة وهي تحاول التماسك: بقولك إيه؟! تعالي نكمل مذاكرة.
هزت صديقتها رأسها بالإيجاب، لكنها ظلت تنظر إلى عائشة بأسف، وهي تشعر بالحزن من أجلها.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي
غرفة ماسة وسليم 12:00ظهرا.
جلست ماسة على الفراش، مسندة ظهرها إلى الوسادة، تشاهد التلفاز بهدوء بينما تقضم تفاحة في يدها، يبدو على ملامحها هدوء غريب كأن شيئا لم يحدث، وفجأة انفتح الباب بعنف قليلا، ودخلت فايزة.
رفعت ماسة عينيها فورا ونهضت من مكانها بتوتر خفيف.
توقفت فايزة أمامها، تتفحصها من أعلى إلى أسفل بنظرة قاسية، ثم قالت ببرود: ولسه ليكي نفس تاكلي بعد اللي عملتيه امبارح يا حشرة؟
ثم أشارت إلى التفاحة في يدها: ومين دخلك الأكل ده؟ ده هيكون اخر يوم ليه هنا.
رفعت يدها تعبث في شعرها بلا مبالاة وقالت:
ابنك.
تجمدت ملامح فايزة قليلا: ابني؟
جلست علي الفراش مرة أخرى، وأخذت قضمة أخرى من التفاحة: أه والله العظيم ابنك الشمام، جه وفكني لما كنت مربوطة، وجابلي أكل، وقعد يقولي كلام غريب بس أنا مشترتش.
تقدمت فايزة خطوة، حتى توقفت أمامها، ضيقت عينيها وهي تراقبها بدقة، ثم قالت ببطء: قوليلي يا ماسة، قلبك ازاي جامد كده وأنتِ بتكلميني؟ رغم إنك عاملة مصيبة؟! مش مصيبه عاديه تؤ، دى خيانه!
ماسة بهدوء: أنا معملتش حاجة، وأنتِ عارفة كويس إني مظلومة، ورشدي أكدلي ده.
تغيرت نظرة فايزة قليلا بتعجب: قالك إيه رشدي؟
ابتسمت ماسة ابتسامة خفيفة: ابقي اسأليه؟!
اقتربت فايزة منها أكثر وقالت بتهديد وهي تنظر داخل عينيها: أوعي تكوني فاكرة إنك لما هددتيني انك هتحكي لسليم كل حاجة، ده يخلي قلبك يجمد وتكلميني كده وإني هخاف منك.
ثم أضافت بفخر واضح: أنا فايزة رستم آغا.
نظرت إليها بحدة: متنسيش نفسك، افعصك تحت جزمتي.
ثم مالت بجسدها قليلا نحوها وقالت بصوت منخفض: أنتِ لسه امبارح، كنتي بتصرخي..
ثم رفعت يدها وأزاحت شعر ماسة عن وجهها، ولمست مكان الضرب على خدها، وقالت بثبات وهي تركز في عينيها: لسه العلامات على وشك مخفتش، بلاش الأسلوب ده معايا اياكي تتحديني، انتِ بالنسبة لي حشرة، اوعى تكوني فاكرة الكلمتين اللي قولتيهم خوفوني، تبقي غبيه يا ماسة.
ابعدت ماسه وجهها عن مرمي يدها، وقالت بثبات: حضرتك عايزة مني أيه؟
فايزة بلا مبالاة: ولا حاجة.
اعتدلت في وقفتها، وأدخلت يدها في جيبها، وأخرجت هاتفا صغيرا ذو أزرار ووضعته على الطاولة أمامها: ده تليفون هنكلمك منه، وهيبقى وسيلة التواصل بينا عشان نبلغك بكل حاجة.
توقفت لحظة ثم قالت: أنا بلغت الباشا، وهو وافق يهربك...
صمتت لحظة قبل أن تكمل: مسألة أيام، لأن عندنا حاجات أهم منك...
ثم قالت بنبرة حادة: فخليكي عاقلة احسنلك.
ثم تحركت بضع خطوات نحو الباب، وكادت تخرج لكنها توقفت فجأة، والتفتت إليها مرة أخرى وقالت: هو أنتِ بجد كنتي عايزة تقتلي سليم امبارح؟
اتسعت عينا ماسة، وظهر التأثر واضحا على ملامحها، ثم قالت بصوت منخفض يحمل ألما حقيقيا: أه...
توقفت لحظة، ثم رفعت عينيها نحوها: كنت هقتله
من وجعي، ومن اللي بيعمله فيا، ولأنه قتل مصطفى، وهددني إنه هيقتل أهلي...
انخفض صوتها أكثر: كنت عايزة أخلص منه، أنهي العذاب ده.
نظرت فايزة إليها لحظة طويلة، ثم قالت: عذابك هيخلص قريب.
ثم أضافت بتحذير واضح: أوعي تفكري تعملي حاجة تانية زي كده، علشان اقسم بالله اوريكي العذاب ألوان، أنتِ لحد دلوقت مجربتيش عذاب فايزة، الا سليم سامعه..
انهت كلمتها واستدارت بعدها وخرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت المكان، فنهضت ماسة، وتقدمت ببطء نحو الطاولة، أمسكت الهاتف الصغير بين أصابعها ونظرت إليه قليلا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة؛ فهذا بالضبط ما كانت تريده، أن تمتلك هذا الهاتف، الذي سيجعل خيوط اللعبة بين أيديهم
أخذت تقلبه بين أصابعها، وهمست لنفسها بهدوء: كدة احلوت أوووي..
ثم أنزلته ببطء، وعادت تجلس كما كانت من قبل، كأن شيئا لم يحدث.
مدت يدها إلى التفاحة، وأكملت أكلها في هدوء، وعيناها عادت إلى شاشة التلفاز، لكن خلف ذلك الهدوء الظاهر كانت ابتسامتها الصغيرة ما تزال على شفتيها.
في أحد المخازن المملوكه لعائلة الراوي.1:00 ظهرا.
كانت منى مربوطة على كرسي، عيناها معصوبتان بقطعة قماش، وفمها مكمم، حولها عدد من الحراس يقفون في صمت ثقيل.
فجأة فتح باب المخزن بقوة، ودخل رشدي ووجهه يشتعل غضبا، وحقد قديم يطفو على ملامحه، توقف أمامها مباشرة...
رفع يده بإشارة للحراس، فاقترب أحدهم ونزع العصابة عن عينيها.
رمشت عدة مرات حتى وضحت الرؤية، وما إن رأت رشدي أمامها حتى اتسعت عيناها بصدمة.
اقترب هو بنفسه وفك القماش عن فمها.
منى بذهول: أنت اتجننت؟!
ابتسم ابتسامة باردة: تقصدي عقلت، بقيت بشوف صح...
انحنى قليلا نحوها وعيناه تشتعلان، وقال بنبرة حادة: بقى يا واطيه، تعملي كده في رشدي الراوي؟ أنتِ اللي زقيتي نيللي عليا، علشان تخليني مدمن! ولبستيها في الواد الويتر، بقى انتِ تغفليني انا والباشا، طبعا ابوكي واخوكي اللي ساعدوكي، ما الموضوع ده ميعديش كده من تحت ايديهم، بس وشرف امك نوجا لهدفعك الثمن وادفعهم معاكي..
اتسعت عيناها بصدمة، وبدأ قلبها يدق بعنف، فذلك الأمر مر عليه سنوات طويلة، وكانت تظن أنه دفن للأبد، كيف علم؟! لقد تأكدت بنفسها آنذاك أن كل من شهد أو علم بذلك قد اختفى، بل إن بعضهم قتل حتى لا يبقى أي أثر للحقيقة، فكيف وصل إليه الأمر بعد كل تلك السنوات؟!
ارتجفت أنفاسها قليلا، بينما راحت عيناها تراقبانه بقلق حقيقي لأول مرة.
ابتعلت ريقها، وحاولت الثبات والتلاعب: أنت بتقول إيه؟ انا مش..
قاطعها بصفعه قوية، جعلت رأسها ترتد إلى الجانب، وهو يصيح بغضب: كنتي فاكرة إن اللي عملتيه مش هيتعرف؟!
ثم صفعها مرة أخرى، وتابع: عملتي كده ليه؟!
صفعة ثالثة، تابع صارخا بانفعال: انطقي! عملتي كده ليه؟! اوعى تلاوعى بالكلام، انطقي عملتي كدة ليه؟
كانت تتألم من الضرب وأنفاسها تتقطع، ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بكره: علشان هددتني!
توقف رشدي لحظة، فتابعت بغل وهي تنظر في عينيه: هددتني بأولادي، كان لازم أدفعك التمن...
أكملت بصوت مرتجف: كنت بحمي نفسي ولادي منك ومن شرك بعد ما هددتني انا وطه.
ضحك بمرارة وهو يقول: يمكن حميتي أولادك مني؟! بس محميتهمش من شرك، ولا من غلك ولا طمعك يا عقربه.
اقترب منها أكثر وقال ببطء: أقسم بالله، لآخد حقي، وحق كل إللي عملتيه معايا، ساعة بساعة يا اوسخ واحده شوفتها في حياتي.
رفعت رأسها بعناد: لو قربت مني هنهيك، انت روحك في إيدي...
اقتربت بوجهها منه وقالت بتهديد: هروح أقول لـسليم كل حاجة، ولمراتك كمان، وقتها هتنتهى
تهدج صوتها، وهي تقول بارتعاش: سيبني امشي يا شدي وانسى اللي حصل، احنا كده خلصانين، انت هددتني بعيالي، وانا خدت حق التهديدات دي.
ثم تابعت بسخرية وتقليل: بعدين أنت اللي ضعيف وكملت، لحد علمي نيللي مكنتش لسه وصلتك للشم.
ابتسم بسخرية وفجأة أمسك شعرها بعنف قائلا بنبرة مرعبه: أنتِ فاكرة إنك هتخرجي من هنا حية؟!
شد شعرها أكثر وهو يصرخ: ده انا هسسفكك التراب وهخليكي تقولي حقي برقبتي، وتندمي على اليوم إللي فكرتي فيه تلعبي مع رشدي يا بنت كلب..
واخذ يضربها على مختلف جسدها ووجهها بيده بعنف
صرخت من الألم: طه مش هيسيبك! ولو اختفيت الدنيا كلها هتعرف! أنا معايا مستندات تيدينك، الناس دي لو عرفوا إني اختفيت هيطلعوا الورق وهيدمروكم.
اقترب منها أكثر وقال ببرود: أنا مبخافش ومبتهددش.
ثم قال ببطء: ومش هتخرجي من هنا، غير لما آخد حقي منك.
بصقت الكلمات في وجهه باشمئزاز: أنت ضعيف وجبـان وشمام، ولا هتعرف تعمل حاجة، فاكر نفسك سليم!! مهما حاولت تقلده هتفضل مجرد كومبارس فاشل ومزعج.
اشتعل غضبه، وأمسك شعرها بقوة وبدأ يصفعها مرارا، وهي تصرخ حتى نزفت شفتيها.
تدخل الحراس وأبعدوه عنها قليلا، وقال وهو يلهث من شدة الغضب: أنا بقى هوريكي، المدمن الجبان هيعمل إيه؟!
ابتعد قليلا ثم قال للحراس: أنا همشي دلوقتي، كل ساعة عايزها تاخد علقة.
ثم أضاف ببرود: بس متموتش، لحد ما أقرر هعمل فيها إيه.
ثم نظر إليها فجأة، وقال بأمر: هتتصلي بطه، وتقولي له إنك هتباتي بره.
رفعت رأسها بعناد: مستحيل أتصل.
ابتسم ببطء: جميل...
ثم أخرج هاتفه وفتحه أمامها، فظهر على الشاشة قناص يوجه سلاحه نحو ابنها تيم الذي يقف من أصدقائه بالشارع أمام سيارته.
اتسعت عيناها بصدمة: تيم...!
رشدي بهدوء مرعب: كلمة واحدة مني، وهتبقي أم المرحوم
ترددت أنفاسها، فتابع بنظرة باردة تحمل قسوة: مش مصدقة؟
رفع الهاتف قليلا وقال: بهجت...نقذ
صرخت: استنى..
ابتسم بسخرية: أيوه كده، ابلعي السم يا عقربه واسمعي الكلام...
ثم أشار للحارس: ادوها تليفونها.
فك أحد الحراس قيد يدها وأعطاها الهاتف.
اتصلت بيد مرتجفة، حتي أتاها صوت طه: أيوه يا منى؟
حاولت أن يبدو صوتها طبيعيا: أيوة ياحبيبي، أنا هبات النهارده عند بابا، بقالي كتير مشوفتهوش.
توقفت لحظة: ماشي... باي.
أغلقت الهاتف ببطء، نظر إليها رشدي مبتسما: جميل، توتي بيسمع الكلام بسرعه..
ثم قال للحراس وهو يتجه للخروج: خلو بالكم من العقروبه دي، عايزها تاخد احلى واجب.
فتح باب المخزن وخرج تاركا خلفه صدى صراخها في المكان.
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 3:00مساء
جناح مي ورشدي
دخلت مي غرفتها وهي تتحدث في الهاتف: آه يا حبيبي، أنا لسه جاية أهو هتتأخر؟ خلاص هقعد أستناك، لا لا مش هتغدى، هستناك، باي.
أغلقت الهاتف وألقته برفق على الفراش، ثم وقفت تنظر حولها إلى ديكور الغرفة، وإلي حياتها الجديده التي بدأت الآن..
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تتأمل المكان، ثم دخلت غرفة الملابس، وقفت تتفحصها بإعجاب، ثم ابدلت ملابسها وأثناء خروجها طرق الباب.
مي: اتفضل.
دخلت إحدى الخادمات وهي تقول باحترام: مساء الخير يا ست هانم.
مي بلطف: مساء النور.
ابتسمت الخادمة وقالت: أنتِ نورتينا يا عروسة، أنا خدامتك مفيدة، أي حاجة تحتاجيها أنا تحت أمرك...
ثم أضافت: رشدي بيه كلمني وقالي أبقى معاكي من دلوقتي.
ابتسمت مي بأدب: شكرا جدا، ممكن تعمليلي كوباية نسكافيه؟
مفيدة: بس كده؟ عيني حاضر، مش عايزة تتغدي؟ أصل هنا مبيتغدوش، بيتعشوا الساعة سبعة، وبيفطروا الساعة ستة الصبح.
أومأت برأسها: لا، مش عايزة أكل هستنى رشدي، اعمليلي نسكافيه بس.
مفيدة: عيني حاضر.
خرجت مفيدة من الغرفة، بينما توجهت مي نحو الشرفة.
جلست هناك تستمتع بالهواء الهادئ، بعد قليل عادت مفيدة تحمل كوب النسكافيه، وضعته أمامها وانصرفت بهدوء.
أمسكت مي بالكوب وجلست تحتسيه، وهي تعبث بهاتفها وتتصفح الإنستجرام.
توقفت أصابعها فجأة عندما ظهرت أمامها صور لوجين وياسين وهما يستمتعان بشهر العسل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم ضغطت على زر الاتصال.
وضعت الهاتف على أذنها وهي تميل برأسها إلى الخلف في المقعد بابتسامة: جيجي وحشتيني.
جاءها صوت لوجين من الطرف الآخر: ميوشي! عاملة إيه، وحشتيني.
اجابتها بابتسامة: تمام، شوفت صوركم، جامدة جدا.
ضحكت لوجين: وأنتِ فين صورك؟ ولا أنتِ من النوع اللي بيخاف من الحسد؟
هزت رأسها وهي تنظر إلى فنجانها بضيق: لا يا ستي، إحنا أصلا نزلنا مصر من كام يوم.
لوجين بدهشة: ليه كده؟
تنهدت مي قليلا، ومررت يدها في شعرها: علشان بابا تعب شوية، بس الحمد لله بقى أحسن.
لوجين بسرعة: الف سلامه عليه، طب مادام اطمنتي عليه ارجعي.
حركت كتفيها قليلا وهي تنظر للسماء: مش هينفع، رشدي كمان عنده شغل ومحتاج يركز فيه، دى حتي رحمة مديرة أعمال سليم كلمته كذا مرة وأحنا في شهر العسل، بس أنتِ عارفه رشدي كان بيكبر دماغه ومش بيرد عليها.
لوجين بتعجب: هو سليم غير نور مديرة أعماله؟
عقدت مي حاجبيها قليلا: معرفش، اللي كلمته اسمها رحمه وقالى مديرة أعمال سليم!!
لوجين بتردد: ممكن يكون غيرها، خسارة نور كانت ممتازة، المهم انتِ كويسه؟
صمت مي للحظه تفكر في حديثها، شعرت أن هناك شيء خاطىء، لكنها تابعت حديثها، وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية: تمام يا روحي، كنت بس بطمن عليكي إنجوي يا حبي، سلميلي على ياسين... يلا، سي يو.
أنهت المكالمة، وخفتت ابتسامتها قليلا وهي تنظر إلى الهاتف بين يديها كأن شيئا ما بدأ يثير فضولها.
هزت رأسها وكأنها تطرد الفكره من عقلها: بلاش هبل يا مي اعقلي.
عادت تمسك بالكوب وترتشف منه مرة أخرى، بينما تُمسك بالهاتف بين يديها، تعبث به بلا وعي، وتتنقل بين تطبيقاته دون تركيز؛ فذهنها شرد بعيدا عند كلام لوجين، وأخذت الأفكار تعصف بعقلها...
عقدت حاجبيها وهي تهمس بداخلها بتشوش: ازاي اسمها نور وهو قال رحمة؟! طب رشدي هيكدب عليا ليه؟ يمكن فعلا سليم غيرها..!!
لكن مرت بخاطرها ذكريات قديمة، واتاها صوت آخر يهمس بداخلها ساخرا: وميكدبش ليه؟ ده كان بتاع بنات أصلا، حتي في شهر العسل كان بيعاكس بنات قدامك!
تنهدت وهي تهز رأسها: هتبقي ليلتك سودا يا رشدي، لو طلعت بتكلم بنات فعلا!
تسارعت أنفاسها، وأخذت تقلب الاحتمالات في رأسها، وهي تحدق في الفراغ أمامها، وفجأة لمعت فكرة في رأسها أرادت بها أن تقطع دائرة الشك بداخلها.
اعتدلت في جلستها، وشدت قبضتها على هاتفها، ثم ضغطت على الاتصال، وحاولت أن تغير نبرة صوتها قليلا: ألو مساء الخير، لو سمحت ممكن تحولني على مكتب الاسيست الخاصة بسليم الراوي، معاك المدير التنفيذي لشركة جيو.
مرت لحظات قصيرة، ثم جاءها صوت امرأة من الطرف الآخر: مساء الخير.
ابتسمت مي بخفة وقالت: أستاذة نور معايا؟
رد الصوت بهدوء: أيوه، أنا نور، مين معايا؟
تجمدت للحظة واتسعت عيناها، ثم أغلقت الهاتف بسرعة، وهمست من بين أسنانها: كده يا رشدي...؟ ماشي يا رشدي... ماشي.
مجموعة الراوي.
الممر
كان سليم يتحرك في الممر بخطوات هادئة، وخلفه نور تعطيه بعض المعلومات، بينما كان يهز رأسه بين الحين والآخر بإيماءة موافقة، في تلك اللحظة...
كان رشدي هو الآخر يسير في الممر، قادم لتوه من الخارج، توقف سليم أمامه متسائلا: إيه يا رشدي؟ جاي منين؟ وعملت إيه مع منى؟
ثم التفت إلى نور وقال بتهذب: نور، من فضلك اسبقيني على المكتب.
أومأت نور برأسها موافقة، ثم تحركت مبتعدة.
اجابه رشدي بنبرة ساخرة: خدتها فسحة لمخزن المعادي.
رفع سليم حاجبه قليلا وسأله: وناوي تعمل إيه؟ بلاش تهور ولا جنون، اهدى.
أجابه بانزعاج، ووجه متجهم: مش حاطط حاجة معينة في دماغي، لسه بفكر.
مرر سليم عينه عليه قائلا بتفخيم مفتعل: بس الصراحة، متوقعتش إنك هتعمل حاجه بالسرعه دي؟!
رشدي بابتسامة جانبيه: أنت بس اللي شايفني قليل...
ثم ابتسم بسخرية: مش أنت بس العيلة كلها.
نظر إليه سليم بتركيز: أنا عمري ماشوفتك قليل، كنت دايما بقول إن فيك حاجات كتير مني، بس لو بطلت اندفاع وركزت شوية.
ثم سأله فجأة: بس قولي عرفت ليه عملت معاك كده؟
هز رأسه: لسه بس هتقر.
تسأل سليم: طيب رجعت ليه دلوقتي؟
أجابه ببساطة: عايز أقعد مع شوقي شوية وأتكلم معاه، نشوف هنعمل إيه وأفكر على مهلي، خصوصا إن مي في القصر مش هبقي على راحتى.
أومأ سليم برأسه وقال بهدوء: تمام، لو احتاجت حاجة أنا معاك، سلام.
تحرك مبتعدا متجها نحو مكتبه، بينما أكمل رشدي طريقه إلى مكتبه.
وحينما وصل سليم إلى المكتب، جلس علي المقعد وفتح اللاب توب أمامه، وضغط على بعض الأزرار حتى فتحت الكاميرا المثبتة داخل مكتب رشدي، وظهرت الصورة أمامه بوضوح.
كان رشدي جالسا خلف مكتبه يفكر في منى، وكيف يعاقبها، ويأخذ حقه منها.
فتح هاتفه وكتب في محرك البحث: "إزاي أخلي واحد يدمن بسرعة؟" وبالطبع سليم لم يكن يرى مايكتبه على الهاتف.
ظل يبحث قليلا، ثم بدأ يدون بعض الملاحظات على ورقة أمامه، بعد دقائق دق الباب.
رشدي: ادخل
دخل شوقي، وجلس أمامه.
نظر اليه رشدي وتساءل: عملتوا معاها ايه؟
هز شوقي كتفيه: ولا حاجة، بس قولت الرجالة كل شوية يدوها قلمين، مش عايزين نتقل عليها أوي.
ثم سأله: اؤمرني يا باشا، المفروض دلوقتي نعمل معاها إيه؟
رشدي ببرود: ولا حاجة، سيبها قاعدة زي الكلبة في المخزن، هاتولها أكل وميه، ولو عايزة تدخل الحمام تدخل.
ثم أشار بإصبعه محذرا: بس فتح عينك كويس، منى دي دماغها سم..
ثم ابتسم بسخرية: ممكن تضحك عليك وتقولك بطني وجعاني ولا تعبانة، اعرف إنها بتشتغلك.
اومأ شوقي برأسه، وقال بحذر: بس اسمحلي أقول حاجة يا باشا...
تابع باستحياء: موضوع منى هانم يعني..
ضيق رشدي عينه: ماله
ابتع شوقي ريق: اللعب معاها لازم يتفكرله كويس، حضرتك عارف هي بنت مين وأخت مين.
ابتسم رشدي ابتسامة باردة: شكلك أنت اللي نسيت أنت شغال مع مين.
ثم قال بثقه: رفعت وحسام شغالين عندنا، وبعدين هما كمان هيتعاقبوا أزاي يتجرأوا يعملوا كدة في رشدي الراوي.
ثم انحنى قليلا للأمام وقال: أنا عايزك تجبلي معلومات عن شغلهم اللي شغالين عليه دلوقتي، هاتلي كل حاجة، علشان بعد كده يفكروا كويس قبل ما يقفوا قدامي.
تابع بتنبيه: الفترة الجاية شغلك الشاغل يبقى عماد
وطبعا رأفت وحسام.
أومأ شوقي فورا: اعتبره تم يا باشا.
أشار رشدي بيده: طب روح أنت.
نهض شوقي وغادر المكتب، بقي رشدي وحده، نظر إلى الورقة أمامه، وارتسمت على شفتيه ابتسامه شر شطانيه.
منزل سارة 12 ظهرا
غرفة النوم.
جلس عماد وسارة بجانب بعضهما على الفراش، كان يبدو على ملامح عماد التوتر
قالت سارة بتعجب: هو ده الموضوع المهم اللي مخوفك كده؟
ابتسمت بتعجب ساخر: إخص عليك يا عمدة، بقي رشدي حتت العيل العبيط دى يخوفك؟! ده مهزق العيلة، عيب في حقك.
تنهد وهو يمسح على ذقنه بضيق مفسرا بتوتر: مش خوف، بس لازم أقلق.
مالت نحوه قليلا وهي تعقد حاجبيها: تقلق ليه؟
اجاب وهو يزم شفتيه بصجر: افرضي نفذ وورى الصور لصافي؟! أنتِ عارفة صافيناز لو وصلتلها الصور دي، هتعمل قصة كبيرة.
ابتسمت بثقة وهي تهز كتفيها بلا مبالاة: يبعت...
نظر لها بدهشه! فتابعت بشطانيه: قولها إنك قابلتني وسلمت عليا من يومين؟! وإني في مصر وهي أصلا عارفة إننا أنتيم ولو شوفتني في أي مكان هتاخدني بالأحضان عادي..
اقتربت أكثر وهي تكمل بنبرة واثقة: ولو حصل وبعت الصور ساعتها نقلب الترابيزة عليها، أنها ازاي تشك فينا...
ثم لوحت بيدها باستخفاف: سيب الموضوع ده عليا.
ظل صامتا لحظة، وعيناه تفكران بعمق: برضو لازم أفكر في حاجة تخلصنا من رشدي، وكمان لازم أخفف مجيتي هنا لحد ما أشوف هعمل معاه إيه.
هزت رأسها وهي تبتسم بدلال: ماشي يا عمدتي، خلاص بقى روق.
لكنه ظل عابثا، اقتربت منه أكثر، ووضعت يدها على كتفه وهي تقول بنبرة لعوب: أنا هعرف أروقك أزاي.
اقتربت أكثر فأكثر وووو
مجموعة الراوي
مكتب سليم 12 ظهرا
جلس سليم خلف مكتبه ومكي أمامه، والصمت الثقيل يملأ المكان.
نفث مكي دخان سيجارته وقال: أنا برضوا مش فاهم، سلمت منى ليه بعد كل السنين دي؟
أجابه بهدوء: لأنها كانت عارفة اللي حصل مع ماسة ومقالتليش..
ثم أضاف وهو ينظر أمامه: فضلت ساكتة، ومش بس كده! دي ساومتهم كمان، فبالنسبة لى زيها زيهم ومشاركه معاهم بسكوتها، ولا يمكن أسامحها عليه.
رفع رأسه قليلا: المهم أنا عرفت من رشدي إنه وداها مخزن المعادي، أنا عايز صورة لمنى وهي هناك.
هز مكي رأسه بثقة: سهلة، اديني ربع ساعه وهتبقى عندك...
ثم سأله باهتمام: المهم هتعمل إيه مع رشدي؟
هز كتفيه بلا مبالاة: ولا حاجة...
ثم قال بهدوء مخيف: هفضل سايبه مؤقتا..
أخذ رشفة من قهوته ثم أكمل: عايز أشوفه هيجمع إيه عن عماد وهيعمل معاه ايه؟! لأن الموضوع اكيد مش هيقف على الصور اللي هدده بيها الصبح، عايز اعرف ايه الحاجات التانيه اللي هيمسكها عليه؟! ولا هو بيهوش علشان يخوف عماد؟! وأكيد طبعا عماد مش هيسكت وهيرد.
صمت لحظه، ثم قال: أنا عايز الصور دي، بس المشكله إني مش واثق في حد ومش عايز أفتح على نفسي دايرة، عايز اللي يفضلوا شغالين معايا يبقوا ناس إحنا متأكدين منهم، وللأسف مفيش منهم حد هيعرف يهكر فون رشدي وعرفان مشغول.
مكي: طب ماتكلم إيهاب، هو مش بيعرف يهكر وممكن يساعدك، وحد نثق فيه..
هز سليم رأسه: أنا فكرت فيه فعلا، خلاص هكلمه على الرقم اللى بينا واخليه يجيبلي الصور دى.
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة: ونشوف بقي ممكن نلعب بالصور دى أزاى..
أضاف وهو يطفئ السيجارة: رشدي طلع خطير، أخطر مما كنت متصور، متوقعتش أنه ينفذ بالسرعه دي، ومش عارف ناوي يعمل ايه معاها؟! هو قالي أنه بيفكر لسه.
رفع مكي شفتيه متعجبا: غريبه إن رشدي حكالك..
اوما سليم براسه: ممكن يكون بيعمل كده علشان يقرب مني، في خطه في دماغه؟! اصلك انت مشفتوش الصبح وهو عمال يقنعني ان ماسه بريئه، ولما ضرب عماد امبارح والنهارده هدده، مش فاهم ناوي على ايه؟! بس انا معاه للآخر.
سأل مكي: هتسيبهم يخلصوا على بعض؟
ابتسم سليم: آها، وهلعب معاهم كمان، موضوع عماد ورشدي ده أنا مكنتش حاطه في دماغي، جالي لحد عندي، تفتكر ينفع أسيبه كده؟
أكمل بابتسامه خبيثه: ولا لازم أستغله؟
عقد مكي حاجبيه: وهتستغله أزاي؟
أجابه: لما أشوف الصور الأول وأجمع أفكاري؛ لأني مكنتش عامل حسابي للحوار ده زي مقولتك.
لوح بيده وهو يتابع: المهم سيبك من كل ده، أنت ليه مش عايز ترجع لسلوى؟ ماسة حكتلي إن سلوى طلبت ترجع وإنت رفضت.
نظر مكي بعيدا وقال بصوت منخفض: مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
سليم بحزم: لا هنتكلم، عشان مينفعش منتكلمش فيه...
تنهد ببطء وهو يتابع بضيق: حياتك إنت وسلوى اتدمرت بسببي، وبسبب أهلي..
تابع موضحا: كنت عايزها تعمل ايه؟! انت قولت قبل كده، سلوى معندهاش نص سبب، بس سلوى طلع معاها أسباب كتير.
نظر إليه مكي باستغراب: أزاي يعني؟
نهض سليم من مكانه، وفك زر جاكيت بدلته، ثم جلس أمامه وهو يميل بجسده نحوه قائلا بعقلانية: سلوى زي ماسة، سلوى اتهددت زي ما ماسة اتهددت، حتى لو التهديد مكانش مباشر عليها.
مكي معرضا: كان ممكن تقولي ببساطه.
رد سليم باستهجان عقلاني: هتقولك إزاي، وهي متأكدة إنك هتيجي تقوللي؟ هما خافوا، خافوا يا مكي..
تابع نبرة متأثرة قليلا: سلوى وماسة كان لسه فيهم براءة، وفي السن ده الدنيا كانت لسه مضغطتش عليهم، ماسة مقويتش غير لما خرجت للدنيا، ونفس الكلام سلوى...
ونظر إليه بلطف ورجاء: بلاش تبقى قاسي، وتضيع حبك من بين إيدك.
صمت مكي لحظة طويلة ثم قال: يمكن إنت عندك حق...
تنهد بعمق تابع: بس أنا مجروح منها، مش قادر أنسى إنها بعدت، يمكن عندك حق إنها خافت، ومكانش ينفع تقول ..
لكن صوته انخفض بوجع: بس أنا اتكسرت منها كتير.
سليم بهدوء: كان غصب عنها، ولازم تفهمها، وبعدين البنت جت لحد عندك وقالتلك أنا آسفة وبحبك غلطت، واعترفت بغلطتا خلاص، عايز أكتر من كده إيه؟
تنهد مكي وهو ينظر في عين سليم بقهر: مش عارف انسى ولا اعدى، أصلا ساعات بحس إنها محبتنيش كفاية، هي يمكن حبت الحب اللي أنا بديهولها انما حبتني أنا؟ لا..
رفع سليم حاجبيه معلقا: طب لو هي محبتكش، رجعت ليه؟
مد مكي وجهه: ضميرها وجعها...
ثم أضاف وهو يشيح بنظره بعيدا: علشان عرفت إنها ظلمتني.
هز سليم رأسه رافضا فورا: لا طبعا، هي بتحبك وندمانه.
رفع مكي عينيه إليه وقال بثبات: صدقني هي كده، ومش هقولك تاني، أنا وسلوى مختلفين عنك انت وماسة، هي نفسها مختلفه عن ماسة..
نظر بعيد وكأنه يتذكر وجع قديما: كانت قاسية زيادة لما بعدنا، وراحت اتخطبت...
ونظر إليه: مختارتنيش، كان ممكن تبعد، ومتتخطبش...
هز رأسه أضاف: بس هي عملت نفس الغلطة تاني.
سليم بتعقل وهدوء: أكيد غلطت، بس عندها سبب كان بتحاول تنساك، هي حلت الغلط بغلط اكبر، بسبب قلة خبراتها.
مكي بضجر: متبررلهاش يا سليم.
هز سليم رأسه: أنا مش ببررلها، أنا بس بحاول أوضحلك الصورة.
تنهد مكي: أنا شايف الصورة واضحة، بس مجروح، مش قادر أقتنع، ولو حتى اقتنعت، الموضوع خلاص مش نافع.
أخرج نفسا طويلا: دلوقتي في حاجات أهم نركز فيها
نظر له سليم طويل شعر أن الحديث معه الآن لن يجدي نفعا، ربما على سلوى فعل شي يقنع مكي اكثر حتى يسهل عليه الحديث: ماشي يا مكي..
ثم أضاف بجدية: بس لازم تدي سلوى فرصة وتسمعها...
ثم قال بصدق: أنا مستحيل أسامح نفسي إن حياتك اتدمرت بسببي، وبسبب أهلي واللي عملوه، صدقني، أنا مش بجيب حقي لوحدي...
وأشار بيده: حقي وحق ماسة، وحقك أنت كمان.
صمت مكي قليلا، ثم قال بهدوء: سيبها للأيام يا سليم، الله أعلم بكرة مخبي إيه.
ثم سأله: المهم دلوقتي هتسيب منى كده مع رشدي؟
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة: آه، هسيب كل حاجة ماشية زي ما هي، وأنا هقعد أتفرج واستمتع، وآخد اللي أنا عايزه، وكل واحد هيطلع اللي عنده.
مكي هو ينهض: طب هقوم انا علشان اجبلك الصور اللى عايزها لمني؛ عارفك مش عايز تدخل على ماسة وايدك فاضيه.
غمز له وتحرك مبتعدا، بينما ظل سليم جالسا في مكانه، ينظر أمامه بابتسامة هادئة، ثم امسك هاتفه، وقام بعمل مكالمه، انتظر قليلا حتى جاؤه الصوت من الاتجاه الآخر فقال: أيوه يا إيهاب أزيك عامل ايه، كنت عايز منك خدمة...
في أحد المستوصفات الاهليه.
غرف التحضير 12ظهرا
جلست جنة على الفراش تبكي بحرقة، ودموعها تنزل بلا توقف.
إلى جانبها جلست إسعاد تمسح على شعرها محاولة تهدئتها، بينما وقفت رحمة بالقرب منهما تنظر بقلق، كان المكان مزدحما بالأطفال، وأصوات البكاء تملأ الممرات، وأمهات يحاولن تهدئة صغارهن والآخر نائمون بسبب البنج.
شهقت جنة وهي تمسح دموعها بيدها الصغيرة: لا أنا مش عايزة أعمل العملية! أنتو ضحكتوا عليا!
ربتت إسعاد على كتفها بحنان: يا حبيبتي متخافيش، دي حاجة بسيطة خالص، وهتاكلي ايس كريم.
هزت جنة رأسها بعناد ودموعها تتساقط: لا! مش هعملها! أنا عايزة رشدي، أنا عايزة بابا وماما!
نظرت رحمة إلى الهاتف بقلق: ما هو مش بيرد، بس هييجي، متخافيش.
في تلك اللحظة دخل الطبيب إلى الغرفة، ونظر إلى جنة وهي مازالت تبكي، اقترب وسأل بهدوء: لسه بتعيط؟
تنهدت رحمة: أيوه يا دكتور، خايفة جدا، لما شافت الاطفال اللي متبنجه واللي بيعيطوا.
هز الطبيب رأسه بتفهم: طيب، أنا هخليها آخر واحدة حاولوا تهدوها..
ربت على كتف جنة برفق ثم خرج، حاولت إسعاد ورحمة إقناعها مرة أخرى، لكن دون جدوى.
مرت الساعات ببطء، وجنة مازالت تبكي وترفض العملية، والخوف يسيطر عليها، وعندما عاد الطبيب مرة أخرى، وجدها مرهقة، وحرارتها بدأت ترتفع بسبب الخوف والبكاء المستمر.
تنهد الطبيب وقال بجدية: لا كده مينفعش، هنأجل العملية لبكرة.
نظرت إسعاد إلى رحمة بقلق، بينما ظلت جنة مستلقية على الفراش ودموعها لا تتوقف.
مخزن المعادي4 مساء
كانت الغرفة غارقة في العتمة، ضوء خافت يتسلل من مصباح قديم في السقف، جلست منى على الأرض، أمامها طبق طعام وزجاجة ماء لم تلمسهما.
وجهها كان يحمل آثار الضرب، شفاهها متورمة، وعيناها متعبتان من البكاء، فجأة فتح باب الغرفة ودخل رشدي بابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، وقال بسخرية: اتمنى تكون القعده في الفندق عندنا عجبتك يا عقروبه.
نهضت منى بسرعة واقتربت منه وهي تقول بضجر: رشدي، كفاية لعب عيال بقى.
ثم قالت بغضب: سيبني أمشي، هتستفيد إيه من اللي بتعمله ده؟
أجابها ببرود: هاخد حقي.
ضحكت بسخرية رغم ألمها: حقك؟! لما تحبسني كده تبقى بتاخد حقك؟ تبقى غبي...
ثم رفعت رأسها بتحد: أنا مش زي ماسة، ولا زي أي واحدة لاعبتها قبل كده، أنا منى رفعت القاضي، عندي أهل وعيلة أنت عارفهم كويس..
اقتربت منه خطوة وقالت بحدة: وطه أخوك لو غبت هيسأل عليا.
ثم أكملت بنبرة تهديد: ووقتها أنت اللي هتزعل، خرجني واعتبر اللي حصل ده محصلش أحسنلك.
ابتسم ابتسامته المعتادة، وقال ساخرا: اهدي يا عقروبة وابلعي سمك، أنتِ عارفة كويس إني مبخافش...
ثم لوح بيده باستخفاف: والتهديد بتاعك ده، ميجيش معايا سكة.
رمقها من أعلى إلى أسفل وقال بابتسامة باردة: بس جامدة يا منى، سمك لسه بيجري في عروقك، وقوية وده كان متوقع، بس ولا فارق معايا...
ثم انحنى قليلا لمستوها وقال بنبرة مظلمة: وأنا عارف كويس أوي أزاي أكسر سمك.
واعتدل واقفا وهو يبتسم: وهخليكي، تدفعي تمن كل لدغة يا عقروبه..
ابتسم أكثر واضاف: بعدين هو مين قالك إني هحبسك بس هنا؟! وان هو ده بس عقابك؟
عقدت حاجبيها بقلق: تقصد إيه؟
اقترب منها خطوة وقال بهدوء مخيف: دلوقتي هتعرفي.
ثم أشار بيده فجأة، في لحظة، أمسكها رجلان من ذراعيها بقوة.
صرخت وهي تحاول الإفلات: إيه ده؟! أنتوا بتعملوا إيه؟!
نظر إليها رشدي مبتسما وهو يميل بجسده قليلا نحوها: هتعرفي حالا.
صرخت وهي تحاول المقاومة: ابعدوا عني!
ثم نظرت إليه بغضب: هتعمل إيه يا مجنون؟!
رفع رشدي الحقنة أمام عينيها وقال بمرح ساخر: بابا هيديكي حقنة حلوة، عشان تشكريني بعد كده.
صرخت بفزع: رشدي! متتجننش!
اقترب أكثر وهمس: ده أنتِ هتدعيلي، طباخ السام لازم يدوقه يا منوش.
ثم غرس الإبرة في ذراعها، صرخت وهي تحاول الإفلات، لكن الرجلين كانا يمسكانها بقوة.
بعد لحظات، انتهى وتركها تسقط على الأرض وهي تلهث.
نظر إليها بابتسامة باردة: كل يوم من ده...
ثم أشار إلى نفسه: وبإيدي أنا يا عقروبه، لحد ما اخليكي تيجي تبوسي ايدي ورجلي عشان تاخدي الجرعه..
رفعت رأسها نحوه بعينين مليئتين بالكراهية: هقتلك يا رشدي...
ثم صرخت: والله لأقتلك!
ضحك بخفة: هنشوف الكلام ده.
ثم استدار نحو الباب: سلام.
خرج من الغرفة، وقال بلا مبالاة وهو يسير في الممر: ادوها جرعة كمان بالليل انا عايزها في خلال أيام تكون مدمنه.
أومأ الرجال برؤوسهم موافقين، بينما داخل الغرفة كانت منى ما تزال على الأرض، جسدها يرتجف والظلام يبتلع المكان من حولها.
💕__________بقلمي_ليلةعادل_________💕
في الصحراء4 مساء
كانت سيارة سليم متوقفة في منتصف الصحراء، لا يحيط بها سوى الفراغ والرمال الممتدة.
كان يجلس بداخلها بمفرده، يضع يديه على المقود وينظر أمامه بشرود، بينما الصمت الثقيل يملأ المكان.
بعد دقائق...
ظهرت أضواء سيارة چيب تقترب من بعيد، توقفت خلفه مباشرة.
فتح الباب، وهبط منها رجل قوي البنية (عرفان )
تقدم بخطوات ثابتة، ثم فتح باب السيارة ودخل دون مقدمات، وجلس بجوار سليم.
التفت إليه سليم فورا وقال بنبرة جافة: ها يا عرفان، أتمنى تكون جايب حاجة مهمة بعد الغيبة دي.
ابتسم عرفان بخفة: غيبة إيه يا ملك؟ هو أنا لحقت!
ثم أضاف وهو يخرج هاتفا من جيبه: عموما جبتلك اللي أنت عايزه.
رفع الهاتف قليلا وهو يغمز له: الفيديو.
حك سليم يده على المقود ببطء وقال ببرود: لسه فاكر...
ثم أضاف بنبرة ساخرة خفيفة وهو ينظر له أخيرا: دى أنا كنت نسيت.
هز عرفان كتفيه: أعمل إيه بس يا باشا، ما هو اللي اسمه عماد ده، مراحش لسارة إلا النهارده.
ثم رفع الهاتف وهو يضغط عليه: بس صورتلك فيديو عالمي، عامل واحد وتلاتين دقيقة.
اقترب قليلا وهو يقول بنبرة مازحة: حتت فيديو نار! عماد كان مظبط الأداء على الآخر...
وأضاف وهو يهز رأسه بإعجاب ساخر: والبنت سارة دي طلعت معلمة
صمت سليم لحظة، ملامحه لم تتغير، ثم قال ببرود شديد: أنجز، اكيد مش جايبنى علشان تشكرلي في أداء عماد وسارة.
مد يده قليلا نحوه، وقال بعملية: فين الفيديو؟
عرفان وهو ينظر إلى الهاتف: هحولهولك حالا.
وبالفعل ضغط عدة أزرار، وبعد لحظات وصل الفيديو إلى هاتف سليم.
فتح سليم المقطع فورا، تحركت عيناه على الشاشة لثوانٍ ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
رفع عينيه ببطء نحو عرفان وقال بإعجاب خفيف: لا جامد فعلا...
ابتسم عرفان وقال بسرعة: استنى، في فيديو تاني أجمد...
ثم أرسل مقطعا آخر، هذه المرة كان الفيديو من زاوية مختلفة، يوثق الاتفاق الذي حدث عن صافيناز بالصوت والصورة..
فتح سليم الفيديو وشاهده قليلا ومع كل ثانية كانت ابتسامته تتسع أكثر.
أوقف المقطع فجأة ونظر إلى عرفان: كويس يا عرفان.
ثم أضاف وهو يشير إلى الهاتف: أنا عايز بقى أي حوار يتم مابينهم شبه الكلام دى، أو أي حاجة تلقطها، ابعتهالي
ابتسم عرفان بثقة: متقلقش يا سليم بيه هو أنا تلميذ؟
ظل سليم ينظر إليه لحظة، ثم قال فجأة: طب بقولك إيه؟ عايز منك مجموعة متفجرات تهد جبل.
رفع عرفان حاجبيه بدهشة، تابع سليم: عايزك توفرهالي بسرعة، قبل يوم الحفلة، يعني الحد جاي كل حاجه تبقي جاهزه، وتستني مني الخطة اللى هتتحرك بيها، مش عايز غلطه يا عرفان.
عقد عرفان حاجبيه أكثر وسأله: أشمعنى يوم الحفلة
ابتسم سليم ابتسامة غامضة وقال بهدوء: عايز احتفل بيهم على مزاجي.
صمت عرفان لحظة وهو يفكر، ثم قال بثقة: مفيش مشكلة.
رفع إصبعين وقال: يومين بس، وكل المتفجرات اللي أنت عايزها هتكون عندك، وكل حاجة هتمشي على المسطرة زي ما أنت عايز.
ثم قال بخبث: وهخليك تحتفل بيهم بطريقتك.
نظر سليم إليه بابتسامة باردة ثم أمسك هاتفه، وضغط عدة أزرار بسرعة بعد لحظات، اهتز هاتف عرفان نظر إليه، كانت رسالة تحويل مالي، مبلغ كبير بالدولار.
رفع عرفان عينيه نحو سليم بإبتسامة، أما سليم فكان ينظر أمامه بهدوء، كأنه بدأ يخطط لليلة لن ينساها أحد.
❤️______________بقلمي ليلةعادل
قصر الراوي،
جناح رشدي ومي 5 مساء
كانت مي متمددة على الفراش، تشاهد أحد الأفلام على التلفاز، ولكن عقلها كان في مكان آخر؛ لا تزال غارقة في التفكير في كذبة رشدي، كانت تعلم في قرارة نفسها أنه ليس كاذبا، بل صريح دائما، إلي أن هذا الأمر تحديدا لم تستطع فهمه.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل رشدي، قال بابتسامة واسعة وهو يقترب: الحلوة اللي منورة الدنيا وحشتيني.
رفعت عينيها نحوه لكنها كانت خاليه من أى مشاعر، ابتسمت له، فمال نحوها ووضع قبلة على جبينها، ثم جلس أمامها وهو يمسك يدها: عاملتى إيه من وقت ما جيتي.
مدت وجهها بنبرة باردة: ولا حاجة، قعدت اللعب في الفون واتفرج على افلام، الجو عندكم ملل، مفيش حد.
ابتسم بخفة: كلهم في المجموعة، بس اتعودي، احنا عايشين في بيت عيلة اه، بس كل واحد مع نفسه.
ثم أضاف: على فكرة ماسة هنا.
رفعت حاجبها بدهشة: بجد؟ ولا حسيت بيها؟
نظر لها موضحا فهو لا يريد أن يعرفها الحقيقة: الفترة دي متخانقة مع سليم، لما تفك اقعدي معاها، ولوجين كمان هتيجي، مش هتملي.
ابتسمت بخفة: ماشي...
ثم تساءلت بخبث: عملت إيه بالشغل؟
أجابها بتنهيدة: قرف، من وقت ما روحت استلموني مسبونيش.
اومأت وقالت بنبرة ذات معني: رحمة أكيد استلمتك.
رفع رشدي حاجبه وكأنه لم يفهم، فقالت بنبرة عاديه: ايه يا رشروش، رحمه مديره اعمال سليم!
هز رأسه متذكرا: آه .. فعلا، بت سخيفة، ادتنى شغل كتير! كأن سليم ما صدق إني رجعت، ادها اوردارت كتير ليا...
نظرت له وهي تحافظ على ثبات ملامحه بإبتسامة، ثم نهض وهو يقول: أنا هروح أغير، وهخليهم يحضرولنا العشا
مي ابتسمت: ماشي.
تساءل وهو يفك أزرار قميصه: بابا عامل إيه؟
أجابت: كويس الحمد لله، بكرة هروحله.
تحرك نحو غرفة الملابس، وبدأ يبدل ثيابه، بينما ظلت مي جالسة في مكانها، لكن عينيها كانت معلقة بباب غرفة الملابس، تنظر إليه بضيق مكتوم؛ لقد تأكدت أنه كاذب.
حتى اللحظة الأخيرة، كانت تمنحه حسن الظن، وتبرر له؛ ربما أخطأ في الاسم، ربما سوء فهم، ربما أشياء كثيرة، لكن الآن لم يعد هناك "ربما"، هو كاذب وهناك سر وراء كذبته!
جزت على أسنانها ونهضت تنوي مواجهته، لكن فجأة توقفت وعادت لتجلس مرة أخرى؛ كأن عقلها سبق اندفاع قلبها، فذكرها أن المواجهة مع رشدي لن تجدي نفعا؛ هو رجل ذكي يعرف كيف يلتف بالكلام، ويخرج من أي مأزق دون أن يترك خلفه أثرا، وهي لا تملك دليلا، المعركة محسوب له.
أخذت نفسا عميقا، وقررت أن تنتظر حتى تمتلك شيئا قاطعا، شيئا لا يستطيع إنكاره.
خرج رشدي بعد قليل، وجلس بجانبها، يبتسم كعادته، وقال بخفة: بقولك إيه تعالى نطلب أكل من برا أحسن، أنا جعان، هناكل هنا النهارده إيه رأيك؟ ولا عايزه تتعشي معاهم تحت؟
هزت رأسها بالموافقة، بملامح ثابتة لا تعبر عن شيء، فنظر إليها بتفحص وشعر أن بها شيء ما، فتساءل: أنتِ كويسة؟
أبقت عينيها على التلفاز ممثلة الانشغال بمتابعة الفيلم: آه كويسة.
أمسك بيدها، وركز النظره فيها: مش باين، شكلك مش كويسة، أصلا من أول ما جيت وأنا حاسس.
سحبت يدها برفق، وقالت بنبرة عادية: كويسة يا رشدي، بس زهقت كنت لوحدي طول اليوم، رغم إني جاية بعد الضهر.
ضيق عينيه قليلا: هو في حد ضايقك ومش عايزة تقولي؟
هزت رأسها مسرعه: لا والله، مين هيضايقني؟ أنا مشوفتش حد أصلا بقولك ملل بس.
تساءل بقلق: طب هو بابا لسه تعبان؟
رفعت حاجبها بضيق خفيف: أكيد بابا مش هيكون تعبان وأسيبه، قولتلك أنا كويسة، يلا اطلب أكل خلينا ناكل، أنا جعانة.
هز رأسه أخيرا، وبدأ يطلب الطعام.
جلسا يتناولان الطعام، ومي تحاول بكل ما تملك أن تبدو طبيعية وهادئة كأن شيئا لم يحدث.
لكن داخلها كان هناك ضجيج بالأسئلة والشكوك، كانت تعلم أن أي خطأ بسيط قد يفضحها أمامه، ورشدي ليس بالسهل، لذلك، ارتدت قناع الهدوء بإتقان، ورغم كل محاولاتها، كان ذلك الإحساس ينهشها؛ إحساس أي امرأة تشك أن الرجل الذي تحبه يخونها.
اختارت الهروب مؤقتا، فلجأت إلى النوم، فقط حتى لا تنكشف وحتى تمسك عليه دليلا قاطعا.
على اتجاه آخر في جناح سليم وماسة.
كانت ماسة تجلس في الشرفة على الأرجوحة، تتأرجح ببطء وهي شاردة الذهن، عيناها معلقتان في الفراغ.
بعد قليل فتح الباب، ودخل سليم، وفور أن رآها، تحرك نحوها مباشرة بابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، كانت تشعر بوجوده حتى قبل أن يتكلم.
وقف خلفها، ووضع إحدى ذراعيه فوق صدرها في إحاطة دافئة، بينما دفع الأرجوحة بيده الأخرى برفق
في تلك اللحظه ارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة، وأمسكت بذراعه فوق صدرها وقالت بنبرة عتاب خفيف: اتأخرت عليا.
وضع قبله على خدها مفسرا: كان في شوية حاجات كده بظبطها في الشغل، حاجات مهمة لازم أخلصها.
ثم أضاف وهو لا يزال يدفع الأرجوحة: وبعدين أنا لازم أسيبك لوحدك أكبر فترة ممكنة، علشان أشوف كل واحد عنده إيه؟! وهيعمل إيه؟!
توقف قليلا ثم قال: تعالي أنا عايزك في حاجة.
نهضت معه وهما مشبكان اكففهما ببعضهما، توقفا في منتصف الغرفة، أخرج سليم هاتفه وفتح صورة، ثم أراه لها، نظرت ماسة إلى الشاشة باستغراب، فاتضحت الصورة، كانت منى مربوطة، وآثار الضرب واضحة عليها.
اتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟!
اقتربت من الهاتف أكثر: دي منى!
رفعت عينيها إليه بسرعة: إيه اللي عمل فيها كده؟
سليم بهدوء: رشدي.
ازداد استغرابها، بينما ابتسم سليم ابتسامة باردة ورد على نظراتها بنبرة يحملها الجمود: كان لازم تدفع تمن سكوتها، أي حد كان عارف حاجة ومقالش عليها يعتبر مشارك بسكوته، ولازم يدفع التمن.
نظر إليها: أوعي تقوليلي إنك مسمعتيش الفيديو.
تنهدت ماسة، وقالت بمرارة: لاشوفته، كلهم تاجروا في شرفي عادي.
سليم بهدوء: وحقك بيتجاب، ومنى كانت أول واحده، اما الباقي قريب اوي ...
نظرت إليه بتفكير: هو أنت ليك يد في اللي حصل ولا أيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة: أكيد، زمان منى بعتت واحدة اسمها نيللي علشان تخلي رشدي يدمن، وقتها مكنتش فاهم ليه، كنت فاكرهم بيخلصوا على بعض، كبرت دماغي وقولت مليش دعوة، وخليها معلومة معايا يمكن احتاجها
ثم نظر إليها: ولما عرفت إنها كانت عارفة وسكتت، سلمتهاله، هو بقى اللي عمل فيها كده.
عقدت ماسة حاجبيها: طب ليه منى أصلا تخلي رشدي يدمن؟
هز سليم كتفيه قليلا: مش عارف، يمكن ساومته أو هددته زى ما عملت مع الهانم والباشا، بس رشدي دماغه سم، لعبت مع الشخص الغلط، وأكيد مسكتلهاش فعملت اللي عملته.
أخرجت ماسة نفسا طويلا وقالت بضيق: إيه العيلة دي بجد، مقرفين اوي
نظر إليها بصمت، فقالت فجأة: آه صح، مامتك النهارده ادتني التليفون ده.
ادخلت يديها في جيب البيجامه واخرجته، اخذه سليم من بين يديها، ثم ابتسم: طب حلو، كده بدأنا الشغل بسرعة.
قالت ماسة: أنا اكتشفت إن عليه أرقام صافيناز وعماد والباشا، طبعا مش الارقام اللي معانا أرقام تانيه، بس مفيش رشدي.
هز سليم رأسه: تمام.
اضافت ماسة: وصحيح، مي كمان جت النهارده؟
اقترب منها وقال بجدية: طيب اسمعي بقى، ركزي معايا.
توقفت تنظر إليه: بعد كده أنتِ اللي هتسمعي تسجيلات جناح رشدي.
رفعت حاجبيها بدهشة: يعني أنت سبت كل اخواتك وعايزني اراقبلك رشدي؟ هما كلهم مقرفين، عيلتك كلها عقارب...
تابعت باشمئزاز: بس رشدي ده بالذات، أنا بكرهه.
هز سليم رأسه: مش علشان رشدي، علشان مي أنتِ عارفه انها محجبة، ومش هينفع لا أنا ولا أي راجل يراقبها، وأكيد هتقعد براحتها في أوضتها.
اقتربت منه وقرصت خده بدلال: يخلاثو علي حبيبي المؤدب يا نااااس!
ثم قالت بمزاح: والله يا ابني، أنت مفروض تعمل تحليل DNA.
رفع حاجبه باستغراب، فأجابت على نظراته: بتبص كده ليه؟ اصل أنت مش شبه العيلة دي.
ابتسم ابتسامة خفيفة: لا، أنا كنت أوحش منهم كمان، بس ربنا هداني.
هزت رأسها رافضة: لا لا يا سلوملوم، أنت مش زيهم، حتى وأنت جبار، بس كان عندك مبادئ.
ثم قالت بدلالها الطفولي: المهم، أنا نفسي في مشمش.
تركها وجلس على الأريكة وهو يخلع حذاءه: مشمش إيه بس في اللي احنا فيه ده؟ كمان أحنا في شتا.
قالت بإصرار: والله شامة ريحته من الصبح.
ثم اقتربت منه وجلست على قدمه ولفت ذراعيها حول راقبته: هاتلي مشمش يا كراميل.
نظر إليها وهي تتدلل عليه وقالت: وحياتي، نفسي في مشمش.
ضحك باستسلام: طيب، هجبلك مشمش.
ابتسمت ابتسامه واسعه وضمته: انت احلى كراميل في الدنيا كلها بموت فيك.
ضمته بشدة وهو أيضا.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد بالقلج، 11 ظهرا
كانت جنة جالسة على الفراش، تمسح دموعها بيدها وهي تبكي.
هزت رأسها بعناد وهي تقول بين شهقاتها: لا، مش هروح هناك تاني، أنا عايزة رشدي، كلموه قولوله يجي دلوقتي!
نظرت اليها إسعاد بحزن، وربتت على كتفها: يا حبيبتي رشدي مسافر، وبعدين العملية دي هتخففك؛ علشان تلعبي مع أصحابك.
هزت رأسها بقوة وهي تبكي: لا أنا عايزاه، مش هعمل العملية غير لما ييجي!
تنهدت رحمة وهي تنظر إلى إسعاد بقلق: خلاص يا خالتي نكلمه وخلاص.
نظرت إليها إسعاد: بس هو منبه عليا منكلموش، هو بس اللى بيكلمنا.
زفرت رحمة بضيق: طب نعمل إيه دلوقتي؟! دي مصيبة، البت لو معملتش العملية ممكن يحصلها حاجة!
ثم أكملت بعصبية: مش هو اللي ابتلانا بيها؟ خلاص بقى يشيل! ولا هو فالح بس يحاسبنا لو حصلها حاجة!
مدت يدها قائلة: هاتي تليفونك أكلمه، الأفندي عاملي بلوك!
نظرت إسعاد إلى جنة التي ما زالت تبكي وتردد بصوت ضعيف: أنا عايزة رشدي...
تنهدت بحيرة، ثم أخرجت هاتفها وأعطت لرحمة.
قصر الراوي
الحديقة 11ظهرا
كان مي ورشدي يجلسان معا، يتناولان الكيك ويتبادلان الحديث، وبعد أن انتهوا قال رشدي: يلا بينا بقى نروح لبابا.
ثم صمت قليلا، وأضاف بنبرة مداعبة: بس هنروح أزاي؟
نظرت له باستغراب: يعني إيه هنروح أزاى؟ هنروح بعربيتك!
ابتسم وهو يضع يديه في جيبه: هو أحنا فعلا هنروح بالعربية فعلا، بس مش بعربيتي.
ثم أخرج المفاتيح ولوح بها أمام عينيها، فنظرت له بدهشة: إيه ده؟
اقترب منها بابتسامة: عربيتك الجديدة يا ميوشتي، مبروك.
اتسعت عيناها: إيه؟ أنت جبتلي عربية؟! لا لا مش عايزة.
رفع حاجبه بخفة: هو إيه مش عايزة؟ هو أنا باخد رأيك ولا ايه؟
ثم أمسك بيدها: تعالي أوريكي عربيتك.
ابتسمت رغما عنها، وتوجهت معه نحو الجراش، وفور أن وصلوا الى هناك، رأت عربية مرسيدس موديل السنة، لامعة بشكل يخطف الأنفاس.
نظر لها بحماس: ايه رأيك؟!
نظرت لها بإعجاب: تحفة!
نظر لها وقال بابتسامة واثقة: العربيات دي كلها والموتوسيكلين دول بتوعي، المربع ده كله خاص بيا، أي عربية تحبي تركبيها شاوري بإيدك بس، وهتلاقي حد من اللي واقفين بره جابلك المفتاح فورا، اتفقنا؟
ردت بحماس، وعينيها بتلمع: اتفقنا!
رشدي بحماس: تعالي بقى ناخد لفة حوالين القصر نشوف سواقتك، لسه فاكرة ولا لأ.
ضحكت: يلا!
وبالفعل صعدت إلى السيارة، وأدارتها، في البداية كانت متوترة، لكن وجود رشدي بجانبها وتشجيعه المستمر جعلها تشعر بالثقة والهدوء، قادت السيارة داخل القصر، ثم خرجت قليلا وعادت مرة أخرى.
هبطت من السيارة، فقال رشدي مبتسما: لا لا، أحنا كده بقينا خطرين! وبنعرف نسوق جامد، شكلنا هنعمل مسابقات قريب أنا وأنتِ.
قالت بدلال: طبعا، مش رشروش اللى مدربني؟
ضحك وقال: طب سيبي العربية هنا بقى؛ علشان نروح بيها، وتعالي نطلع نغير هدومنا.
اومأت له، وسارا معا إلي الداخل، وأثناء سيرهم رن هاتف رشدي، أخرج الهاتف من جيبه ونظر إلى الشاشة وكان الاسم الظاهر "جنتي" توتر للحظة، لكنه حاول أن يبدو طبيعيا.
رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء: ما ترد.
لوح بيده بلا مبالاة: تؤ مش مهم.
قطبت حاجبيها: رد ممكن تكون حاجة مهمة.
وضع الهاتف في جيبه وأمسك يدها: طول ما أنا معاكي، مفيش حاجه أهم منك، إيه رأيك نتغدى برا النهارده بعد ما نخلص عند باباكي؟
كادت أن تجيبه، لكن هاتفه رن مرة أخرى، اخرجه بعصبيه، وقال بضجر: شكلنا مش هنخلص، معلش يا ميوشي اسبقيني أنتِ وأنا هشوف عايزين ايه، وجاي وراكي.
أومأت برأسها وتحركت إلي الداخل، وما إن أطمئن لدخولها، تحرك مبتعدا وأخذ ينظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعه.
كانت مي تراقبه جيدا، حتى اختفى قليلا بين الأشجار.
رفع الهاتف إلى اذنه، وقال بغضب: في إيه يا رحمة؟ نازلة رن رن! قولتلك مليون مرة متتصليش على الرقم ده!
رحمه بضيق: أعملك إيه؟ إحنا كلمناك كذا مرة على الرقم التاني ومبتردش! وأعتقد تعب جنة حاجة مش بسيطه.
رشدي بتوتر: جنة مالها؟
رحمه بنبرة لازعه: هتعمل عملية اللوز.
زفر بعصبية: والمطلوب مني أعمل إيه يعني؟ أجي أعملها العملية أنا؟
رحمة بسخرية: لا يا خفيف تيجي تشوفها، البنت عايزة تشوفك وبتعيط، إحنا حجزنالها في المستوصف وكنا خلاص هنعملها، بس فضلت تعيط ومش راضية تعملها، وعايزك، تعالي شوفلك حل معاها.
تجهم وجهه، وقال بضيق: مستوصف!! يعني كل الفلوس اللى ببعتها دي وفي الآخر تروحوا مستوصف؟!
في تلك اللحظة، كانت مي تتسلل خلف الأشجار بهدوء، توقفت خلف شجرة كبيرة تسترق السمع.
رشدي بصوت منخفض: خلاص يا رحمة أنا جاي بس متتصليش على الرقم ده تاني، فاهمة؟ سلام ... يوو خلاص يا رحمه قولت جاي سلام.
وأغلق الهاتف فورا.
تجمدت مي للحظة عن سماع الاسم، وتمتمت بضيق: رحمه تاني يا رشدي!!
ثم ركضت بسرعة إلى الأعلي، لتبدل ملابسها، تحاول أن تبدو طبيعيه كأن شيئا لم يحدث.
بعد لحظات دخل رشدي وهو يقول بسرعة: ميشوا معلش مضطر اروح المجموعة في ملف مهم نسيت أمضي عليه.
رفعت عينيها إليه بهدوء مصطنع: آه، طب كويس إنك رديت.
تنهد قائلا: معلش يا حبيبي، الحسابات لو باظت هتعمل مشكلة معايا، وأنا مش ناقص مشاكل مع الباشا.
ابتسمت ابتسامه مصطنعه وقالت: واضح إنهم ما صدقوا إننا رجعنا وهيرموا عليك الشغل كله.
هز رأسه: آه والله يا بنتي، عذاب.
اقترب منها قليلا: مش هتأخر عليكي.
أومأت برأسها بالإيجاب وهي تحاول أن تبدو هادئة وطبيعية.
تحرك إلي غرفة الملابس ليبدل ثيابه، وبعد لحظات خرج ووضع قبله على وجنتها وهو يأخذ مفاتيحه وغادر، ظلت مي تنظر إليه بصمت، ثم نهضت ببطء وأخذت تتحرك خلفه دون أن يشعر.
صعد سيارته وانطلق بها خارج القصر، بعد ثوانٍ قليلة، صعدت مي سيارتها هي الأخرى وانطلقت خلفه.
كان يقود بهدوء، ومي خلفه على مسافة آمنة، تحاول ألا تلفت انتباهه كانت بالطبع تشعر بالتوتر لأنها جديده في قياده السيارات وبمفردها وتقود أيضا مسافات طويله بأماكن لا تعلمها لكن غريزتها الأنثوية تغلبت على خوفها.
بعد حوالي نصف ساعة توقفت سيارة رشدي أمام فندق كبير، وقفت مي بعيدا تراقبه من خلف الزجاج وهي تضيق عينيها.
ترجل رشدي من السيارة ودخل الفندق بسرعة، انتظرت لحظة، ثم نزلت هي الأخرى وتبعته بحذر، دخل المصعد فوقفت مي أمام المصعد تراقب الأرقام وهي تتحرك: الثالث... الرابع...ثم توقف الرقم عند الخامس.
فتحت باب المصعد المجاور وضغطت على رقم 5، وعندما خرجت، وجدت نفسها في ممر طويل هادئ، لمحته من بعيد وهو يسير حتى توقف أمام غرفة، ثم فتح الباب ودخل.
وقفت بعيدا في طرف الممر، تراقب الباب، تقدمت وهي تهم بالهجوم عليه ثم توقفت فجأة، وهمست لنفسها وهي تعقد ذراعيها: لا استنى شوية، لحد ما اقفشه متلبس الحيوان.
انتظرت حتي مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وقبل أن تتحرك نحو الباب، وجدت باب الغرفة يفتح، تجمدت مكانها واختبأت خلف زاوية الجدار بسرعة، خرج رشدي لكن مظهرة كان مختلفا تماما.
كان يرتدي بالطو طويل، وكاب، وكوفية ملفوفة حول رقبته، ونظارة كبيرة تخفي نصف وجهه، بدل ملابسه بالكامل وكأنه شخص آخر !!
نظرت إليه باستغراب وتمتمت: إيه اللى هو عماله في نفسه دى؟
تحرك نحو المصعد، انتظرت لحظة ثم تبعته.
هبط وخرج من الفندق، والمفاجأة أنه أوقف تاكسي!
ضيقت عينيها بدهشة: تاكسي؟! وسايب عربيته؟! هو في ايه؟!
صعدت سيارتها بسرعة، وتبعته مرة أخرى، تحرك التاكسي في شوارع لم تكن تعرفها.
قصر الراوي
جناح صافيناز وعماد، 1ظهرا
جلست صافيناز في الشرفة تمسك كتابا بين يديها وتقرأ بتركيز، وإلى جوارها فنجان قهوة ترتشف منه بين حين والآخر، وفجأة أضاء هاتفها يعلن عن وصول رسالة.
رفعت عينيها عن الكتاب، والتقطت هاتفها لتري الرسالة، وما إن رأتها حتي تجمدت ملامحها، واتسعت عيناها بصدمة.
ظهرت على الشاشة صور لسارة مع عماد (تلك الصور التي هدده رشدي بها)، بدأت تقلب الصور بسرعة، تنتقل من صورة إلى أخرى، وتقربها بإصبعها لتتأكد مما تراه.
وفي أسفل الصور، كانت هناك رسالة، قرأت الكلمات ببطء: خدي بالك من جوزك يا مدام صافيناز، شكله بيلعب مع الانتيم، تقريبا حن لشقاوة زمان.
عقدت حاجبيها، وحدقت في الصور مرة أخري بعدم تصديق، وكتبت: أنت مين؟ أنا هعرف أوصلك وهدفعك التمن غالي، والصور اللى أنت باعتها دى فيك ولا تهز فيا شعرة.
جائها الرد ساخرا: لا يا هانم الصور مش فيك، وأنا عارف إنك ذكية وهتقدري تتأكدى بنفسك، إن الأنتيم في مصر ومسافرتش زى مفهماكي، بأمارة سفريات دبي الكتيرة.
ظلت تحدق في الشاشة لثواني طويلة، تفكر في أمر تلك الرسائل.
نهضت من مكانها بعنف، واتصلت بعماد وهي تجز على اسنانها، وتتحرك في الجناح ذهابا وإيابا كالمجنونة، ولكن وجدت هاتفه مغلقا !!! فاسودت عيناها، وقامت بعمل مكالمه: أيوه يا شاكر، أنا هبعتلك رقم دلوقتي، عايزاك تعرف مين صاحبه، وكمان شوف عماد باشا فين دلوقتي وبلغني.
وألقت الهاتف بجانبها، وجلست تحدق في الفراغ والنيران تأكل قلبها من كثرة الغضب.
في احد المناطق المجهوله 2 ظهرا
توقف التاكسي في منطقة شعبية ضيقة، دفع رشدي الأجرة ونزل، لكن مي لم تقترب، ظلت مختبئة بسيارتها بعيدا، رأت رشدي يركب سيارة أخرى كانت مصطفه على جانب الطريق؛ تلك السيارة التي يذهب بها دائما عند جنه.
عبست وهي تضرب المقود بيدها: ايه العبط اللى بيعمله دى بقي؟!
تحركت خلفه مرة أخرى بحذر وهي تحافظ على بعد المسافة بينهم حتى لا يراها، وظلت هكذا حتي وصلوا أخيرا إلى منطقة القلج، كان المكان غريبا عليها، اول مرة تأتي إليه.
تمتمت وهي تنظر حولها: ودى جاي هنا يعمل ايه؟ ورايح فين بالظبط؟!
توقف رشدي أخيرا أمام بيت إسعاد، خلع الجاكيت والنظارة والكوفية، تلك الأشياء التي كان يخفي بها ملامحه، وبعد لحظات أصبح بملابسه العادية التى خرج بها من القصر.
أطفأت مي المحرك ونزلت هي الأخرى، واختبأت خلف أحد السيارات المركونة، تراقبه.
تقدم رشدي نحو الباب ثم طرقه، بعد لحظات فتح الباب وظهرت فتاة تقف أمامه ودخل للداخل
تصلبت مي في مكانها، وجزت على أسنانها بقوة، والغيرة تشتعل في عينيها، وهمست بغضب: بقى هي دي رحمه، والله لأوريك واوريها..
واندفعت بقوة نحو الباب رفعت يدها وطرقت عليه بعنف، لحظات قليلة مرت، ثم فتح الباب ووقفت رحمة أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة وهي تحدق في مي، وفي نفس اللحظة ظهر رشدي خلفها، تجمد مكانه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية.
بهتت ملامحه، وهو يتمتم بصدمه: مي...؟!
