رواية قلبي عدوك الفصل الرابع عشر 14 بقلم رباب حسين
لم تكن النهاية سوى بداية لوجع جديد.
حين غادر آسر لم يترك خلفه مجرد خطوات بعيدة ولكن ترك قلبًا معلق على أعتاب المستحيل، يمضي بجسد راحل وروح تأبى الرحيل.
اختار الفراق رغمًا عنه وكأن التضحية أصبحت قدره الوحيد، فانسحب في صمت يليق بعاشق لم يُكتب له البقاء.
وفي الجهة الأخرى فلم يكن زياد بأفضل حالًا، فقد وجد نفسه عالقًا بين شعورين متناقضين، بين ماضٍ لم يُغلق بابه بعد وحاضر يطرق قلبه بقوة لم يعهدها.
أنين... الذكرى التي لم تنطفئ، وقمر... القرب الذي بدأ يربك نبضه ويعيد تشكيل مشاعره دون إذن منه.
وبين رحيل يُمزق وقلب يحتار تتأرجح المشاعر في صراعٍ لا يرحم، حيث لا أحد يخرج سالمًا من لعبة العشق.
حين نبض القلب نبضة خائنة اهتز لها ذلك الجسد، جعل العقل مشتت، ولكن للحظة خانته عيناه وأغمضهما وهي داخل أحضانه، استنشق عبيرها وكأنه عبق الزهور المتفتحة في الربيع، وحين أفرغت ذلك الألم الذي بداخل صدرها سكنت بين ذراعيه، لم يعد هناك تحذيرات بالبعد، فالروح تشتهي لمن يحمل عنها الألم، من يرفع عنا ذلك الهواء الثقيل الذي يحتل صدورنا يأبى الخروج، فهدأت أنفاسها، وحين شعرت بلمسته الحنونة على ظهرها انتفض عقلها يحذرها: ابتعدي عن عشقه فلن تنالي سوى الألم.
فا ابتعدت على الفور، خشت الوقوع بالعشق الممنوع، ونظرت له لترى تلك النظرة الحائرة على وجهه، نعم... لا يزال يعشقها هي، قلبه ينبض لها هي، فقالت بصوت يحمل هدوء الانكسار: لحد كده كفاية، الجوازة ديه غلط من الأول ولازم نصلح الغلط ده، طلقني يا زياد.
تنهد زياد وقال: أنا وإنتي عارفين إنه ده مينفعش، ولو طلقتك دلوقتي هترجعي لنقطة الصفر تاني وتدوري على محلل، بلاش قرار في ساعة غضب يخليكي تخسري.
قمر: مش عايزة محلل، وكده كده حتى لو وافقت على إني أعمل كده فا دلوقتي استحالة يبقى إنت بعد اللي قولته.
زياد: وعشان اللي قولته واللي خلاكي دلوقتي رافضة الموضوع أكتر مش هطلق، لأني بدل ما أحل المشكلة عقدتها زيادة، وفكرة المحلل بقت مستحيلة بالنسبالك، فكري في أولادك وخدي وقتك واهدي، وبجد أنا مكنتش قاصد كده أبدًا، الكلام مش من قلبي خالص، ممكن كفاية كلام وتروحي ترتاحي، وآسف على اللي ماما قالته.
تركته وذهبت إلى غرفتها، ما أصعب ذلك القرار، تسحق كرامتها فقط لأجل أطفالها.
أما آسر، فعاد إلى منزله القديم، نظر بالأرجاء بهدوء، فبرغم قلبه المتألم من الفراق ولكن الآن يشعر بأنه يفعل الصواب، وأخذ قرار لن يعود إلى ذلك المنزل ويسمح لأحد بإهانته.
أرسل رسالة إلى حازم وطلب منه أن يخبر سلوى أنه يقطن معه بمنزله لفترة بسبب العمل، حتى لا تعرف سلوى بما حدث بينه وبين أنين.
فتح حازم الرسالة وحين قرأها، نظر إلى صافي التي تجلس بجواره وقال: شكل آسر هربان من البيت.
صمتت صافي قليلًا، علمت أن ما قالته أنين اليوم له قد جعله يبتعد عنها، وهذا ما ستستفيد منه في تنفيذ مخططها، فكان آسر هو أكبر عقبة أمامها وذلك لأنه يحمي أنين ويلازمها بكل مكان.
ثم قالت: هي طنط سلوى صعب شوية.
حازم: مش عارف إتغيرت كده إزاي! آسر عمره ما اشتكى منها، بس الظاهر الفلوس بتغير الناس فعلًا.
صافي: فعلًا، الفلوس ساعات بتبقى لعنة.
حازم: هي كلمتك تاني؟
صافي: لأ، وبعدين شكلها ملقتش أمل مني، أصل أنا قولتلها معنديش حد ينفذ اللي هي عايزاه.
حازم: حاسس إن المفروض نحذر أنين.
صافي: لو عملت كده هكسب عداوة طنط سلوى أكتر، وده مش في مصلحتي دلوقتي.
حازم: بس برده قلقان، آسر شكله بيحبها بجد، ولو اللي طنط سلوى عايزة تعمله ده حصل هتبقى مصيبة.
صافي: مش هيحصل، مش هتعرف تعمل ده أصلًا، صعب جدًا.
صمت حازم وعقله يحذره من هذا الصمت.
أما صافي فقررت أن تنفذ الخطة دون إخبار حازم بالأمر حتى لا يعترض.
عادت أنين إلى المنزل ووجدت عادل يجلس بالبهو، فنظر لها بضيق ووقف أمامها وقال: إتأخرتي ليه كده؟
أنين: كنت متضايقة شوية ولفيت بالعربية.
عادل: لحد دلوقتي؟! من الصبح؟
أنين: محستش بالوقت يا بابا.
عادل: اممم، هو عشان آسر مبقاش موجود هنخرج ونرجع بمزاجنا.
عقدت أنين حاجبيها وقالت: ليه هو آسر فين؟
عادل: سلوى قالتلي إنه راح عند حازم يقعد عنده كام يوم عشان الشغل، سكت في الأول بس افتكرت إن شفت عربيته برا، طلعت أوضته لقيته سايب مفتاح العربية، إيه اللي خلاها يعمل كده؟
صمتت أنين تفكر، من المؤكد أنه فعل ذلك بعد ما قالته له اليوم، فقالت: معرفش.
عادل: على العموم أنا هكلمه وأعرف اللي حصل، اطلعي غيري هدومك وانزلي على العشا، وآخر مرة تخرجي وتتأخري من غير ما تاخدي إذني.
أومأت له وصعدت الدرج، التفت عادل نحو سلوى التي تجلس بالبهو وتراقب ما يحدث بحزن، اقترب منها وقال: هتفضلي زعلانة كده؟
سلوى: آسر شكله ضحك عليا، وبعد عن البيت بسبب حاجة حصلت مع أنين، لو مكنش ساب المفتاح كنت هصدق اللي قاله.
جلس عادل بجوارها وقال: البت ديه بتعمل حاجة من ورانا، عشان كده فضلت تكلم آسر بطريقة رخمة لحد ما ساب البيت، أنا لاحظت طريقة كلامها ونظراتها ليه الصبح، أعمل إيه يا سلوى؟
سلوى: راقبها، مفيش حل تاني، هي كده خلاص قدرت تخلص من حصار آسر عليها، وأديك شايف من أول يوم راجعة متأخر.
عادل: هراقبها، عشان وقتها هيبقى معايا دليل على اللي بتعمله، وهعرف أحاسبها كويس أوي على عمايلها، وآسر هرجعه مهما حصل، إنتي بس متضايقيش يا روحي.
سلوى ببكاء: أول مرة آسر يبعد عني.
عادل: إعتبريه مسافر يومين، وأنا هسيبه يهدى النهارده وبعدين هكلمه يجيلي.
بدلت أنين ملابسها وخرجت من الغرفة، توقفت ونظرت إلى غرفة آسر، ثم تذكرت ما قالته اليوم له، غضبها كان يتحكم بها ولكن لاتزال تحمله مسئولية ما حدث لها، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
لم تخرج قمر من غرفتها حتى المساء، وكان زياد يجلس بالخارج ينظر إلى الباب المغلق بضيق، حتى صدع هاتفه بمكالمة من تالين، فدخل الغرفة الثانية وأغلق الباب وتلقى المكالمة.
تالين: عامل إيه بعد الخناقة؟
زياد: بتتريقي؟
تالين: ما هو أحسن ما أتخانق معاك أنا كمان. زياد هو ده بجد؟! إنت روحت إتجوزت واحدة أكبر منك ومطلقة وعندها عيال!
زياد: ده أنا قلت إنتي الوحيدة اللي مش هتعلق.
تالين: ماشي أنا مش بفكر كده تمام، بس محتاجة أفهم ليه؟ أصل من فترة بحب أنين، وأكيد محبتش مراتك للدرجة ديه في الوقت الصغير ده يخليك تاخد قرار قاتل ومفاجئ كده.
زياد: الموضوع فيه حاجات كتير محدش يعرفها.
تالين: طيب فهمني.
زياد: إكرامًا ليها مش هقدر أقول حاجة، معلش يا تالين الموضوع يخصها أكتر ومش هقدر أتكلم فيه غير لو هي سمحت بده.
تالين: فهماك، بس عواقب الموضوع عليك إنت أكتر.
زياد: مش مهم أنا، كده كده هعرف أصلح اللي حصل، إنتي بس هدي ماما أرجوكي شوية وأنا هكلمها بعد ما تهدى.
تالين: ماما بس، بابا لما عرف ولع البيت أكتر، أنا خايفة يجوزني لأول عريس بسببك، أحسن أجي أقوله بحب واحد عنده ٧٠ سنة تبقى مصيبة.
زياد: إتريقي كمان.
تالين: لأ خلاص، بهزر بس، متقلقش معندوش ٧٠ سنة.
زياد بدهشة: إيه ده؟! معقول! مين اللي قدر يكسر حواجز كابتن تالين.
تالين: يوووه، هنتريق بقى.
ضحك زياد وقال: لأ بس عايز أعرف، بجد هنفرح بيكي قريب؟
تالين: لأ، هو مجرد إعجاب، بس معرفش بقى، المهم يعني خليك بعيد عن البيت شوية لحد ما الوضع يهدى.
تنهد زياد بضيق وقال: حاضر.
أنهى المكالمة وخرج من الغرفة، ثم غادر المنزل وعاد بعد وقت يحمل أغراض للمنزل، وبعض الطعام ووضعه على الطاولة، ثم اقترب من غرفة قمر وطرق الباب برفق، ثم قال: قمر، يلا عشان العشا.
فتحت قمر الباب بوجه حزين وقالت: مش جعانة.
أمسك زياد يدها وجذبها خلفه وقال: بصي أنا مش بعرف أكل لوحدي، يلا بقى عشان بجد جعان جدًا.
خرجت معه وهي ترفع عينيها بملل، ثم انتبهت إلى الأغراض التي اشتراها وقالت: إيه ده كله؟
زياد: عديت على السوبر ماركت جبت حاجات للبيت، معلش يعني ولو مؤقتًا أنا راجل البيت وأنا اللي هصرف عليه.
جلست قمر على الطاولة وقالت: مكبر الموضوع أوي بجد.
زياد: وإنتي شكلك زعلان أوي، خلاص يا قمر بقى، إنتي قولتي إن لا بابا ولا ماما هيتقبلو الموضوع، ومنقدرش نلوم عليهم، حقك عليا متزعليش.
قمر: أنا عذراها طبعًا، بس أنا كمان متضايقة من حاجات تانية، أحمد من ساعة ما كلمني آخر مرة وهو مش بيرد عليا، وياسر كلمني النهاردة وبمنتهى البرود يقولي أصلهم متضايقين وطلعو الغردقة معايا، ولا مدارس ولا مذاكرة، والولاد طبعًا مبسوطين معاه ولا أنا فارقة معاهم.
تبدلت ملامح زياد، وتوقف عقله عند حديثها عن مكالمة ياسر لها، ونظر لها بضيق وقال: ثواني، إنتي بتقولي ياسر كلمك النهاردة؟
قمر: اه، ليه؟
زياد: وياسر يكلمك ليه؟ مش المفروض إنه طليقك.
قمر: بس بينا أولاد وأكيد هيبقى بينا كلام.
زياد: ولادك مش صغيرين يا قمر، تقدري تكلميهم هما، وياسر لو فيه مصيبة أخرك تبعتيله مسدج.
قمر بتعجب: لأ بجد أنا مش فاهمة التحكمات ديه كلها ليه!
زياد بحدة: طيب بصي بقى، أنا طبعي وحش، وغيور على اللي مني جدًا، وإنتي مراتي، مش عارف أحلفلك بإيه عشان تصدقي ده، لحد ما اطلقك إنتي مراتي، فا لو سمحتي تحترمي ده زي ما أنا بحترم إنك ليكي حقوق عليا، لكن لو ده محصلش أنا همشي واعتبري الجوازة خلصت على كده، ومن بكرة هنزل معاكي الشركة، تقولي بقى المساعد بتاعي، جوزي، الجن الأزرق مش فارق معايا، فاهمة ولا لأ.
قمر: إنت بتزعقلي يا زياد.
زياد بحدة أكثر: اه بزعق، ولا عشان أصغر منك هتعامليني على إني عيل ومش من حقي ازعقلك.
قمر: أنا مقولتش كده، بس أنا متعودتش حد يتحكم فيا بالشكل ده.
زياد: تتعودي، وكلامي هيتنفذ يا قمر ومن غير نقاش.
ثم ترك الطاولة ولكن جذبته قمر من يده وقالت: لأ متقمش، أقعد كل إنت جعان، وحاضر هعمل اللي إنت عايزه، حقك مقدرش أتكلم.
زفر زياد بقوة يحاول أن يهدأ، ثم عاد ليجلس على الطاولة، فوضعت قمر أمامه الطعام وقالت: مش معقول كل شوية نتخانق ونغضب من بعض، حقك عليا مش قصدي اللي فهمته.
زياد: وأنا مش قصدي أتخانق معاكي بجد، بس فيه حاجات غصب عني مش بعرف اسمح بيها، ومش تحكم زي ما إنتي فاهمة بس ده حقي، ومش هعرف أتغير عشان بس الجواز مؤقت، وبعدين إزاي أصلًا مش متعودة على التحكم معلش، هو ياسر ده مكنش شايف إنتي حلوة إزاي مثلًا! وإن ممكن أي حد يبصلك أو كده، ده أنا عايز أخبيكي جوا الأوضة.
نظرت له قمر وهي تجاهد أن لا تضحك، وبداخلها تشعر وكأنها طفلة تتراقص على أنغام صوته الغاضب من شدة الغيرة عليها.
انتبه زياد لما قال، فتحمحم بخجل وتناول الطعام بصمت، شعوره يزيد التخبط الذي يؤرق عقله بقوة.
مضى الليل وكلٌ منهم يحمل فكر يؤرق نومه، سواء من عشق دون أمل، أو من تبكي لشعورها بالظلم، ومن يتخبط في مشاعره حتى جفى النوم عينيه.
وبالجانب الآخر هناك من يخطط بقلب لا يعرف الرحمة، والضحية لا تعلم الفخ الذي نصب لها.
في الصباح، ذهبت صافي إلى الجامعة، وحين صفت سيارتها ترجلت منها، ونظرت حولها تتفحص إن كان هناك من يراها أم لا، ثم فتحت الباب الخلفي وأشارت إلى حسن كي ينزل من السيارة، وقالت: ديه عريبة أنين، هتفضل مستخبي جنبها زي ما المدام قالت، وبعدين لما تقرب وتفتح الباب خدرها وسوق إنت العربية، ولو حد من الأمن قالك إنت مين، قوله أنا السواق بتاعها، فاهم هتعمل إيه بعد كده.
حسن: فاهم، بعد ما أخلص هرجعها تاني هنا الجامعة واسيبها جوا العربية.
صافي: وأنا هفضل هنا مستنياك لحد ما ترجع وأخرجك بعربيتي تاني.
حسن بإعجاب: ولما تصحى متعرفش اللي حصل، ستهم ديه دماغها ألماظات.
صافي: ركز، أهم حاجة تصور وتبعت الفيديو للمدام.
حسن: حاضر من عينيا.
صافي: إوعى حد يلمسها يا حسن، ترجع زي ما خدتها، إحنا عايزين نقرص ودنها بس، لكن محدش يأذيها.
حسن: متخافيش.
تركته يختبئ بمواقف السيارات وذهبت نحو المدرج، وحين دخلت بحثت عن آسر، فكانت تأمل ألا يحضر اليوم، وبالفعل لم تجده، ثم جلست بأحد المقاعد وقامت بإرسال رسالة إلى سلوى تخبرها بأن المهمة تسير بخطى ناجحة.
تُرى... ماذا سيحدث لأنين؟
