رواية قناص قلبي الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم نانسي عاشور

      

رواية قناص قلبي الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم نانسي عاشور
.
الفصل الثالث عشر.  

   
  — ظل ما قبل العاصفة
كانت الليلة في المدينة تشبه صندوقًا مغلقًا على أنفاس ساكنيها.
ظافر كان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة في مقر الكتيبة، يراقب أضواء القاهرة البعيدة تتلألأ مثل نقاط دمٍ متفرقة على جسد الليل. الهواء داخل الغرفة كان ساكنًا، لكن صدره لم يكن كذلك.
هناك شيء ما يضغط على قلبه منذ أيام.
ليس الخطر الذي اعتاد عليه في مهامه العسكرية… بل شيء أعمق، أكثر ظلامًا، كأنه ظل يمشي خلفه حتى وهو مستيقظ.
ليل.
منذ أسابيع، لم تعد أحلامه مجرد صور عابرة.
كان يراها في كل ليلة تقريبًا، تقف وسط ممرات طويلة من ضباب أسود، عيناها الزرقاوان تحملان خوفًا صامتًا لكنها لا تطلب النجاة… كأنها تعلم أن هناك أقدارًا أكبر من أن تُهزم بالهروب.
اليوم لم يستطع النوم.
على مكتبه كانت ملفات سرية عن تحركات مالية مشبوهة لدوائر مافيا دولية. أسماء سياسية، شركات، وشبكات سلاح غير قانونية تمتد عبر القارات.
لكن اسمًا واحدًا ظل يضغط على عقله مثل جرح قديم.
إدوارد.
خاله.
لم يكن إدوارد مجرد رجل أعمال قوي أو لاعب في شبكات النفوذ… بل كان حلقة وصل بين طبقات السلطة والاقتصاد الأسود، رجلًا يعرف كيف يختفي داخل الظلال ويترك وراءه الخيوط فقط.
كان هناك شيء قديم في داخله… ربما حب قديم… لكن ظافر لم يكن يسمح لنفسه بالتفكير في هذا الجانب كثيرًا. كل ما كان يحتاجه الآن هو فهم ما يحدث في الحاضر.
أغلق الملف ببطء.
ثم أخرج هاتفًا مشفرًا قديمًا، وضغط على رقم لا يعرفه سوى عدد قليل جدًا من أفراد الشبكة الاستخباراتية التي يعمل معها.
ردت امرأة بصوت هادئ ومحترف.
— كنت أعلم أنك ستتصل.
— لقد اتصلوا بي أولًا، قال ظافر بصوت منخفض.
صمتت المرأة قليلًا قبل أن تسأل:
— هل تحدثوا عن “المفتاح”؟
شد ظافر قبضته حول الهاتف.
— نعم.
تنهدت المرأة وكأنها تفتح صندوق ذكريات خطير.
— المفاتيح ليست أشياء مادية فقط. إنها رموز تشفير قديمة مرتبطة بحسابات مالية وشبكات سرية ساهمت في إسقاط منظمات مافيا كبرى منذ سنوات. المشروع كان دوليًا… وتوقف منذ عقدين.
سكتت قليلًا قبل أن تضيف:
— لكن يبدو أن أحدهم يحاول إعادة تشغيله الآن… باستخدام شيء مرتبط بليل نفسها.
تجمد جسد ظافر.
— ليل؟
— الفتاة ليست الهدف الحقيقي، قالت المرأة بهدوء. — هي أشبه بحارس غير مقصود للماضي.
وأضافت:
— عائلة والدتها كانت مرتبطة ببعض هذه الملفات… وإدوارد لم يكن مجرد قريب للعائلة، بل كان جزءًا من شبكة أوسع، رغم أن هناك إشارات قديمة إلى قصة حب شخصية في شبابه، لكنها لم تعد تهمهم الآن بقدر ما يهمهم ما يمثله النفوذ الذي خلفه.
لم يتوقف ظافر عند التفاصيل.
كان يشعر أن الخطر أكبر من ذلك.
في نفس الوقت…
كانت ليل في شقة عائلتها القديمة بالقاهرة.
القرار لم يكن مفاجئًا لها. كان شعورًا داخليًا يدفعها نحو المدينة كأنها تعود إلى جذر غامض في روحها.
بعد هبوطها في المطار، كانت تشعر أن هناك من يراقبها. سيارة سوداء تتبعها من بعيد، إشارات هاتف مجهولة تصل إليها دون مصدر واضح.
لكنها حاولت تجاهل ذلك.
حين وصلت إلى منزل أحد أقارب والدها، فتح لها خالها الباب بابتسامة هادئة، تخفي خلفها نظرة فاحصة.
— كنت أعرف أنك ستأتين يومًا، قال لها.
دخلت ليل، لكن قلبها كان لا يزال مضطربًا.
وضعت حقيبتها، ولم تلاحظ أن هاتفها بدأ يرسل إشارات تتبع خفية… وكأن هناك من سبقها إلى هناك منذ سنوات، وأعاد تفعيل تلك الإشارات الآن.
في المطار العسكري…
كان ظافر يستعد للسفر.
رسالة نصية وصلت إلى هاتفه:
“هي في القاهرة الآن.”
لم يسأل من أرسلها.
بعض الشبكات لا تحتاج تعريف نفسها.
رد برسالة واحدة فقط:
“راقبوها دون أن يشعر أحد.”
ثم أضاف بعد لحظات:
“ولا يقترب منها أحد.”
أغلق الهاتف، لكنه شعر بقلق غامض يزداد داخل صدره.
القاهرة لم تعد مدينة آمنة.
ليس بعد أن بدأت الشبكات القديمة في التحرك.
في شقة ليل…
كانت تجلس أمام النافذة، تنظر إلى أضواء المدينة.
وفجأة…
أضاء هاتفها برسالة جديدة.
“وصلتِ إلى نقطة البداية.”
لم يكن الرقم ظاهرًا.
لكنها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
وفي مكان بعيد… أقدم… أعمق من المدينة نفسها…
استيقظ شيء ما داخل الظلام الروحي الذي يحيط بالذكريات القديمة.
صوت غامض همس:
— الملكة تقترب من استعادة ظلها… لكن الحروب لا تبدأ دائمًا بالسلاح… بل بالحب الذي يتحول إلى نقطة ضعف.
أنهى ظافر ليلته وهو ينظر إلى صورة قديمة لليل كانت معه في أول لقاء بينهما.
لم يعد الحب مجرد شعور في قلبه.
بل أصبح وعدًا بعدم السماح للظلام أن يصل إليها… حتى لو كان الثمن روحه.
لكنه لم يكن يعلم أن الظل خلفه في الغرفة كان يتحرك ببطء شديد… وكأنه يستعد للخطوة التالية.
🔥  🌙
.
الفصل الرابع عشر 

— نور القمر والرسائل القديمة
في تلك الليلة… لم يكن الحلم مجرد حلم عابر.
ليل وجدت نفسها تقف داخل مكان يشبه بيتًا قديمًا في الريف… جدرانه تحمل رائحة الذكريات، وضوء القمر يتسلل من نافذة عالية ويصنع خطوطًا فضية على الأرضية.
كان الصمت عميقًا… لكنه لم يكن مخيفًا.
كان صمتًا يشبه الانتظار.
وفجأة ظهرت ماجدة أمامها.
لم تكن ماجدة كما كانت في الحياة.
ملامحها كانت شفافة قليلًا، كأنها تنتمي لعالم بين الأرض والذكريات.
فهمت ليل فورًا…
أن ما تراه ليس واقعًا، بل رؤية روحية أو رسالة من عالم ما بعد الحياة.
تكلمت ماجدة بصوت هادئ، يشبه همس الريح في شجرة قديمة:
— “أنا عمتك… أخت أبيك. أنا من العائلة التي حاولت أن تحميكِ حتى بعد موتي.”
توسعت عينا ليل بدهشة صامتة، بينما أكملت ماجدة:
— “أنا متوفية منذ سنوات… لكن الأرواح أحيانًا تعود لتخبر الأحياء بالحقيقة التي لم يتمكنوا من سماعها في حياتهم.”
اقتربت منها أكثر، وعيناها تحملان دفءً وحزنًا عميقًا.
— “أنتِ أشبه الناس بي… ليس فقط في الشكل… بل في الروح. نفس العناد، نفس القوة، ونفس الإرث الثقيل الذي لم تختاريه.”
شعرت ليل بثقل الكلمات داخل صدرها.
قالت ماجدة بصوت أكثر غموضًا:
— “أنتِ لستِ مجرد فتاة من هذا الزمن… أنتِ مفتاح لأشياء قديمة ستُفتح من جديد. أشياء ظننا أنها دُفنت مع الماضي… لكنها كانت تنتظر حضورك فقط.”
سكتت قليلًا، ثم أضافت:
— “احمي قلبك… لأن من يبحث عن الماضي لن يبحث عنكِ كإنسانة فقط… بل كإرث حي يحمل تاريخًا لم ينتهِ بعد.”
ثم بدأت ملامحها تبهت تدريجيًا مع الضوء.
وصوتها الأخير كان أشبه برسالة عبر الزمن:
— “تذكري دائمًا… الدم لا يموت… لكنه ينتظر من يحمله للأمام.”
استيقظت ليل فجأة.
كأنها خرجت من عمق الماء إلى سطح هواء بارد وهادئ.
جلست على فراشها لحظات تحاول استيعاب ما رأته.
لكن شعورًا غريبًا بالطمأنينة كان يملأ قلبها رغم ثقل الرسالة.
نهضت ببطء وخرجت إلى الشرفة.
الليل كان ساكنًا… والقمر ينسكب ضوؤه فوق المدينة مثل بحر فضي هادئ.
على الطاولة الصغيرة… وجدت رسالة.
لم تتذكر أنها وضعتها هناك، لكن قلبها عرف فورًا من أرسلها.
فتحت الرسالة ببطء، فوجدت كلمات قصيرة مكتوبة بخط أنيق:
“إلى ليل… أنتِ نور القمر الذي يصل إليّ حتى في الظلام.”
لم يكن هناك اسم…
لكن إحساسها أخبرها أن الرسالة جاءت من الشخص الوحيد الذي يعرف كيف يختصر المشاعر في كلمات قليلة.
شعرت بحرارة خفيفة في صدرها… مزيجًا من الطمأنينة والخوف الجميل في نفس الوقت.
عند ظافر
في مقر عمله العسكري… كان الليل أكثر صمتًا.
كان ظافر جالسًا أمام مكتبه، يمسك القلم ويكتب الرسالة ببطء، وكأنه يختار كلماته بعناية شديدة.
لم يكن يحب الاعتراف بذلك…
لكن كتابة رسائل قصيرة لليل أصبحت طقسًا خاصًا به، شيء يخفف من قسوة العالم من حوله.
تخيلها وهي تقرأ الرسالة… خجلها الخفيف… وصمتها الذي يقول أكثر مما تتكلم.
ابتسم بدون أن يشعر.
كانت ابتسامة مختلفة عن ابتسامة القائد الصارم.
كانت ابتسامة رجل بدأ يدرك أنه أصبح يخاف على شخص واحد فقط أكثر من أي شيء آخر.
وفي اللحظة التي كان يضع فيها الرسالة داخل الظرف…
شعر بشيء غريب داخل صدره، كأن حدسًا عسكريًا قديمًا يخبره أن خطرًا ما يقترب منها.
لكنه لم يترك القلق يظهر على وجهه.
دخول العسكري
فُتح باب الغرفة فجأة.
دخل أحد الجنود، وتوقف للحظة… وكأنه لا يصدق ما يراه.
كان معتادًا على رؤية ظافر بوجه بارد، وعيون حادة، وأوامر صارمة.
لكن الآن…
كان ظافر يبتسم.
ابتسامة هادئة، حقيقية، غير مألوفة على الإطلاق.
— “سيدي… التقارير وصلت.”
أغلق ظافر الرسالة بهدوء، وعادت ملامحه إلى الجدية بسرعة، كأنه يغلق بابًا على شيء ثمين يخفيه عن العالم.
لكن الجندي ظل متعجبًا…
لأن تلك كانت المرة الأولى التي يرى فيها قائده يبتسم بهذه الطريقة.
ابتسامة لم تكن ضعفًا…
بل كانت بداية شيء أخطر وأعمق… شيء أصبح يخاف عليه ويحميه في نفس الوقت.
تعليقات



<>