رواية بين طيات الماضي الفصل الواحد والعشرون 21 والثاني والعشرون 22 بقلم منة الله مجدي

        

رواية بين طيات الماضي الفصل الواحد والعشرون 21 والثاني والعشرون 22 بقلم منة الله مجدي

     

في صباح اليوم التالي 

فتحت مليكة عيناها بوهن تشعر بجفاف قاتل في حلقها وظمأ يكاد يخنقها ،جابت ببصرها في ربوع الغرفة حتي رأته....سليم 

كان نائماً في هدوء علي أحد المقاعد بجوارها 

يستند بنصفه العلوي علي الفراش 

خفق قلبها بعنف إثر رؤيته بتلك الهيئة..... يرقد مسالماً كطفل صغير ، تمنت من كل قلبها لو أن بقاؤه هنا يكون بدافع الحب وليس شفقة أو حتي واجب أو أي شئ اخر...... حب ، وَله وقلق فقط هكذا ، ولكن تلك ليست شيمه أو يمكننا القول أنها ليست شيمه معها هي علي الأخص......تألم قلبها بشدة لتلك الخاطرة التي مرت ببالها ولكنها نفضت رأسها في هدوء وهي تمد يدها لتلتقط كوب الماء الموضوع بجوارها بعدما قررت نسيان كل شئ و الإستمتاع باللحظة 

فتح سليم عيناه بذعر حينما سمع صوت تأوهها الذي خرج من شفتاها بألم حينما ضغطت بيدها علي موضع الجرح دون أن تقصد متخللاً قلبه لينتفض من مكانه

وقف يحاول أن يلملم شتات نفسه مستوعباً ما يحدث حوله ، إنفرجت شفتاه بصوت رخيم إثر نومه يسأل في قلق 

-  إنتِ كويسة يا مليكة 

أومأت برأسها في آلم متمتمة في أسف 

- أسفة علشان صحيتك......أنا بس كنت عاوزة أشرب 

إنتفض قلبه قبل جسده لنبرتها وما هي إلا لحظات حتي إمتدت يده للكوب بجواره ووضع الماصة عند شفتاها ولا تزال يده تمسك بالكوب 

إقتربت هي ببطء وأخذت ترتشف الماء بروية تروي به ظمأها بينما وقف هو يطالعها بآلم فبالتأكيد أنه هو السبب في ما جري لها الآن 

لم يتركها تشرب الكثير طبقاً لتعليمات الطبيب 

فأبعد الكوب واضعاً إياه علي الطاولة بجوارها 

وإتجه جالساً علي المقعد المقابل لفراشها 

رمقها بهدوء ثم أردف سائلاً 

- فاكرة أي حاجة 

طالعته بعدم فهم فلاحظت أصابعه القابضة علي يد المقعد حتي إبيضت مفاصله 

- الحيوان دا مقالش أي حاجة 

تمتم مليكة بخفوت 

-سألني إن كنت مراتك ولا لا..... وأنا قولت أه بعد كدة..... بعد كدة محستش غير بوجع وعرفت إنه ضربني بالسكينه 

سمعته يتمتم بغضب ببعض الشتائم بالإسبانيه بينما تشتد قبضتاه أكثر وأكثر علي يد المقعد حتي شعرت بأنه كاد أن يكسرهما 

وماهي عدة دقائق حتي هب واقفاً كمن لدغه عقرب وإقترب منها فإنمكشت هي علي نفسها في الفراش بينما إرتفع رجيفها خوفاً من هيئته 

ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح حينما إنفرجت شفتاه عن نبرة رخيمة تمتم بها في كبرياء سلبها أنفاسها 

- أنا أسف... أسف جداً يا مليكة لأني مقدرتش أحميكي بس أوعدك إني هجيبلك حقك 

همت بالتحدث فاوقفها بإشارة من يده 

- أنا عارف إن أي كلام دلوقتي ملوش لزوم بس لازم تعرفي إني مش هسيب الحيوان الي عمل كدة أبداً 

ثم تركها......تركها وذهب وكأنه لم يكن من الأساس ، تركها ورحل في هدوء، لم يعطها حتي الفرصة لإخباره بمدي حماقته.... كيف لم يستطع حمايتها وهو فارسها الوحيد وبطلها الشجاع ، أنها تفتخر بكونها إمرأته ،ولتكن أكثر دقة بأنها زوجته

دلفت بعده نورسين وظلت جوارها بضع الوقت تسألها عما حدث وتحكي لها كيف كان سليم قلقاً ومذعوراً في اليومين السابقين 

إبتسمت بداخلها......نعم إبتسمت وبقوة 

كيف لا وهي تسمع الآن ما يطرب الأنثي بداخلها ولولا هذا الجرح اللعين الذي يعيق حركتها وبشدة لكانت رقصت فرحاً 

هي فقط تتذكر بعضاً من صراخه يومها وبضع كلمات حثيثة سمعتها أثناء غيبوبتها في السيارة في طريقهم لهنا 


       ***************************


في الخارج 

جلسا ياسر وسليم في الكافيتيريا الموجودة بالمستشفي 

فأخبره ياسر عما تنوي جدته في إيجاز 

هتف سليم بدهشة 

-يعني إنت عاوز تقولي إن الغرباوية هيوافقوا أردف ياسر بقلق

-أني مش خايف غير من عيلة عمك سليمان 

دول اللي واخدين الوضوع علي صدرهم جوي 

أردف سليم ساخراً 

- بيحبوا الخير زي عنيهم 

إستطرد ياسر بجدية 

- ستك كانت عاوزاك توبجي موچود 

رفع سليم كتفيه بقلة حيلة وهو يجوب ببصره في ربوع المكان ثم إستطرد بأسي 

- والله كان نفسي بس أديك شايف 

أومأ ياسر برأسه بتفهم 

- ربنا يشفيها ويكون في عونك 

أنا لازم أسافر البلد علي بالليل بالكتير علشان نشوف هنعمل إيه بالظبط مع بجيت الغرباوية 

آبتسم سليم 

-إن شاء الله خير متقلقش ، إنتو بس خليكوا حازمين من الأول علشان ميسوقوش فيها 

وخصوصاً إن دا الحق ولو حصل أي حاجة كلمني وانا هكون عندك فوراً 

أومأ ياسر برأسه في هدوء


           ***************************


ما هي إلا بضع أيام حتي خرجت مليكة من المستشفي مع تعليمات الطبيب لها بالراحة التامة والإقلال من الحركة قدر المستطاع

عادت الي المنزل وسليم بجوارها فرأت مراد يركض ناحيتهما بسعادة بالغة فهو قد إشتاق لوالديه اللذان سافرا لأمر ضروري لهذا لم يستطيعا أخذه كما أخبره سليم 

همت بحمله ولكن سليم أخذه منها بسبب جرحها يداعبه ويؤرجحه ويستمع الي حكاياته المثيرة مع أميرة المربية 


          *************************


في الصعيد 

هاتف مهران جميع رجال الغرباوية بالحضور للدوار الكبير بعد بضع ساعات 

وبالفعل ما هي إلا ساعات قليلة حتي دلف رجال الغرباوية الواحد تلو الآخر للدوار وبالخارج يقف أهالي الكفر تعلوهم الدهشة ويحملهم القلق ويضعهم في توجس 

تري ما سبب هذا الإجتماع.....أ هو خير أم أنها ستكون بداية النيران التي ستستعر في النجع حتي تحيله الي رماد 

وبعد عدة ساعات أخري من النقاش والمناورات حتي أنها وصلت للمشادات الكلامية في بعض الأحيان......أذعن أعتي الرجال لكلمات سليم التي قصها عليهم في الهاتف......كيف لا وهو كبيرهم الذي يحترمونه ويقدرونه علي الرغم من صغر سنه 

فله الكثير والكثير من الأفضال علي الكبير منهم قبل الصغير ........إنقضي الأمر وأُعلن عن إنعقاد عشاء كبير لعيلة الراوي بقصر الغرباوية الكبير


         *************************


بعد مرور يومان 

بعد صلاة الظهر 

وقفت ثلاث سيارات تخص عائلة الراوي أمام قصر الغرباوية الذي إصطف حوله أهالي النجع في توجس....... فقد دخلت السيدات ومعهم الأطفال داخل المنازل والمحلات وأُغلقت الأبواب والنوافذ جيداً بينما وقفن يسترقن السمع يدعون بداخلهم أن يمر هذا اليوم علي خير 

أما الرجال فوقفوا في قارعة الطريق في قلق يتسائلن بريبة

تري ما سر تلك الزيارة...... أ ستشتعل نيران الحرب بين العائلتين مرة آخري....... هل ستخلد تلك الليلة في ذكري الجميع ولن يقدر أحد علي نسيانها .......أ ستكون هي بداية النيران التي ستستعر في أرجاء النجع حتي تحيله هشيماً تذروه الرياح....... أم ستكون بداية لفجر جديد بين عائلتي الراوي والغرباوية وتكون تلك هي بداية جمهعم سوياً كالسابق......لا أحد يعرف 

هبط من السيارة الأولي أمجد الراوي ومعه زوجته نورهان بينما هبط من السيارة الآخري حسام الراوي ومعه والداه قدري الراوي و سمية الراوي 

أما السيارة الثالثة فركض منها الأطفال

-أيهم وجوري- لجديهما 

بينما هبطا عاصم ونورسين الذين حضرا في الصباح الباكر 

وقف الرجال يراقبوا ماذا سيحدث بالتحديد 

بينما حبست النساء أنفاسهن يتضرعن للمولي 

حتي شاهدا مهران وبجواره شاهين وياسر يخرجوا لإستقبال ضيوفهم بترحاب شديد 

فتنفس الكل الصعداء وعاد صراخ الأطفال يملأ المكان وخرجت النساء وتوجه الرجال لما كانوا يفعلونه

دلف الرجال ليجلسوا في صحن القصر يتبادلون الأحاديث كلاً منهم في تحفز للأخر علي أتم إستعداد لبداية الحرب ولكن مهران وياسر بحكمتهما إستطاعا السيطرة علي مجري الحديث وتحويله للمجال العملي والودي أكثر 

بينما إتجهت النساء للمقعد الكبير في الجزء الغربي من القصر بصحبة خيرية ووداد وقمر اللاتي عرفن جيداً كيف يسيطرن علي الوضع بحكمة ، فقد كانت خيرية تراقب ابنتها عبير في تحفز لتقطع عليها أي فرصة لنشب الخلافات ، هي تعرفها وتعرف مدي شعورها بالضيق أما نورهان وسمية فقد كانتا تشعران وبشدة بتلك الأجواء المشحونة وخصوصاً نورهان فهي جالسة الأن مع غريمتها تتشاركان نفس الأريكية وها هي تجلس بأريحية شديدة علي عكس عبير تماماً التي أخذت تطالعها بنظرات نارية تنم عما يعتمر جوفها 

كيف يتوقع منها أؤلئك القوم أنها ستجلس في غرفة واحدة مع غريمتها بكل هدوء ....... لا ليست حتي نفس الغرفة بل أنها تشاركها الأريكة......تشاركها الهواء الموجود في الغرفة

ولكن يجب عليها.........يجب عليها التحلي بكل مخزونها من الهدوء لأن أي تصرف خاطئ يصدر منها الليلة سيقيم بحور من الدماء لن تنهي حتي أبد الآبدين


الفصل الثاني والعشرون 

وضعت الأخونة بجوار بعضهن البعض 

طاولة كبيرة للسيدات بجوارها طاولة آخري للرجال

نهضت خيرية تدعوا الجميع للغداء بعدما وُضع الطعام علي الموائد 

جلس الجميع يتبادلن المزاح والحديث 

تعرف ياسر علي عاصم وحسام وإندمجوا كثيراً سوياً بينما لاحظ هو مدي إبداع وحنكة عاصم فيما يتعلق بالعمل وتناقشا سوياً في مشروع ما 

- الفكرة زينة جوي وهفاتح فيها سَليم ونتفج نتجابلوا في الشركة في القاهرة إيه رأيك 

أومأ عاصم بحماس 

- الفكرة عجبتني جداً وأكيد موافق عليها خلاص حددوا ميعاد وقولي 

أومأ ياسر باسماً وهو يشير ناحية الطاولة 

جلست نورسين أمامها قمر وبجوارها فاطمة 

إنغمس الجميع في تناول الطعام بينما تسلل لسمع نورسين أصوات همهمات خافته تأتي من طاولة الرجال رفعت بصرها تلقائياً لتلاحظ قمر التي تبتسم بخجل وهي ترمق زوجها بنظرات هائمة ، تحول بصرها تلقائياً في هدوء دون أن يلاحظها أحد ناحية طاولة الرجال فلاحظت ياسر وهو يغمز لقمر ويبتسم لها في هيام ومن حركات شفتيه أنه يخبرها بكلمات غزل ما 

إبتسمت بداخلها في شجن وهي تطالع زوجها الذي إنغمس في مزاحه مع حسام والجميع ولم يلتفت ناحيتها ولو لثانية 

طالعته وهي تتنهد بعمق تكاد تبكي شجناً علي حالتها..........هي تتذكر كيف كانا قبل إرتباطهما 

وكيف كان يطالعها بنظرات تجعل قلبها يرفرف بين أضلعها..... بنظرات لا طالما سلبت أنفاسها 

تنهدت بعمق وهي تطالعه بألم وكأن قلبها يحدثه 

ألا تعلم عزيزي أن ما أحمله لك من حب قد عذبني كثيراً وأنهك روحي 

هزت رأسها بلطف تطرد تلك الأفكار وهي تعاود رأسها ناحية طعامها بينما أخذ لسانها يلهج بالدعاء لأؤلئك الاثنين 

بعد إنتهاء الطعام 

جلست السيدات في مكانهن بينما لاحظ الجميع نظرات نورهان المتألمة تجاه فاطمة 

ربتت خيرية علي فخذها بلطف وهي تبتسم لها بحنو 

-منورانا يا مرت الغالي 

إبتسمت نورهان في إمتنان وهي تومئ برأسها في خجل 

- دا نورك يا ماما 

مرت فاطمة من أمامهما ناحية قمر تخبرها بأمر ما 

فأشارت لها نورهان بالجلوس بجوارها 

وقفت فاطمة لا تدري ما الذي يجب عليها فعله فهي تري نظرات أمها التي أستحالت لنظرات عجيبة لم تعهدها من قبل بينما إرتسم علي وجهها ملامح عجيبة .......لكن قطع عليها كل ذلك صوت خالتها وداد الدافئ 

- روحي يا بتي 

تقدمت بخطوات مرتابة متمهلة حتي وجدت نورهان تبتسم لها في حبور 

- عمرك 24سنة مش كدة 

إبتسمت فاطمة بخجل تومئ برأسها فأردفت نورهان باسمة بأسي 

- بنتي كانت هيبقي عندها زيك كدة

أردفت فاطمة باسمة بحماس 

-طب وهي مچاتش وياكوا  ليه 

أظلمت عينا خيرية في أسي فأردفت نورهان باسمة 

-بنتي مشيت من زمان.......راحت للي خلقها 

إضطربت ملامح فاطمة في أسي وأردفت تعتذر منها في آلم شديد علي حماقتها 

- أني أسفة والله مكنتش أعرف 

ربتت نورهان علي يدها في حنو وأردفت في حبور 

-ولا يهمك يا حبيبتي ما إنت زيها بالظبط 

مش كدة ولا أيه 

أومأت فاطمة برأسها في سرعة وأردفت باسمة 

- وأني أطول برضوا 

إبتسمت نورهان وإحتضنتها في حبور بينما جلست عبير وفي قلبها آتون مستعر من الغل والحقد يكاد يحرقها ويحرق الجميع من حولها 


          ************************


في قصر الراوي 

وضعت نورسين أطفالها في فراشهم بعدما دثرتهم جيداً ثم عادت لغرفتها في هدوء لتجد عاصم يجلس علي حاسوبه كالعادة ينجز بعض الأعمال 

تنهدت بيأس بعدما أغلق الباب خلفها 

وفكت حجابها الذي إنحسر عن أمواج من شعرها البندقي الذي إنسدل لينشر عبيره الأخاذ في الغرفة.....توجهت في هدوء لتبدل ثيابها ومن ثم عادت لتجلس أمام طاولة زينتها 

ثم هتفت فجاءة وبدون إدراك بنبرات تحمل في ثناياها الحسرة والشجن 

-شوفت يا عاصم ياسر وقمر ماشاء الله عليهم مبسوطين إزاي سوا 

أغلق حاسوبه بعدما إتسعت حدقتاه لنبرتها وهتف بدهشة 

-ليه يا نور هو إنت مش سعيدة 

ضحكت بسخرية وفرت منها دمعة هاربة توضح مدي آلم قلبها العاشق المعذب 

-سعيدة........أنا ابعد ما يكون عن السعادة دي يا عاصم 

حدق بها بدهشة ورفع حاجبه الناقم بحنق 

-وليه بقي يا نور بيت وعندك بدل البيت تلاتة.....عربيتك أحدث موديل......بتلبسي أحسن من أي حد....الولاد في مدارس إنترناشيونال....سفر وبتسافري.... فلوس ومعاكي عاوزة إيه تاني 

نهضت دافعة المقعد الصغير ليحدث صوت صرير يخترق الجو المشحون توتراً ومن ثم تمتمت بألم ويأس ......بصوت يغمره الشجن والقهر

-عاوزة حب.... إهتمام.....أنا وإنت فين من كل دا يا عاصم 

نعم...هي عاشقته المعذبة... التي أماتها إهماله 

وكانه لا يعرف أن الإهمال بعد الإهتمام هو قتل نفس بريئة بغير حق......يا ولدي إن المراءه بحاجه الى الإهتمام أكثر من حاجتها الي الحب وكل تلك التراهات التي تتفوه بها 

هتف هو  بهدوء 

-ما إحنا زي الفل يا نور أهو مالنا بس

ضحكت بسخرية ممزوجة بالقهر 

-زي الفل!!!! لا يا عاصم متكدبش علي نفسك إحنا مش زي الفل ولا حاجة.... إحنا أبعد ما يكون عن كدة 

إستقام جزعها وضاقت عيناها بعدما ضاق ذراعاها حنقاً منه هاتفة به في حنق 

-إنت أخر مرة إتصلت بيا بس لمجرد إني وحشاك وعاوز تطمن عليا كان إمتي يا عاصم أخر مرة قولتلي بحبك الي كنت مغرقني بيها أول ما عرفنا بعض كان إمتي يا عاصم ، أخر مرة إفتكرت عيد جوازنا كان إمتي ، بلاش كل دة أخر مرة إفتكرت عيد ميلادي من نفسك كان إمتي يا عاصم ، أخر مرة قولتلي وحشتيني يا نور كانت أمتي يا عاصم ، أخر مرة حبيت تفاجئني بيها بأي حاجة كان إمتي يا عاصم

تابعت بقهر إخترق قلبه ليمزقة لأشلاء 

أخر مرة بصلتي فيها زي زمان كانت إمتي يا عاصم

تابعت بدموع 

-يا عاصم إنت بتقعد معانا علي السفرة تقضية واجب مش أكتر....بتقعد بجسمك بس.....إنما عقلك بيبقي مع الصفقة الفولانية ولا بتفكر في المناقصة العلانية....وإحنا أخر حاجة 

ثم تابعت بتوسل 

-ومتقوليش إنك بتعمل كل دا علشاننا.....إحنا والله مش عاوزين كل دا اصلاً ، إحنا عاوزينك إنت....لا عاوزين بيت كبير فاضي علينا مش حاسين فيه بالأمان علشان عمود البيت ومصدر أمانه دايماً غايب ولا عاوزين فلوس كتير مش عارفين ننبسط بيها وإنت مش موجود جمبنا ولا حتي عاوزين عربيات ولا عاوزين أي حاجة والله ، أنا و ولادك محتاجينلك يا عاصم......محتاجينلك أوي والله 

كاد أن يتحدث فتابعت هي بألم يقطر من صوتها جمراً يكوي قلبه 

-عاصم أنا مش بلومك أبداً والله.......أنا عارفة إنك عاوز توفرلنا كل اللي تقدر عليه علشان نبقي في أحسن حتة وأحسن مكان....بس كفاية كدة بقي إحنا عاوزينك جمبنا مش عاوزين حاجة تانية والله.......إنت بالدنيا وما فيها ياعاصم 

صدم من كل ما تشعر به وتكتمه بداخلها كل تلك الفترة ......أ حقاً كان ذلك البعيد الغائب.....أ حقاً قرر أن يتخذ الدور الذي لاطالما إمتقته 

تمتمت نورسين بألم 

-قرب من ولادك يا عاصم إنت بقيتلهم ال ATM بتاعتهم مش أكتر ، ولادك محتاجينلك أكتر من أي حد و نفسهم يلاقوا بابي بتاعهم دايماً موجود يحضنهم ويبقي جمبهم

يبقي بطلهم في كل حاجة......نفسهم يلاقوا بابي يسألهم بيحبوا إيه وبيكرهوا إيه...... يلعبوا معاه....يتمرنوا سوا 

تمتمت بتوسل باكية 

جرب يا عاصم تكسبهم وتقرب منهم علشان خاطر ربنا 

ثم همست بألم لم يصل الي مسامعه 

يارب يا عاصم تقرب منهم بمزاجك وأنا عايشة بدال ما يضيعوا منك بعد ما أموت

إحتوي عاصم وجهها بين يديه وتابع بحنو بالغ 

بنبرة متالمة لألمها ودموعها 

-إنتِ عارفة أنا بحبكوا قد إيه يا نوري 

أنا معنديش أهم منكوا في الدنيا عارف إني مشغول بس غصب عني و أوعدك إني هحاول أفصل الشغل عن البيت....بس أهم حاجة مشوفش دموعك أبداً سامعاني 

عمد بأنامله الي وجهها يجفف دموعها برفق بالغ 

تحدث بصوته الأجش الذي يسلبها عقلها دائماً 

- إتفقنا 

تنهدت باسمة وتابعت 

- إتفقنا

غمزها عاصم بمكر ثم تابع بجدية 

-بقولك إيه ما تيجي نجيب توئم حلوين كدة لأيهم وجوري 

شهقت نورسين بخجل وهي تدفن وجهها بصدره 

- عاصم!!!!! 

ضحك هو بمكر مازحاً بينما ثارت عيناه برغبة عارمة 

- عاصم إيه بس وبتاع إيه تعالي بس هقولك


           *************************


عاد سليم من عمله مساءًا متوجهاً لغرفة مليكة التي يعلم أنها نائمة في هذا الوقت.....فذلك الدواء اللعين يجعلها تنام كثيراً فلا يستطيع أن يشبع عينيه منها بعدما أغلق هاتفة بعد محادثة طويلة بينه وبين ياسر ابن عمه مخبراً إياه كل ماحدث في تلك الأمسية بالتفصيل ومعرباً عن رغبته هو وعاصم في مقابلته والحديث عن مشروع ما قد تحدثوا فيه قليلاً أثناء العشاء وموافقة سليم وتحديد موعد ليتقابلوا فيه سوياً في مقر الشركة بالقاهرة 

دلف في هدوء الي غرفتها ليجدها راقدة في هدوء منسدحة علي الفراش في وداعة.....أخذ يتطلع إليها بإحساس لم يعده يوماً.....غريباً عن قلبه الوحيد  فقد كان يفكر فيها دوماً لم تكن تبرح خواطره وحتي أفكاره لم تخلو منها مطلقاً طوال يومه.......ظل يكابر ويعاند نفسه كثيراً كي يصعد مباشرة لغرفته دون العروج علي غرفتها لكن أخيراً تحطمت مقاومته وإتجه ذاهباً يدفعه قلبه الذي أخد يعاند وبشدة لحجرتها كي يراها....فقط هي.......كيف له أن يقاوم ذلك الجمال الملائكي القابع هنا علي الفراش وعلي ذلك الضوء الخفيف الذي تسلل من القمر  لشرفتها  ليضفي عليها مظهراً عجيباً......كم كانت تشبه الحوريات بذلك الرداء  الذي يجعلها كتلة مجسمة من 

الفتنه...... نعم فتنته كما تفتن تلك الحوريات البحارة بسحرهن ودون أي عناء يذكر منها 

وشعرها.....و ااه من خصلات شعرها الحريرية التي تضاهي النيران في فتنتها وإثارتها متناثراً حولها في غجرية تبعثر روحه وتنثر أشلاء قلبه وتهيم بعقله 

ااااه لا يعرف حتي ماذا حدث معه وكيف......هو ليس بطفل أو حتي شاب مراهق كيلا يعرف ما هو الحب هو يعرف ذلك الشعور جيداً يعرف إنه الحب ولكن كيف ومتي ولماذا .........ألا تعلم يا ولدي أن الحب يأتيَك متخفيا فلا تسأله لما أتى.....ولا تسألهُ َعن السبب.........فَـهَو إن َضرب َضربتهُ لا سبيَل للنَجاة .......ولا طريقاً للهرب


          ************************


في صباح اليوم التالي 

إنسل عاصم من فراشه بعدما طبع قبلة حانية علي رأس زوجته وإرتدي ثيابه متوجهاً للمطبخ 

وقف يعد لهم طعام الإفطار في هدوء وسط دهشة الخدم الموجودين بالقصر وبعدما إنتهي طلب من الخدم وضعه علي طاولة الطعام وصعد هو لإيقاظ طفليه اللذان لم تسعهما فرحتهما حين شاهدا والدهما يوقظهما صباحاً لا بل إنه لا يحمل هاتفه أيضاً أو حتي يطالع جريدته بل يحملهما ويلعب معهما......إحتضنه أيهم بقوة هاتفاً به يسأله ببراءة

- بابي إنت مش رايح الشغل ولا إيه 

هز عاصم رأسه باسماً يمنة وميسرة 

فإحتضنا أيهم وجوري والدهما وهما يهتفان بسعادة آلمت والدهما فقد أدرك الآن كم كان أحمقاً ليبدي عمله علي هذين الملاكين 

حمل طفليه وتوجها لإيقاظ نورسين التي لم تصدق عيناها ما تراه حتي أنها ظنته حلماً جميلا من بين تلك الأحلام التي تراودها يومياً 

حتي سمعت أطفالها يخبرانها بسعادة بينما يتقافزان فرحاً أن والدهما سيقضي معهم اليوم بأكمله ولن يذهب للعمل 


             **********************


بعد مرور عدة ايام 

في شركة سليم الغرباوي 

إجتمع الشباب الثلاثة لمناقشة مشروع ما ليكون ذلك هو أول إتحاد يتم منذ زمن طويل بين عائلتي الغرباوي والراوي 

هتف عاصم باسماً 

- إنت بقي ابن عمو زين الله يرحمه 

إبتسم سليم بفخر وتابع مؤكداً

- أيوة بس إشمعني 

إبتسم عاصم بحبور متابعاً 

-أصل بابا مبيبطلش كلام علي عمو زين الله يرحمه 

في نفس الوقت حضر ياسر ينفخ متأففاً

ضيق سليم عيناه وهتف مشاكساً 

-مالك يا زينة الرچال 

ضحك عاصم علي سخرية سليم 

- أدي اللي خدناه من الحمل والوحم

شوية مش طايجاني وشوية عاوزة أبصر إيه 

مرار طافح 

ضحكا سليم وعاصم علي ضيق ياسر 

وهتف سليم  مازحاً 

- الأبوة مش بالساهل يا حبيبي 

تذكر عاصم مشهداً ما وقت حمل نورسين بجوري فتمتم ضاحكاً 

- إنت عارف مراتي كانت بتتوحم علي إيه لما كانت حامل في جوري 

أردف سليم باسماً بمزاح 

-إشجينا 

أردف عاصم زاماً شفتيه كتعبيراً عن مرارة أيام حمل زوجته 

- كانت بتتوحم علي الطوب الأحمر 

إنفجر سليم ضاحكاً أما ياسر فحدق به مدهوشاً فإستطرد عاصم باسماً 

-كانت تاخدني علي ملا وشي في إنصاص الليالي نروح مواقع لسة بتتبني وتقعد تاكل في الطوب اللي هناك زي الزومبي بالظبط 

جلس ياسر وتابع بثقة 

-واه واه دا أني علي كدة أحمد ربنا علي جمر وأروح أبوسها كمان

تمتم سليم بين ضحكاته 

- قولتلك إحمد ربنا 


          ************************


في فيلا سليم الغرباوي 

تعافت مليكة بعد مرور أشهر علي ذلك الحادث اللعين فقررت الذهاب لزيارة عائشة ورؤية طفلها عبد الرحمن 

تناولوا طعام الافطار سوياً وودعت مراد للذهاب لمدرسته وإنتظرت هبوط سليم للأسفل كي تأخذ إذنه قبل ذهابه للعمل 

- السواق برة تحت أمرك ومتتأخريش ومتقفليش موبايلك علشان لما أحب أوصلك 

كانت تلك الكلمات التي خرجت منه بحزم وجمود قبل أن يخرج ويترك علامات الفرح بادية علي وجهها المستدير....جلس أمام مقود سيارته يزفر الهواء واضعاً يده علي قلبه ليطمئنه قبل أن يخرج من مكانه بسبب إرتفاع وجيفه....مشاعره تزداد كل يوم من حب لعشق لهيام لوله وهوس 

أصبح لا يستطع كبح جماح رغبته بالركض وإلصاق رأسها الصغير بصدره وإغداقها بكل عبارات الحب والغرام وكلمات الغزل التي لم يتخيل نفسه ينطقها يوماً ما......حب يخفيه عن العالم....... لا يعرف بشأنه مخلوق 

يلعن نفسه مرارا وتكراراً لذلك الوعد الذي قطعه لنفسه أمام قبر شقيقه في الماضي ولا يزال يدفع ثمنه للآن 

فحلوته تزداد جمالاً كل يوم.....تزداد أنوثة كل يوم ، كيف يشرح حبه الكبير..... إنه لعنة تسيطر عليه 

يغيب لديه المنطق بمجرد مرورها من جانبه

يفقد عقله بمجرد إستنشاقه لشذاها الآخاذ....يعشق كل تفصيل صغير فيها......يتوه بين نمنماتها وقسمات وجهها......يدرس حركاتها وخطواتها

نعم لقد وقع في عشق صهباؤه الجميلة 


             ***********************


في صحن قصر الغرباوي 

علت صيحات الفرحة  وزغاريد السيدات 

وإنهالت علي قمر عبارات التهنئة من السيدات 

- عدا تلك الناقمة عبير - بعد معرفتهم بحمل قمر في توئم ولدين وكأنهما عوض الله عن قهر وآلم تلك المسكينة لإخراس أفواه عبير وغيرها 


           ***********************


في شركة سليم الغرباوي 

هاتف سليم ياسر متمتماً في فرح وفخر 

 عاوزك تجهز حفلة كبيرة بقي 

هتف ياسر وسط دهشتة 

-إنت عرفت 

تابع ياسر بدهشة أكبر 

-عرفت إيه بالظبط 

صاح ياسر فرحاً 

- جمر...... جمر حامل في توم ولدين 

حمد الله سليم ربه فرحاً وأخذ يعوذهما من أعين كل حاقد حسود وبارك له كثيراً 

أردف سليم باسماً بفرح 

- بس أنا مكنش قصدي علي كدة إفتح الجرايد كدة وقولي شايف إيه 

ضيق ياسر عيناه وتابع متسائلاً وهو يفتح الصحيفة ليهتف سليم به بسعادة 

الصفقة كسبناها وأول نجاح لصلح العيليتن 

وإتفقا سويا علي إقامة حفل كبير سيكون بجوار مقر الشركة في القاهرة

             الفصل الثالث والعشرون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>