رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 والرابع والعشرون 24 بقلم منة الله مجدي
أُقِيمت الحفلة وأُعِد كل شئ الذي كان للحقيقة رائعاً كما هي عادة حفلات شركة الغرباوي كل شئ راقياً وفخماً للغاية.......حضرها لفيف من كبار رجال الأعمال والمستثمرين المصريين وحتي الأجانب أيضاً والأهم من ذلك كل أفراد أسرة أمجد الراوي وبعضاً من أفراد عائلة الغرباوي
علي أحد الطاولات
هتفت قمر بسعادة تهنئ سليم وياسر والفتيات علي نجاح الصفقة داعية لهم بأن يزيد الله نجاحهم ويحفظ مجهوداتهم
فأمن الجميع خلفها ومن ثم تركهما سليم ومعه ياسر للتحدث مع أحد الاشخاص
حضرت نورسين وتوجهت لطاولة الفتيات اللتان رحبا بها للغاية فقد تقربن كثيراً من بعضهن خلال الفترة الماضية
وبعد قليل من الثرثرة علي ملابس بعض النساء الموجودات وتصرفاتهن لاحظت مليكة أن قمر تكاد تنفجر غضبا من تصرفات ياسر ومزاحه مع الفتيات
فضحكت بأسي فهي أكثر من يعلم شعورها وتابعت مازحة
-خليكي هنا يا قمر مع نوري وهروح أجيبلكوا حاجة تشربوها
نفخت قمر وجنتيها هاتفة بغضب
-ماشي أديني جاعدة أهه هروح فين يعني عاد
أومأت مليكة برأسها باسمة في حبور و توجهت لإحدي البارات الموجودة لتحضر لها بعض العصير لتهدئ قليلاً ولكنها شاهدته......نعم شاهدته
ظلت تهز رأسها غير مصدقة لما تري فخُيل لها في بادئ الأمر أنه خيال من ذلك القلب الأرعن ولكن ما أكد ظنونها هو رؤيتها لياسر يقف معه..........شاهدته وتعرفت إليه بسهولة
وكيف لا تتعرف علي ذلك الوجه الذي لن تنساه مادامت علي قد الحياة
ذاك الذي لاطالما كان مصدر سعادتها وأمانها ولكن إختلف كل ذلك الآن فأصبح هو سبب شقائها وعذابها أصبح هو سبب موت والدتها وحتي شقيقتها وحالتها الآن مع زوجها.........بدأت تشعر بالخطر الداهم الذي يحلق بها وإرتفع رجيفها بشدة كالإنذار وبدأت أجراس الخطر تنطلق في عقلها تحثها علي الهرب فوراً........حاولت الهروب فهي تعلم أنه إن شاهدها سيتعرف عليها وبسهولة فهي تشبه والدتها الي حد مرعب......ولكن قد فات الآوان الآن فقد شاهدها أمجد لا بل إستطاع التعرف عليها أيضاً.....وقف مدهوشاً يفتح عينيه ويغلقهما عدة مرات حتي يتأكد مما يري وما إن تأكد حتي جذب عاصم من يده وسار خلفها بسرعة فقد بدأت في العدو هاربة مبتعدة عنه فهي لن تقدر علي المواجهه لا تستطيع
إنقبضت رئتيها وهي تخرج لحديقة هذا المكان الواسع فلا ذرة هواء حولها لتساعدها علي التنفس ، إختنقت وآلمها صدرها وأخذت تحاول التنفس بصعوبة
إستندت علي شجرة ما تقوي نفسها فوالدها هنا ، نعم إنه هنا الآن
دهش عاصم مما يفعله والده فهتف يسأل في دهشة
- في إيه يا بابا
هتف به أمجد بلهفة بعدما إغروقت عيناه بالدموع
- أختك....أختك يا عاصم......أختك هنا
مليكة هنا أنا متاكد
أوقف عاصم والده ومن ثم تابع شاعراً بالأسي علي حالة والده
- ومليكة إيه الي هيجيبها هنا بس يا بابا
أشار أمجد ناحيتها بلهفة
- أهي هي الي بتجري هناك دي روح إلحقها يا عاصم
هم عاصم بالإعتراض فقاطعه أمجد برجاء متوسلاً
- علشان خاطري يا ابني
لمست نبرة والده قلبه فتركه وبدأ بالركض للخارج فهو أسرع من الده كثيراً وأخيراً إستطاع الإمساك بها فأمسك بيدها التي إرتجفت إثر لمسته فقد أيقنت الأن بأنه لا يوجد مفر فقد حان وقت المواجهه وهي لن تهرب
سار أمجد في خطوات مسرعة ليستطيع اللحاق بابنته وابنه يسبقه قلبه الذي أخذ يحلق من فرط سعادته بلقاء طفلته الغائبة
وقف أمامها يتطلع إليها بشوق وحب بالغين
هاتفاً بلهفة وبصوت متقطع يتخلله الدموع
-مليكة إنتِ مليكة بنتي
تطلعت إليه بجمود كالصخر فهي لن تحن ، لن تميل إليه وكيف تحن وهو من تركها هي و والدتها دون حتي أن يفكر بهما تركهما ولم يتعاطف مع بكائها ولا نحيبها ولا تشبثها بثيابه ولا بدموعها
إستقام جزعها وشبكت يدها أمام صدرها متحدثة بكلمات تقطر جمود وقسوة
- أفندم حضرتك مين
هتف بها بحنان وشوق كل تلك السنوات
-أنا أمجد ابوكي....ابوكي يا مليكة...أنا....أنا بابا يا حبيتي
هم بإحتضانها......فعادت هي خطوتين للوراء واضعة يدها أمامها لمنعه ومن ثَم صاحت به بغضب حنق و حزن إمتلأ به صدرها وحُبست به روحها كل تلك الأعوام بغضب أطفأ لمعة عيناها
- بابي ....بابي مش موجود......بابي مات من 20سنة
ضحكت بسخرية يتقطر منها قهراً كوي قلب ذلك الاب المعذب بفراق ابنته وتَمَزُق شمل عائلته
- بابي مات لما سابني أنا ومامي وأختي
تألم أمجد لحديث ابنته فهو يعلم أنها محقة يعلم أنه هو من تركها وتخلي عنها يعلم جيداً مدي حماقته ولكنه أدرك الأن مدي خطأه وهو الأن علي أتم الإستعداد كي يعوض عن خطأه
فهمس بخفوت إمتزج به الحزن مطأطأً رأسه خزياً
- يا بنتي انا......
صرخت به غاضبة بحدة
-متقولش يا بنتي أنا مش بنتك ، بنتك اللي سيبتها من غير ما تفكر يا تري هتعمل إيه من غيرك ، بنتك اللي قعدت تتحايل عليك وتعيط علشان متسبهاش إنتَ وعاصم وتمشوا وبرضوا مشيت
تابعت بصراخ باكية
-تعرف إيه عنها هاه رد عليا تعرف إيه ،تعرف إن ماما تعبت بعد ما إنت مشيت وكانت بتموت علشان بتحبك وإنت إتخليت عنها وبناتك كانوا سامعين بودانهم قرايبنا وهما بيتفقوا هيعملوا فينا إيه لو ماما ماتت
اللي يقولوا هياخدوا واحدة فينا بس واللي يقولوا يودنا ملجأ ، تعرف إيه عننا إنت
تعرف إتبهدلنا أد إيه وحصل فينا إيه ، تعرف بنتك دي كانت بتنام كل يوم وهي خايفة تقوم الصبح تلاقي نفسها في بيت تاني غير بيتها وفرقوها عن أختها ، تعرف إن بنتك دي إتبهدلت وإشتغلت من وهي في إعدادي علشان ميطلبوش من حد حاجة ، تعرف إن مامي ماتت من قهرتها وحزنها ، وبناتك بقوا يتامي ولوحدهم في وسط الدنيا اللي مبترحمش ضعيف وابوهم واخوهم عايشين تعرف إن بنتك تاليا ماتت، بنتك ماتت وهي ملحقتش تستمع بحياتها ، ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها ،ماتو قبل ما أعرف أعوضهم عن البهدلة والحوجة و وجع القلب ، ماتت قبل ما أعرف أداوي قهرها ،ماتت وسابتني لوحدي هي كمان حتي هي الدنيا إستكترها عليا
بدت الصدمة جلية علي ملامح أمجد وشعر بغصة في قلبه فلم يكن يعرف بأن لديه طفله أخري والأن فقدها كما فقد شقيقتها الأخري أيضاً
أ يكون هذا عقاب المولي علي كسرة قلب تلك الفتاة التي أحبته وضحت بكل شئ لتكن معه؟!
تابعت مليكة بألم
- ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها من جديد
ماتت بعيد عني
أظلمت عيناها وصرخت به بألم يكسر قلبها قبل أن يكسره
-أنت اللي موتها يا أمجد يا راوي أنت اللي قتلتها زي ما قتلت أمي
صاح بها عاصم بخزي
-يا مليكة إسمعي
إلتفتت إليه صائحة به بكل غضب وقسوة
- وإنت يا عاصم ياخويا ، يا راجلنا ،يا كبير مجيناش علي بالك ثانية مفكرتش فينا طيب مقلقتش علينا
صرخت فيهما باكية
- هاه ردوا عليا مفكرتوش في مرة كدا إننا ممكن نكون موتنا مثلاً أو محتاجنلكوا
وإنت يا بابي بلاش إحنا ، بلاش ولادك مش إنت كنت بتحب مامي أوي موحشتكش محستش في مرة إنك نفسك تشوفها أو تتكلم معاها حتي
طأطئا أمجد وعاصم رأسيهما خجلاً فصرخت هي بغضب إجتاحه حزم
- بنتكوا ماتت زي أختها وأمها بالظبط إنسوني وكأنكوا مشوفتونيش
تركتهم وركضت الي سليم الذي كان يبحث عنها بعينيه فوجدها تركض ناحيته
هتف بها بقلق ما إن شاهدها تبكي راكضة إليه بتلك الهيئة
- مليكة إنتِ كويسة
نست وقتها كل شئ ، نست أنه يكرهها ويعتبرها سيئة ،نست أنه قد طلب منها الإبتعاد عنه وعدم الإقتراب أبداً وإرتمت في أحضانه تتشبث به بقوة وأخذت تبكي
إحتضنها سليم بقوة مربتاً علي رأسها في رقة بالغة وهمس بها بحنان يعتريه القلق
- إهدي يا مليكة في إيه ، إيه اللي حصل
همست به في خفوت متوسلة
- سليم ممكن نمشي من هنا عاوزة أرجع البيت ممكن
تابع بقلق
- حاضر بس فهميني فيكي إيه
أردفت متوسلة في آلم
- عاوزة أروح
أحضر سيارته وأخذها وذهبا بعدما إعتذر من ياسر ، عاصم- الذي لاحظ تغيره -والجميع متعللاً بأن مليكة مريضة قليلاً
ظلت تبكي طوال الطريق فتركها سليم ولم يتفوه بحرف
وصلا الي المنزل فصعدت الي غرفتها فوراً دون التفوه بحرف
إرتمت علي فراشها وهي تبكي في حرقة وقهر
بعد وقت قصير صعد إليها سليم ليفهم ماذا حدث ولما تبكي بشدة هكذا
طرق الباب ففتحت مليكة وهي تنظر أرضا
فهمس بها بهدوء بعد أن رأي أنها مازالت بثياب الحفل فقط أطلقت لشعرها العنان من أسر حجابها فعلم أنها كانت تبكي
فسألها بهدوء
-مليكة إنتِ كويسة
أومأت برأسها في هدوء
هتابع هو بقلق
-ممكن أفهم إيه الي حصل في الحفلة وخلاكي تطلبي إننا نمشي بسرعة كدة
بدأت دموع مليكة في الإنهمار مرة أخري ولم تتفوه بحرف فأردف بحنان مهدئاً
-مليكة إهدي كفاية عياط وقوليلي في إيه
كانت نبرة الحنان التي كست صوته في تلك اللحظة مثل القشة التي قصمت ظهر البعير فإرتمت بين ذراعيه باكية بقوة وإرتفعت شهقاتها وأخذ جسدها الصغير في الإرتعاد
زفر سليم بعمق وإحتضنها بدوره هامساً بحنان بصوته الأجش عله يهدئ من روعها قليلاً
-إهدي يا مليكة إهدي
همست بتوسل ورجاء يقطر من صوتها كاد يحطم قلبه
-سليم أنا عارفة إنك بتكهرني و مبتحبنيش وعارفة إنك عاوزني أمشي من كل حياتك خالص بس لو سمحت علشان خاطري
هزت رأسها يمنة ويسرة متابعة بتوسل أكبر
-لا لا أقولك علشان خاطر مراد متسألنيش أي حاجة أحضني ، أحضني جامد وبس ومتسبنيش ممكن
ودت لو تصرخ به بتوسل أكثر وتخبره وقتها بأنها لا تريد إتساع الأرض ....فقط كل ما تريده هو ضيق حضنه
تنهد بعمق وإحتضنها بقوة كأنها قطة صغيرة خائفة ، كانت ناعمة وهشة ،أيقظت بداخله كل غريزة الرجال لحمايتها
إحتضنها بشدة لتشعر بكفيه تمر علي ظهرها
دفئ بحر صدره الواسع أيقظ كل نيرانها علي رجل تخلي عنها تاركاً إياها يتيمة في مواجهة حياة قاسية........
شعر بإزدياد شهقاتها فإحتضنها ثانية بقوة أكبر يركنها الي صدره الدافئ راغباً في محو كل آلامها التي لا يعرف سببها
حاولت الهدوء فتمسكت بقميصه بكلتا يداها تحاول منع دموعها من الإنهمار بصعوبه لكنها لم تستطع فإنفجرت لتغرق وجهها وتعالت شهقات بكائها وهي تغرق وجهها بصدره
بكت كثيراً جداً ، بكت كل ما كبتته بقلبها طوال حياتها ، بكت إحتياجها وخوفها ، بكت حبها وكرهها وغضبها
بقيت تبكي وقتاً طويلاً وهو يحتضنها بكل صبر سامحاً لها بإغراق قميصه الأبيض بدموعها السخية ،يغرق يديه في بحر شعرها الهائج يتنفس رائحته من غير أن يمنع نفسه
يعلم أنه حقير لإستغلالها هكذا ولكن رائحتها تجذبه ،تجذبه تماماً كما تجذب النيران البعوض دون إراده منه ، عطرها مسكر ودافئ مثلها
كان المسك ، وكأنها تتفنن في فتنته حتي وبدون قصد ،جسدها الضعيف يطلب حمايته
لا يعرف لما تفعل به هكذا ، لما توقظ بداخله نمراً بقي حبيساً لسنوات لبرودة إحتلت كيانه ما الذي جعلها تجعله يعيش نشوة تسكره وهو يغمض عيناه يستقبلها بشوق دون أن يزعجه هذا كعادته عندما ترمي امرأة بنفسها عليه ولكن فتاته مختلفه هي لم ترمي بنفسها عليه إنما فقط نزلت دموعها ليعرض هو حضنه لها مجاناً وهو شاكراً لها ايضاً
ربت علي خصلاتها الناعمة هامساً برقة في صمت بصوت لم يصلها
- إهدئي ،إهدئي يا هلاكي وبقائي ،إهدي تفاحتي المحرمة
ظلا علي هذا الوضع فترة من الزمن هدأت خلالها شهقاتها العالية وتحولت لمجرد نهنهات خافت تخرج منها بين الفنية والآخري
فقادها للفراش كي تخلد الي النوم لتتمسك به أكثر تدفن رأسها في صدره وكأنها تحاول أن تختبئ عن العالم أجمع
فهمست بألم بين بكائها وهي ترجوه بعيناها
- سليم متسبنيش
نظر إليها وكان بداخله حرب
صمت لبرهة ثم حملها في هدوء بين ذراعيه ونام بها علي الفراش شد عليهما الغطاء جاذباً إياها بين ذراعيه مسح وجهها في حب وحنان وطبع قبلة حانية علي رأسها
-ششششش خلاص إنسي كل حاجة ونامي
أنا معاكي أهو
رفعت يدها لتحيط خصره وتقربه منها أكثر لتستشعر الأمان الذي يعطيه لها دائما علي الرغم مِن كل ما يحدث بينهما إلا أنه مصدر أمانها
ظلت متشبثة به هكذا طوال الليل لم تتحرك ولو لثانية
الفصل الرابع والعشرون
ركضا عاصم وأمجد يحاولان البحث عنها ولكن بدون فائدة فهم لا يعرفان حتي من هي ولما توجد هنا ، أ هي إحدي موظفات أحد رجال الأعمال الموجودين ،أو أنها تعمل لدي سليم في شركته الخاصة ، أم تمتلك شركتها الخاصة أو حتي هي منظمة الحفل ،لا يعرفوا أي شئ
وبعد عدة ساعات من البحث
شعرت نورسين ببعض التوعك فطلبت من عاصم العودة للمنزل وبالغعل عادا وهو قلق للغاية علي حالتها فلأول مرة يراها شاحبة لتلك الدرجة
*************************
في منزل ياسر بالقاهرة
دلفت قمر الي غرفتها وهي تكاد تنفجر غضباً من مزاحه مع بعض الفتيات ونظراته إليهن في الحفل
دلف ياسر خلفها بكل هدوء فهو يعلم ما بها ولكنه يريد أن يغضبها قليلاً
إبتسم بمكر ثم عادت ملامح الجمود الي وجهه
متسائلاً بكل براءة وكأنه لا يعلم ما بها
-مالك يا جمر فيكي إيه
صاحت به بحنق غاضبة
- وااااه كَانك مش عارف عاد
إبتسم بمكر ولكنه أخفاها سريعاً وتمتم بهدوء
-وأني هعرف منين بس يا بت الحلال
إلتفتت قمر ناحيته تطالعه في غضب وتحدثت بعصبية شديدة
- لا والله أبداً البيه بس جاعد عمال يبص لدي ويتحددت مع دي ويضحك لدي ويسيب دي تتمايع عليه ومرته جاعدة چمبة كيف الجفة لا عاملها حساب ولا إعتبار ، دا إنتَ كان ناجص تجولي جومي يا جمر أنا هعاود مع واحدة منيهم
لم يستطع ياسر أن يكمل في دور البرئ فإبتسم بحنان وجذبها الي أحضانه هامساً بصوته الأجش
- واللي خلجني و خلجك يا جمر كلاتهم ما يسوا شعره من شعرك واجفة علي الأرض ما تخلجتش اللي تغييري منها يا ست البنات
إبتسمت قمر في حب ولكنها حاولت إخفائها وتحدثت بنبرة يشوبها الغضب الزائف
- صدجتك أني إكده
فإستقام جزعه وتحدث بثقة
- لع صدجتيني وجلبك عارف إن جلبي
مفيهوش غيرك جاعدة فيه ومتربعة
إبتسمت بخجل وإحتضته بحب فإبتسم بمكر وتابع مشاكساً
-إلا بجول إيه أني عاوز أسلم علي ولادي
باغت بحملها فشهقت بفزع هتف هو علي أثره بحماس
- الله اكبر
هتفت به بدهشة
- بتعمل إيه يا ياسر نزلني عاد
هتف هو بنبرته التي تسلبها لبها
- مرتي يا ناس عاوز مرتي في كلمتين
إبتسمت في خجل ودفنت وجهها في صدره ليهتم بحماس
- اللهم صلي علي كامل النور يا بركة دعاكي يا أم ياسر
************************
في منزل سليم في صباح اليوم التالي إستيقظا سويا ، كانت مليكة تشعر بألم شديد يعتري قلبها جراء ما حدث مع والدها بالأمس وأيضاً بالخجل لما فعلته هي مع سليم
إبتعدت مليكة عنه سريعا ودلفت للمرحاض
زفر سليم بعمق فهو قد إستيقظ قبلها ولكنه لم يُرِد جعلها تشعر بالتوتر أو حتي الإحراج وأردف متسائلاً
- حكايتك إيه يا مليكة
نهض من الفراش وذهب لغرفته في هدوء
بعد عدة دقائق كان الجميع يتناول الإفطار في الأسفل لاحظ سليم شرودها فقد كانت تطعم مراد في آلية شديدة لا يسمع صوت ضحكاتها ومزاحها الذي يطربه كل صباح
تنهد في عمق فهو لا يحب أن يراها حزينه لهذه الدرجة ولكنه لا يعرف ما حدث بالأمس وقد عقد العزم ألا يسالها عن أي شئ حتي تخبره هي وكالعادة حمل منها مراد ليلعب معه قليلاً في الحديقة حتي تتناول هي طعامها
فأخذ مراد وخرجا سوياً للعب بينما يخطف اليها بعض النظرات بين الحين والأخر فيجدها إما شاردة وإما تمسح دمعة هاربة قد فرت من زرقاوتيها
شعر بغصة ألم تجتاح قلبه كم يتمني أن ياخذها بين ذراعيه ويخفف عنها قليلاً
بعد عدة دقائق خرجت إليهما مليكة
طأطأت راسها في خجل وهمست بأسف أدمي قلبه
- أنا أسفة جداً يا سليم علي اللي حصل إمبارح وعاوزاك تعرف إني والله معملتش أي حاجة وحشة تضايقك ومعملتش كدة لأي سبب وحش فشكراً جداً لأنك استحملتني امبارح
لمس سليم نبرة الصدق في حديثها وشاهد كم الألم في عينيها فقرر ألا يتفوه بأي شئ
أومأ راسه في هدوء وودع مراد متوجهاً لعمله
كان يقود سيارته وهو غارق في أفكاره وخواطره التي تزاحمت جميعها تتصارع ولا فكاك منها
تري ماذا حدث مع صغيرته وما الذي يؤلمها لتك الدرجة
*************************
في غرفة مليكة
ذهب مراد لمدرسته فظلت هي وحدها في المنزل
جلست علي الأرض ضامة ركبتيها الي صدرها قبالة المدفئة الحجرية القابعة في غرفتها وهي تراقب تآكل الحطب ببطئ
كل شئ هادئ من حولها يميل للذة السكون عدا قلبها الكسير فهو لا يزال يتخبط بين أضلعها كطفلاً جائع .....
في لحظات السكون تلجئ ارواحنا للعروج في عالم اللامحسوس ، تستذكر كل ذكري وردية لتصبح رفيقتنا في لحظات الوحدة ، الضعف والإنكسار ولكن ماذا إذ كانت كل اوراق ذاكرتنا سوداء هل سنحرقها أم هي التي ستحرقنا وجعاً وخيبة !!
مر شريط حياتها أمامها بسرعة وكأن كل الذي إستغرق أكثر من ربع قرن ليجري لم يكن سوي لحظات ، نعم غريبة هي الدنيا ، منذ أن نولد نجاهد لأجلها وفي النهاية نكتشف أننا كنا نسعي الي اللاشئ
إنقضت كل تلك السنين كلمح البصر والأسوء من ذلك هو كل تلك الآلام المتراكمة علي ضفاف قلبها اليانع ، نندهش حينها كثيراً
أ يعقل أننا لم نكافئ بلحظة فرح واحدة !!
فنعود مرة أخري وندرك أن لحظات الفرح كانت كثيرة ، فذاك هو عدل الله يقسم الفرح والحزن بالتساوي ولكنها للأسف لا تترك إنطباعاً لها عندما ترحل علي عكس الحزن فلطالما كان هو سيد الموقف
يعرف جيداً كيف يلتهم الفرح ويطغي عليه ليبقي هو ويتلاشي كل شئ عداه
إسترجعت أوراق ذاكرتها بهدوء ليتها تستطيع إحراقها مثل هذا الخشب ، ولكن أني لها فهي إن أحرقتها اليوم ستعود لتنفض عنها الرماد غداً كمن أحيا بعد موته
***************************
نهضت قمر من نومها متأخرة بعض الشئ وقررت المرور للأطمئنان علي مليكة ثم العروج علي نورسين بعد ذلك فكلاهما تركا الحفلة مبكراً بسبب مرضهما
وبالفعل وصلت لمنزل مليكة التي رحبت بها بحرارة شديدة وبعد القليل من الثرثرة أخبرتها قمر أنها هي ونورسين قد رحلا مبكراً بالأمس بسبب مرضهم فإعتري مليكة القلق فهي تتذكر جيداً كيف شعرت بالتوعك مرة وهي معها عندما كانت في المستشفي بسبب إصابتها
نعم هي تعلم أنها طبيبة وبالتأكيد تعرف ماذا يجب عليها فعله ولكنها تشعر بالقلق فهي قد أحبت هاتان الفتاتان للغاية وإعتبرتهُما شقيقتيها اللاتي أرسلهما الله ليعوضاها عن شقيقتها تاليا
هاتفت سليم لتأخذ منه الإذن في الذهاب وبالفعل إرتدت ثيابها وتوجها سوياً للمشفي التي تعمل بها نورسين
فأدخلتهما الممرضة لغرفتها ولكنهما سمعاها تتحدث بالهاتف
- أنا عارفة إنه مينفعش أستني أكتر من كدة يا دكتور وإن حالتي خطيرة بس مش هينفع أعمل أي حاجة دلوقتي فعاوزة حضرتك بس تجددلي الدواء لحد ما أظبط أموري
صمتت هنية تستمع لحديث الطبيب ثم فجاءة هتفت به بقلق
- لالا يا دكتور مينفعش مش عاوزة جوزي والولاد يعرفوا أي حاجة وأنا باذن الله هتصرف قريب
وبعد عدة دقائق أغلقت هاتفها فوجدت قمر ومليكة يحدقان بها في هلع
سقط الهاتف من يدها من هول المفاجأة، لم تحتاج للتفكير كثيراً فمن الجلي تماماً أنهما قد سمعاها
سمعت مليكة تهتف في قلق
- في إيه يا نورسين وإيه اللي سمعناه دا
زاغت ببصرها بعيداً عنهما تجوب به أرجاء الغرفة توتراً لتسأل قمر بجزع
- في إيه يا بت الناس عاد ما تخبرينا متجلجيناش أكتر من إكده
تمتمت نورسين بصوت مضطرب متلعثم
- هاه..... لا.... لا مفيش حاجة
توجهت مليكة ناحيتها وأجلستها علي الاريكة الجلدية الموجودة بالغرفة وجلست الفتاتان بجوارهاثم هتفت بها بحزم
- إحنا سمعنا كل حاجة يا نورسين فمن فضلك متحاوليش تخبي قوليلينا فيكي إيه علي طول
أخفضت نورسين رأسها خجلا وهمست في خفوت
- أنا تعبانه
هتفت قمر بنفاذ صبر سببه القلق
- أيوة مادا سمعناه ....خبرينا بجي فيكي إيه
تابعت نورسين بصوت يقطر شجنا ً
- الدكتور بيقول إن قلبي ضعيف ومش هيستحمل
شهقت مليكة وقمر في هلع ثم هتفت قمر في جزع
- طيب ما تسافري.......إيوة سافري بلاد برة أمريكا ولا أي مكان الدكاترة هناك شاطرين واصل وهيعالچوكي زين
تابعت نورسين بآلم
- مش عاوزة حد يعرف إني تعبانة
الولاد لو عرفوا مش عارفة إيه الي هيحصلهم وعاصم دا عاصم ممكن يروح فيها
تألمت بشدة لدي ذكرها إسم شقيقها أمامها ولكنها سرعان ما نفضت أفكارها وصاحت بها في غضب
- مشوفتش أبداً حد بالغباء دا لما يعرفوا إنك تعبانة وتروحي تتعالجي وتخفي هيفرحوا إنما إنتي مفكرتيش في رد فعلهم لما يعرفوا إن خلاص الأمل أمهم ضيعتوا بغبائها وخلاص كام يوم وتسيبهم
جفلت نورسين حينما أدركت صحة كلماتها
- كل ما أجي أقول مبعرفش
أشارت قمر لمليكة كي تهدأ قليلاً فصاحت بها مليكة بحنق
- لا مش ههدي يا قمر علشان نور متخلفة وعاوزة اللي يفوقها
زفرت مليكة بغضب وأشاحت وجهها بعيداً
فأردفت قمر بهدوء
- مليكة عنديها حج يا نور فكري في ولادك اللي لساتهم صغيرين هيعملوا أيه وهيعيشوا إزاي من غيرك
هتفت بها مليكة بأمل
- أقولك كلمي الدكتور خليه يشوفلك متبرع برة البلد وأنا اللي هسافر معاكي وأبقي قوليلهم في البيت مسافرة علشان مؤتمر ولا اي حاجة من بتاعة الدكاترة دي
تهللت أسارير قمر وهتفت في حماس
- فكرة زينة واصل وعيالك متخافيش عليهم أني هشيلهم چوة عيني التنين
وبالفعل هاتفت نورسين طبيبها وإتفق معها علي البحث عن متبرع في أسرع وقت
