رواية قلبي عدوك الفصل الحادي عشر 11 بقلم رباب حسين
لم تعد الأمور كما كانت؛ فخطوة واحدة متهورة كانت كفيلة بأن تُشعل نيرانًا في كل الاتجاهات.
داخل منزل زياد لم يكن الصباح عاديًا بل توتر يملأ الأجواء، نظرات مشحونة بالاتهام وغضب ينتظر لحظة الانفجار. لم يعد ذلك الابن المثالي في نظرهم بل أصبح لغزًا يهدد استقرار العائلة بأكملها.
أما في الجهة الأخرى، كانت أنين تقف أمام حقيقة لم تتخيل يومًا أن تراها، صدمة لم تكسر قلبها فقط بل هزت الصورة التي رسمتها له داخلها.
كيف يتحول من رجل ظنته مختلفًا إلى شخص غريب لا تعرفه؟
وبين هذا وذاك يقف زياد في المنتصف ممزقًا بين قرار أخذه بدافع اللحظة، وعواقب لم يكن مستعدًا لمواجهتها.
فهل يتحمل الجميع نتائج ما حدث؟
أم أن القادم سيحمل ما هو أقسى؟
وفي ظل تلك الصدمة التي احتلت وجه أنين؛ كان آسر ينظر إليها ويرى الألم يترسخ داخل مقلتيها.
يكفي ألمًا عزيزتي، فلن أستطيع ستر هذا العشق أكثر، دعيني أحمل عنكِ الحزن، فدمعتكِ تطعن ذلك القلب المهزوم بعشقكِ لغيره.
ليت هذا النبض لي فأجمّل لكي الحب من جديد، تتعلمين على يديّ معنى الهوى وأسطر مشاعري على أوتار روحكِ، دعيني أكمل لوحة عشقي لكِ في قلبي بوجودي معك، فاه لو تعلمين عذابي وأنا أرى قلبكِ ملكه، فمتى اللقاء حبيبتي؟
قاطع لحظات الصمت اتصال هاتفي على هاتف صافي، وحين رأت اسم سلوى ابتعدت عنهما سريعًا، وظلت تنظر إلى الهاتف وهي تمسك به بيد مرتعشة، ثم تنفست بقوة لتهدأ وتلقت المكالمة وقالت: نعم يا طنط.
كانت سلوى تجلس على مكتبها بهدوء وقالت: ها، عملتي إيه؟
صافي بارتباك: الحقيقة معرفتش أعمل حاجة، أنا معرفش حد يقدر يعمل اللي إنتي طلباه مني ده، حضرتك فهماني غلط.
ضحكت سلوى بقوة وقالت: ده أنا فهماكي صح جدًا، عليا الكلام ده يا صفصف، بقولك إيه؛ قدامك أسبوع واحد لو منفذتيش استعدي لمواجهة أبوكي وأمك بعد ما يعرفو خبر جوازك يا عروسة.
أنهت المكالمة والخوف يرسو على ملامح وجهها، حاولت أن تبتعد قدر الإمكان عن أصدقائها، وحين اختفت قليلًا عن أنظارهم لم تتحمل أكثر وبكت، وفجأة صدر رنين هاتفها مجددًا ففزعت وكاد الهاتف يسقط من يدها، ولكن حين رأت اسم حازم تلقت المكالمة سريعًا وقالت ببكاء: أيوة يا حازم.
حازم بفزع: مالك يا حبيبتي؟!
صافي: طنط سلوى لسه قافلة معايا وهددتني تاني، أعمل إيه؟
حازم: طيب إهدي، إنتي فين؟
صافي: في الجامعة.
حازم: طيب تعالي عندي على البيت عشان نشوف حل.
صافي: حاضر هجيلك دلوقتي.
خرجت من الجامعة، أما أنين فكانت شاردة منذ أن سمعت ما قالته صافي، وآسر لايزال يتحكم بمشاعره، ثم نظر إليها وهو يخفي ألمه وقال: أظن دلوقتي عرفتي إنه فعلًا مكنش يستاهلك.
أنين: أنا مش عايزة اسمع اسمه تاني، الحمد لله إن ربنا كشفه قدامي.
نهضت لتذهب فقال آسر: رايحة فين؟
أنين: مش هقدر أركز في حاجة النهاردة، هروح أحسن.
آسر: أنا عندي شغل مش هعرف أروح معاكي.
أنين: هو أنت بتشتغل إيه؟
آسر: عندي شركة برمجة كده أون لاين أنا وحازم، فا هروح لشركة أعملهم كده تاسك صغير وهرجع على البيت.
أومأت له بابتسامة وذهبت، وما أن والته ظهرها حتى اختفت بسمته، يعتق الألم في صدره أمامها ويتجرعه وحده في غيابها.
يلا العشق من طرف واحد فهو حقًا مقبرة للقلب.
عاد زياد إلى منزله يحمل جسده على المشي، يشعر بألم ضلوعه وحرارة جسده ترتفع مرة أخرى، وحين دخل المنزل وجد خالد أمامه يصيح بالجميع، فاقترب منه وقال: هما ملهمش ذنب.
انتبه خالد لوجوده فقال بغضب: أهلًا بالبيه اللي عشان فتح شركة وبطل ياخد مصروفه مني فكر نفسه كبر وبقى راجل ورايح يتجوز من ورايا.
زياد: الموضوع جيه غصب عني من غير ترتيب.
خالد: غصب عنك ليه؟ بتصلح غلطتك؟
زياد: أظن يا بابا إنك عارف ابنك أكتر من كده، أنا لا يمكن أوصل لمرحلة زي ديه، أنا فعلًا غلطت لما أتجوزت من غير ما أقولكم، بس صدقني فيه ظروف أجبرتني على كده، وعلى العموم الجوازة مش هطول، كلها فترة صغيرة واطلقها.
خالد: طيب فهمني، كنت بتستر عليها مثلًا؟
زياد بإرهاق: لأ، هفهمك كل حاجة بس مش دلوقتي.
خالد: يبقى لحد ما تطلقها متدخلش البيت ده.
فزعت حنان من مكانها نحوه، ووضعت تالين يدها على فمها بصدمة ثم قالت حنان: لأ يا خالد، عايز تطرد ابننا من بيته.
خالد بحزم: مبقاش بيته، بقى ليه بيت تاني أولى بيه، ولحد ما يطلق ملوش مكان هنا.
ثم صاح عاليًا: يا ناهد، اطلعي لمي هدوم البيه واديهاله.
نظر له زياد وابتسم، فهو كان يعلم أن خالد سيقوم بطرده من المنزل لذا لم يتفاجأ، فقال بهدوء: كنت عارف، بس المهم إني مش شايف إني غلطت في جوازي، أنا غلطت إني مقولتش من قبلها، بس الظروف هي اللي حكمت، وفي يوم من الأيام هتفهم كل حاجة.
تركه خالد وذهب إلى الطابق العلوي، ثم اقتربت منه حنان ودفعته في كتفه بقبضة يدها وهي تبكي وقالت: ينفع كده؟! إزاي تغلط غلطة زي ديه؟ أنا ربيتك كده.
أمسك زياد يدها بحنان وقال: حقك عليا، بس بجد غصب عني.
شعرت حنان بحرارة يده فقالت بفزع: إنت تعبان؟
زياد: شوية برد متقلقيش، أنا كويس.
تالين: اللي إنت إتجوزتها ديه هي السبب في إنك بعدت عن أنين؟
زياد: موضوع أنين مقفول من بدري، من ساعة لما حصل الموقف بتاع الديسكو ده، لما عرفت إنها بتروح الأماكن ديه إتأكدت إنها متنفعنيش.
تالين: مين اللي قالك إنها بتروح هناك؟
زياد: سالي.
تالين: أنا حاسة إن فيه حاجة ورا الموضوع ده.
زياد: مش فارق معايا دلوقتي بصراحة، المهم حاولي تهدي بابا شوية وأنا هبقى أكلمكم على طول.
اقتربت منه ناهد وقالت: الشنطة جاهزة يا زياد بيه، أخلي البواب يحطها في العربية؟
زياد: لأ، العربية مش معايا، أنا هطلب تاكسي لسه.
وبعد وقت غادر زياد المنزل ودموع حنان تودعه عند الباب، فربتت تالين على كتفها وقالت: إعتبريه إتجوز يا ماما وعايش مع مراته.
حنان بضيق: أنا عايزة أعرف مين اللي خلته يغلط غلطة زي ديه، لازم أعرف عملت كده ليه وإزاي.
تالين: كل حاجة هتبان في وقتها.
ذهبت صافي إلى منزل حازم، وحين رأها فتح ذراعيه أمامها فارتمت بين أحضانه تبكي، ثم قال بهمس: بس، متخافيش، أنا هتصرف معاها، المهم إنتي تهدي.
أبعدها عنه وأزال خصلات شعرها التي تمردت وغطت ملامح وجهها، ثم قال: مش بتثقي فيا؟
أومأت له بالإيجاب فأردف: يبقى بطلي عياط وادخلي ارتاحي شوية.
تطلع داخل عينيها بعشق ثم قال: إنتي وحشتيني أوي.
صافي: وإنت كمان.
أمسك يدها وجذبها خلفه نحو الغرفة وأغلق الباب.
عاد زياد إلى منزل قمر، وحين فتحت الباب خطى داخل المنزل، كان وجهه شاحب، فنظرت له قمر بفزع وقالت: زياد، شكلك تعبان أوي.
وقف أمامها بوهن وقال: مش قولتلك هيطردني.
اختل توازنه وأمسكت قمر به على الفور، فارتمى بجسده عليها فحاولت رفعه ثم جذبته نحو الغرفة بصعوبة، ووضعته بالفراش، لاحظت أنه يرتدي ذات الثياب، فخرجت سريعًا وأحضرت حقيبته، ثم أخرجت ملابسه واقتربت منه بخجل، تنظر إليه وهو فاقد للوعي وتشعر بالذنب تجاهه، فكل ما يمر به الآن بسببها، حتى طرده من منزله هي السبب الرئيسي في ذلك، فتجرأت وتقدمت منه وهي تقول: عادي عادي، هو جوزي مش هتكسف.
مدت يدها نحوه بتوتر، حاولت أن تنزع ثيابه ولكن لم تستطع، فأغلقت الأنوار واقتربت منه مرة أخرى وبدلت ثيابه دون أن ترى شيئًا بالغرفة.
بعد وقت، عادت إلى الغرفة وهي تحمل الطعام وبعض الأدوية، ثم وضعت كمادات على رأسه وأعطته الأدوية وتناول طعامه ونام، ظلت بجواره تنظر إليه بحزن، أراد أن يساعدها ولكن بالنهاية هي من أذته.
عاد آسر إلى المنزل، ووجدهم يتناولون الطعام، كانت أنين شاردة بحزن، انتبه إليها عادل فأومأ إلى سلوى، فربتت على يده حتى يطمئن.
اقترب آسر منهم وهو يسلط عينيه على أنين، وحين رأى حزنها شعر بالضيق أكثر، ثم قال: مساء الخير.
عادل: مساء النور، تعالى يا آسر نتعشى سوا.
جلس بجوار سلوى وهو لايزال يتابع أنين ويشعر أنها بعالم آخر، هي هنا فقط بجسدها ولكن عقلها وروحها معه.
بعد العشاء، عادت أنين إلى غرفتها وخرج آسر إلى الحديقة.
أخذ يفكر كيف يساعدها، ولكن قاطع تفكيره صوت همسات تأتي من بعيد، فعقد حاجبيه واقترب نحو الصوت، فوجد سلوى تتحدث عبر الهاتف بهمس وتقول: قولتلك قربت أجمع المبلغ، أول لما أجهزه هتصل بيك ونتقابل تاخد فلوس، ممكن تبطل تتصل عشان هتعملي مشكلة.
أنهت المكالمة وحين التفتت ووجدت آسر يتطلع بها من بعيد، ارتدت إلى الخلف بفزع، ثم ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: خضتني يا آسر.
آسر: بتكلمي مين؟
سلوى: ده.... ده واحد كان ليه عندي فلوس.
آسر: وليه طالعة تتكلمي هنا زي ما تكوني عاملة حاجة غلط؟
سلوى: ها... أصل لو عمك سمع إن حد ليه عندي فلوس هيسدهم، وأنا بصراحة مش عايزة أخد منه حاجة أو يدفعلي حاجة.
آسر: مفتكرش عمي عادل هيعمل مشكلة، إنتي عارفة إنه مش بيفكر في الفلوس.
سلوى: أنا مش مرتاحة إن يسدد ديوني قبل ما أتجوزه، على العموم هو مبلغ كده وجمعته خلاص وهسده.
نظر لها آسر بشك، إرتباكها غير مبرر، وأيضًا ما قالته لم يقنعه، فعادل كان يساعدهما من قبل الزواج، فلماذا ترفض مساعدته الآن؟
عادت سلوى إلى الداخل وهي تتنفس الصعداء. وتلقى آسر مكالمة من تالين، نظر إلى اسمها وتذكر ما قالته آخر مرة، تردد بأن يتسقبل المكالمة فهو لا يريدها أن تتعلق به وقلبه ملك غيرها الآن، ولكن حين اتصلت مرة أخرى استقبل المكالمة وقال: ألو.
تالين: آسفة لو بتصل في وقت مش مناسب.
آسر: لأ أبدًا، عاملة إيه؟
تالين: الحمد لله، أنا بس حبيت أقولك اللي عرفته من زياد، هو راح الديسكو اليوم ده بس عشان سالي قالتله إن أنين بتسهر هناك دايمًا، ولما راح وشافها أتصدم عشان كده بعد عنها، لكن أنا كنت متأكدة إن زياد لا يمكن يعمل حاجة غلط بالشكل ده.
آسر بتعجب: ثواني بس، إنتي بتقولي إن سالي اللي قالتله كده؟
تالين: اه.
شرد آسر قليلًا وتذكر اهتمام صافي بسالي اليوم، وصافي من أخبرت أنين أن زياد يذهب إلى هناك، ثم ضيق عينيه وقال: شكله كان اتفاق بينها وبين صافي، ديه تقولها إن زياد بيسهر هناك على طول عشان تشككها فيه وديه تقوله نفس الكلام، والنتيجة الاتنين سابو بعض وسالي ارتبطت بزياد، بس ليه صافي تعمل كده؟!
تالين: معرفش، بس هي صافي ديه معروف إن تصرفاتها غلط، حتى زياد مش بيطيقها خالص.
آسر: واضح إني بوظت الدنيا بينهم زيادة، على العموم شكرًا يا تالين، وأنا هشوف هعمل إيه في الموضوع ده.
أنهى المكالمة وتذكر ذلك اليوم الذي رأى به أنين أول مرة، تذكر ما قاله لزياد وهو ما شوه صورتها أمامه، والآن وضع بين شقيّ الرحى؛ أيخبر أنين بالحقيقة وتعود إلى زياد مرة أخرى ويفقدها إلى الأبد، أم يصمت ربما تحبه بيومٍ من الأيام؟
وضع تحت الاختيار بين مبادئه وقلبه الذي يتألم عندما يفكر فقط بأنه سيخسرها.
كان حبكِ له كافيًا ليكسر أي رجل إلا هو، فتعلقت بكِ على أمل ضعيف والآن لا يوجد أمل، ولم يعد لديّ خيار سوى التخلي عنكِ، فليت حبي كافيًا ليجعلكِ سعيدة.
سيتركها تمضي؛ لا لأنه لم يعد يحبها بل لأنه أحبها بما يكفي ليختار سعادتها حتى وإن كانت مع رجلٍ آخر، فذلك هو الحب الحقيقي؛ حين تختار أن تُضحي لا لتُثبت قوتك ولكن لأن قلبك ببساطة لا يعرف الأنانية.
وهكذا سيصبح هو الحكاية التي لم تُروَ والظل الذي مر في حياتها دون أن تلتفت إليه، لكنه كان السبب في أجمل نهاياتها.
لم يتردد كثيرًا، فقط كانت بعض خطوات ليقف أمام باب غرفتها، وطرقه معلنًا نهاية عشقه البائس، وحين فتحت الباب قال بدموع قلبه: زياد مظلوم.
نظرت له أنين بتعجب، كلمتين أعادا لها الحياة مجددًا، وانتفض قلبها بين ضلوعها من الصدمة، ولم تنتبه للحزن الذي رسى على ملامح آسر رافضًا الرحيل.
