رواية قلبي عدوك الفصل الثاني عشر 12 بقلم رباب حسين
في تلك اللحظة، حين اختار آسر أن يضع سعادة غيره فوق ألمه، بدأت رحلة من العذاب، فكانت نظرة عينيها حين سمعت تلك الجملة منه كفيلة بأن تقتل كل أمل بداخله لها، فأصبح حزنه أضعاف، قلبه تمزق وعقله بدأ في العتاب: لما أحببتها هي دون الأخرين؟
وكأن قلبه وجد طريق الحب في العذاب، خلطهما جيدًا ووضعهما في أبعد مكان داخل قلبه، ثم أغلق قلبه عليهما ووقفت أنين أمام هذا القلب الممزق تمنع خروجهما وتأبى الرحيل.
أما هي، فنطرت له بصدمة، لم تعرف ماذا يعني بهذا الحديث، وكيف يكون زياد مظلوم بعد كل ما حدث، فقالت: مظلوم إزاي يعني؟!
ابتلع آسر ألمه وقال: أنا أتكلمت مع تالين في الموضوع، ولما عرفت مني اللي حصل في الديسكو بينك وبينه مصدقتش إن زياد بيعمل كده، ولما راحت سألته قالها إن سالي هي اللي قالتله إنك بتسهري هناك كل يوم، وهو كان رايح بس عشان يشوفك بعينه.... زيك بالظبط، واضح إن صافي وسالي اتفقو مع بعض عشان يفرقوكم.
أنين: وهيعملو كده ليه؟ وحتى ولو، زياد ارتبط بسالي بعدها بيوم، وكمان اللي سمعناه النهاردة معناه إيه؟
آسر: مش كل الناس بتعبر عن صدمتها بطريقة واحدة، ممكن زياد لما شاف اللي حصل هناك كرامته وجعته وارتبط تاني يوم وقدامك، عشان يثبت إنه قدر يتخطاكي، وبالنسبة للي قالته صافي النهاردة؛ مفتكرش إن المفروض تصدقيها بعد اللي عملته ده.
أنين: طيب سالي عملت كده عشان هي من زمان وهي معجبة بزياد، لكن صافي! صاحبتي تعمل فيا كده ليه؟
آسر: مفيش حد هيقدر يجاوب على السؤال ده غيرها هي، أنا بس حبيت أقولك عشان مش عايز أشوفك زعلانة كده، بكرة بس نروح الجامعة وتواجهي صافي بالموضوع وزياد هيفهم الحقيقة وساعتها... هترجعو لبعض.
أنين: إحنا مكناش مع بعض عشان نرجع، إحنا كنا معجبين ببعض من بعيد وبس، لكن محصلش بينا كلام، يعني العلاقة بينا كانت صداقة وبس وكل واحد فينا عارف اللي جواه من ناحية التاني، بس المهم إنه يعرف الحقيقة وأنا كمان أفهم ليه حصل كل ده.
آسر: إهدي بس يا أنين وارتاحي، والصبح هنعرف كل حاجة، يلا تصبحي على خير.
عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ظل آسر ينظر إلى ذلك الباب المغلق بحسرة، وبداخله يعلن استسلامه... انتهى كل شيء.
أما صافي، فكانت ترتدي ثيابها وحازم يجلس بالفراش يتابعها بهدوء، ثم قال: ما تخليكي معايا النهاردة.
صافي: مش هينفع يا حبيبي، بابا موجود في مصر وماما متضايقة مني من ساعة آخر مرة كلمتها وحش، مش عايزة أعمل مشكلة دلوقتي عشان وقتها مش هتسكت وهتروح تقول لبابا.
حازم: إنتي عملتي معاها مشكلة ليه؟
صافي: هو مش مشكلة بالمعنى الحرفي بس قلت اللي جوايا، كنت مخنوقة ومش قادرة استحمل، من ساعتها وهي زعلانة أو مصدومة من اللي قولته.
حازم بضيق: نفسي نفضل سوا على طول.
اقتربت منه صافي وجلست بجواره وقالت: أنا كمان مش عايزة أبعد عنك، بس دلوقتي صعب.
أمسك يدها وقبلها، ثم غادرت لتعود إلى منزلها.
استيقظ زياد بمنتصف الليل، وجد قمر نائمة على الكرسي بجواره، نظر إلى ملابسه، وابتسم بضعف حين تذكر ما فعلته قمر كي تبدل ثيابه، فهو سمع ما قالته حتى تقنع نفسها بأن لا حرج في ما تفعل، وعندما أطفئت الأنوار بخجل، وكأنها لم ترى رجالًا بحياتها قبله، فأعجب بحيائها، ثم نظر إلى الفراغ بشرود، هناك الكثير من الصفات التي تجذبه بها.
انتبه إلى وجهها الذي يظهر عليه علامات الألم من للنوم بتلك الوضعية، فنهض بهدوء وحملها بين ذراعيه، فزعت قمر وتشبثت به، وضعت ذراعها حول رقبته وأسندت رأسها على صدره، كانت تشعر بالبرد فاقتربت منه حتى تستمد الحرارة من جسده، وشعر هو ببرودة جسدها فوضعها بالفراش، وحين اقترب وجهه منها، تطلع إلى ملامحها الهادئة، وفقد الإحساس بالوقت حين تأملها بصمت، فهي جميلة تخطف الأبصار، ثم استلقى بجوارها وضمها إليه جيدًا حتى تدفء، تسارعت نبضاته حين اقتربت منه إلى هذا الحد، فنظر بعيدًا عنها حتى يهدأ قلبه، وبعد وقت عاد إلى النوم.
في الصباح، استيقظت قمر أولًا ثم شعرت بوجود أحد بجوارها، فتحت عينيها بفزع ونظرت إلى زياد، وجدته نائمًا ويحيط خصرها بذراعيه، ارتبكت بشدة وحاولت أن تنهض دون أن يشعر، وما أن تحركت حتى أحكم قبضته عليها، فجذبها نحوه بقوة وارتطمت بصدره، ثم فتحت عينيها بصدمة حينما اقتربت منه بهذه المسافة، وتأملت ملامحه وهو نائم، كان يبدو عليه التحسن، وحين شعرت بمشاعرها تتحرك نحوه، نهضت سريعًا، فاستيقظ ونظر إليها بفزع وقال: إيه حصل حاجة؟!
قمر بتوتر: لأ..
كادت تتحدث ولكن قاطعها اتصال هاتفي من العمل، فتلقت المكالمة وسمعها زياد تتحدث مع أحد الرجال، لا يعرف لما شعر بالضيق ولكن برر ذلك بأنها الآن حقًا زوجته وهو يرفض تلك الأوضاع، تبدلت ملامح وجهه، ثم انهت قمر المكالمة وقالت: أنا عندي إجتماع لازم أحضره، معلش هسيبك لوحدك شوية وهرجع على طول.
زياد: إجتماع مع مين؟
قمر: مع شركة تانية بنعمل شغل سوا بس لازم أحضر بنفسي.
زياد: هاجي معاكي.
قمر: هتيجي معايا بصفة إيه؟
زياد: يعني إيه؟
قمر: يعني هتقول إنك جوزي؟ أكيد لا.
زياد: مش لازم نقول صفة، متنسيش إن لينا شغل مع بعض فا وارد أحضر إجتماع معاكي.
قمر: بس إنت عيان وأنا مش عايزاك تنزل وإنت كده، أخاف تتعب تاني.
زياد: ولا خايفة تنامي على الكرسي تاني النهاردة؟!
قمر: لأ طبعًا، فداك يعني، المهم تقوم بالسلامة.
زياد: وأنا بقولك إني أحسن كتير، وهاجي معاكي.
وافقت قمر وذهبت لتبدل ثيابها واستعد هو أيضًا وخرجا معًا.
أما بمنزل عادل، فنزل آسر وتوجه نحو مائدة الطعام، وجد عادل وسلوى فقط، فاقترب منهما وقال: صباح الخير، هي أنين لسه منزلتش؟
عادل: لأ، مش المفروض عندكم محاضرات بدري.
آسر: اه.
عادل: هي شكلها مش عاجبني من إمبارح، حصل حاجة تاني وأنا معرفش.
اقتربت منهما أنين وقالت: لأ يا بابا محصلش حاجة، وياريت تيجي تسألني أنا بعد كده.
ثم نظرت إلى آسر بجانب عينيها، وتوجهت نحو الكرسي وشرعت بتناول الطعام. نظر عادل إلى آسر الذي ظهر عليه الحزن، فقالت سلوى حتى تنهي هذا الموقف: كنت بفكر أنزل أنا وأنين نعمل شوبنج سوا، فاضية يا أنين بعد العصر كده؟
أنين: اه يا طنط، هخلص جامعة وارجع على طول.
لمحت نظرات آسر إليها، يشعر بأنها تنظر إليه بنظرات مبهمة، وكأنها منزعجة من شيءٍ ما.
بعد وقت، ذهبا إلى الجامعة وكلًا منهما بسيارته ولم يتحدثا معًا.
وصل زياد وقمر إلى شركتها وهو يقود سيارتها، ثم توجها إلى غرفة الإجتماعات على الفور، كان هناك رجلان ينتظران في الغرفة، جلست قمر على رأس الطاولة وزياد بجوارها.
ثم بدأ الإجتماع، كان الحديث يسير في حدود العمل، حتى قالت قمر: يا أستاذ عمرو المفروض إن الأبلكيشن فيه فيتشرز تانية، لكن لما جربنا النسخة المبدئية لقينا أن الابليكشن مفيهوش جديد، مش بيقدم حاجة جديدة للأسف، والإتفاق اللي كان بينا إن أشوف اختلاف عشان أقدر أعلن عنه.
عمرو: بس الأبلكيشن شكله منظم أكتر وأسرع.
قمر: أسرع عشان لسه محصلش عليه ضغط، لكن اللي هيخلي المستخدمين يشتروه هو المميزات الزيادة مش الشكل، وطالما حضرتك ملتزمتش بالشروط اللي في العقد أنا مش مجبرة ألتزم بيه.
عمرو: أنا مش عايز العقد يتكنسل، بالعكس أنا بتمنى يبقى بينا تعامل أكتر من مره، ونشتغل شغل تاني مع بعد أكبر من ده.
ثم تبدلت نظراته وقال: وأحلى كمان، ولا إيه يا أنسة قمر.
لاحظ زياد نظراته فقال بحزم: مدام قمر، وبعدين هي بتتكلم صح، أنا هجذب المستخدمين إزاي ببرنامج جديد؟
نظر له عمرو بضيق وقال: مين حضرته.
لاحظت قمر نظرات زياد الحادة، فلم تترك له مجال يتحدث وقالت سريعًا: بشمهندس زياد، مستشار الشركة.
عمرو: أهلًا، يعني كده يا مدام مفيش أمل بينا؟
زياد بضيق: السؤال ده تسأله لصاحبتك في الكافيه، هنا تقول مفيش أمل في المشروع؟
عمرو بحدة: أنا عارف أنا بقول إيه.
وقف زياد وقال: لأ مش عارف، وافتكر إن العقد كده متكنسل وتقدر حضرتك تسوق للأبليكشن بتاعك في شركة تانية.
وقفت قمر وقالت بارتباك: زياد، إهدى لو سمحت.
لم ينظر إليها وقال بحدة: اتفضل حضرتك مستني إيه؟!
تحرك عمرو وخلفه مساعده وخرج من الغرفة، أمسكت قمر ذراعه وقالت: مينفعش اللي بتعمله ده.
زياد: هو إيه اللي مينفعش! إنتي مش واخدة بالك من طريقته في الكلام.
وضعت قمر يدها على فمه كي لا يصل صوته إلى العاملين بالشركة، وقالت: بس اسكت، تعالى نكمل كلامنا برا مش عايزة فضايح.
نظر لها بتعجب وقال: فضايح!
أخذت حقيبتها وجذبته من يده وخرجت من الغرفة وهو يلحق بها، دخلا السيارة ونظرت قمر إليه وقالت: إيه العصبية ديه كلها؟! حصل إيه لده كله.
زياد: هو إنتي متعودة الناس تتكلم معاكي كده وتسكتي؟!
قمر: لأ طبعًا، أنا معاك إن أسلوبه كان بايخ بس إنت مدتنيش فرصة أرد.
زياد: ولا كنتي عايزاني أرد أصلًا، أنا عرفت ليه جوزك شك فيكي.
نظرت له بصدمة وقالت: أنا هقدر إنك متعصب دلوقتي ومش عارف إنت بتقول إيه، وأنا مكنتش عايزاك ترد بس عشان متتخانقش معاه جوا الشركة والناس تبدأ تسأل وإنت جي معاها ليه وبتتخانق مع حد قالها كلمة مش حلوة ليه برده، ولو كنت استنيت كنت هتلاقيني أنا اللي بنهي العقد بينا، لكن اللي إنت قولته ده مش مسموح بيه.
زياد: وأنا مش مطلوب مني أقعد أتفرج وواحد بيعاكس مراتي واسكت، ولا أنتي مش عارفة إني جوزك دلوقتي!
ظلت تنظر داخل عينيه ترى نظرات غيرة جالية على وجهه، تذكرت حين أخبرها رفضه لعمل زوجته، والآن هو يشعر بالضيق من عملها، فقالت بهدوء: متحبنيش يا زياد، اللي بينا مجرد جواز مؤقت.
شعر زياد بأن مشاعره تغيرت بالفعل نحوها، وانتبه لما يفعل دون وعي، فحاول أن يخفي تلك المشاعر، وقال دون تفكير: ما أنا عارف إن جوازنا مؤقت، وأكيد مش هحبك يعني، إنتي أخرك معايا ساعة وكل واحد يروح لحاله.
نظرت له بصدمة، وتجمعت الدموع داخل عينيها، شعرت بأنه يراها نزوة، ولكن نزوة شرعية، ولهذا السبب تحديدًا كانت ترفض الزواج من محلل.
حين لمح زياد دموعها انتبه لما قال، فوضع يده على وجهه بضيق وقال: أنا آسف، مش قصدي أقول كده.
قمر: أنا عايزة أروح.
زياد بضيق: صدقيني يا قمر مش قصدي، أنا متعصب ومش عارف بقول إيه، حقك عليا.
قمر: خلاص يا زياد روحني لو سمحت.
زفر بضيق وقاد سيارته وهو يتابعها بهدوء، بكت، لا يعلم لما دموعها تضعف قلبه هكذا، قرر أن يتركها تهدأ ويتحدث معها لاحقًا.
أما أنين، فحضرت المحاضرة الأولى وحين انتهت، ظلت تتابع الباب تنتظر قدوم صافي التي لم تحضر حتى الآن، وأيضًا زياد الذي لم يأتي اليوم أيضًا، وآسر يجلس خلفها ويتابع ما تفعل، وما يشعره بالضيق أنها تتجاهل الحديث معه.
بعد وقت دخلت صافي، وحين رأتها أنين اقتربت منها سريعًا، أمسكت يدها وجذبتها خارج المدرج، ولحق بهما آسر على الفور، ثم انتبهت ماهي لما يحدث فخرجت خلفهم ووقف بعيد عنهم.
نظرت صافي إلى أنين بتعجب مما تفعل وقالت بدهشة: فيه إيه أنين؟! بتشديني كده ليه؟
أنين بغضب: ليه؟ إديني سبب واحد يخليكي تعملي فيا كده.
صافي بتعجب: عملت إيه؟!
أنين: ليه وقعتي بيني وبين زياد، بتتفقي مع سالي عليا.
صافي بارتباك: هو فعلًا حصل، بس عشان نكشفه قدامك، وطلع كلامنا صح أهوه.
أنين: لسه ليكي عين تكدبي، مش مكسوفة من نفسك وإنتي عاملة فيا كده؟! خليتي منظري قدامه وقدام كل الناس زي الزفت، سوءتي سمعتي في الجامعة، أصحابي بعدو عني، واللي مموتني بجد لما وقف قدامي وقالي إني شمال، حتى لو صدقت إنك عملتي كده عشان تكشفيه، مفكرتيش فيا؟!
صافي: أنا مليش دعوى بإن صورتك باظت قدامه، كلام آسر عنك الليلة ديه هو اللي بوظ الدنيا.
اقترب آسر منهما وقال: ولما سالي راحت قالتله إنها بتسهر كل يوم في الديسكو، واللبس الزفت اللي خلتيها تلبسه، ده يخلي أي حد يشوفها كده، مترميش تهمتك على حد.
دفعته أنين بذراعه وقالت: وإنت كمان غلطت لما حكمت عليا لمجرد إني لابسة بالشكل ده، ووقفت اتكلمت عليا وزودت المشكلة بينا، لولا كلامك كنت هرد على زياد وقتها وكل حاجة كانت هتبان، لكن إنت خربت كل حاجة.
ثم وزعت نظراتها بينهما وقالت بشك: ولا إنتوا كنتو متفقين مع بعض؟!
نظر لها آسر بصدمة وقال: إنتي بتقولي إيه؟
أنين: وأنا أثق فيك ليه؟! إذا كنت كل أخباري لسه بتروح لبابا، وإنت اللي وقعت بيني وبينه، وكل ده عشان مصلحتك، عشان ينقلك كليتي هنا بدل كليتك اللي كنت فيها، عشان يجيبلك عربية، وكل ده على حسابي أنا، كل واحد فيكو بيدور على مصلحته وبس، إنتي بقى كان مصلحتك إيه؟!
كادت تجيب قاطعتها وقالت: من غير ما تقولي، أنا عارفة إنتي عملتي كده ليه، إنتي كنتي عايزاني أبقى زيك، عشان الناس متقولش أنين محترمة، وهو ساعدك في ده، وأنا اللي ضيعت وخسرت كل حاجة، وإنتو السبب.
كادت تذهب فحاول آسر أن يمسك يدها كي يمنعها، ولكنها نفضت يده بغضب وغادرت الجامعة.
نظر لها آسر بصدمة مما قالت، لم يتوقع أن يسمع ذلك الحديث منها، كان كسهم مسموم اخترق قلبه على الفور، فظل يتطلع إليها بصمت، وماهي تترقب ما يحدث وهي تبكي حزنًا عليها على عكس صافي التي تنظر إلى أثرها بضيق، فحديثها كان أكثر ما تكره سماعه، وأيضًا شعورها بأنها في نظر من حولها ساقطة، فاشتعل الغضب بقلبها.
ترى... ماذا ستفعل كي ترد كرامتها؟
