رواية امرأة بين نارين الفصل الاول 1 بقلم هاجر عبد الحليم

 

رواية امرأة بين نارين الفصل الاول 1 بقلم هاجر عبد الحليم 

 
صحيت سيلا على صوت المنبه الخافت، وكانت الساعة الثامنة صباحًا. بجانبها، كان عمر لا يزال نائمًا بسلام بعد يوم طويل، وجهه مرتاح، كأن النوم يغطيه عن كل تعب الحياة.
أبعدت المنبه برفق، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنهض. تقدمت نحو الشباك ورفعته لتدخل نسمة الصباح الباردة، الهواء يحمل رائحة المدينة الممزوجة بعبق الخبز الطازج وأصوات السيارات البعيدة. وقفت دقيقة، تستمتع بالهدوء، محاولة جمع أفكارها قبل بداية يومها.
أثناء ترتيبها للفراش، خطرت لها أفكار يومها: المهام، المكالمات، الاجتماعات… لكنها توقفت فجأة عند شعور غريب بالامتنان. قلبها تذكر وجود عمر بجانبها، حضوره الصامت، طمأنته التي تجعل كل شيء يبدو أسهل وأجمل.
اقتربت منه برفق، ولمست كتفه بخفة، همست: "صباح الخير."
فتح عمر عينيه ببطء، ابتسم لها وقال: "صباح النور يا أحلى سيلا."
ابتسمت سيلا، شعرت بدفء الكلمات يملأ قلبها، وأدركت أن حياتها مستقرة، وأن هذا الاستقرار هو شيء نادر وثمين.
...
جلست سيلا على الطاولة في المطبخ، كوب القهوة بين يديها، ووجهها يشع هدوءًا صباحيًا. نظرت إلى عمر بابتسامة خفيفة وقالت:
"ايه أخبار الشغل؟"
ابتسم عمر، وهو يلتقط فنجانه:
"زي كل يوم."
رفعت حاجبيها مازحة:
"المدير زعلك تاني؟"
ضحك عمر بخفة، ونظر إليها بعينين هادئتين:
"بالعكس… بقا شخص مختلف خالص."
– "اشمعنى؟ إيه اللي جد؟" – قالت وهي تميل برأسها قليلاً، مهتمة بكل كلمة.
هز عمر كتفيه مبتسمًا:
"مش عارف… مرة واحدة كدا!"
ابتسمت سيلا وقالت بهدوء:
"المهم شغلك يكون مستقر… احنا م صدقنا حالتنا المادية اتحسنت عن الأول."
ابتسم عمر وقال مازحًا:
"انتي مش هتقبضي الجمعية اخر الشهر؟"
– "آه… بس انت عارف ده تمن العملية يا عمر."
صمت عمر لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
"مش ممكن تأجلي الموضوع شوية؟"
نظرت إليه بجدية، عينيها تلمع بالعزم:
"بقالي خمس سنين… مش كفايا؟"
تنهد عمر، مد يده ومسح رأسها برقة:
"احنا لسة صغيرين… وممكن…"
قطعته بحزم:
"عايزة أبقى أم."
ابتسم عمر، لكن بعينين تحملان الحزم والدعم معًا. اقترب منها وقال:
"اتصلي بالدكتور وحددي ميعاد عملية الحقن، وأنا هكون ف المعاد اللي هتقولي عليه
جلست سيلا دقيقة، تشعر بالدفء والطمأنينة، تعرف يعني أن يكون هناك شريك داعم، بجانب قلبها وروحها.
...
بدأت سيلا صباحها المعتاد، متجهة نحو مصنع النسيج الذي تعمل فيه. نزلت من الميكروباص، وبدأت تمشي بخطوات سريعة، تفكر في يومها وما ينتظرها من مهام.
بينما كانت تمشي، لمحَت شيئًا غير متوقع… تميم جالسًا أمام الكافيه الصغير الذي تمر بجانبه يوميًا، يقرأ كتابًا بهدوء.
توقفت سيلا فجأة، قلبها يتوقف لثوانٍ، وعينيها تتسعان من الصدمة. لم تصدق ما تراه. همست لنفسها بذهول:
"مش معقول…"
أغلقت فمها محاولة السيطرة على ارتباكها، استغفرت ربها بصوت منخفض، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأسرعت بالمشي، كأنها تحاول أن تهرب من اللحظة، لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخفقان.
...
توقفت سيلا فجأة عند باب المصنع، وقفت تنظر بدهشة إلى الشخص الذي لم تتوقع رؤيته هنا… تميم.
كانت عيناه واسعتين، مليئة بالدهشة، كما لو أنه لم يصدق 
– تميم بصدمة: "سيلا… مش معقول!"
حاولت سيلا أن تسيطر على ارتباكها، ابتسمت بخفة وقالت:
– إزيك يا تميم."
ابتسم هو قليلاً وقال:
–  "مبسوط إني شوفتك… أخبارك إيه؟"
– سيلا: "كويسة… وانت؟"
هز رأسه وقال:
– "لسه راجع من السفر امبارح، وجيت هنا أسلم على صديق ليا هنا في الإدارة."
– : "تمام… عن إذنك."
أرادت أن تمشي سريعًا، تتجاهل الموقف قبل أن تشتعل المشاعر القديمة فيها.
لكن تميم مد يده قليلًا وقال بابتسامة هادئة:
–  "استني… انتِ هتمشي كدا بسرعة؟"
ابتسمت بسخرية خفيفة:
–  "أفندم… أمال عايزني أقف ونرغي مثلا؟"
– تميم: "وليه لأ؟"
– سيلا: "عشان مينفعش… لأني ست متجوزة."
نظرت له مباشرة، عينيها ثابتتان، محاولة وضع حدود واضحة.
– تميم: "أنا مطلبتش ندخل في علاقة… عشان تقولي كدا. أنا كل اللي طلبته نتكلم شوية."
– سيلا: "علاقتنا ميصلحش فيها أي حاجة… شوف رايح فين، عن إذنك، لتاني مرة."
ابتعدت بخطوات سريعة، قلبها ينبض بشدة، لكنها شعرت بالراحة لأنها وضعت حدودها بوضوح، وأكدت لنفسها أن حياتها مع عمر هي ما يهمها، وأن الماضي لن يسيطر عليها مجددًا.
...
دخلت سيلا البيت، ولاحظت عمر يجلس على الأريكة، ابتسامته تعكس الحنين والراحة.
–"رجعتي يا حبيبتي؟"
ابتسمت وهي تخلع حقيبتها:
– : "أيوه… جيت بدري يعني؟."
– عمر: "استأذنت ساعتين."
– سيلا: "مكنش ليه لزوم… بدل ما يخصموا من مرتبك."
هز عمر رأسه مطمئنًا:
– عمر: "دي أول مرة تحصل… عادي، يعني هيعدوها."
ابتسمت سيلا، وذهبت إلى غرفتها لتغيير ملابسها بسرعة. عادت بعد لحظات، وقالت:
– سيلا: بالمناسبة، اتصلت بالدكتور وحددلي ميعاد العملية… ع نص الشهر الجاي."
أغمض عمر عينيه قليلاً، رفع يده ليمسح شعورها بالتوتر، وقال بهدوء:
– "ع خيرة الله يا حبيبتي… ربنا يرزقنا بالذرية الصالحة يا رب."
ابتسمت سيلا، وضعت يدها على يده، وقالت بخشوع:
– "اللهم آمين."
...
بعد لحظاتهما الحميمية، استلقى عمر على السرير، جسده ثقيل من التعب، وظهره مواجه لسيلا، وغرق سريعًا في النوم.
نظرت سيلا إليه بخفة، همست بجرأة:
–  "مفيش في يوم تاخدني في حضنك؟"
رفع عمر رأسه قليلاً، نظر إليها بصدمة، ولم يعلق.
– سيلا: "ايه؟"
– عمر: "أصل عمرك ما طلبتيها."
ابتسمت سيلا بدهشة مختلطة بالدعابة:
–  "وانت عمرك ما عملتها لوحدك."
خجل عمر قليلاً، وهمس:
–  "مش متعود أصلي…"
ضحكت سيلا، مستفزة خجله:
– : "بتتكسف… وأنت من كام ثانية كنت معايا! يعني ييجي أي قصاد اللحظات اللي كنا فيها سوا؟"
هز عمر رأسه بهدوء، صوته منخفض لكنه صادق:
–  "عشان دي طقوس بينا من ساعة جوازنا…"
– سيلا بحدة وابتسامة عابثة: "طقوس!! من غير مشاعر يعني؟"
– عمر: "لا… مش قصدي. بس أنا شخص هادي بطبعي و…"
قطعته سيلا بلهفة:
– "خدني في حضنك يا عمر."
تردد للحظة، ثم استدار ببطء، وأمسك بها بين ذراعيه، وضعت رأسها على صدره، تشعر بدفء قلبه الثابت.
– سيلا وهي تضحك بخفة: "جسمك اتخشب!!"
– عمر بمزحة هادئة: "تأثير اللحظة."
ضحكت سيلا أكثر، وحضنته بقوة، ثم غفوت على صدره، مستسلمة للطمأنينة التي لم تشعر بها من قبل.
أما عمر، فلم يغلق عينيه على الفور، بل جلس يتأملها، يمرر يده برقة على شعرها، ينظر إلى ملامحها لأول مرة منذ خمس سنوات زواج، وكأن كل التفاصيل الصغيرة فيها كانت جديدة له، كل نفس لها وكل خفقة قلبها أصبحت لحظة مقدسة في عينيه.
في تلك اللحظة، أدركت سيلا أن الحب بينهما لم يضعف، بل أصبح أعمق، وصار الصمت والحضن واللمسة أهم من أي كلمات يمكن أن تُقال.
...
جلست سيلا على السفرة، أشعة الشمس تتسلل عبر الستائر، تملأ المطبخ بدفء الصباح. رفع عمر رأسه من فنجان القهوة، ونظر إليها بابتسامة هادئة:
– عمر: "مش هتروحي لمامتك انهردة؟"
– سيلا: "مش في البيت."
– عمر: "راحت فين؟ هي كويسة؟"
أجابت سيلا بابتسامة مختلطة بالقلق:
–"سافرت البلد عند أهلها… بتقول وحشنها وعايزة تزور أبوها وتقراله الفاتحة لأنه جالها في المنام وزعلان منها أوي عشان مش بتزوره."
هز عمر رأسه مطمئنًا:
– "ربنا يرحم أمواتنا جميعا."
نظرت له سيلا بسؤال عملي:
–"القبض بتاعك نزل؟"
ابتسم عمر بنبرة دعابة:
– "أي يا بنتي… هو التواصل اللي بينا الوحيد فلوس وبس؟"
ضحكت سيلا:
–: "لا… انت فهمتني غلط… أنا قصدي عشان أجيب شوية حاجات ناقصاني في البيت."
لاحظ عمر توترها الخفيف، وقال بحنان:
– "ليه التوتر بس يا سوسو… بضحك معاكي… قلبك رهيف أوي."
– سيلا: "بس ده مكنش هزار."
ابتسم عمر وهو يرفع حاجبه بمزاح:
–: "لا… الله، هزار… بس شكلك محبتوش… مش هعيده تاني."
نظرت إليه سيلا بدهشة:
– "عمر… مملتش مني؟"
أجابها بهدوء وصوت دافئ:
–: "سيلا… من امبارح بتطلع منك حاجات هوبا خالص."
– سيلا: "جاوبني!"
– عمر: "همل منك ليه يا بنتي؟"
– سيلا: "عشان لوحدنا."
– عمر مبتسمًا وهو يمد يده: "عشان مفيش طفل."
– سيلا: "أه."
– عمر: "إرادة ربنا… وإحنا بنحاول نخلف."
– سيلا بفضول: "مزهقتش؟"
– عمر بابتسامة حنونة: "لا… ومش ناوي أزهق."
أخذ قطعة زيتون ووضعها على فمها بخفة، ثم قبل رأسها.
– عمر: "لو عايزة حاجة… كلميني انا رايح الشغل."
– سيلا: "ماشي… أنا قاعدة في البيت النهاردة واخدة إجازة."
ابتسم عمر وقال:
– عمر: "يعني عيانة اهو؟"
– سيلا: "ممكن والله."
– عمر بابتسامة دافئة: "سلامتك يا سوسو."
...
كانت سيلا مشغولة في المطبخ، تقلب القدر وتجهز الغداء، أشعة الشمس تتسلل عبر الشباك، تملأ المكان بدفء عادي.
فجأة، رن هاتفها على الطاولة، رنة غريبة فجّرت صمت اليوم. رفعت سماعة الهاتف بتوتر:
– سيلا: "السلام عليكم…"
لم يرد أحد في الطرف الآخر، فتوقفت عن الكلام للحظة، ثم قالت بلهجة متوترة:
– سيلا: "الو؟"
سمعت صوتًا مألوفًا لكنه غير متوقع، هادئ لكنه يحمل طاقة خاصة:
–: "ازعجتك؟"
تجمد قلبها، وارتجف صوتها قليلًا:
– سيلا: "مين معايا؟"
ابتسم الصوت، أو ربما كانت تخيلته، وقال بثقة:
– "أنا… تميم."
قفز قلب سيلا في صدرها، شعرت بصدمة غير متوقعة، ولم تصدق أن تسمع صوته بعد كل هذا الوقت.
....
جلست سيلا على الكرسي في المطبخ، تنهش أنفاسها بعد المكالمة المفاجئة من تميم. قلبها لا يزال يتسارع، ويدها تهتز وهي تمسك الهاتف مرة أخرى، تتفحص الرقم وتحاول أن تهدأ، بينما الظلال المتسللة من الشمس تتراقص على الطاولة أمامها.
لم تشعر بقدوم عمر، الذي دخل بهدوء، يحمل فنجان القهوة في يده، وتوقف عند الباب للحظة، يراقبها بصمت.
– عمر: "كنتي بتكلمي مين يا سيلا؟"
ارتجفت، وأحست بالخوف يتسلل إلى صوتها.
– معرفش… الظاهر كدا رقمي اتكتب بالغلط."
نظرة عمر صارت أكثر جدية، مد يده نحو الهاتف.
– هاتي التليفون دلوقتي."
رفعت يدها ببطء، مدّت الهاتف له.
مسك عمر الهاتف واتصل بالرقم مرة أخرى، وظهر الصوت  على الطرف الآخر.
– تميم: "الو… أستاذة رجاء معايا."
تجمّدت سيلا للحظة، وشعرت بوجهها يسخن من التوتر. عمر نظر إليها بعينين حادّتين، ثم تحدث بصوت منخفض:
–  "الرقم غلط."
سمع صوت تميم مرة أخرى، لكن هذه المرة معتدلًا وهادئًا:
–  "آسف على الإزعاج يا فندم."
ثم أغلق الخط.
وقفت سيلا صامتة، تلتقط أنفاسها ببطء، والموبايل لا يزال بين يدي. عمر الذي لم يخرج منه أي كلمة، . بعد لحظة، قام عمر وخرج من الغرفة،  بعد ان اعطى لها الهاتف تاركًا وراءه سيلا غارقة في أفكارها.
....
:
سيلا كانت جالسة على الشرفة، تنشر الغسيل على الحبال، ولم تنتبه أن بعض القطرات سقطت على هدوم الجارة أسفل الشرفة، وأفسدت جزءًا منها.
فجأة، ارتفع صوت الجارة وهي تصرخ بغضب:
– الجارة: "إيه دا يا سيلا! الغسيل بتاعي بقى كله وسخ! إزاي ما تبقيش واخدة بالك؟!"
سيلا ارتبكت، وجهها احمرّ من الخجل، وحاولت تهدّي نفسها وهي ترفع الغسيل بسرعة:
– "آسفة يا طنط… والله مشوفتش الهدوم! المرة الجاية هديكي خبر قبل ما أنشر."
الجارة تنهدت، لكنها لا تزال غاضبة قليلًا:
–  إحنا جيران، نخاف على بعض، وابقي ركزي متسرحيش اللي واخد عقلك
وقفت سيلا تحاول ترتيب الغسيل المتناثر، وعينها على هدوم الجارة، تشعر بالحرج الشديد من الموقف.
..
في المساء، كان عمر جالسًا على الكنبة يتابع المباراة على التلفاز، وعيناه مركزة على الشاشة بحماس شديد.
سيلا جلست بجانبه على الأرض تقشر البطاطس، لكنها سرحت قليلاً بأفكارها، غارقة في عالمها الخاص.
رفع عمر كتفه ببطء وقال بصوت منخفض:
– سيلا… لو سمحتي، اعمليلي شاي."
لم ترد.
هز عمر كتفها بلطف، نادياً هذه المرة بصوت أعلى:
– عمر: "سيلا؟"
رفعت رأسها من فوق البطاطس، نظرت إليه بارتباك:
– سيلا: "إيه؟ في إيه يا عمّر مالك؟"
ابتسم عمر بخفة وقال:
–  "أنا اللي مالي… بقالي شوية بنادي عليكي وإنتي في دنيا تانية! قلتلك عايز شاي."
ابتسمت سيلا، وضعت السكين جانبًا، وقالت:
– : "حاضر… هقوم أعملهولك دلوقت."
ترك عمر الأمر لها، وعاد مركزًا على المباراة بحماس شديد:
– عمر: "ايووووا! جووووون! لعيب… وربنا لعيب!"
سيلا ابتسمت وهي تحضر الشاي، تراقبه من بعيد، ، وتضحك بخفة على حماسه الذي لا ينتهي.
....
جلس عمر على الكنبة، يرفع فنجان الشاي، وعيناه تتأملان سيلا بابتسامة دافئة:
–  "أحلى شاي بشربه من إيدك."
ابتسمت سيلا بخفة، وهي تمشي نحو المطبخ:
–  "أنا عارفة… مش بيحلي ليك الماتش من غيره. كمل فرجة… عقبال ما أحضرلك العشا."
دخلت المطبخ، والابتسامة لا تزال على وجهها، لكن فجأة اهتز هاتفها برنة الواتس آب.
على الشاشة ظهر اسم تميم
– تميم (رسالة): "عاملة إيه؟"
ترددت سيلا للحظة، عينها تتأمل الهاتف، قلبها يخفق بسرعة، لكنها فجأة شعرت بقرار داخلي. رفعت إصبعها، وأغلقته على زر بلوك.
ارتجف جسدها، وظهرت على وجهها ألوان الخجل والصدمة، لكنها حاولت تمالك نفسها. أكملت إعداد الطعام وهي تشعر بالخوف والارتباك يتسللان إلى كل حركة من حركاتها، وتترعش بين الحين والآخر، لكنها حاولت ألا يظهر ذلك أمام عمر.
...
جلست سيلا على السفرة، تحاول أن تضع الأكل بيد مرتعشة قليلًا، بينما كان عمر جالسًا على الكرسي الآخر، ماسك الموبايل وملتفت تمامًا للعبة التي يلعبها.
عندما جاءت لتحط شوربة لسان العصفور، فقدت السيطرة على الملعقة، وسقطت الشوربة كلها على رجل عمر.
صرخ عمر فجأة بعصبية:
– اااااه! رجلي! إيه ده؟!"
ارتبكت سيلا على الفور، ومالت نحوه بسرعة:
– "يا خبر أبيض… وريني رجلك! آسفة والله… آسفة… آسفة!"
رد عمر بتألم وغضب:
– عمر: "رجلي… ااااه!
حاولت سيلا تهدئه:
– : "طب تعال… أنا عندي الإسعافات… حصل حرق ولا لأ؟ طمني."
رد عمر بحدة:
– "إنتي بجد غبية يا سيلا!"
قالت سيلا وهي تحاول الاعتذار:
– : "ليه بتغلط فيا دلوقتي؟ قولتلك آسفة!"
أشار عمر إلى رجله المبتلة:
– اعمل إيه بأسفك؟ شوفي رجلي دلوقتي اتفضلي!"
حاولت سيلا تهدئه وتطمينه:
–  "التهبت شوية… تعالي معايا، هعقمهالك وهطهرها وهتكون بخير."
رفض عمر بعصبية:
– : "لا يا ستي… مش محتاج!"
استغربت سيلا من أسلوبه:
–  "ليه الأسلوب دا؟"
رد عمر بغضب لكن بنبرة فيها استياء واضح:
–  "إنتي كمان غلطانة وبتبجحي فيا دلوقتي!"
قالت سيلا بحدة:
– "عشان انت بتتأفّر أوي!"
عمر تنهد بغضب، ووقف:
– عمر: "بأفور!! يا نهار أبيض عليا… أنا مش قادر أمسك أعصابي عليكي بجد اقولك ع حاجة سيبهالك مخدرة... هروح القهوة مع صحابي أهدي بدل ما أمد إيدي عليكي ."
حاولت سيلا تمنعه
– "عمر… ورجلك… مش هتعرف تمشي عليها!"
لكنه لم يرد، دخل الأوضة يلبس، ثم خرج ومشى بعيدًا، تاركًا سيلا واقفة تحاول تهدئة نفسها وترتيب الموقف.
...
:
دخل عمر الأوضة، جلس على طرف السرير، "لسه صاحية؟"
رفعت سيلا رأسها، ونظرت إليه بابتسامة صغيرة، لكنها شعرت بتوتره:
–: "صباح الخير… احنا بعد الفجر من إمتى بتغيب كده؟"
عمر كان يغير هدومه، صوته بارد:
–  "عادي… الوقت خدني مع صحابي شوية."
نظرت له سيلا بعينين متسعتين:
– "اتصل بيا… طمني عليك على الأقل."
رد عمر بنبرة قصيرة وباردة:
– "التليفون فصل."
أصرت سيلا:
– : "انت شحنه قبل ما تنزل؟"
أجاب ببرود:
– "أيوه… استخدمته طول اليوم لحد ما فصل."
– سيلا: "انت قاعد مع صحابك ولا بتلعب عليه… مش فاهمك."
تنهد عمر بحدة، نظر إليها بعينين صارمتين:
ر: "يووووه… هو تحقيق في إيه؟ اديني… جيت… اهو… اتخمدي بقا."
سيلا ارتبكت:
– "اتخمد؟! لا… انت الظاهر مش ف وعيك… أنا ماشية."
حاولت تمشي، لكنه أمسك دراعها بقوة، وقرأت في عينيه حاجته إليها، رغم أنه لم يستطع الكلام.
–: "هنام ع الكنبة برة."
ابتسم عمر بعصبية:
– "شاطرة أوي… ف قلب التربازة."
تنهدت سيلا بغضب:
– : "انت اللي كأن ما صدقت مسكت عليا غلطة… أنا مخونتكش على فكرة. مكنش وقعة شوربة لسان عصفور وقعت ع رجلك بالغلط عشان رد فعلك يكون قاسي كدا"
شدها عمر ناحية الحيطة، صدره ينهج من الغضب:
– مش بحب الهزار في الحاجات دي… سامعة؟"
بعدت سيلا عنه، بصوت منخفض لكنها حازمة:
–أنا ماليش نفس… حتى اتكلم معاك عشان أهزر… مش ناقصة هي."
اقترب عمر أكثر بغضب:
–  "اتكلمي عدل!"
بعدت سيلا خطوة، وقالت بصوت هادئ لكنها حازم:
–  "تصبح على خير."
ومشت خارج الأوضة، تاركة عمر واقفًا للحظة، صوته ساكن لكنه عينيه تظهر غضبه واشتياقه في الوقت نفسه.
...
جلس عمر على حافة السرير، جسده يتقلب يمين وشمال، عيناه مفتوحتان، قلبه ينهض بشدة. كل ثانية تمر كانت مليئة بالندم، الغضب على نفسه، والخوف من فقدان سيلا.
سمع شهقاتها الخفيفة من غرفة المعيشة، فتقدم بخطوات حذرة، يخاف أن يزعجها أو يزيد حزنها. وجدها مستلقية على الكنبة، ملفوفة بالدافاية، وجهها شاحب، وعيونها ما تزال لامعة بآثار الدموع. قلبه انقبض من الألم والحنين في آن واحد.
جلس بجانبها، مرر يده على شعرها برقة، وهو يحاول أن يضغط على مشاعره المكبوتة:
– عمر (بهدوء وقليل من القلق): "سيلا…"
لم ترد.
– عمر (بصوت مكسور وحزين): "منمتيش… أنا سامع صوت عياطك وانا فالأوضة."
– سيلا (بخوف وحزن مختلط): "حتى لو بعيط… فده مش عشانك انت."
– عمر (بحسرة، قلبه يئن من قسوتها على نفسها): "لو بترتاحي تعيطي… مش همنعك… بس ممكن تيجي تنامي فالأوضة؟"
– سيلا (بعناد لكنها مرتجفة): "لا."
– عمر (بتنهيدة، صوته يملؤه الحنين والعتاب): "ليه لا؟ أنا جيتلك لحد عندك… المفروض تقدري ده."
– سيلا (بحزن واضح، عيونها مبتلة بالدموع): "مش بمزاجك تصالحني وبمزاجك تتخانق معايا… أنا مش ع هواك."
شعر عمر بوخز في قلبه، كل كلمة منها كانت كالسهم يغرس في صدره، لكنه حاول أن يتحكم بصوته:
– عمر (برقة ممزوجة بالغضب والحنان): "قلبك جمد عليا أوي."
– سيلا (بخوف وارتباك): "لا… مقدرش… بس كلامك معايا جرحني."
– عمر (بصوت منخفض لكن مليء بالحب): "كنت متعصب… وبعدين الواحد لما بيغلط بيتحاسب."
– سيلا (بصوت متقطع، متأثرة بما حدث): "لما يغلط… لكن أنا الشوربة وقعت… عشان أعصابي ضعفت."
– عمر (بحزم وحنان، عيناه لا تكذب مشاعره): "الموضوع عندي مش شوربة وبس… أنا مش تافه كده… اللي شاغلني حالتك… بقالها فترة مش طبيعية… كأنك عاملة عملة وخايفاني أعرفها… وقبل ما تتعصبي… دي مجرد فضفضة… أنا مش بتهمك."
ابتسمت سيلا بخجل، لكنها شعرت بالطمأنينة تنساب داخلها شيئًا فشيئًا:
– سيلا (بصوت مرتجف لكنه صادق): "أنا مش عايزة نزعل… ولا ننام بعيد عن بعض… ياعمر."
اقترب أكثر، قلبه يلهث، يداه ترتجف من الشوق والحنان، ومد يده ليمسك يدها برقة:
– عمر (بصوت حنون وهو يحاول السيطرة على نفسه): "أنا مش قادر أنام من غيرك… متعودتش فرشتي متكونش دافية بيكي."
وضعت رأسها على صدره، تتنهد بارتياح لكن عيناها ما زالت مبتلة بالدموع:
– سيلا (بصوت طفولي ومغرم): "شيلني."
توقف عمر للحظة، صدمته واضحة في صوته، قلبه يتسارع:
– عمر: "اش اي؟"
– سيلا (تضحك بخجل وتتدلل عليه): "شيلني… ."
– عمر (بابتسامة مختلطة بالدهشة والشغف): "ليه… م انتي بتمشي… اهو ولا تعبانة؟"
– سيلا: "لا… بدلع عليك."
– عمر: "ومالو."
حملها بين ذراعيه، قلبه يشتعل بالشوق والحنان، ودهشته من شعوره العميق تجاهها لم تهدأ. سيلا فضلت تتدلّع عليه بطفولة وشقاوة، وهو ممسكها بقوة، كل جزء من جسده يفيض بالحب والحنان، ودخلوا الأوضة سويًا، وكل لحظة صمت كانت مليئة بالشوق والحنان، كأن العالم كله توقف لحظة وجودهما معًا.
...
تاني يوم، كانت سيلا جالسة في مكتبها، الأوراق متناثرة حولها، ويدها تمسح عرق القلق على جبينها. المشهد هادئ، لكن قلبها كان مشدودًا، كأن شيئا سيقلب يومها رأسًا على عقب. فجأة، ظهر تميم عند باب المكتب، مبتسمًا بابتسامة خفيفة، لكن فيها شي من الماضي الذي لم يختفِ.
سيلا اتفضت، قلبها يدق بسرعة، وعيناها تلمعان بمزيج من الخوف والدهشة:
– سيلا (بحذر وحزم): "هي… حصلت… تيجي لحد هنا؟"
تميم اقترب بخفة، صوته هادئ لكنه يحمل أثر الحنين:
– "أنا بسلم شوية مستندات… يعني جيت هنا للشغل، وبالصدفة عديت عليكي، قولت أسلم."
سيلا شعرت بالغضب يتصاعد، شدت على حافة المكتب بعينيها المثقلة بالتوتر:
– "مفيش بينا… لا سلام ولا كلام."
ابتسم تميم ابتسامة نصف اعتذار، نصف تحدي:
–  "ده بالنسبة لك… مش بالنسبة لي."
– سيلا (بحزم أكثر): "لو فضلت تتعرضلي في الرايحة والجاية… هقول لعمر."
نظره صار ثابتًا، وصوته أخف من قبل، لكنه مليء بالألم:
– تميم: "قولي لعمر… بس هتجيبهاله إزاي؟"
– سيلا (ببرود وحزم): "كلنا عندنا ماضي."
تميم تنهد، وتخيل في قلبه كل الأيام التي فرقت بينهم:
– "وهو عنده علم بيه… حكيتيله عني؟"
– سيلا (بحزم): "أنت أقل من أني أشغل تفكيري بيك."
تميم شعر بحرقة الماضي يطل من بين كلماته، صوته أصبح أعمق، مليء بالحنين والغضب على ما حدث له:
– تميم: "متنسيش… إنتي اللي بعتيني لابوكي… مرداش يجوزك  لسواق أوبر… رغم إني كنت بتعلم عشان أوصل وأستقر معاكي، وأعيشك في نفس المستوى اللي كنتي عايشة فيه… وأكثر!"
سيلا صمتت، شعور بالذنب والندم مختلط بخوفها، لكنه لم يخفف من صوته الغاضب:
– تميم: "أبوكي عمل إيه؟ ضربك، عمللك خدش في قرنية عينك، ومنعك تدخل الامتحان… وبعتلي بلطجية كسّروا عضمي، وقضوا على مستقبلي وهددوني بيكي كل دا عشان يفرقونا عن بعض عشان شايفك سلعة يبيعك للي يدفع اكتر ..المفروض بعد كل ده تقفي قدامه وتجيلي، نبعد ونعيش مرتاحين حتى لو هتخسري اهلك عشاني لأنه دول مش اهل اصلا؟"
– سيلا (بصوت متردد، لكنها حازمة): "إنت اللي سافرت وبعدت من غير أي تمهيد ليا ثم مفيش فايدة من انه نفتح ف الماضي اتقفل ومستحيل يتفتح تاني ودا الصح انا مستحيل اتجوز بالطريقة دي
تميم أخذ نفسًا عميقًا، صوته فيه ألم لا يخفى:
– وبعد سفري بسنة… أسمع عن جوازك من البيه. اللي ميزدش عني ف حاجة بل بالعكس تعالي شوفي حالتي المادية وحالته دلوقت هتعرفي ابوكي خسرك اي كويس؟"
– سيلا (بنبرة تحذيرية): "اسمه عمر سامع ومينفعش تقارن نفسك بيه لانه هو اللي جوزي مش انت."
ابتسم تميم، لكنه ابتسامة مريرة:
– :  بتحبيه؟"
– سيلا (بصدق، قلبها متعلق بآخر أيامها): "أوي يا تميم… بحبه أوي."
تميم سكت، صامتًا، وعيناه تشهدان على ألم الماضي
...
تميم كان قاعد في العربية،وشوارع المدينة تمر من قدامه كأنها مجرد خلفية لصورة واحدة، صورة سيلا. كل كلمة قالتها له في المكتب تعاد في رأسه، وكأن الزمن رجع به سنوات إلى الوراء.
– "أنت اللي سافرت وبعدت من غير أي تمهيد ليا…".
الكلمات كانت كالسهم في قلبه، تجعله يشعر بالحرقة، لكنه يعرف الحقيقة: الفراق لم يكن بيده. كان مجبرًا على الرحيل، مجبرًا على الابتعاد، لكنه لم يستطع أن يمنع ما حدث.
تميم وضع يده على عجلة القيادة، يغرق في الذكريات. يتذكر ضحكتها، نظرتها التي كانت تقرأ قلبه قبل أن يعرف هو كيف يقرأ قلبها، لمسة يديها البسيطة التي كانت كافية لتوقف العالم من حوله..
تميم شعر بغصة في حلقه، عينيه تلمعان بدموع لم يُسمح لها بالظهور. هو لم يخطئ… لم يخطئ في شيء. كل ما حدث كان خارج إرادته، وكل ما فعله كان من أجل حبه لها، من أجل مستقبل لم يُعطَ له فرصة.
السيارة تمشي ببطء، لكنه كأنه لا يرى الطريق. في رأسه فقط مشهد سيلا، صوتها، عتابها، واعترافها الأخير:
– "أوي يا تميم… بحبه أوي."
تميم ضغط على عجلة القيادة بقوة، قلبه يئن بين الحنين والألم، يتمنى لو أن الزمان يعود به، ولو أن الظروف لم تكن قاسية، ولو أن كل شيء لم ينكسر بينهما.
هو يعرف أن الندم لن يغير شيئًا، وأن الماضي لن يعود، لكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه من أن يتألم، وأن يشعر بالفراغ الذي تركته سيلا في حياته، فراغ لم يملؤه أحد مهما حاول.
....
عندما وصلت سيلا البيت، وجدت عمر جالسًا أمام اللاب توب، عينيه مركّزتان على الشاشة، وأصابعه تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح. الجو في الغرفة هادئ، لكن كان يحمل شيئًا من التوتر الصامت.
– سيلا (بابتسامة خافتة لكنها متعبة): "مساء الخير."
– عمر (مستدير إليها دون رفع صوته): "مساء النور."
اقتربت منه بخطوات هادئة، عيناها ترقبانه، ثم سألت:
– سيلا: "اتعشيت؟!"
– عمر (مبتسم قليلًا وهو يغلق اللاب توب): "ايوة… تعالي، عايزك."
سيلا جلست بالقرب منه، قلبها ينبض بسرعة، شعور بالفضول مختلط بالخوف:
– سيلا: "خير يا عمر… إيه الموضوع؟"
– عمر (بلهجة متحمسة): "أنا جتلي فرصة شغل حلوة أوي."
– سيلا (مندهشة، عيناها تتسعان): "بجد؟ فين؟"
– عمر (عينه متحمسة وهو ينظر لها): "في مجالي… هشتغل محلل بيانات في شركة سعودية… صاحبها اسمه تميم الشافعي."
في تلك اللحظة، شعرت سيلا بجسمها يختل قليلًا، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت على وشك السقوط، لكن عمر مسكها من وسطها بسرعة، عينيه مليئة بالقلق والخوف على سلامتها.
– سيلا (بخوف وارتباك): "لا يا عمر… بلاش…."
عمر أمسك بها برفق، قلبه يئن من خوفه عليها، وعينيه تحاول أن تقرأ شعورها الحقيقي. صمتت سيلا للحظة، تتنفس بصعوبة، وعقلها يسبح بين صدمة الخبر وذكريات الاسم الذي لم ترغب في سماعه.
سيلا رفعت عينيها نحو عمر، عينان ممتلئتان بالقلق والخوف:
– "ع جثتي… لو اشتغلت عنده"
عمر اتنهد، عيونه تبحث عن سبب منطقي:
–  "افهم بقا… ليه؟"
– سيلا: "كده وخلاص"
ابتسم عمر بخفة، لكن صوته كان فيه لمحة استياء:
– "ياسلام… لما يكلمني ويقولي عرض مغري كده، وف المقابل ارفضه وسببي انه مراتي مش موافقة و بتقولّي كده وخلاص؟"
– سيلا: "يا عمر… أنا مش مطمنة للخطوة دي…"
عمر قرب منها، جبهته مشدودة، وحاول يطمنها بنبرة هادئة:
–: "بس  انا صليت استخارة… ومرتاح… حاسس إنها هتكون نقلة كبيرة أوي ليا… مش بس كده، ده مجهود سنين اخيرا بحصده ياريت اشوف منك تشجيع مش خوف بدون داعي."
– سيلا: "انت مجتهد… قدمت ف كذا شركة بالفعل… ليه بقا تختار تحديدا الشركة دي؟"
– عمر:  دي من أكبر الشركات على الساحة… فرصة عمري مش عايزها تضيع من بين إيديا."
– سيلا: "انت مصمم… مش هعرف أغير قرارك."
ابتسم عمر بابتسامة نصفها تحدي ونصفها حب:
– عمر: "اقنعيني… اديني سبب واحد يخليني أرجع خطوة ورا."
سيلا حاولت تتحدث، لكن كلماتها اختنقت في حلقها، شعرت بأن صوتها ضاع، كأن عقلها اتشل للحظة.
عمر لاحظ صمتها، اتكأ على ظهر الكرسي، ونظر لها بحدة وحنان:
– عمر: "شوفتي سكوتك معناه… معندكيش سبب. يبقى هتصل بيه وابلغه إني موافق ابدا من الوقت اللي هو يحدده."
..
تاني يوم، جلسا على مائدة الفطور. 
– عمر (بابتسامة وهو يسكب الشاي): "اعملي حسابك… النهاردة تاخدي اجازة من الشغل، لأنه عندنا ضيف مهم. عايزك تحضري له حاجة تخليه ميعرفش ينساها… لحد ما يموت!"
رفعت سيلا حاجبيها بدهشة، وارتجفت شفتاها قليلًا من الفضول والخوف معًا:
–  "مين الضيف ده ياعمر؟"
نظر إليها عمر بعينين مليئتين بالغموض والمرح، وابتسامة تتراقص على شفتيه:
–  "لما ييجي هتشوفيه بنفسك… بس ابدأي التحضير من دلوقتي، لأنه جاي ع المغرب. أنا عندي كام مشوار هخلصه بسرعة وبعدين هرجع. يلا سلام ياحبيبي"
...
:
عند المغرب، كانت سيلا منهمكة في تحضير الطعام، يداها تتحركان بسرعة بين المقادير والأواني، وقلبها يدق بحماس وارتباك في الوقت نفسه. الرائحة الزكية للأكل ملأت المطبخ، لكنها لم تستطع منع توترها من الارتفاع مع اقتراب ساعة وصول الضيف.
فجأة، خُبِط الباب بخفة، فتوجه عمر بسرعة وفتحه بحماس. دخل الضيف، وعيناه تجولان في كل زاوية من البيت، تتأمل التفاصيل الصغيرة وكأن كل شيء جديد بالنسبة له.
– عمر (مبتسمًا وهو يرحب): "نورتنا ياتميم بيه!"
سمعت سيلا الاسم، فشعرت برعشة تمرّ في جسدها، وكأن قلبها توقف للحظة. لم تكن متأكدة إذا ما كانت قد سمعت الاسم بشكل صحيح. دفعت قدميها بسرعة خلف المطبخ لتتجنب أن يلاحظها، لكنها لم تتمكن من الاختباء تمامًا.
نظرت عبر الزاوية، فرأت تميم يجلس الآن بجانب عمر، يتحدث معه بصوت هادئ، وعيناه تحملان لمحة من الغموض والشر،
...
جلس الثلاثة حول مائدة الطعام.
الأطباق كانت مصطفّة بعناية، وروائح الطعام تملأ المكان، لكن الجو لم يكن هادئًا كما يبدو. سيلا كانت تجلس صامتة، عيناها تهربان من النظر إلى تميم، بينما كان عمر يتحدث بحماس واضح.
تذوّق تميم لقمة، ثم هزّ رأسه بإعجاب.
– "الأكل حلو أوي."
ابتسم عمر بفخر، ونظر إلى سيلا بحب.
– "مراتي اللي عاملاه."
رفع تميم نظره نحو سيلا، وعيناه تحملان نظرة غامضة.
– "تسلم إيدك يا مدام."
سيلا اكتفت بإيماءة خفيفة برأسها دون أن تنطق بكلمة.
تأملها تميم للحظة، ثم قال بنبرة مستفزة قليلًا:
– "هي خرسا ولا إيه؟"
اعتدل عمر في جلسته بسرعة.
–  "لا لا… بتتكلم عادي."
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تحمل شيئًا من السخرية.
–  "يبقى أكيد وجودي تقيل على قلبها."
لوّح عمر بيده نافياً وهو يضحك.
–  "لا يا راجل… دي فرحانة جدًا بحضورك. دي عملت كل الأكل ده لوحدها عشان خاطرك… هي دايمًا بتكرم الضيف. مش كده يا حبيبتي؟"
رفعت سيلا رأسها أخيرًا، ونظرت مباشرة إلى تميم بعينين باردتين.
– "هو مين اللي عازمك يا تميم بيه؟"
تجمد عمر في مكانه، ونظر إليها بصدمة.
–  "سيلا!"
ثم قال بجدية خفيفة:
–: "أنا اللي عازمته… عشان يبقى بينا عيش وملح. والراجل كان متواضع جدًا وقَبِل الدعوة."
ابتسم تميم بهدوء، ومسح فمه بالمنديل.
– لأن أي حد بيشتغل عندي… بحب يكون بينا صداقة. ده بيأثر جدًا في جودة الشغل ونجاح فريق العمل."
هزت سيلا رأسها بسخرية خفيفة.
–  "مدرسة غريبة."
رفع تميم حاجبه مبتسمًا.
– : "عشان كده أنا من أنصارها."
ثم أخذ نفسًا ببطء، وكأنه يستمتع باللحظة.
– : "بس تعرفي يا مدام… ريحة أكلك فكرّتني بشخص عزيز عليا أوي."
نظر إليه عمر باهتمام.
–  "مين يا تميم بيه؟"
اتكأ تميم على الكرسي قليلًا، وعيناه لم تبتعدا عن سيلا.
"واحدة… كنت مرتبط بيها زمان.
كنا مع بعض في الجامعة… حبينا بعض أوي."
انخفض صوت سيلا وهي تمسك الملعقة بقوة.
أما تميم فأكمل كلامه ببطء متعمد.
"بس طلعت سلبية…
محاربتش أهلها عشاني.
أبوها رفضني عشان كنت على قدي."
سكت لحظة، ثم أكمل:
"سافرت دبي… اشتغلت… تعبت سنين… وأسست شركتي هناك.
ولما رجعت… لقيتها متجوزة."
تنهد عمر بتعاطف.
– "ملكش نصيب فيها… ربنا قادر يعوضك."
ابتسم تميم ابتسامة باردة، وعيناه ما زالتا مثبتتين على سيلا.
"بس أنا مش عايز غيرها."
ساد الصمت للحظة.
ثم قال ببطء شديد:
"وهاخدها… حتى لو عايشة في عرين الأسد."
ارتجفت يد سيلا قليلًا فوق الطاولة.
أما عمر… فكان يظن أن تميم يتحدث عن قصة قديمة لا علاقة لها بشيء.
لكن عيني تميم كانت تقول شيئًا آخر تمامًا.
....
بعد أن انتهت الزيارة وغادر تميم، عمّ الصمت أرجاء المنزل.
دخل عمر الغرفة وهو يفك ساعته ويضعها على الكومودينو، بينما لحقت به سيلا بخطوات سريعة، وملامح الغضب مشتعلة على وجهها. أغلقت الباب خلفها بعنف، ثم التفتت إليه
انت ازاي تجيب راجل غريب البيت وتقعده معانا من غير حتى ما تقولي؟
نظر إليها عمر باستغراب واضح.
غريب؟! ده صاحب الشركة اللي هشتغل فيها.
اقتربت منه خطوة، وصوتها يرتجف بين الغضب والقلق.
حتى لو… المفروض أعرف! تحطني قدام الأمر الواقع كده ليه؟
زفر عمر بضيق.
يا سيلا دي مجاملة بسيطة… الراجل قبل الدعوة وجيه بكل ذوق.
ضحكت سيلا بسخرية.
مجاملة؟! كنتوا قاعدين تضحكوا وتهزروا وكأنكم أصحاب من سنين… وتحكيله عن شغلك وعن حياتنا كمان.
مرر عمر يده في شعره محاولًا السيطرة على أعصابه
أنا عايز علاقتي بيه تبقى كويسة
رفعت سيلا حاجبيها بحدة.
العلاقة الكويسة تبقى في الشغل… مش في البيت.
نظر إليها عمر لأول مرة بحدة.
هو إيه اللي مضايقك بالظبط؟
سكتت لحظة، وكأن الكلمات عالقة في حلقها، ثم قالت بعصبية:
كان بيبصلي بطريقة مش مريحة.
هز عمر رأسه بنفاد صبر.
أنا كنت قاعد قدامكم… والراجل ماعملش حاجة غلط. انتي مكبرة الموضوع.
اقتربت منه أكثر، ونبرتها أصبحت حادة.
يا أنا… يا الشغل ده.
تجمد عمر في مكانه.
إيه اللي انتي بتقوليه دة؟
سيلا
لو اشتغلت مع الراجل ده… أنا مش هقدر أكمل. معاك
اتسعت عينا عمر بذهول ممزوج بالغضب.
ده شغل حلمت بيه سنين!
سيلا:
والحلم ده ممكن يبقى كابوس.
صمت لحظة وهو يحدق فيها بتركيز، ثم قال ببطء:
في حاجة بينك وبينه يا سيلا؟
اتسعت عيناها بصدمة.
إيه؟! طبعًا لأ!
ظل ينظر إليها وكأنه يحاول قراءة الحقيقة في عينيها، ثم قال ببرود:
يبقى ما تحطيش نفسك بيني وبين مستقبلي.
شعرت سيلا بوخزة مؤلمة في قلبها.
أنا بحاول أحمي بيتنا.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
يبقى قولي الحقيقة الأول… عشان أنا بدأت أحس إني عايش مع واحدة معرفهاش.
ثم استدار نحو السرير وقال ببرود:
تصبحي على خير.
وقفت سيلا مكانها، تنظر إلى ظهره بصمت.
وفي داخلها كانت متأكدة من شيء واحد فقط…
أن دخول تميم إلى حياتهما
لن يمر بسلام.
...
كان المبنى أشبه بمدينة صغيرة قائمة بذاتها؛ سيارات فارهة تدخل وتخرج من الجراج، وموظفون أنيقون يعبرون البوابة الإلكترونية بسرعة ونظام.
تنفس عمر بعمق، وهو يشعر بمزيج من الفخر والرهبة.
عمر (في نفسه):
"وأخيرًا وصلت لهنا… والمجنونة بتقولي يا أنا يا الشغل .. تيجي بس تشوف المكان اللي هشتغل فيه والمرتب اللي هاخده من هنا… ده ممكن ينقل عيشتنا في حتة تانية خالص."
عدل ياقة قميصه بثقة ثم دخل.
في الداخل كان كل شيء منظمًا بدقة؛ أرضية رخامية لامعة تعكس الأضواء، وشاشة كبيرة خلف مكتب الاستقبال تعرض شعار الشركة.
ابتسمت له السكرتيرة.
السكرتيرة:
حضرتك أستاذ عمر؟
عمر:
أيوه.
السكرتيرة:
أستاذ تميم بيه مستني حضرتك. الدور الخامس… المكتب الرئيسي.
شكرها عمر واتجه نحو المصعد.
داخل المصعد كان قلبه يدق أسرع من المعتاد.
ضغط زر الطابق الخامس، وظل ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة الصغيرة.
عمر (متمتمًا):
إن شاء الله بداية خير.
توقف المصعد أخيرًا.
خرج إلى ممر طويل مفروش بسجاد داكن، وعلى الجدران لوحات حديثة وشهادات تقدير.
وصل إلى باب خشبي كبير كُتب عليه:
Tamim
تردد لحظة… ثم طرق الباب.
تميم من الداخل:
اتفضل.
دخل عمر.
كان المكتب واسعًا جدًا، تحيط به نوافذ زجاجية تطل على المدينة بأكملها.
جلس تميم خلف مكتب كبير من الخشب الداكن، يقلب بعض الأوراق بهدوء.
رفع عينيه عندما دخل عمر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
تميم:
أهلاً… أستاذ عمر.
اقترب عمر وصافحه.
عمر:
صباح الخير يا تميم بيه.
أشار له تميم بالجلوس.
تميم:
اقعد… وقولي، إيه رأيك في المكان؟
نظر عمر حوله بإعجاب واضح.
عمر:
ما شاء الله… مكان يفتح النفس.
ظل تميم ينظر إليه لحظة… كأنه يدرسه بعناية.
ثم قال بنبرة هادئة:
تميم:
بصراحة… أنا اخترتك من وسط ناس كتير. سمعت عن أمانتك وشغلك المظبوط.
اتسعت عينا عمر قليلًا.
عمر:
ده شرف كبير ليا.
ابتسم تميم ابتسامة غامضة.
تميم:
أنا مش بختار حد غير لما أكون متأكد إنه يستاهل الفرصة.
ثم نهض من مكانه واتجه نحو النافذة.
وقف ويداه خلف ظهره، ينظر إلى المدينة الممتدة أمامه.
تميم:
أنا بنيت الشركة دي من الصفر.
التفت قليلًا نحو عمر.
تميم:
وأهم حاجة عندي… الولاء.
هز عمر رأسه بثقة.
عمر:
أكيد طبعًا.
عاد تميم إلى مكتبه وجلس.
ثم قال فجأة:
تميم:
مراتك شكلها ست محترمة.
تفاجأ عمر قليلًا بالسؤال، لكنه ابتسم.
عمر:
تسلم… الحمد لله.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تميم.
تميم:
واضح إنها بتحبك.
ضحك عمر بخفة.
عمر:
وأنا كمان بحبها جدًا.
ظل تميم صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء يحمل معنى خفي:
تميم:
الحب… حاجة غريبة.
رفع عينيه مباشرة نحو عمر.
تميم:
ممكن يغير حياة ناس كتير.
لم يفهم عمر سبب الكلام، فاكتفى بابتسامة مجاملة.
عمر:
أكيد.
رن هاتف تميم على المكتب، فنظر إلى الشاشة سريعًا ثم أغلقه دون رد.
عاد بعينيه إلى عمر.
تميم:
من النهارده… عايزك تبقى دراعي اليمين وعيني في الشركة.
مال للأمام قليلًا.
تميم:
خليك قريب مني في الشغل… وأنا أوعدك، في ظرف سنة بس ممكن تبقى في مكان ينافس مكاني أنا شخصيًا.
ارتسمت الدهشة على وجه عمر.
عمر:
العفو يا تميم بيه… أنا هعمل شغلي على أكمل وجه، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك.
ابتسم تميم ابتسامة بطيئة…
لكن عينيه كانتا تخفيان شيئًا آخر… شيئًا لم يلحظه عمر.
تميم:
اتفضل على شغلك… هتخرج بره وهيعرفوك مكان مكتبك. أنا بلغت الكل.
نهض عمر وهو يشعر بالفخر، ثم خرج من المكتب.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
اختفت ابتسامة تميم
ثم ضغط زرًا صغيرًا على مكتبه.
دخلت السكرتيرة.
السكرتيرة:
أفندم 
تميم:
الأستاذ عمر… خليكي متابعة شغله أول بأول، ولو احتاج أي حاجة تتعمل فورًا.
السكرتيرة:
تمام يا فندم.
أومأ لها برأسه فانصرفت.
ونظر إلى صورة موضوعة داخل درج مكتبه…
صورة قديمة له… مع سيلا.
لم يكن اختياره لعمر بسبب كفاءته فقط
بل لأنه
زوج سيلا.
...
دخل عمر وهو يفتح الباب بحماس واضح، يحمل حقيبته بيد ويخلع حذاءه باليد الأخرى.
عمر:
سيلا… أنا جيت!
خرجت سيلا من المطبخ وهي تمسح يديها في المريلة.
اتأخرت ليه؟
اقترب منها عمر بابتسامة عريضة.
الشغل هناك حاجة تانية خالص… الشركة ضخمة، والنظام فيها عالمي.
تخيلي بقى إن تميم بيه بنفسه قال لي إني هكون قريب منه في الشغل.
تجمدت ملامح سيلا.
قريب منه… إزاي يعني؟
جلس عمر على الأريكة وهو يتحدث بحماس.
يعني تقريبًا هبقى دراعه اليمين. تخيلي! قال لي لو الأمور مشيت كويس ممكن خلال سنة بس أبقى في مكانة كبيرة جدًا.
كانت سيلا تنظر إليه بصمت، بينما القلق يزداد في عينيها.
وأنت… وافقت؟
ضحك عمر.
هو في حد عاقل يرفض فرصة زي دي؟
خفضت سيلا نظرها إلى الأرض.
ربنا يستر.
لاحظ عمر نبرتها القلقة، فعقد حاجبيه.
 الراجل محترم جدًا ياسيلا
لم ترد. ودخلت الي غرفتها
ثم فجأة… اهتز هاتف سيلا 
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
شعرت بانقباض في قلبها.
فتحت الرسالة.
اتسعت عيناها فورًا.
كانت رسالة قصيرة جدًا:
"مبروك يا سيلا… جوزك بدأ شغله النهارده."
ارتجفت يدها.
جاءت رسالة أخرى مباشرة.
"جي الأوان اخد حقي من الدنيا وانتي حقي ياسيلا
                   الفصل الثاني من هنا







تعليقات



<>