رواية قناص قلبي الفصل الخامس 5 والسادس 6 بقلم نانسي عاشور

     

رواية قناص قلبي الفصل الخامس 5 والسادس 6 بقلم نانسي عاشور

الفصل الخامس – الاسم الذي أيقظ الحلم
باريس كانت تلك الليلة تشبه لوحة زيتية متخمة بالأضواء…
سماء شتوية باردة، هواء يحمل رائحة المطر القديم، وأمام مبنى السفارة الفرنسية كان كل شيء يلمع كما لو أن المدينة قررت أن ترتدي أفخم ما لديها من أجل هذه الليلة.
سيارات سوداء فارهة تصطف بهدوء.
رجال ببدلات داكنة ونساء بفساتين تشبه ضوء النجوم.
ضحكات دبلوماسية، مصافحات محسوبة، وكلمات تُقال بوجوه مبتسمة تخفي وراءها حسابات دول كاملة.
وسط هذا المشهد…
ترجّل ظافر.
بدلة سوداء مفصّلة بإتقان، ربطة عنق بلون الليل، نظرة ثابتة لا تعبّر عن شيء.
كان يبدو كأي رجل حضر حفلاً رسميًا… إلا أن الحقيقة كانت بعيدة تمامًا عن هذا الوصف.
لم يكن دبلوماسيًا.
ولم يكن رجل سياسة.
لم يكن حتى ضيفًا حقيقيًا.
كان قنّاصًا يدخل الحفلات كما يدخل ساحات الحرب… بهدوء، دون أن يلحظه أحد.
الاسم الذي سُجّل به في قائمة الحضور كان منصبًا حكوميًا بسيطًا، وظيفة بيروقراطية لا تثير انتباه أحد.
هذا ما يريده تمامًا… أن يمر كظل، أن يكون حاضرًا دون أن يُرى.
اقترب منه رجل في منتصف الخمسينيات بابتسامة واسعة وثقة مبالغ فيها.
إدوارد.
خاله… أو الرجل الذي يصر العالم أن يعرّفه بهذا اللقب.
ذراعان مفتوحتان، عناق خفيف، وربتة على كتفه.
“باريس تشتاق لك دائمًا يا ظافر.”
ابتسم ظافر ابتسامة قصيرة بلا حرارة.
ابتسامة تعلمها منذ طفولته… تُستخدم في المناسبات فقط.
“وأنت لا تفوّت مناسبة كهذه أبدًا.”
ضحك إدوارد ضحكة خافتة وهو يمسح المكان بعينيه كصياد يتفقد أرض صيده.
“الحفلات ليست للتسلية يا بني… إنها للصيد.”
لم يعلّق ظافر.
فهو يعرف ذلك جيدًا.
دخل الاثنان إلى القاعة.
الثريات الكريستالية تتدلّى من السقف العالي، تعكس آلاف الأضواء الصغيرة.
موسيقى كلاسيكية ناعمة، أصوات بلغات متعددة تختلط كأنها لحن سياسي معقد.
تحرك ظافر بين الحضور بخطوات هادئة.
عيناه لا تبحثان عن أشخاص… بل تقيسان المسافات، المخارج، النوافذ، زوايا الرؤية.
عادة قديمة لا تموت.
بينما كان يتبادل كلمات بروتوكولية قصيرة، كان إدوارد قد توقف فجأة.
توقف كما يتوقف صياد لمح فريسته.
نظره استقر في جهة واحدة… وبقي هناك.
تتبع ظافر اتجاه نظره بلا اهتمام حقيقي.
فتاة تقف بجانب سيدة أنيقة.
فستان بلون الكريستال، شعر منسدل بهدوء، ملامح لا تزال تحمل براءة المراهقة.
كانت تضحك بخجل وهي تستمع لحديث والدتها مع أحد السفراء.
“من هذه؟” سأل إدوارد بصوت منخفض.
أجاب أحد الواقفين:
“ابنة الدبلوماسية الكورية… ليل. ما زالت صغيرة، دخلت الجامعة هذا العام.”
لم يرد إدوارد، لكن عينيه لم تتحركا.
نظرة طويلة… أطول مما ينبغي.
ابتسامة بطيئة تشكّلت على شفتيه.
ابتسامة يعرفها ظافر جيدًا… ولم تعجبه.
أما ظافر…
فقد صرف نظره فورًا.
لم يهتم.
لم يسأل.
لم يحاول حتى تذكر ملامحها.
النساء لم يكنّ جزءًا من عالمه.
بعد ساعة تقريبًا…
بدأت القاعة تضيق عليه.
الضحكات تبدو مرتفعة أكثر من اللازم.
العطور تختلط بشكل خانق.
الكاميرات… والوجوه… والكلمات الفارغة.
خرج بهدوء إلى الحديقة الخلفية.
الهواء البارد ضرب وجهه كصفعة منعشة.
أخرج سيجارة وأشعلها.
أول نفس…
كان كافيًا ليعيد إليه اتزانه.
الحديقة مضاءة بمصابيح صغيرة، والورود مصطفّة على الجانبين كأنها تحرس الممر الحجري الطويل.
خطا ببطء… حتى توقف.
كانت هناك.
تقف قرب شجيرات الورد.
منحنية قليلًا، تقترب من زهرة بيضاء، تغمض عينيها وتستنشق عبيرها.
لم تكن تعلم بوجوده.
بقي واقفًا مكانه.
لا يعرف لماذا لم يتحرك.
ولا لماذا لم يشيح بنظره كما يفعل دائمًا.
شيء ما… جعله يتوقف.
رفعت رأسها فجأة.
التقت عيناهما.
لحظة قصيرة…
صامتة…
لكنها بدت أطول من الوقت نفسه.
في عينيها دهشة خفيفة.
وفي عينيه… فراغ لم يفهمه.
ثم جاء الصوت.
صوت رجل من بعيد، بالفرنسية:
“ليل!”
الاسم…
سقط داخله كرصاصة.
ارتفعت نبضات قلبه فجأة.
الصوت تكرر في رأسه كما لو أنه خرج من حلم قديم.
ليل.
الاسم الذي سمعه في أحلامه لسنوات.
الاسم الذي لم يعرف يومًا لصاحبته وجهًا.
عاد إلى وعيه بسرعة.
التفت نحو الصوت… ثم عاد ببصره إليها.
لكنها لم تكن هناك.
اختفت.
كأن الحديقة ابتلعتها.
تحرك بسرعة نحو الممر، عينيه تبحثان في كل الاتجاهات.
دخل القاعة مجددًا.
بدأ ينظر إلى كل وجه.
كل فتاة.
كل امرأة.
ليل.
ليل.
ليل.
الاسم يطرق رأسه بإلحاح.
سأل أحد المنظمين بهدوء:
“الفتاة التي كانت مع الدبلوماسية الكورية… هل غادرت؟”
أجابه بابتسامة رسمية:
“نعم، غادروا قبل دقائق.”
تجمد مكانه.
قبل دقائق فقط.
عاد يمسح القاعة بعينيه مرة أخرى… كأنه يرفض التصديق.
لماذا يبحث عنها؟
هو نفسه لا يعرف.
لكن شيئًا ما داخله…
رفض أن تنتهي الليلة هكذا.
وقف وسط الحفل… محاطًا بمئات الأشخاص…
ومع ذلك شعر أن القاعة أصبحت فارغة تمامًا.
اسم واحد فقط بقي يتردد داخله.
ليل.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر أن حلمًا قديماً قد بدأ يفتح عينيه في الواقع.
الفصل السادس – الحلم الذي بدأ يتذكر
لم تكن باريس نائمة عندما عاد ظافر…
لكن داخله كان صامتًا بشكل غريب.
السيارة السوداء توقفت أمام مقر الكتيبة، مبنى رمادي بلا اسم، بلا لافتة، بلا أي شيء يدل على ما يحدث داخله. مكان يشبه الرجال الذين يعملون فيه… بلا ملامح.
نزل ببطء، خطواته ثابتة كما اعتاد دائمًا.
كل شيء كان طبيعيًا… إلا رأسه.
دخل الممر الطويل، حيّا الحراس بإيماءة خفيفة، ثم اتجه إلى غرفته.
أغلق الباب خلفه.
الصمت.
خلع سترته ووضعها على الكرسي، فك ربطة عنقه، ثم جلس على حافة السرير.
بقي هكذا… دون أن يتحرك.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في مهمة.
ولا في هدف.
ولا في خطة.
كان يفكر… في فتاة.
زفر ببطء، وكأنه يوبّخ نفسه على الفكرة.
“سخيف…”
لكن الصورة لم تختفِ.
فتاة تقف تحت ضوء الحديقة.
شعرها يتحرك مع الهواء.
عيناها الزرقاوان… الهادئتان بشكل لا يناسب عالمه إطلاقًا.
تذكّر اللحظة التي انحنت فيها نحو الوردة.
الطريقة التي أغمضت بها عينيها وهي تستنشق عبيرها.
وكأن العالم كله توقف… ليترك لها تلك اللحظة فقط.
تذكّر صوتها الخافت وهي تهمس للزهرة:
أنها أجمل شيء في الدنيا.
شدّ قبضته دون وعي.
لماذا تذكّر هذا تحديدًا؟
لماذا بقيت هذه التفصيلة الصغيرة داخل رأسه وكأنها حدث عظيم؟
مرر يده في شعره بضيق.
قام، أطفأ الضوء، وتمدد على السرير.
أغمض عينيه…
وسقط في النوم سريعًا كمن هرب إليه.
في الحلم…
كان صغيرًا.
أصغر بكثير مما يودّ أن يتذكر.
غرفة ضيقة، جدران باهتة، صوت صراخ رجل يملأ المكان.
قبضة قاسية تمسك بذراعه وتهزه بعنف.
كان الألم حقيقيًا لدرجة جعلت صدره يضيق حتى وهو نائم.
“انهض! أنت بلا فائدة!”
ضربة أخرى.
وقبل أن تهبط الضربة التالية…
ظهر صوت صغير غاضب.
“توقف!”
صمت الرجل لحظة.
التفت ظافر الطفل ببطء… ورآها.
طفلة صغيرة تقف عند الباب، شعرها طويل، عيناها زرقاوان مشتعلة بالغضب.
كانت ترتجف… لكنها لم تتراجع خطوة.
اقتربت وسحبت ذراعه من يد الرجل بقوة طفولية بريئة.
“لا تضربه! هذا خطأ!”
ضحك الرجل بسخرية:
“ومن أنتِ؟”
رفعت ذقنها بعناد:
“صديقته.”
الكلمة سقطت في قلبه الصغير كدفء لم يعرفه من قبل.
أمسكت يده وسحبته خلفها.
ثم التفتت نحوه وهمست:
“لا تخف… أنا هنا.”
استيقظ فجأة.
جلس على السرير وأنفاسه متسارعة.
الغرفة مظلمة… صامتة… فارغة.
وهو ليس طفلًا منذ زمن طويل.
مرر يده على وجهه ببطء.
قلبه ينبض بسرعة غريبة.
“حلم…”
لكن الإحساس كان حقيقيًا أكثر من اللازم.
عاد إلى النوم.
في الليلة التالية…
عاد الحلم.
لكنها لم تكن طفلة هذه المرة.
كانت شابة.
تقف وسط ظلام كثيف، شعرها يتطاير حول وجهها، وعيناها ممتلئتان بالخوف.
تنظر إليه مباشرة.
تمد يدها نحوه.
“أنقذني…”
اقترب خطوة.
صوتها انكسر:
“أنت الوحيد الذي يستطيع… أرجوك.”
مد يده…
وقبل أن يلمسها… استيقظ.
جلس يلهث في الظلام.
ليلة أخرى.
ثم أخرى.
الحلم يتكرر.
المهمات تتوالى.
الرصاص ينطلق.
الأهداف تسقط.
لكن بين كل مهمة وأخرى…
كانت هي تعود.
“أنقذني…”
وبدأ شيء داخله يتغيّر ببطء.
في إحدى الليالي، كان في حفلة رسمية أخرى، في مدينة أخرى، وسط وجوه أخرى.
كلمات… ضحكات… موسيقى.
ثم سمع الاسم.
السفير الفرنسي جاد الدالي.
تجمّد.
سأل بهدوء محسوب:
“هل سيحضر؟”
“نعم، مع عائلته عادة… لكن ابنته سافرت هذا الأسبوع.”
شعر بشيء يهبط في صدره فجأة.
“إلى أين؟”
“كوريا. إجازة مع والدتها.”
كوريا.
كرر الكلمة داخله وكأنها تبعد آلاف الكيلومترات أكثر مما ينبغي.
وقف في الحديقة بعد الحفل بوقت طويل.
ينظر إلى الورود المزروعة على الجانبين.
نفس الورود.
نفس الصمت.
لكنها لم تكن هناك.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر ظافر بشيء يشبه الفراغ الحقيقي.
كأن شيئًا منه…
سافر دون أن يخبره.
                الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>