رواية قلبي عدوك الفصل الثالث عشر 13 بقلم رباب حسين

      

رواية قلبي عدوك الفصل الثالث عشر 13 بقلم رباب حسين


سترت من العشق ما قتلني، لم أعد أتحمل وجودك داخل قلبي، ارحلي عني أتوسل إليكِ. 

ضحيت لأجلك، أخبرتك بالحقيقة وأنا أعلم أنكِ سترحلين، تمنيت أن أراكِ سعيدة حتى لو كان المقابل هو ألمي، وأنا المبتلى بحبك شر ابتلاء. 

والآن؛ تتهميني؟! أصبحت أنا الذي فرق بينكِ وبينه! أنا من فرق بينكِ وبين والدك! وبالأخير صرت طامعًا. لم أكن أعلم أن الكلمات تقتل، غرزتي سهم في قلبي ورحلتي دون حتى النظر إلى ضحيتك، ولكن يكفي، اصمت أيها القلب، يكفي نبضًا لها، هي لم تكن لك من الأساس ولن تكون.

كان يطالعها بهدوء ويعلم أن هناك قرار واحد فقط ينهي هذا الصراع، سوف يبتعد عنها، يجب أن يتخلى عن ذلك العشق الدامي.

دعيني أودع بهجتي وحياتي مع وداعكِ، وسيحيا هذا القلب وحيدًا بالألم، فأنا الآن قتيل عشقك.


في منزل خالد، كان الحزن يسيطر على كل من بالمنزل، برحيل زياد؛ أصبحت الأسرة مفككة. 

كانت حنان تجلس بالبهو شاردة، حتى انتبهت إلى تالين التي تهبط الدرج، فوقفت سريعًا وقالت: رايحة فين؟

تالين بضيق: هروح اتدرب شوية.

حنان: بس إنتي معندكيش تدريب النهاردة.

تالين: ولا جامعة، بس مش طايقة أقعد في البيت، مش عارفة يعني هو اللي يغلط يطرد.

حنان: إنتي عارفة أبوكي، إدعي بس يهدى ويخليه يرجع، بس دلوقتي أنا قلقانة عليه، هو كان عيان إمبارح، شكله كان باين، اتصلي بيه واطمني، هو بيتكلم معاكي في كل حاجة.


أمسكت تالين هاتفها واتصلت به، كان زياد يدخل المنزل مع قمر، وتلقى المكالمة، فقالت تالين: أيوه يا زياد.

زياد: إيه الأخبار عندك، طمنيني.

تالين: مفيش جديد، بس قلت اطمن عليك، شكلك كان تعبان أوي إمبارح.

زياد: أنا بخير متقلقيش.


همست حنان بجوار أذنها وقالت: اسأليه قاعد فين وعنوانه إيه.

أومأت لها وقالت: هو إنت قاعد فين؟

زياد: في شقتها.

تالين: طيب أنا عايزة أجيلك، ينفع؟

زياد: هنا؟

تالين: مش عايزني أتعرف عليها ولا إيه؟

زياد بتردد: لأ طبعًا تنوري، هبعتلك لوكيشن حاضر.

تالين: خلاص، وأنا قبل ما أجي هقولك.


أنهى زياد المكالمة ونظر نحو قمر التي دخلت إلى المطبخ لتعد الطعام، دخل خلفها وتحمحم بخجل، ثم قال: أنا آسف، معرفش قلت كده إزاي بس أنا كنت متعصب جدًا من الراجل ده.

قمر: مش من حقك، مش من حقك تغير عليا ولا تقف تتخانق مع حد عشاني.

زياد: أنا جوزك.

قمر: مؤقتًا، إنت ليه مش فاهم ده؟

زياد: عارف بس حتى ولو إنتي دلوقتي مراتي، قدام ربنا والقانون مراتي، ولحد ما اطلقك ده حقي، حقي أغير واتضايق لو حد كلمك بالطريقة ديه، بلاش يا ستي، لو أي واحدة مكانك كنت هدافع عنها لو لقيت واحد بيلمح بالكلام بالشكل ده معاها.

قمر: هحاول استوعب اللي إنت فيه، لكن الكلام اللي قولته في العربية ده مش مقبول نهائي، وطالما إنت شايفني كده يبقى نطلق أحسن من دلوقتي. 

زياد: بس ده شرعًا مينفعش، وإنتي عارفة ده كويس، ولو اطلقنا هترجعي لنقطة الصفر وهتدوري على محلل تاني.

قمر: مش عايزة محلل، أنا غلطانة إني وافقت على الموضوع ده من الأساس، مش مطلوب مني أصلح غلطة مش أنا اللي عملتها.

زياد: طيب ممكن تهدي ونتكلم بعدين، ولو سمحتي سيبي الأكل أنا هحضر الفطار، حاولي تهدي وهنتكلم تاني، بس ياريت لحد ما نتكلم تحاولي تستوعبي الموقف اللي كنت فيه.


تنهدت قمر بضيق ومرت بجواره لتترك المطبخ فقال: اه صح، تالين عايزة تيجي تتعرف عليكي. 

قمر: الموضوع كده واخد شكل غلط خالص. 

زياد: للأسف مش هعرف أصلحه دلوقتي، لو عرفو إننا إتجوزنا عشان محلل الموضوع هيبوظ أكتر، مش عارف بابا ممكن يعمل إيه، بس لو متضايقة من زيارتها أنا ممكن أقولها متجيش. 

قمر: أكيد مش ده اللي بفكر فيه، بس لو شافتني وعرفت فرق السن اللي بينا برده المشكلة هتكبر. 

زياد: مفتكرش إن تالين ممكن تعلق على حاجة زي كده. 

قمر: المهم متقولش لمامتك أو باباك لأن أكيد هيعلقو. 

زياد: هنبه عليها متقولش. 

أومأت له وكادت تذهب، فأمسك ذراعها برفق وقال بهدوء: حقك عليا. 


نظرت له بحزن وذهبت إلى غرفتها، وما أن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بثقل على صدرها، وقعت بين اختيارين هما الأسوء، عائلتها وكرامتها، وبداخلها تريد أن تنهي هذا الزواج ولا تسمح له بأن يعاملها كساقطة، فلن تسمح لأحد أن يجبرها على فعل ذلك. 


أغمضت عينيها بضيق ثم سمعت رنين هاتفها، فإذا بمكالمة من ياسر، فتلقتها وقالت بضيق: نعم. 

ياسر: بتكلميني كده ليه؟

قمر: أنا مشفتش بجاحة كده بجد، إنت بتوقع بيني وبين عيالي ومتضايق إني برد عليك كده؟! أنا بكلمهم بقالي يومين محدش بيرد عليا وإنت السبب. 

ياسر: سافرنا شرم سوا يومين. 

قمر: هو مش فيه مدارس؟!

ياسر: العيال نفسيتهم تعبانة، وأنا عندي أجازة يومين، الدراسة مش هتطير يعني، هما يومين وهنرجع.

قمر: وهو السفر يمنعهم من إنهم يردو عليا. 

ياسر: ما هما متضايقين بصراحة، وبعدين أعمل إيه إنتي مسبتيش طريقة تانية غير ديه عشان أضغط عليكي ترجعي. 

قمر: إنت بجد إنسان إناني مش بتفكر غير في مصلحتك وبس، توقع بيني وبينهم عشان أنف اللي إنت عايزه وخلاص، بس لعلمك بقى أنا مش هعمل كده، وولادي هعرف أرجعهم لحضني تاني. 

ياسر: كفاية عند يا قمر، فيها إيه لو إتجوزتي وضحيتي بليلة عشان نرجع تاني. 

صمتت قمر قليلًا وقالت بتعجب: هو أنت مش غيران عليا؟! 

ياسر: لأ، هغير ليه، هيبقى جوزك يعني، وأنا أصلًا مش جوزك دلوقتي. 

زفرت قمر وقالت بتهكم: صح، تغير ليه فعلًا، بقولك إيه أقفل، أنا مش طايقة نفسي أصلًا دلوقتي، فسيبني في حالي.


أنهت المكالمة وهي تنظر نحو الباب، عقلها يقارن بينهما دون شعور، زياد مختلف تمامًا عنه، برغم من أنها ليست زوجته ولكن يغار عليها، يراعي مشاعرها ويهتم بها في غضبها، يحاول أن يتناقش ويصل إلى حل للمشكلة، يعتذر لها بأسلوب هادي وراقي، على عكس ياسر تمامًا.

نفضت تلك الأفكر من رأسها، تخبره ألا يقع بالحب وهي من تنساق إليه دون وعي، حركت رأسها بعنف تبعد تلك الأفكار، ثم بدلت ثيابها. 


أما تالين، فكانت تبعد الهاتف عن يد حنان التي تحاول أن تخطفه منها، بعد أن أرسل لها زياد إحدثيات الموقع الخاص بمنزل قمر، وتقول بضيق: لأ يا ماما، أنا قلت لزياد إن أنا اللي هروح.

حنان: يا بنتي وأنا لو رحت هعمل إيه يعني؟! أنا بس هشوفها، خايفة يكون الواد متورط ولا البت ديه تكون مش كويسة، أنا بس هروح اطمن عليه، مش يمكن تطلع بنت حلال واقنع أبوكي يرجعه.

تالين: لأ أنا مش مطمنة، بلاش يا ماما، أنا هروح وأقولك.

حنان: مش ههدى غير لما أشوفها بنفسي، ابعتي اللوكيشن دلوقتي وكفاية نقاش، هو أنا مبقاش ليا كلمة في البيت ده.

تنهدت تالين وقالت: طيب عشان خاطري إوعي تعملي مشكلة معاهم.

ضيقت حنان عينيها بشك وقالت: هو إنتي تعرفي عنها حاجة ومش عايزة تقوليها؟

تالين: أنا عرفت زيي زيك، مفيش أي حاجة زيادة، بس قلبي مش مطمن إنك تروحي هناك.

حنان: يعني إنتي مش عارفاني؟! أنا مش بتاعت مشاكل، خليني بس اطمن على أخوكي، ابعتيه بقى.

تنهدت تالين وأرسلت لها الموقع وقالت: ربنا يستر بقى.


أما ماهي فقصت ليزن ما حدث وهي في حالة من الحزن، تتذكر حديث أنين الذي أدمى قلبها، تعرضت لخدعة قاسية وخسرت كل شيء، ويزن يسمع ما تقول بصمت، ثم أردفت: أنا عايزة أروحلها البيت اطمن عليها.

يزن: أنا قلت مفيش أنين تاني يبقى مفيش أنين.

ماهي بتعجب: الكلام ده كان قبل ما أعرف الحقيقة، دلوقتي إيه السبب اللي يخليني أبعد عنها.

يزن: إنتي عرفتي الحقيقة لكن غيرك لأ، إنتي ناسية اللي حصل هنا في الجامعة، وبعدين كل أصحابي أنا وزياد عرفو، هيبقى منظري إيه قدامهم وإنتي رايحة جاية معاها.

ماهي بصدمة: وإنت عشان منظرك قدام صحابك أخسر أنا صاحبتي؟! بص يا يزن، أنا وافقت إني أبعد عنها عشانك أول مرة عشان مكنتش قادرة أدافع عنها، لكن المرة ديه مش هتخلى عن صاحبتي أبدًا.

يزن بغضب: يعني إيه؟! هتكسري كلامي وتروحي تكلميها؟! لو عملتي كده تنسي اللي بينا خالص.

وقفت ماهي بغضب وقالت: أنا زهقت من تهديدك ليا كل شوية إنك عايز تنهي الخطوبة، إنت بتذلني بالدبلة ديه يا يزن؟! طيب، أنا بقى هروح أكلمها ولو عايز تنهي اللي بينا إنت حر.


تركته وذهبت وهو ينظر إلى أثرها بتعجب، فلأول مرة تتحدث معه هكذا، وأيضًا تنفذ ما تريد رغمًا عنه.

________

جلست أنين داخل سيارتها التي صفتها بمكان لا تعرف ما هو، فقد قادت سيارتها دون وجهة محددة، عقلها شارد وقلبها يتألم مما حدث، كل ما تفكر به كيف تخبر زياد بالحقيقة؟


امسكت هاتفها تنظر إلى اسمه بتردد، ثم قررت أن تتصل به. 

كان زياد يتناول الطعام مع قمر والصمت حليفهما، وقاطع ذلك الصمت صوت الهاتف، وقعت عين قمر على الاسم فنظرت إلى زياد على الفور تترقب رد فعله، نظر زياد إلى الهاتف وقام بالضغط على زر الصوت كي يصمت، واستأنف الأكل، فقالت قمر: مش هترد؟

زياد: لأ.

قمر: هو... إنتو أصلًا لسه بتتكلمو؟

زياد: مكناش بنتكلم من الأساس عشان نرجع نتكلم. 

قمر: اه إنتو كنتو علاقة من بعيد، بس شايف إن ده يخليك تبقى متأكد من مشاعرك، أو تبقى عارفها أكتر؟! 

زياد: هو باللي حصل ده معتقدش إني عارفها فعلًا. 

شعور الغيرة بدأ ينبض داخل قلبها، وبرغم سيطرتها على مشاعرها إلا أن الفضول كان يزداد ويجعلها تسأل: طيب... وحبك ليها؟ لسه موجود؟ 

نظر لها زياد وكأن السؤال فتح عينيه على أمرٍ ما لم ينتبه له من قبل، إذا كنت حقًا أحببت أنين؛ فكيف ينبض شعور جديد بداخلي نحو قمر، بل لم أعد أشعر بالضيق مما حدث بالسابق، كيف هذا؟! وبدأ السؤال يطرق برأسه دون إجابة.

لاحظت قمر شروده، فخيم الحزن على قلبها، اعتقدت أنه لايزال يحبها وما يفعله معها كما قال سابقًا، فقط يدافع عنها مثل أي فتاة أخرى قد تقع بذات الموقف، فأخذت تردد داخل عقلها: لا تتعلقي به... فأنتي مجرد... نزوة.


نظرت أنين إلى الهاتف بحزن، يبدو وأن المواجهة هي الحل، وأخذت تدعي أن تراه بالجامعة وتتحدث معه. 

أما العاشق المذبوح بتضحيته لأجلها، عاد من الجامعة باكرًا، وصعد إلى غرفته مباشرة، رعشة قلبه التي هزت كيانه عندما مر من أمام غرفتها؛ واختراق رائحة عطرها صدره جعلته يصر على قراره أكثر، يجب عليه الرحيل. 

أحضر حقيبته ووضع أغراضه كاملة، ثم أمسك هاتفه واتصل بسلوى التي تجلس داخل سيارتها بمكان مهجور، فتلقت المكالمة وقال: أيوة يا ماما، كنت بكلمك عشان أقولك إني عندي مشروع كبير كده مع حازم وهضطر أقعد معاه شوية عشان نعرف نخلصه سوا، عشان الجامعة شغلاني وكده، ولو قعدنا مع بعض هننجز أكتر، فا أنا هاخد هدومي وأروح عنده.

سلوى: طيب يا حبيبي، بس ابقى طمني عليك وخلي بالك من نفسك.

آسر: حاضر يا حبيبتي، سلمي على عمو عادل بقى عشان مش هعرف أقعد لبليل.

سلوى: يوصل يا حبيبي.


أنهى المكالمة، ثم وضع مفتاح السيارة على المكتب، وحمل حقيبته وخرج من المنزل، وقف عند باب الحديقة الخارجي، ونظر نظرة أخيرة إلى المنزل من الخارج، وكأنه يودع قلبه الذي أبى الرحيل معه، ورحل مكسورًا يائسًا.


أما سلوى، فانتبهت إلى حسن الذي يقترب من السيارة ويبتسم لها ابتسامة تثير الإشمئزاز، ففتحت السيارة له حتى يصعد بها، وحين دخل قال: إوعى العربيات الجامدة، الله يرحم لما كنا بنكمل عشانا نوم.

سلوى بضيق: هشششش، إنتي هترغي، خد فلوسك أهيه، ومشفش وشك تاني.

حسن: لأ كده أزعل يا ستهم، إحنا قلنا الفلوس ديه برا الحساب القديم.

زفرت بضيق وقالت: بعدين مش دلوقتي، لما أبقى أخد الفندق.


قاطعها اتصال هاتفي من صافي، ابتسمت بسعادة وقالت: متتكلمش خالص.

ثم استقبلت المكالمة وقالت: أيوة يا صفصف.

صافي: أنا هنفذ اللي إنتي عايزاه، بس أنا فعلًا معنديش حد يعمل ده.

سلوى: يا ترى حصل إيه خلاكي توافقي بسرعة كده؟!

صافي: أنين عرفت حوار زياد، ومسحت بكرامتي بلاط الجامعة، وأنا مسمحش لحد يدوس عليا، عشان كده لازم أحطها عند حدها وأرد اللي عملته فيا قدام الناس كلها، أنا هخليها تعرف مين فينا المحترم، بكرة الناس كلها مش هيبقى وراها سيرة غير المصيبة بتاعتها، المهم شوفي حد يعمل الحوار ده وأنا جاهزة.

سلوى: تعجبيني، أنا هشوفلك واحد ونتفق سوا، تمام.


أنهت المكالمة نظرت إلى حسن وقالت: تصدق إن وشك ده بيفتح باب البلاوي كلها.

حسن: وأنا تحت أمرك في أي بلوة.

سلوى: تمام، اسمعني بقى كده وركز معايا كويس.


أخذت تخبره بما عليه فعله، وطلبت منه التنفيذ بأسرع وقت.

_________

ظل الصمت حليف زياد، حتى أنهى طعامه ونهضت قمر وحملت الصحون إلى المطبخ، طالعها زياد بعيون حائرة، في هذه اللحظة تمنى أن يخرج قلبه من بين ضلعوه ويسأله: من تحب؟ لمن تنبض؟! ثم أخذ يتذكر ما كان يشعر به تجاه أنين، تيقن أن الشعور كان مختلفًا، ربما لأن العلاقة بينه وبين أنين لم تتعدى حدود الصداقة، ولكن علاقته بقمر تتخذ شكلًا آخر، دموعها تضعفه، اقترابها منه تجعله ينفصل عن العالم، شخصيتها المختلفة تجعله يتعلق بها أكثر، ربما نضجها العقلي وفارق السن بينها وبين أنين يزيدها جمال وصلابة شخصية، أما ذلك النبض الذي يصدر فجأة وهو بجوارها؛ لم يستطع أن يحدد سببه حتى الأن. 


قاطع شروده طرق الباب، فنهض وفتحه، واتسعت عينيه وتجمد مكانه حين رأى حنان تقف عند الباب، ثم نظر نحو المطبخ بتوتر، لاحظت حنان توتره وقالت: إيه يا زياد، مش عايزني أدخل بيتك ولا إيه؟!

زياد: ها... لأ طبعًا يا ماما إتفضلي. 

انتبهت قمر لما يقوله زياد، وحبست أنفاسها من الصدمة، وقررت أن لا تخرج من المطبخ.

دخلت حنان وجلست بالبهو، ثم أخذت تنظر حولها تتفقد المكان وتبحث عنها، ثم قالت: هي فين العروسة؟

زياد: العروسة! مش هنا.

حنان: مش هنا؟! إزاي نزلت وإنتو لسه متجوزين جداد؟

زياد: الشغل مش بيرحم بقى، أنا كمان نازل الشغل فا هتقعد هي لوحدها؟

حنان: امممم، هي اسمها إيه بقى.

زياد: قمر.

حنان: ويا ترى قمر في الشكل برده؟

زياد: اه جدًا.

حنان بضيق: ده أنا جاية عشان أشوفها، تطلع مش موجودة.

زياد: معلش يا ماما، هي لو كانت عارفة أكيد كانت هتستناكي.


انتبهت إلى رنين هاتف في غرفة النوم، ثم رأت هاتف زياد على طاولة الطعام، فقالت: تليفون مين اللي بيرن جوا؟

زياد: تليفوني.

حنان: تليفونك أهوه يا زياد، هي مراتك جوا ومش عايزني أشوفها ولا إيه؟

زياد بتوتر: لأ طبعًا أنا....


نهضت حنان وتوجهت نحو غرفة النوم، وجدت الهاتف على الفراش والغرفة خالية، ثم مرت من أمام المطبخ ووقعت عينيها على قمر، توقفت بصدمة والتفتت إليها تتحقق من ملامحها، ثم نظرت إلى زياد وقالت: ديه.... مراتك؟

لم يحاول الهروب أكثر، بل الآن عليه أن يحمي قمر من أي حديث جارح قد يصدر من حنان، فقال زياد بثقة: اه يا ماما... مراتي.

اقتربت منه بغضب وقالت: وإنت متجوز واحدة أكبر منك ليه؟

زياد: النصيب بقى، وبعدين سنها مش عيب، ولا فيه حاجة تمنعني إني أتجوز واحدة أكبر مني.

حنان: إنت بتقاوح في إيه؟! ليك عين تدافع عن نفسك في موقف زي ده! تسيب كل البنات اللي حواليك وتتجوز واحدة أكبر منك!

زياد: ماما لو سمحتي نتكلم بعدين.

حنان: ليه خايف على شعورها أوي كده؟! ومش خايفة هي لما تظهرو قدام الناس ويقولو متجوزة عيل! يا ابني ديه لو كانت إتجوزت بدري شوية كانت خلفتك.

زياد بحدة: خلاص يا ماما لو سمحتي، مش هسمح لحد هيهنها وأنا واقف، وبعدين إنتي كده بتغلطي فيا أنا، أنا مش عيل صغير.

تدخلت قمر لتهدأ الموقف وقالت: بس يا زياد، والدتك معاها حق ومن حقها تضايق، براحة بس وخلينا نتكلم يا طنط بهدوء بعد إذنك.

نظرت لها حنان وقالت بتهكم: وزياد بقى أول بختك ولا إنتي خرج بيت؟

زياد: إيه خرج بيت ديه؟!

حنان: يعني إتجوزت قبلك يا حبيبي، ولا أنت أول بختها.

قمر: لأ تاني، أنا مطلقة.

حنان: كمان! وعندك عيال؟!

قمر: وعندي عيال، لو بس تقعدي وتسمعيني هتفهمي الموضوع صح.

حنان بغضب: اسمع إيه، هتحكيلي ضحكتي على ابني إزاي وخدتيه من بيته، هتقوليلي السبب في إنه اطرد من البيت عشان إتجوز حضرتك، ولا البت اللي سابها اللي زي الورد أنين عشان ضحكتي عليه وكلتي بعقله حلاوة، هتحكيلي إيه؟! هتقوليلي خيبة ابني وخيبة أملي فيه، وقال أنا اللي كنت جاية عشان أشوفك يمكن أعرف أدافع عنكو قدام خالد، ده أبوه طلع معاه حق وعداه العيب، اسمع يا زياد، يا تطلق الست ديه يا تنسى إن ليك أم من الأساس.

زياد: ماما متعقديش المواضيع أكتر من كده، أنا حر في اختياري، وحر اختار الست اللي عايز أعيش معاها، وقمر مراتي ومش هطلقها غير لو أنا عايز ده.

حنان بحزن: كده يا زياد، قستك على أمك.

تنهد زياد وقال: محدش يقسيني عليكي أبدًا، بس متحطيش العقد قدامي وتقوليلي نفذ اللي بقوله، يرضي مين اللي بتطلبيه مني ده، هي مراتي وإنتي أمي، وليكي حق عليا زي ما هي ليها حقوق، فلو سمحتي نأجل الكلام بعدين لحد ما تهدي ونتكلم بالعقل.

حنان: مبقاش فيها كلام، أشبع بيها.


تركت المنزل، والتفت زياد إلى قمر التي تتنفس بصعوبة، تقاوم بكائها حتى لا تنهار أمامه، فلم تعد تحتمل ما حدث اليوم سواء من حديثه معها أو من حديث حنان، وحين لاحظ حالتها تحولت ملامحه إلى الحزن، دموعها هو أقوى سلاح قادر على هزيمته، فلم يحتمل هيئتها وجذبها إلى أحضانه على الفور، تمسكت بملابسه وشرعت بالبكاء، فربت على كتفها، وضمها إليه أكثر، وتخلل عطرها داخل أنفه فداعبت حواسه، وتسارعت نبضات ذلك القلب، معلنًا عن عصيان جديد، وكأنه يصر على زيادة التخبط الذي يشعر به زياد، والآن بعد أن شعر بدفء جسدها بين أحضانه لم يعد يعلم الأجابة. 

                 الفصل الرابع عشر من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا 


تعليقات



<>