رواية براعم الحب الفصل الخامس5 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب الفصل الخامس5 بقلم رشا عبد العزيز

وأشرق الصباح، وأعلنت الشمس وصولها لتمد أشعتها تداعب الأرض، وتعلن عن بداية يوم جديد تشق فيه براعم جديدة طريقها نحو الحياة. تسللت أشعة الشمس وشاكست أجفانه، ليفتح عينيه بضجر يمد يده يدعكها حتى اتضحت الرؤية له، ليتثاءب ويمد يده نحو هاتفه يطالع الساعة، ورغم معرفته بأن الوقت لا يزال مبكراً، لكنه قرر النهوض.
​أخذ حماماً دافئاً واتجه نحو سرير شقيقه، جلس على حافته ومد يده يهز جسده في محاولة لإيقاظه:
-​فارس... اصحى يا فارس.
تململ واستدار بانزعاج نحو الجهة الأخرى، ليمد يده يهزه من جديد:
-​فارس... فارس!
ليهمهم متذمراً:
-​امممممم.
ليصيح بضيق وصوت عالٍ نسبياً خشية إيقاظ الآخرين:
-​اصحى يا فارس.. يا عم اصحى...
​فتح إحدى عينيه والتفت إليه يسأله بدهشة، ظناً منه أن الوقت قد تأخر:
-​طارق... هي الساعة كام؟
​الساعة سبعة ونص.
زفر أنفاسه يلومه باستنكار:
-​لسه بدري، بتصحيني ليه؟
​عاوز اتمشى ومكسوف اتمشى لوحدي، أنت أقرب مني ليهم، تعالى تمشى معايا.
لوح بضجر وقال وهو يعاود دفن رأسه في وسادته:
-​خد علي معاك، أنا عاوز أنام.
نظر إليه بيأس قبل أن يسحب الوسادة من تحت رأسه ليرتطم بمرتبة السرير، ليسمع طارق يكرر الأمر عليه:
-​يا بني قوم معايا، أنا هصحي علي خلينا نتمشى شوية نشم لينا هوى نقي، قوم يا راجل يا عجوز.
ليرد عليه مغمض العينين ويقول متهكماً:
-​سبنا الشباب ليك يا دكتور.
_​ممكن أعرف عاملين غاغة ليه؟ مش فيه ناس نايمة معاكم؟
هتف بها علي متذمراً بعد أن أزعجه شجار الاثنين، ليلتفت نحوه طارق:
-​كنت عاوز نتمشى سوا، الجو حلو.
اعتدل علي في رقوده وقال برضا:
-​فكرة حلوة، هغير هدومي وأجي معاك.
​لكن علي بدلاً من أن يذهب إلى الحمام، اتجه نحو فارس الذي لا يزال ممدداً مغلق العينين يحاول مشاكسته، لينحني يهمس له:
-​قوم يا عجوز يا مراهق يا بتاع مكالمات آخر الليل.
ليجيبه دون أن يفتح عينيه:
-​اتلم يا علي، لما أنت غيران كنت عملت زيي.
لكن علي كتفه وقال باستهزاء:
-​أعمل زيك يا راجل؟ اختشي دا أنت قربت تجوز ولادك!
استيقظ أخيراً واعتدل يدفع علي بخفة ويوبخه:
-​امشي من قدامي يا علي، أنا لسه شباب يا ابن الجوهري.
وقبل أن يكمل علي مناكفته صدح صوت طارق المعترض:
-​بطلوا أنتوا الاتنين، اتأخرنا.
استسلم فارس لطلب شقيقه مجبراً وغير ملابسه، ليغادر الثلاثة في جولة صباحية

***********************
​كان يقف أمام مرآته يمشط شعره وينثر عطره، التفت ليراها تقف خلفه تمسك عباءته الثمينة لتساعده في ارتدائها وتهندمها له، تمسح على أكتافه وعيناه تتابعانها، يملي عليها أوامره وملاحظاته لحسن الضيافة وهي تكتفي بإيماءة من رأسها، حتى انتهت ليبتسم لها:
-​تسلم يدك يا غالية.
-​الله يسلمك ويحفظك يا حبيبي.
نظر إليها ليجد عينيها تحاولان أن تخبراه بشيء تردد لسانها في نطقه، ليقترب منها يمسح على ذراعها يمنحها الأمان لتبوح بما تحمله:
-​مالك يا زهرة؟ شكلك عاوزة تجولي حاجة.
تلعثم لسانها لحظات لكنها عزمت على إخباره بطلبها، لتمسك كف يده تشد عليه براحتيها تنظر له برجاء وتتوسله بصوت مضطرب:

-​وحياتي يا راجح ما تجسى على أصيل ولا تهينه جدام أصحابه، بالله عليك خليه فرحان بيهم وحافظ جيمته جدامهم.

​تبدلت ملامحه وتلاشت تلك الابتسامة، لتشعر بكفه يضغط على يديها بعنف، أيقنت معه أنها أغضبته. رفعت عينيها نحوه بخوف لتصطدم بعينيه التي ترمقها بحدة، لترتعش وجلة وهي تسمعه يقول بانفعال:

-​وأنا من ميتي بجلل من جيمة ابني جدام الغريب يا زهرة؟
ارتجف صوتها وهي تخبره باضطراب:
-​مش جصدي والله، بس جولت أنبهك عشان جصة امبارح.
تعالت وتيرة أنفاسه الغاضبة لتخرج كلماته بحدة حملت عتاباً ضمنياً:
-​لا ماتخافيش يا زهرة هانم، أنا بعرف ميتي أربي ابني وأعلمه وميتي أرفعه وأكبره، أنتِ واجفة جدام راجح يا زهرة مش جدام عيل صغير عشان تنبهيه.

ابتلعت ريقها الذي جف من توترها وخشية خصامه لتقول بسرعة:
-​فشر! مين اللي يجول عيل؟ ينجطع لساني جبل ما ينطجها يا سيد الرجال.
ثم باغتته باحتضانه، تضم جسدها له بقوة تعبر فيها عن اعتذارها وتقول بغنج تلومه وهي تتمسح به كقطة وديعة:

-​كدة يا راجح؟ هي زهرة ممكن تجول كلمة عفشة عن حبيب جلبها؟ دا أنت الغالي.
لانت ملامحه واستطاع دلالها إخماد نيران غضبه، ليضم جسدها يمازحها بعتاب:

-​شكل بجى فيه اللي أغلى مني عندك.

ابتعدت عنه بسرعة تخبره وعيناها تواجهان عينيه:
-​ما فيش أغلى منك في جلب زهرة يا غالي.
ثم ابتعدت تمسك بمقدمة عباءته تعيد ترتيبها وعيناه معلقة بها وهي تخبره بصدق:
-​هو أنا بحب ولادي ليه؟ عشان ولادك، وأصيل ماهو نسخة منك لكن الولد طالع لأمه طيب وحنين.
انفجر ضاحكاً وقال يداعبها:
-​جصدك أبوه جاسي مش كدة؟
ضيقت عينيها وعادت تجذب أطراف عباءته:

-​من غير زعل أيوه جاسي وخصوصاً معاه، مع إنه بيحبك، دا يكفي إنه دايما بيجول أنا طلعت دكتور عشان أبويا يفضل رافع راسه بيا.
قبض على كتفها بيديه ينظر إلى عينها بعمق يحاول إقناعها:
-​زهرة، أنا بحب أصيل جوي دا ابني البكري، لكن دا ما يمنعش إني أجسى عليه عشان يبجى راجل صح، أنا مش عاوزه دكتور بس، عاوزه راجل يجدر يصرف بعجل وحكمة، فهمتيني؟
هزت رأسها توافقه الرأي وتبسمت تدعو له بقلب محب:

-​ربنا يحفظك ليهم وليا يا حبيبي.
انحنى يقبل جبهتها قبلة طويلة رفرف لها قلبها، ثم همس يرد لها دعوتها:
-​ويحفظك يا غالية.

***************************
​سار الثلاثة بين الحقول يستنشقون هواء نقياً ويراقبون حركة الفلاحين النشيطة حتى مضى وقت أنهكت أقدامهم من السير، ليلتفت فارس نحو طارق الذي بدا مستمتعاً بتلك الأجواء:
-​مش كفاية يا طارق؟ خلينا نرجع، رجلي وجعتني.
ليضع علي كفه على كتفه وينهج أنفاسه المتعبة يوافقه الرأي:
-​آه خلينا نرجع، إحنا مشينا كتير.
مط طارق شفته ساخطاً وأجابهم باستهجان:
-​شكلكم عجزتوا صحيح!
أمسك فارس ساعده مستنداً عليه يخبره ويده الأخرى تمسح حبات العرق التي تجمعت على جبهته يستنكر حديثه:
-​يا أخي أنت متعود على الوقفة، إحنا ناس مش متعودة وبقالنا أكتر من ساعتين بنلف، خلينا نرجع.
-​آه وأنا جعت كمان خلينا نرجع، تلاقي الفطير السخن مستنينا.
هتف بها علي ويده تتحرك على معدته الفارغة وهي تصرخ مصدرة أصوات استغاثتها مشيراً نحوها:
-​سامع بتصوصو إزاي؟
ضحك طارق وفارس على حديثه واستداروا عائدين.

*********'*' *****
​أصبح أسيراً لأحلام هي بطلتها، وكأنه يفرغ شوقه إليها في تلك الأحلام التي يصنعها عقله مجيباً لنداء ذلك القلب العاشق. رآها تركض نحوه ليفتح لها ذراعيه فترتمي بين أحضانه ليحملها ويدور بها يصرخ بصوت عالٍ:
-​بحبك.. بحبك!
فتتعالى ضحكاتها وهي تبادله اعترافه:
-​وأنا كمان بحبك يا حسين... حسين... حسين!
تكرر اسمه لكن صوتها الناعم تغير وأصبح خشناً، ليختفي كل شيء وهو يشعر باهتزاز جسده. فتح عينيه بفزع ليجد أصيل يقف أمامه يضحك بشكل هستيري استفزه. مسح على عينيه ووجهه ثم على شعره وهو يتمتم:
-​بسم الله الرحمن الرحيم...
ثم زفر أنفاسه بانزعاج متعوذاً من الشيطان الرجيم، معتدلاً في رقوده يسند ظهره على ظهر السرير، ليضرب أصيل كتفه ويقول مازحاً:
-​إيه مالك؟ شفت عفريت؟
تثاءب يشيح وجهه عنه بتذمر، لكنه التفت ينظر لأصيل بهلع بعد أن سمعه يقول:
-​ولا قطعنا عليك حلم جميل يا عم الحبيب؟
ارتبك وعيناه تراقبان أصيل، يسأله بتلعثم:
-​هو أنا اتكلمت وأنا نايم؟
أزاح أصيل قدمه قليلاً وجلس على حافة السرير ينظر له بعبث ويهمس:
-​إلا اتكلمت! دا أنت قلت بلاوي!
انتفض يمسك ساعد أصيل ويسأله بترجٍ:
-​قلت إيه؟
انحنى نحوه يهمس بجانب أذنه بخبث محبب:
-​قلت بحبك... بحبك.
ابتلع ريقه وشلته الصدمة لدقائق وهو يخشى أن يكون قد لفظ اسمها، ليبتعد عن أصيل ببطء ويسأله بقلق:
-​بحبك بس؟
عاد أصيل يضحك من جديد وهو يشاهد ملامح الفزع ترتسم على وجهه، ليربت على يده مطمئناً:
-​ما تخافش، قلت بحبك بس.
زفر أنفاسه بارتياح واعتدل من جديد قبل أن تدور عيناه في المكان ليرى حسن الذي خرج تواً من الحمام وسيف الذي أنهى صلاة الضحى وجلس يتمتم بعض الأذكار. حرك عينه لتعود فتلتقي بعيني أصيل الذي أمسك يده يجذبها ويحثه على النهوض:
-​يلا يا بني قوم خد شاور وصلي خلينا نفطر علشان نروح مزرعة الخيول، أنت مش كنت متحمس تروح هناك؟
لم يكد يكمل أصيل جملته ليجده ينتفض ويقف يفرقع أصابعه أمامه ويخبره بنشاط قبل أن يتركه ويدخل الحمام:
-​ثواني!
***************************
​وصلوا إلى منزل راجح ليستقبلهم بحفاوة ويدعوهم لتناول الفطور. دخل الثلاثة واستأذنوه الاطمئنان على زوجاتهم وبناتهم قبل تناول الفطور، رافقهم إلى الجناح المخصص لهم. دخل الثلاثة لتهرول الفتيات نحو آبائهن بشوق.
ارتمت وردة في حضن طارق الذي احتضنها بلهفة:
-​بابا حبيبي وحشتني.
بادلها العناق يحتضنها بقوة:
-​روح بابا ودنيته، أنتِ كمان وحشتيني.
أبعدتها أحلام عنوة عن أحضان والدها واحتضنته هي:
-​بابا حبيبي وحشتني.
-​وأنتِ كمان يا روح بابا.
ابتعد عنهم ليقترب من ندى التي كانت تشاهد المنظر مبتسمة، وهي تجد بناتها تنعمان بما حرمت هي منه يوماً، فطارق يشبه والدها في حنانه على بناته:
-​عاملة إيه يا أم زياد؟
-​الحمد لله يا حبيبي.
​واقتربت هدى ومليكة نحو علي الذي ضم ابنته ونظر لهدى:
-​وحشتوني.
​وأنت كمان يا حبيبي، نمت كويس؟
-​الحمد لله.
​أما فارس الذي كان يحتضن قمر وعيناه معلقة بها وهي تبتسم له، ليبتعد عن قمر ويتحرك نحوها بخطى سريعة يسبقه شوقه ولهفته إليها، واقترب ينحني نحوها يهمس لها غامزاً:
-​وحشتيني يا روحي، ماعرفتش أنام امبارح، أدمنت حضنك يا بنت ورد.
بادلته الابتسامة تجيبه بذات الهمس:
-​وأنت كمان وحشتني يا حبيبي.
انحنى أكثر يهمس لها مجدداً:
-​وحشتني صباح الخير اللي بتفاءل بيها وبتعدل مزاجي، اصطبحت بوش علي وطارق عشان كدة مزاجي متعكر.
كتمت ضحكتها تعض على شفتها تحاول منعه من إكمال حديثه:
-​فارس!
-​عيون فارس وكل دنيته.
-​احم... احم... فارس اتأخرنا على الراجل.
كان هذا صوت طارق الذي انتبه إلى تحديق الفتيات بهم وابتساماتهن التي ملأت وجوههن كأنهن يشاهدن مشهداً رومانسياً، ليحاول تنبيهه بهذه الطريقة. ابتعدت عنه بحرج كما ابتعد هو مرغماً.

****************************
​وصل الشباب إلى المنزل يتقدمهم أصيل يرشدهم نحو الطريق، ليتوقف حسن فجأة عندما صدح رنين هاتفه. مد يده يخرجه من جيبه ليجد جده يتصل به، فتح الهاتف يجيب على جده ليسبقه الباقي نحو الداخل، فانشغل هو فترة في مكالمته التي كان يستفسر فيها الجد عن بعض الأمور حتى انتهى منها، ليجد نفسه وحيداً بالقرب من باب المنزل. فحار في أمره ماذا يفعل، أيدخل أم ينتظر أصيل ليعود إليه؟ ليحسم أمره ويقرر الدخول.
دخل نحو الداخل وخطى خطوات معدودة لا يعلم في أي اتجاه يتحرك، حتى تفاجأ بمن تخرج من إحدى الغرف دون انتباه. التفت إليها فتصعقها الصدمة عند رؤيته أمامها، ولم تكن صدمته أقل منها، فتلك هي الفتاة ذاتها التي رآها في الأمس. شُلت أطرافها ولم تدرِ ماذا تفعل لتخفض رأسها تحاول الهروب، ليقول بسرعة وهو يتلعثم بارتباك يحاول أن يبرر لها:
-​أنا مش...
فهمت هي من يكون، رفعت يدها تشير له نحو إحدى الغرف دون أن تتكلم وتفر هاربة بخطى مسرعة. ظل ينظر لأثرها لثوانٍ ليبتسم بتلقائية على تصرفها ويذهب حيث أشارت.
****************************
​دارت عيناه في المكان بانبهار، يراقب حركة الخيول ويتمعن في جمالها عن قرب. اقترب أصيل منه مبتسماً يبصر افتتانه بما يرى، وضع يده على كتفه ليلتفت نحوه يخبره بذهول:
-​المكان حلو أوي، مكنتش أعرف إن الخيل له رهبة كدة.
عقد أصيل حاجبه وسأله ضاحكاً:
-​يعني إيه؟ قررت تنسحب؟
ليهز رأسه رافضاً ويقول بحماس:
-​بالعكس، أنا متحمس بزيادة دلوقت.
أمسك أصيل عضده يسحبه بحماس مماثل نحو أحد الأحصنة:
-​تعالى أعرفك على حصاني الأشهب.
وقف حسين يتابع أصيل يمسك لجام الفرس ويسحبه نحو الخارج لتتسع عيناه بذهول وهو يجد فرساً أسود كسواد الليل يمتلك سحر الخيل العربية برشاقته. اقترب منه بحذر وأصيل يمسح على جسمه برقة ويخبره بفخر:
-​أنا والأشهب صحاب من خمس سنين، بس حصان فوق الوصف.
مد حسين يده بتردد يحاول لمسه ليومئ له أصيل مشجعاً:
-​المسه متخافش يا حسين، طول ما أنا موجود جنبه هو حاسس بالأمان.
مرر يده على عنقه بلهفة، تمر يده على شعره بحنان ليشعر بالسعادة والارتياح وهو يبصر تقبله له، وأصيل يراقبه مبتسماً:
-​تعالى يا حسين عشان تشوف أصيل وهو بيتمشى.
قال أصيل ذلك وأمسك لجامه يجره نحو الحلبة يتبعه حسين بشغف، وعندما وصلوا تفاجأ بابن خالته سيف يركب أحد الأحصنة ويعدو حول الحلبة بمهارة.
-​سيف كان بيدرب على ركوب الخيل كل ما ييجي زيارة.
لوح له سيف ليبتسم ويبادله إشارته. صوت صهيل الخيل جعله يرتبك، لكنه أخذ يمعن النظر للحصان الذي يركبه سيف، كان ناصع البياض كأحصنة الروايات والأساطير، ليعود قلبه العاشق يفكر بها ويتخيلها تركب خلفه على حصان مثله.
​كان الثلاثة غارقين في تعليم حسين مهارات ركوب الخيل وحسن يراقبهم من خارج الحلبة ويلتقط الصور لشقيقه كلما طلب منه ذلك، حتى تسلل الملل إليه. زفر أنفاسه بضجر وأمسك هاتفه يتنقل بين مواقع التواصل تارة، يتابع بعض أعماله وتارة يقرأ بعض الأخبار التي لم تخلُ من قصص الخيانة التي زادت من أفكاره السوداء، ليرحل بذكرياته نحو ذلك اليوم الذي تعرف به على فتاة من خلال أحد التطبيقات فنشأت بينهم علاقة استمرت بضعة أيام. كان سعيداً بتلك العلاقة وظن أنه سيبدأ قصة حب، ذلك الشعور الذي سمع عنه ولم يجربه.
وبدأ يتعلق بتلك الفتاة التي أخبرته أنها تسكن في محافظة أخرى، حتى أتى ذلك اليوم الذي طلب منها أن يراها وظن أنها سوف ترفض، ليتفاجأ بها ترسل له صورها، مما دفعه ليروي لصديقه المقرب ما حدث، فطلب منه أن يجرب هو معها الحديث، وإن تجاوبت معه إذاً تلك الفتاة لا تناسبه. اقتنع بفكرته وليبدأ صديقه بالحديث معها فتتجاوب معه وترسل له صورها كما فعلت معه بل وفي وقت أقصر، لينسحب هو من تلك العلاقة السامة التي كانت البذرة لتلك الأفكار السوداء التي تراكمت بعدها قصص أصدقائه الآخرين ومغامراتهم تبني في عقله جداراً من عدم الثقة في جميع النساء.
​قطع سلسلة أفكاره قدوم والده وأزواج خالته يتقدمهم راجح يشير نحو الإسطبل ومضمار الخيل يشرح لهم تلك المزرعة التي أنشأها لاستقطاب الخيل. انتبه علي لوجوده وحيداً ليقترب ويجلس بجانبه يسأله بدهشة:
-​مركبتش خيل معاهم ليه بدل ما أنت قاعد تتفرج لوحدك؟
مسح على خصلات شعره بضجر وقال متنهداً:
_​مليش مزاج وما بحبش الخيل.
ثم التفت يخطف نظرة نحو شقيقه المندمج معهم بحماس قبل أن يعاود النظر نحو والده ويقول بتهكم:
-​كفاية عليهم حسين اللي عامل فيها خيال.
ابتسم علي يطالع ولده المندفع دوماً نحو المغامرة والاكتشاف بعكس شقيقه الذي كان هادئاً دوماً محباً للانعزال، ليهز رأسه بحيرة فلا أحد سيصدق يوماً أنهم توأم، فهما مختلفان بالشكل والطباع. نهض من جانب حسن الذي عاد يطالع هاتفه بذهن شارد ليقترب من سور المضمار يتمسك به قبل أن يهتف بصوت عالٍ وصل لمسامع الجميع:
-​خلي بالك من نفسك يا حسين!
ليضحك فارس الذي اقترب يقف بجانبه يستند بساعديه على ذات السور ويخبره مطمئناً:
-​ماتخافش على حسين، هو بيتعلم بسرعة.
عينيه لم تحيد عن ولده يتابعه بقلب قلق عندما وجده يعتلي أحد الأحصنة:
-​مش عارف أنت جايب الثقة دي منين؟ مش شايفه مرتبك إزاي؟
وكزه فارس بحنق لائماً:
-​بقولك حسين راجل مايتخافش عليه، وبعدين سيف معاه.
ليلتفت إليه علي هذه المرة ويسأله باستغراب وهو ينحني ويسند ساعديه على السور تماماً مثله:
-​طول عمرك منحاز لحسين يا فارس.
اختطف نظرة سريعة نحو علي وابتسم قبل أن يعود ينظر لحسين بترقب:
-​دايماً بحس إنه شبهي، طموح وطيب.
انتفض علي مستديراً نحوه يستبدل ساعده بقبضة يده ليستند على السور ويطالعه باستهجان مصطنع يحاول مشاكسته:
-​ما بلاش شبهك يا ابن محسن!
رمقه بنظرة جانبية مستنكرة وقال يعاتبه:
-​وماله ابن محسن يا سي علي؟ مش عاجبك؟
ليصطنع الانزعاج ويمثل عدم الرضا يكمل المزاح معه وهو يربت على كتفه:
-​فارس، هو إحنا هنضحك على بعض؟ أنت مش فاكر وأنت في سنه كنت بتعمل إيه؟ - خليني ساكت، نسينا الخمرة والملاهي... وإلا عيب لولادك يسمعوا؟
لوى شفته بسخط وقال بضيق:
-​العبرة في النهاية، شوف أنا بقيت إيه دلوقت.
كان علي يطالع ضيقه ويكتم ضحكاته التي انفجرت بعد جملته الأخيرة، تلك الضحكات استفزت فارس لينهض ويقف مقابله ويلكمه في ذراعه بغضب:
-​بتضحك ليه دلوقت؟
مسح على ذراعه وقال رافعاً أحد حاجبيه:
-​أصل افتكرت صاحبة الفضل في النهاية.
ثم رفع نظره إليه وقال بطريقة هزلية:
-​بركاتك يا دكتورة... وإلا هتنكر يا أبو الفوارس علاج الدكتورة؟
كان الضحك هذه المرة من نصيب فارس الذي لانت ملامحه وتبخر غضبه بعد كلمات علي الأخيرة التي وضحت عدم جدية علي في الحديث وفي ذات الوقت أعادته للماضي ليتنهد بعشق لتلك التي كانت سبباً في نجاته، ليهز رأسه يؤيد كلامه:
-​عندك حق، الفضل للدكتورة.
صوت صهيل فرس سيف جعلهم يلتفتون بسرعة نحوه ليطالعه فارس بفخر وهو يعدو بمهارة أسعدته، والفخر لم يكن من نصيب فارس فقط بل من نصيب راجح الذي يشاهد أصيل يمتطي حصانه الأشهب كفارس ولد في مضمار سباق ليقول مشيراً نحوه بتباهٍ وهو يشاهد انبهار الرجال به:
-​أصيل خيال من الدرجة الأولى.
*******************"" "*
​وفي المساء كانت شمس وشقيقاتها يتبادلن الحديث مع زهرة التي لم تتوقف عن الثرثرة كعادتها، كانت تروي لهم حكايات من البلد لتتوقف فجأة عندما حركت رأسها ملتفتة تطالع ابنتها بسملة التي اندمجت مع الفتيات، لتلمح ابنتها سوسن التي انزوت كعادتها في مكان قريب تجلس وتطالعهم بصمت.
لتنهض مستأذنة وتذهب نحوها تقف أمامها تأمرها بضيق:
-​تعالي يا سوسن عاوزاكي.
نهضت تتبع والدتها بخطى هادئة حتى وصلوا إلى المطبخ، لتجذبها بعنف قبل أن تقف أمامها تتحدث بلهجة موبخة:
-​ممكن أعرف جاعدة ساكتة زي الخرسة ليه؟ متتكلميش مع البنات زي أختك؟
لهجة والدتها الغاضبة أصابتها بتوتر:
-​طب أجول إيه؟
لوحت بيدها مستنكرة وأكملت توبيخها:
-​جولي أي حاجة، جاملي الناس حتى.
​أنا ما أعرفهمش، ما أعرفش غير جمر بنت خالتي شمس.
هتفت بها تبرر لوالدتها سبب صمتها. تصاعدت وتيرة غضبها التي تجلت لسندس لتزيد من خوفها:
-​طب ما أختك ما تعرفهمش وبتجاملهم!
ثم زفرت أنفاسها مستغفرة وحاولت أن تستحضر هدوءها واستطردت قائلة وهي تقبض على ذراعها برفق:
-​يا بنتي أنتِ كبرتِ، واللي بسنك بيجوزوا ويفتحوا بيوت، لازم تتعلمي إزاي تتكلمي وتجاملي، أنتِ مش شايفة البنات اللي في سنك بيتكلموا إزاي وبيعملوا إيه؟
تجمعت الدموع بعينيها وعبس وجهها بحزن وهي تخبر والدتها بصوت مختنق:
-​أعمل إيه؟ بتكسف.
لانت ملامح زهرة وأشفقت عليها وهي تنظر لها بقلة حيلة:
-​خلاص يا بنتي، أنا بجول كدة عشان مصلحتك، إذا كان كلامي هيزعلك بلاها منه.
لتتركها واقفة في مكانها وتحمل طبق ثمار النبق عائدة لضيوفها، تاركة سوسن تنظر لأثرها وتتنهد بيأس، فلا أحد يفهمها ويفهم مشاعرها وتوترها أمام الغرباء.
​عادت زهرة إلى ضيوفها لتضع الطبق على المنضدة الوسطية أمام شمس، لتطالع شمس الطبق ثم رفعت نظرها تطالعها فيضحكان سوياً وسط استغراب الموجودين، لتلتفت شمس نحو شقيقاتها توضح سبب الضحك وهي تعاود النظر نحو زهرة الضحاكة:
-​أصل راجح بيه كان بيهادي زهرة نبق عشان عارفها بتحبه.
-​شفت الخيبة بتحب إيه؟
قالتها زهرة تشير نحو نفسها متهكمة بفكاهة. لتهتف هدى تلومها وهي تلتقط إحدى الحبات تمضغها بفمها بتلذذ:
-​طب دا والله جميل، أنا بحبه أوي، وحسن ابني بيشتريه بالشيء الفلاني لما موسمه يخلص أصله بيحبه أوي.
ذكرهم لاسمه نبه حواسها لتطالع خالتها وتقول بسرعة وتهور:
-​تحبي آخذ له حبة يا خالتو؟
لتجيبها هدى بترجٍ:
-​يا ريت يا قمر.
لكن طالعتها شمس باستغراب لتدرك تهورها وقالت متلعثمة تحاول تصحيح ما اقترفته:
-​أصله شفته بره في الجنينة.
لتنهض زهرة بسرعة تضع كمية منه في طبق وتمده لها:
-​خذي يا بنتي اديله دول مادام بيحبه.
نظرت نحو والدتها كأنها تستأذنها لتومئ لها بالموافقة. رفرف قلبها بعد أن اتخذت هذه الحجة سبباً لرؤيته، والتقطت الطبق من يدي زهرة تتجه بخطوات مسرعة نحو الخارج.

*******"" *******
​في الخارج كان حسن يجلس مع نفسه يتركها لصراعها الذي لا ينتهي، ليسمع مواء قطة جعله يبحث عنها بفضول ليجدها تقف عند إحدى الأشجار تنظر له بوداعة. ابتسم مقترباً منها وناداها باسمها الذي عرفه من الفتاة الصامتة كما أسماها. جلس القرفصاء ومد يده ينادي القطة:
-​سكر... سكر.
اقتربت منه القطة بحذر لكنها تركت مسافة بينه وبينها، ليسألها ضاحكاً:
-​شكلك جعانة... أكيد مستنية صاحبتك.
ظلت القطة تحدق به ليهمس لها كأنها تفهمه، مظهراً يديه أمامها:
-​أنا معنديش أكل مع الأسف، استني سوسن أكيد هتيجي كمان شوية.
استدارت القطة مبتعدة عنه ليتذكر لقاءه بها هذا الصباح ويعاود الابتسام على تصرفها.

-​حسن... حسن.
كان هذا صوت قمر التي أتت تلهث أنفاسها وتقف أمامه بشوق، عيناها تتفرسان ملامحه بحب، تخبره بصوت ناعم:
-​إزيك يا حسن، خالتو بعتت لك دا.
نهض مندهشاً من وجودها لكن دهشته اختفت وحل محلها ابتسامة عريضة وهو يرى ثمار النبق الموجودة في الطبق ليقول بلهفة:
-​الله! دا أنا نفسي فيه.
اختطف منها الطبق يتناول حباته تباعاً وسط نظراتها المترقبة:
-​متشكر يا قمر.
-​ألف هنا.
قالتها وظلت متسمرة مكانها، فلم تشأ أن تغادر بل ظلت تتأمله بعين لامعة وقلبها يخفق بالحب له ولتفاصيله الهادئة، حتى انتبه هو لوقوفها الذي طال أمامه وتحديقها به، ليتحمحم بحرج ويقول بجدية يلتقط الحبات الباقية من النبق واضعاً إياها في جيبه:
-​تسلم إيدك يا قمر، خلاص تقدري تاخدي الطبق وتخشي جوة قبل ما حد غريب يشوفك.
قالها يمد لها يده بالطبق ويحثها على المغادرة ويتلفت يميناً ويساراً خشية أن يراها أحد. انتشلت منه الطبق بحركة بطيئة قبل أن تستدير مغادرة، وقلبها يخبرها أنه يغار عليها لتزداد خفقاته وعقلها ينسج الأوهام أنه ربما يحبها كما تحب ويغار عليها، فلا يغار سوى المحب.

​أما هو فقد تناول حبات النبق بتلذذ وهو يجلس مستنداً على جذع الشجرة الكبيرة ويقذف بذورها بعيداً. داهمه النعاس لكن شيئاً ما منعه من النهوض كأنه ينتظر شيئاً يجهله، لكن بعد دقائق غفلت عيناه حتى انتفض فزعاً عندما سمع خطواتها القادمة ونداءها على تلك القطة:
-​سكر... سكر... تعالى جبت لك أكل.
توارى وجلس يراقبها كما فعل بالأمس، لكن أذنه اليوم التقطت شكواها للقطة وهي تجلس القرفصاء تمسح على جسدها بحنان تراقب تناولها للطعام:
-​شفتي يا سكر؟ ماما زعلت مني عشان مش بتكلم وأجامل الضيوف، أعمل إيه؟ مش راضية تفهم إني بتكسف من الناس.
"بتكسف" كلمة رددها عقله بتعجب، هل هناك فتاة تخجل من النساء؟ ثم استمر بالإصغاء لشكواها:
-​ماما بتقول هيقولوا بنتك خرسة.
ليعبس وجهها وتقول بعين دامعة:
-​أعمل إيه؟ مش قادرة، ولا هما فاهمين إني بتكسف، أنا مش زي بسملة بتضحك وتتكلم معاهم زي ما يكون بتعرفهم من زمان.
هبطت دموعها بعجز لتمسحها وشعور بالنقص يتملكها أظهرته بكلماتها المختنقة:
-​تفتكري يا سكر إني فعلاً مش طبيعية؟ وإلا هما اللي بيبالغوا؟
واستطردت تسألها كأنها تفهمها:
-​تفتكري يا سكر أنا كدة عشان أنا مادخلتش جامعة؟ أو يمكن عشان ماخطلتش مع ناس كتير؟
لتبتسم من بين دموعها وتعاود تمسح على ظهر قطتها المندمجة في تناولها الطعام:
-​أنتِ الوحيدة يا سكر اللي بتكلم معاك براحتي.
ظل يراقبها بصدمة ألجمت حركته، وعقله يترجم حديثها بتعجب شوش تفكيره؛ هل هناك فتاة مثلها؟ بدأت الأسئلة تتدفق إلى عقله فترضي بحديثها فضوله دون جهد منه. بدأ في ترتيب حديثها الذي أجاب على أسئلته؛ خجلها دون إرادتها، لم تختلط، لم تذهب إلى الجامعة، وبدأ يسأل ذات السؤال: هل هذه هي أسباب خجلها المفرط؟
وابتسم عندما وصل لمسامعه صوت ضحكاتها الرقيقة وهي تلاعب قطتها المتجاوبة معها باستمتاع، استدار يسند ظهره على جذع الشجره يردد اسمها كأنه يحفظه

                  الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>