– أنا زهجت وصبري انتهى ، من البتعمل فيه دا يا عبدالرحمن! ، شوف نفسك بقيت عامل كيف؟ ، متين ح تخلي السكر دا و تبقى أب مسؤول؟ ، إنت ناسي إنو عندك أولاد ومستقبلهم بضيع قدام عينك؟!.
=ما تكرهيني يا سهى ما عندك شغلة بي ، قلت ليكِ مية مرة ما تتدخلي في حياتي و أمور شغلي ، احمدي ربك إنو في سقف لاميكِ إنتي و أولادك!...
كنت واقفة في نص العريشة ، متسمّرة زي التمثال بعاين ليهم ودموعي في طرف عيني ، مجبورة أتفرج على المسلسل الليلي ، البقى عادة يومية عندنا ، منظر أبوي وهو بترنح وريحة السَكر فايحة منه..
و أمي.. واقفة قدامه بتعاتب فيه على ضياعه وعدم مسؤوليته ، وهي عارفة إنو الكلام معاه ما بجيب فايدة ولا بصحي ليه ضمير.
في اللحظات دي كان بتجيني رغبة مجنونة إني أصرخ بأعلى صوت ، أصرخ لغاية ما السقف يقع فينا ، و أقول ليهم كفاااية!..
عقلي كان بقول لي أمشي.. أمشي بعيد ، أختفي من البيت من الوجع ده ، من الدنيا دي كلها.. و كوني أي حاجة تانية غير مريم البتقيف تتفرج على مشاكل أمها و أبوها..
في عز ما انا سرحاانة في حياتنا بضياع حقيقي .. فجأة حسيت بيد صغيرة بتجر في يدي ، عاينت لتحت لقيته ماهر أخوي الصغير ، عيونه مليانة خوف و دموع وهو بتفرج معاي في نقاش أمي وابوي ، همس لي بصوت واطي..
مريم! .. ليه ماما و بابا بتشاكلوا دايما؟ أنا خايف يا مريم.. أبوي ح يضرب امي تاني؟!.
قلبي وجعني وجع ما بتوصف ، طبطبت على كتفه وحضنته بقوة ، كأني بحاول أدسّه جوه ضلوعي من العالم ده كله ، قلت ليه...
ما تخاف يا حبيبي.. دي مجرد ونسة حارة شوية.. تعال ندخل غرفتنا نلعب مع بعض ، وأنا ح أحكي ليك قصة عن مكان بعيد ، ما فيه صراخ ولا بكاء..
دخلنا و قفلنا الباب ، بس صوت صراخهم كان شديد ، فتحت التلفزيون بصوت عالي ، عشان أغطي على صوت أبوي .. لحظات و صوتهم هدا.. كنت عارفة ديل منو الخلوهم يسكتوا..
كانوا خالتو سيدة و عم الحاج جيرانا ، الربنا سخرهم لينا ، و الوحيدين البدخلو وسط النار دي ، عشان يهدوا امي وابوي كل ليلة..
عم الحاج ، ساق ابوي من يدو طلعوا للحوش وهو بقول ليه..
تعال يا ابو مريم ، استهدى بالله يا أخوي ، الوليدات ناموا ، ما تخليهم يصحوا على أصواتكم دي.
من جهة تانية.. خالتو سيدة كانت ماسكة امي و بتحاول تطيب خاطرها وهي بتقول ليها...
طنشيه يا سهى ، ما تردي ليه ، أنتِ عارفة إنو هو ما واعي وما عارف نفسه بقول في شنو ، أمي ردت بصوت مخنوق بالوجع ، عبدالرحمن دا ما بتغير يا سيدة ، أنا صبرت عليه كتير، وصبري خلاص انتهى..
خالتو سيدة اتنهدت وقالت ليها... ربنا يهديه ، ادعي ليه كتير ، و عشان خاطر مريم وماهر ديل حاولي تتحملي ، العيال ما ليهم ذنب.
بعد محاولات.. الجو هدا شوية ، خالتو سيدة و زوجها رجعوا بيتهم..
دايماً في اللحظات دي، بلقى نفسي بهرب لعالمي الخاص.. بحلم إني واقفة في مطار كبير، شايلة شنطة واحدة بس ، و لابسة ملابس سمحة ، بقطع تذكرة لمكان بعيد.. مكان ما فيه عريشة ، بتهتز مع كل صرخة ، ولا فيه ريحة سَكر بتهد حيلنا.. بحلم بمكان فيه مريم وبس.
نحن أسرة مكونة من أربعة أفراد بجمعنا سقف واحد وبتفرقنا ألف آهة.. أنا "مريم" في تانية ثانوي ، اخوي الأصغر "ماهر" في سادس..
أمي "سُهى" و الغريب إنها رغم التبدل الحصل في شخصيتها ، هي خريجة جامعية ومن أسرة متعلمة وليها مقامها..
ابوي "عبدالرحمن"، ورغم إنه هو كمان من أسرة متعلمة وميسورة، بس هو الوحيد دون عن إخوانه ، ما كمل تعليمه واتجه لمهنة الأعمال الحرة..
أمي اتحدت الدنيا وأهلها كلهم عشانه.. كانت بتحكي لينا و عيونها بتلمع ، كيف إنها هي وأبوي زمان حبوا بعض حب الروايات.. و فجأة تقول بابتسامة باهتة..
أبوكم ده زمان كان بشيلني من الأرض شيل ، و بعمل أي حاجة عشان يرضيني ، و ما كان بشرب نهائي.
كنت كل ما أسمعها.. بتردد سؤال واحد في راسي.. يا ربي الحب ده مشى وين؟ وكيف الزول الاتحدت أهلها عشانه.. بقى هو مصدر وجعها وخلاها تبقى بالشر والحدة دي؟! ، وكيف انتهى بيه الحال في الشراب.
هل الحب دايماً نهايتو بتبقى كدا؟ وجع وكسرة؟!..
_______________
تاني يوم مشينا أنا و ماهر المدرسة ، و بعد خلصت دروسي ، مريت عليه في مدرسته و قبل ما نطلع ، قال لي.. الأستاذة قالت عايزة تتكلم معاك مشيت ليها..قالت لي ...
يا مريم.. أخوك دا مستواه الدراسي اتدهور ، وبقى يسرح كتير في الحصة.. كلمي ولي أمره يجيني بكرة المدرسة ضروري ، هزيت ليها راسي وقلت ليها حاضر.
طول الطريق من المدرسة للبيت ، كنت ماسكة يده ، و بفكر في مستواه البقى كعب ، امشي أقول لمنو؟ لأمي الغرقانة في همها؟ ولا لأبوي الما عارفه في ياتو سنة؟!.
وصلنا باب البيت..مشيت ع العريشة البتقعد فيها امي لقيت الكراسي مقلوبة ، وفي بقع دم ناشفة في الأرض خلت قلبي يقيف ، بقيت أنادي يا أمي دا منو الاتجرح دا؟!.. جاني صوت عمتي ، و هي طالعة من غرفتنا معاها فتحي ولدها.. الكل ما عينه تقع في عيني قلبي بنقبض وبحس بضيق ما طبيعي..
قالت لينا.. أها جيتو يا أولاد سهى؟!.. سألتها بلهفة.. في شنو يا عمتي ؟ والدم ده دم منو؟
لوت خشمها و قالت لي.. دي السِت سُهى شالت الحديدة و ضربت ابوك فتحت ليه راسه.. قلت ليها.. شنو؟ وهسي أمي وين؟! .. ردت لي بضيق.. يعني بتسألي من امك ، وما هاميك أبوك الراقد في المستشفى؟!.
أمكم أول ما شافت ابوك واقع خلته وجرت مشت أهلها، وكتر خير الجيران ضربو لينا كلمونا..
حسيت الكلام وقف في حلقي ، سحبت ماهر من يدو مشينا غرفتنا.. أول ما فتحت الباب لقيت الغرفة جايطة شديد ، كأنهم كانوا بفتشوا في حاجة ، ماهر سألني وهو ببكي ، يا مريم.. يعني أمي تاني ما بتجينا؟ ، حاولت اثبت صوتي قلت ليه.. ما تبكي أمي بتجي ، هي بس مشت عشان تعبانة، بكرة بتجينا.. امشي غير ملابسك عشان ناكل..
بعد العصر أبوي جاء داخل و عمي سانده من يده ، راسه ملفوف بالشاش ، والدم كان لسه منقط في طرف الشاش ، عمتي جرت عليه وهي بتولول.. الله يا ذاك يا سهى عايرة تقتلي اخوي ، تعال يا عبدالرحمن ادخل ارتاح ، وانتي يا بت مريم.. امشي ختي ليهم الغدا.
دخلت المطبخ.. بديت ارص في الصينية ، فتحي جاء داخل و من غير مقدمات ، وقف لي في راسي ، زحيت منه قلت ليه عايز حاجة؟!..قرب مني و قال لي بصوت واطي ومقرف...
ما شاء الله يا مريم ، كبرتي وبقيتِ ست بيت ، والله السنين جرت بينا ، حسيت بضيق من كلامه و نظراته غطيت صدري ، قلت ليه... المطبخ ضيق وماف داعي لوقفتك دي هنا ، ممكن تطلع؟! ، ضحك ضحكة مستفزة ، قرب مني وهمس لي في اذني ، مالك خايفة كدة؟ أنا ود عمتك ، والبيت ده بقى بيتنا يعني ح نشوف بعض كتير ، نفضته من جمبي و قلت ليه.. اشوف الموت ولا اشوف وشك دا ، ولو سمحت شيل الصينية دي واطلع..
أول ما طلع ، سحبت نفس طويل و مسحت دمعتي من طرف عيني ، حاولت أهدي نفسي ، بس السمعته من العريشة ، خلى دموعي تنزل ذيادة.
جاني صوت أبوي و هو بتكلم ..
أنا خلاص.. سهى دي ما عندي ليها حاجة تاني غير الطلاق! ، المرة البترفع يدها على راجلها ، وتفتح راسه دي ما عندها مكان في بيتي.. أولادي بعرف أربيهم براي.
عمي كان ساكت م اتكلم نهائي ، بس عمتي طوالي ايدته ف كلامه..
عفيت منك يا أخوي ، دا الكلام الصاح! المرة القليلة أدب دي مكانها بيت أهلها ، ومريم زاتا كبرت ، وح تقدر تمسك مسؤولية البيت ، وانا ما بقصر منهم ، و فتحي ببقى ليهم راجل البيت في غيابك.
حسيت بضيق ف صدري وانا بسمع كلامها ، فتحي راجل البيت؟! ، طلعت من المطبخ بسرعة عشان ما انفجر، عيني وقعت عليه كان قاعد بكل برود ، وكأنه صاحب البيت فعلاً ، نظراته كانت بتقول لي.. سمعتي؟ أنا قاعد هنا.
جريت على غرفتنا ، لقيت ماهر لسه قاعد في الركن، وعيونه غرقانة دموع ، أول ما شافني ارتمى في حضني وقال لي..
يا مريم.. ناس عمتو ديل ح يقعدوا معانا لمتين ؟ أنا بخاف من فتحي يا مريم.. بخاف منه شديد!.
حضنته بقوة ، رغم إنو العبرة كانت خانقاني أكتر منه..
قلت ليه.. ما تبكي يا حبيبي ، أنا معاك والله ما بخلي زول يلمسك ولا يضايقك ، أمي اكيد ح تجي و م ح تخلينا.
لكن في جواي ، كنت بقول لنفسي بوجع ، كيف ح تجي يا ماهر؟ وأبوي قفل الأبواب كلها، والبيت بقى محتل من ناس لا برحموا ولا بخلوا رحمة ربنا تنزل؟!..
* * *
مرّ أسبوع وكأنه مية سنة .. أسبوع كان طعمه زي الحنضل و مليان خوف.
أمي ما جات.. ولا حتى ضربت لينا تلفون ، كنت كل ما الباب يدق ، قلبي يطير من مكانه وأقول دي هي! ، وتطلع واحدة من جيرانا ، جاية تسلم علينا..
من جهة عمتي بقت نفسها ملكة في بيتنا ، تأمر وتنهي وكأن أمي عمرها ما كانت قاعدة ، كانت مُسممة عيشتي..
يا مريم.. غسلي العدة دي سمح، ما تخليها وسخانة زي ما كانت أمك بتعمل! ، نضفي الحوش دا!.. اعملي الغداء! ، اعملي لفتحي قهوة ، أو تهمس لأبوي لما يجي..
شفت يا عبد الرحمن؟ ، البيت نضف ونور كيف؟ والله سهى دي.. ما مرا مع النسوان!..
أما فتحي.. فكان هو الوجع الأكبر ، بقى يتصرف بكل عشوائية ، يجي داخل غرفتنا وأنا قاعدة فيها ، يطلع وراي الحوش ، و يرااقب كل حركة بعملها ، مرات يضرب ماهر من غير سبب.. لدرجة بقى لا بياكل ولا بتكلم ، بس لاصق فيني ، وكل ما فتحي يقرب مننا ، يرجف من الخوف..
ناس خالتو سيدة و أريج بنتها ، كانوا بجونا طوالي.. يتونسوا معانا و يحاولوا يخففوا علي شوية ، وهم شايفين تعامل عمتي وجوطتها ، يقولو لي اصبري امك ح تجي ، و هم ما عارفين بطلاقها من ابوي.
عمتي فجأة لملمت حاجاتها من الصباح ، وقالت لأبوي..
يا عبد الرحمن ، أنا ماشة بيتي طولت منه ، خليت هيفاء مع اخوها براهم ، لكن ح أخلي ليك فتحي هنا يساعدك ، يقضي ليك طلبات البيت ، وياخد باله من العيال في غيبتك.
أول ما سمعت إنها ح تخلي فتحي ، قلبي انقبض من الخوف.. بس رد ابوي خلاني اكون فخورة منه لأول مرة..
أبوي عاين لفتحي الواقف بعيد وبوزع في نظراته بيني وبين المكان بكل جرأة.. و سكت مسافة كأنه براجع شريط الأسبوع القعدوه معانا..
رغم الضياع و الوجع الكان فيه اتنحنح ، وقال لعمتي بنبرة حازمة..
كتر خيرك يا أختي.. وقفتك ما بنساها ، لكن فتحي ده زول شاب ، وعنده حياته وأصحابه ، ما ينفع نحبسه هنا ، الحمد لله لسه فيني الحيل ، ومريم زاتا ما شاء الله بتسد الخانة.
عمتي لوت خشمها باستغراب..
بري يا عبد الرحمن! فتحي ده ولدك ، و زي أخوها..
أبوي هز راسه بابتسامة باهتة لكن عيونه كانت جادة و هو بعاين لفتحي مباشرة..
أنا عارف.. بس خلي الولد يمشي يشوف شغلته ، وأنا هنا مع أولادي بنعرف نتصرف ، التفت عليه وقال ليه.. فتحي يا ولدي.. كتر خيرك ما قصرت ، اتوكل مع أمك!.
وشه بقى زي الطماطم ، اتحسس شعره بضيق وهو بحاول يبتسم ببرود.. بس ملامحه كانت بتغلي. عمتي شالت أكياسها وهي بتتمتم بكلمات ما مفهومة، وفتحي طلع وراها.. و ضرب الباب بقوة من الغيظ.
أول ما قفلوا الباب ، حسيت إني اتنفست لأول مرة من أسبوع. عاينت لأبوي لقيته بعاين لي بنظرة طويلة، مليانة أسف ، كأنه بالرغم من كل الحاصل ليه ، لسه الأب البغير على عرضه و يحس بالخطر قبل ما يقع.
ناداني بصوت واطي ، يا مريم تعالي..
مشيت عليه بخطوات مترددة ، وقفت جنبه وأنا عيني في الأرض ، مدّ يده و مسح على راسي.. ودي حركة ما عملها من زمن ، حسيت بدموعي عايزة تنزل.
قال لي..
أنا عارف إني الفترة الفاتت كنت غايب عنكم، حتى وأنا قاعد معاكم ، لكن ده ما معناه إني بقيت ما بشوف.. أنا أبوكِ.. وعارف نظرة الغريب من القريب ، البيت ده طول ما أنا فيه ، ماف زول بضايقك، لا فتحي و لا غيره.
عاين لي وكأنه بفتش في وشي عن ملامح أمي.. و قال
لي بصوت مكسور..
أنا ح أطلق أمك ، و ده قرار ما منه رجعة ، لأننا وصلنا لطريق مسدود ، خلي بالك من نفسك واخوك..
و من بكرة ان شاء الله ، أنا ح أرجع أشوف شغلي ، وح أوفر ليكم احتياجاتكم..
وفعلاً.. زي ما وعدنا ، الأيام الأولى كانت زي الحلم.
بقى يصحى الصباح بدري ، يعمل لينا الشاي ، يلبس ملابسه يمشي شغله ، ويرجع شايل معاه الخضار والفواكه وطلبات البيت ، حتى الصراخ و ريحة السكر اختفوا تماماً ، بقينا ناكل ونشرب ونحن بنسمع منه حكاوي وقصص عن حياته زمان.
كنت بقول لنفسي.. الحمد لله.. يا ربي تكون دي البداية الحقيقية.
ماهر رجع فرهد وبقت الضحكة ما بتفارق وشه ، أريج بقت تراجع ليه دروسه كل يوم ، مستواه في المدرسة بدأ يتحسن.
وانا بقوم بواجبات البيت الصغيرة ، خالتو سيدة ما كانت بتخليني اطبخ، رغم رفضي ليها اني بعرف!.
حياتنا بقت مرتبة لدرجة شبه اتعودنا ع غياب امي ، مع انه بنفقدها بس ما زي أول.
لغاية ما يوم جمعة بعد الصلاة ، الباب ضرب مشيت فتحته لقيتها امي معاها خالي ، سلمت عليها بلهفة ودموعي غلبتني ، بس الصدمة كانت في ماهر.. وقف بعيد ، ووشه اتغير تماماً ، لما مدت ليه يدها ، زحا منها لورا.. وقال ليها..
إنتي ليه مشيتي خليتينا يا ماما؟ ، أمي عيونها لمعت بالدموع ،حضنته وهي بتبكي ، قالت ليه.. انا ما خليتكم يا حبيبي غصب عني ، ولا اشتغل بيها فات خلاها..
خالي سألني ابوك وين؟! ، قلت ليه.. لسه ما جاء من صلاة الجمعة.
عملت ليهم القهوة شربوا ، و سألتني من الجيران ، بعدها دخلت الغرفة طوالي ، وبدت تلم في ملابسها و حاجاتها البتخصها ، قلت ليها.. يا أمي ابوي اتغير بكتير وبقى زول مسؤول زي ما كنتِ بتتمني زمان ، ارجعي من قرار الطلاق دا عشانا نحن ، وهو لسه ما قنع منك.
ردت لي بصوت جاف.. ابوكم اتغير بعد شنو؟ بعد ما الراس انفتح والكرامة اتهانت؟، التغيير ده خليه ليكم انتوا .. أنا خلاص بقيت ميته من ناحيته ، لمحت دموعها ف طرف عينها ، كنت عازفة كلامها ما من قلبها ، مسحت وشها وبقت توصي فيني على البيت وماهر ، وانا دموعي ما عايزة توقف.
خلصت من الستيف وطلعت الشنط كلهم برا ، كأنها بتقطع في آخر خيوط بتربطها بالبيت ، منظر البيت وهو بتفرغ من ريحتها وتفاصيلها كان بقطع في قلبي قطعة قطعة.
في اللحظة ديك ، أبوي جاء داخل البيت ، وقف في نص الحوش ، شايل مسبحته في يده ، شاف امي و هي طالعة شايلة آخر شنطة ليها.
سلم عليهم بلهفة ، و دخل مع خالي الديوان ، امي استئذنت و مشت تسلم لي جاراتها.
كنت سامعه صوتهم ، ابوي كان بقول لخالي ، أنا اتغيرت ، و كيف أطلقها دي ام عيالي.
بس خالي قال ليه بصوت حاد.. نحن تعبنا من مشاكلك دي و اديناك فرص كتيرة يا عبدالرحمن ، و في كل مرة بتقول كلامك دا ، و ما شايفين ليك تغيير.
نحن ما عايزين معاك كلام ، غير قسيمتها تصلها في أسرع وقت.
بعد مسافة امي جات وعيونها محمرة ، خالي طلع و قال ليها.. يلا نمشي يا سُهى.
ودعتنا انا وماهر ، وهي بتقول سامحوني! يا أولادي!.
عاينت لي ابوي بنظرة أخيرة ، وقالت ليه في أمان الله يا عبد الرحمن ، ردّ ليها بصوت مخنوق.. الله يعدل طريقك.
أول ما قفلوا باب الشارع وراهم ، أبوي فضل واقف في مكانه مسافة ، وبعدين اتلفت علينا ، لأول مرة اشوف ملامحه بقت مكسورة وشايلة هم الدنيا.
دخل الديوان من غير ما ينطق بكلمة ، يومها ما طلع نهائي ، ولا حتى ولع اللمبة حقته..
ماهر سألني.. مريم، أبوي ماله ما طلع يتغدا معانا ؟ وأمي ليه شالت ملابسها كلها؟!.
ما عرفت أقول ليه شنو ، حضنته علي وسكتت ، كنت عارفة انه ابوي ياداب اتأثر ، بقرار انفصالهم ، وحسه بي انّه فقد امي خلاص.
بس ما كنت عارفة انه الكسرة الشفتها في عينه وهو بودعها دي ، ح تبقى البداية الحقيقية لضياعه من جديد..
_______________
في الأيام الأولى بعد ادي أمي قسيمتها ، أبوي حاول يكون طبيعي و يمارس حياته زي ما كان بعمل ، بس رغم محاولاته دي كان في حاجة في عيونه اتغيرت سكوت غريب!.
مرت الأيام بهدوء خادع… شوية شوية ، بدأ يتأخر ف الشغل ، الأكياس بدت تقل ، ومرات ينسى حاجات البيت ، لغاية ما في يوم اتأخر شديد ، فضلنا منتظرنه في العريشة ، الليل بقى تقيل علينا ، ماهر في الآخر نام.
فجأة سمعت صوت الباب فتح ، وفاحت معاه ريحة كنت مفتكراها اختفت ، دخل وهو بترنح ، عيونه محمرة ، رفع راسه عاين لي ومشى ع الديوان .
دموعي اتجمدت في عيني ، و انا شايفة رجع للشراب ، عاينت لماهر وهو نايم ، قلبي وجعني عليه ، حسيت بكُبر مفاجئ نزل ع اكتافي و بمسؤولية كبيرة تجاهه ، قلت ليه في نفسي..
أمنا مشت ، و ابونا رجع لحياته القديمة ، بس أنا ح أكون ليك الحُضن البديك الأمان ، و م ح اخلي الخوف يلمس قلبك طول ما فيني نَفَس.. وح أعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك.
الصباح صحينا ما سمعت حركته ، مشيت ع المطبخ حتى الشاي الكان بعمله لينا ما عمله ، صحيت ، نضفت البيت وشربنا الشاي ، شلت من القروش الادتنا ليها امي
و طلعنا.
الشارع كان لسه في بدايات حركته ، وصلت ماهر ومشيت مدرستي ، بس عقلي ما كان في الحصص ولا في كلام الأستاذة ، كنت بفكر.. يا ربي أبوي مشى وين من الصباح؟ وهل ح يرجع بالليل وهو واعي ولا ح يكرر حركة أمبارح؟ والقروش الادتنا ليها أمي دي ح تكفينا لمتين؟!.
خلص اليوم الدراسي ورجعنا البيت ، انتظرناه لغاية ما جاء الليل ، فجأة، سمعت صوت رزعة في الباب ، قلبي نط من مكانه ، ابوي جاء داخل ، و المره دي ريحته أقوى ، وقف ف نص الحوش و كورك بصوت عالي...
مريم.. أمك وين؟! ، قلت ليه.. أمي مشت يا ابوي ، أنت نسيت؟.
سكت مسافة ، وبعدين صرخ فيني.. ما مشت! أنتوا الطردتوها! أنتوا السبب! ، أنا لسه بحبها بس خيلانك فرقونا ، مشى بخطوات مهزوزة دخل الديوان.
قضى الليل كله ينبز خيلاني ، و يلوم أمي انها خلتها ، وتاني يرجع يضحك بصوت عالي ، لما في الآخر نام.
___________________
مرت الأيام، وبقى حال أبوي اسوء ، السكر والجوطة والمشاكل بقت عادة ، يطلع الصباح من غير كلمة، ويرجع نص الليل وهو غايب عن الوعي ، ما كان بعرفنا أكلنا ولا شربنا ، الا لما يكون واعي.
كان كل همي ماهر، بقيت أختلق ليه أعذار وقصص ، و أضحك في وشه وأنا من جوه ميتة ، عشان ما يحس بإن العالم انهار تماماً.
خالتو سيدة وعم الحاج ما قصروا معانا ابدا ، كانوا بحسوا بينا من غير ما نتكلم ، الاكل بجينا في أوقاته.
وقدر ما أرفض انه بندبر حالنا يزعلوا مني ، و انو لو بمرادهم نجي نقعد معاهم ، "أواب" ولدها الكبير ، كان بسوق ماهر معاه يفسحه و يشتري ليه ألعاب ، ومرات يشتري حاجات ويقول ليه.. أديها لمريم كنت بمثابة اخونا الكبير في تصرفاته و خوفه علينا.
أحياناً كنت بشيل تلفون أريج أتصل لأمي ، كانت بتسألني عن أبوي ، وكأنها لسه بتحن ليه ، ولما عرفت إنه رجع للشراب وبقى يصرف قروشه في القعدات ، بدت تحول لينا قروش عند أواب وبقينا نتصرف منها.
لغاية ما في يوم ابوي اتأخر شديد ، قلقت عليه فضلت امشي واجي في نص الحوش ، لغاية ما الساعة جات ١٢ و البيوت الحولنا كلها قفلت أبوابها.
فجأة سمعت صوت أواب ، بتكلم مع أصحابه ، وهم راجعين من الكورة ، طلعت بسرعة و ناديته..
جاني مخلوع.. مريم! ، الحاصل شنو؟ إنتو كويسين؟.
قلت ليه والدموع غلبتني ، أبوي اتأخر لغاية هسي ما جاء، أنا و ماهر برانا.
عاين لي بشفقة وقال لي.. من قبيل قاعدين براكم؟! ليه ما مشيتوا تقعدوا مع ناس أمي من بدري..
قلت ليه.. عليكم الله اتصل ليه.. شوفه ماله، أنا لازم أرجع هسي ماهر نايم.
رجعت جري ، و خوف الدنيا كله فيني ، مسافة وجاني صوت دقات خفيفة في الباب ، طلعت لقيت أواب ومعاه أريج، قال لي.. اتصلت ليه و تلفونه قافل.
أريج شاكلتني انو ما كلمانهم اننا براها ، واصرّت نمشي نبيت معاهم ، صحيت ماهر ، و قفلت الأبواب مشينا معاهم.
كنت بتخيل كل السيناريوهات الكعبة ، اتخيلته واقع في نص الشارع والناس بتتفرج عليه ، أو اتشال في كشّة من الشرطة ، أو اتشاكل مع السكارى وضربوه.
الواطة بدت تفتح، وأنا لسه بتململ في مكاني..
خالته سيدة جابت لينا الشاي و قالت لي.. عمك الحاج هسي ماشي يشوفه في ورشته ، الحاصل عليه شنو؟!.
ما كملنا كلامنا ، سمعنا صوت خبط في باب بيتنا.
جريت بسرعة فتحت الباب ، لقيته واقف بضرب ف الباب ، جريت عليه بلهفة وخوف قلت ليه...
كنت وين يا أبوي؟ ، وليه م اتصلت علينا؟ ، قلقنا عليك
قال لي ببرود... الزمن اتأخر ونمت في الورشة.
قلت ليه.. كان تتصل علينا تكلمنا ، خوفنا تكون حصلت ليك حاجة؟ ، عاين لي بنظرة باهته كأن الخوف العشته دا ما بعني ليه حاجة.
بس دي ما كانت المره الأخيرة ، آخر مرة عدّى يومين برا البيت ، في الآخر اتصلنا لي محمد عمي.
في أقل من ساعة جانا ، وشه محتقن من الغضب ، ما قعد
و طلع يفتشوا ، قعدنا ننتظر والوقت بمر علينا ، لغاية ما جوا داخلين الساعة ٩.
لما شفت أبوي ما قدرت أتكلم معاه ، ولا اقول ليه.. كنت وين؟! ، وقفت متسمرة في مكاني وأنا بعاين ليه بنظرة غريبة ، بين شفقة على حاله ، و كره ما طبيعي ، للوضع المعيشنا فيه دا.
عمي جاء قال لي.. بصوت حازم..
مريم.. لمي حاجاتكم أنتِ وأخوكِ كلها ، ما عايز حاجة تفضل هنا ، من الليلة ح تمشوا تقعدوا معاي ، لغاية ما أبوكم دا يصحى من القرف العايش فيه دا ، ويعرف يعني شنو مسؤولية ، بدل القعاد في بيوت الشراب و الفارغة.
ما عرفت النقاش الدار بينهم شنو قبل ما يجو ، بس أبوي ما حاول يتكلم أو يمنعه ، كان مدنقر راسه في الأرض وكأنه غريب.
لميت ملابسنا كلها ، والدموع متجمدة في عيني ، و في الليل داك ، طلعنا مع عمي ، وفي اللحظة الاتحركت فيها العربية ، حسيت بروحي بدت تطلع مني مع كل خطوة بتبعدنا عن بيتنا ، بكيت بصوت عالي و بحرقة.
عمي أول ما سمع صوتي ، وقف العربية على جنبة، والتفت علي، قال لي... مالك يا مريم ؟ ، إنتِ ماشة بيت عمك ، ما زول غريب .. بتبكي كدة ليه؟.
قلت ليه بصوت متقطع... نحن هسي فرقنا من الأيتام شنو يا عمي؟ أمي وأبوي لسه عايشين! و بقينا مشردين و طالعين من بيتنا في نص الليل.. ليه أبوي بعمل فينا كدة؟.
عمي رجع قعد جنبي ، مسح دموعي وقال لي.. اسمعيني كويس يا مريم.. من زمان ابوكم دا ما بخليني ادخل في حياتو لأي سبب ، حتى مشاكله مع أمك ، لغاية ما طلقها ، انا كنت بعيد منها ، بس كونه يتمادى ، يخليكم بالأيام و انتوا أطفال صغار، من غير أي احساس بالمسؤولية ، دا كلام أنا برضاه..
و لاقدر الله لو حصلت ليكم حاجة ؟! ، ابوكِ لازم يتأدب و يعرف قيمتكم ، عشان يخلي الطريق الماشي فيه دا.
عمك الحاج وراني كل الحاصل ، وأنا حلفت بالله ما أخليكم وراي ، ولا اخليكِ تشيلي مسؤولية أكبر من عمرك تاني.
سكت شوية وعاين لماهر و قال لينا..
من الليلة ، إنتِ و اخوك ح تبقوا زي أولادي ، لا ح تنقصكم لقمة ولا كلمة طيبة ، انتوا لسه صغار عيشوا طفولتكم ، و خلوا الهم دا علي أنا.
بعدها طبطب على كتفي ، وقال لي الكلمة البردت قلبي شوية..
ولو اشتقتِ لأمك وعايزة تمشي ليها ، في اي لحظة أنا بوديكم لغاية عندها..
كلامه خلاني أهدا شوية ، بس الغصة كانت لسه في حلقي ، قلت في سري.. يا رب.. يكون بيت عمي هو الأمان الضاع مننا.. ويا رب أبوي يرجع لينا أب حقيقي ومسؤول...
يتبع....
