رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع عشر 19 والعشرون 20 بقلم منة الله مجدي
بعد وقت قصير شعر بها تتملل في الفراش
رمشت بزرقاوتيها المغمضتين عدة مرات في خفوت و رَوية قبل فتحهما
إتنفض جسدها علي الفراش ثم هبت جالسة وفتحت عيناها تحدق في ربوع الغرفة في ذعر ولكن كل ذلك هدأ...... إستكان جسدها.... وهدأت رعشاتها سامحة للهواء المنحبس داخل رئتيها بالتحرر في أريحية حين شاهدته جالساً بجوارها
حقيقة لا تعرف لما إطمئنت تحديداً
هل لرؤيتها له بخير...... أم لرؤيتها له في الأساس لا تعرف
فسألت في خفوت
- أنا هنا ليه
أردف هو بآلية
-تعبتي وإحنا جايين في الطريق وأغم عليكي
إعتدلت في جلستها بهدوء وهمست بخفة
- ممكن نروح صح
حرك سليم كتفيه في هدوء وتمتم بآلية
-أه عادي الدكتور قال وقت ما تفوقي
أخفضت مليكة بصرها وعضت علي شفتيها متمتمة في هدوء
- طيب معلش أنا عاوزة أروح
أومأ برأسه ثم خرج من الغرفة طالباً من إحدي الطبيبات معاينتها كي يتسني لها الرحيل
وبالفعل لم يمضي وقتاً طويلاً حتي كانا يسيران سوياً في السيارة
كان الصمت هو المخيم علي الطريق بأكمله
فكان هو يقود السيارة شارداً يود لو يسألها عما حدث معها ولما صرخت وكيف توفت والدتها بالأساس ولكن كبرياؤه الأرعن وقف حائلاً بين سؤاله فكيف يجهل سليم الغرباوي شئ ما
أما هي فإستندت برأسها علي زجاج النافذة
سارحة ،شاردة تتذكر والدتها تنهدت بعمق وهي تتمني لو ينتهي كل شئ
فأحياناً ما تمر علينا أوقاتاً نشعر فيها بالتعب من كل شيء ومن اللاشيء ،نود لو أنه بإمكاننا أن نغمض عينينا فقط وينتهي كل هذا
بعد وقت قصير وصلا الي القصر
فهبطت مليكة من السيارة متوجهة للداخل في هدوء حتي سمعت صوت مراد ولكن معه ندي التي علمت منها أن سليم هو من أرسل إليها سيارة كي تأخذها للمنزل كيلا تبقي في المستشفي
************************
في منزل عاصم
جلس الجميع علي المائدة يتناولون الطعام
أخذا أيهم وجوري يحدثان والدهم ويقصان عليه كل ما فعلوه في النادي والحضانة لليوم
وهو جالساً يعمل علي هاتفه وفقط يومئ برأسه إليهم........أما نورسين فأخذت تطالعه بالم ف الي أي مدي سيظل هكذا......الي أي مدي
وبعد قليل سأل ايهم
- بابي إيه رأيك
أخذ عاصم يومئ برأسه في هدوء كما كان يفعل
فلكزته نورسين
-بابا أيهم بيسالك
إبتسم عاصم بهدوء وتابع ناهياً أي مجال للنقاش
-اللي مامي تقول عليه تعمله يا أيهم
ثم نهض حاملاً أشياءه مودعاً إياهم ورحل
زفرت نورسين بألم بعدما شاهدت طفلها يخفض رأسه في أسي
فضحكت بهدوء وتابعت بحماس
-مين فيكوا بقي يا قطاقطي اللي خلص كل أكله
نسي أيهم ما حدث وتابع بفخر
- أنا يا مامي إنما جوري لا
نهضت نورسين مقبلة طفلها وتابعت بفخر
-أيهم هيكبر وهيبقي راجل أد الدنيا أما جوري هتفضل صغيرة
وقف أيهم بكبرياء متابعاً بفخر وحماس
- أيوة هبقي راجل أد الدنيا زي بابي بالظبط
إبتسمت نورسين في سعادة وتمنت من الله أن يستفيق عاصم قبل فوات الآوان
***************************
في منزل العائلة بالصعيد
جاء رجل ما لخطبة فاطمة ولكنه يكبرها كثيراً في العمر وإنقسم المنزل بين مؤيد ومعارض ولكن القرار الأخير بيد فاطمة كما أخبراها والدها وعمها مهران وجدتها خيرية
قررت قمر التحدث معها ونصيحتها في هدوء فهي تعتبرها شقيقتها الصغرى فأخذتها وخرجا للجلوس سوياً في حديقة القصر
-بصي يا حبيبتي ربنا اللي يعلم إنتِ إيه عندي وأني بعتبرك أكتر من شجيجتي
إبتسمت فاطمة في هدوء وتمتمت
- وأنا كمان يا جمر والله
إبتسمت قمر وتابعت بروية
- بصي يا حبيبتي أنا بس چاية أنصحك نصيحة لوچه الله بلاها العريس اللي چاي ديه متدفنيش شبابك بالحيا لأي سبب
همت معترضة فتابعت قمر بإشفاق
- أني عارفة إنك كنتي بتحبي سليم ود عمك بس يا حبيبتي مش معني إنه مچاش يوبجي خلاص بالعكس لسة بدري والبنية الزينة يا حبيبتي هي اللي تكتم جواها أي أحاسيس لحد ما ياچي البني آدم اللي من توبها ،اللي يشتريها بأغلى ما عنده
الراجل الي يحسسها بأنها الكون كله ويرفع رأسها وميحوچهاش واصل والحوچة يا حبيبتي مش للفلوس لع ، الحوجة الشينة توبجي للكلمة الزينة ،للإهتمام والحب
الحوچة للحاچات اللي البنتة سابتها في بيت ابوها فهمتيني يا حبيبتي
أومأت فاطمة رأسها في هدوء حتي دخلت عبير التي إستمعت الي كل الحديث تصرخ بها بفضب هادر
-ملكيش صالح ببتي يا جمر أني بجولك أهو
عاد
إلتفت لابنتها هاتفة بحنق
متسمعيش كلامها يا فاطنة يا بتي هي بتعمل إكده علشان مش عاوزاكي تتچوزي وتخلفي وتچيبي الواد اللي هي مش عارفة تچيبه
آلمت تلك الكلمات قمر وبشدة فكيف تقول لها مثل هذا الكلام ألا يقابل الإحسان إلا بالإحسان
كيف لها تظن بها هكذا وهي التي تنصحها بدافع اخوي
برقت عيناها بآلم واردفت بدهشة
- إيه الي إنتِ بتجوليه ديه يا خالة
أردفت عبير بنزق
- زي ما سمعتي يا جمر كفاية حديتك الماسخ دا عاد
تابعت قمر بإستهجان
-حديتي مش ماسخ يا خالتي أنا بس كنت بنصح خيتي نصيحة رب العباد هيحاسبني عليها وزي ما تحب تسمعها أو لع
ثم تركتهم قمر وصعدت الي غرفتها باكية مما تفوهت به خالتها
نعم تتألم وكيف لا تفعل وهم يحاسبونها علي شئ لم تقترفه يداها أو حتي يكن لها به ذنب من قريب أو من بعيد كيف لهم أن يفكروا هكذا
بعد وقت قصير وصل ياسر الي المنزل فوجد خيرية توبخ ابنتها كثيرا
ضيق عيناه توجساً وسأل مُرتاباً
-في إيه يا ستي صوتكم واصل لحد البوابة
تطلعت ناحيته في آلم وهي تتابع بلوم
-في إن تربيتي وتربية چدك وعمامك مهران وزين راحت بلاش يا ولدي وإستعوضت ربنا فيها خلاص إطلع يا ولدي شوف مرتك وراضيها الظاهر إننا خلاص نسينا حكمة ربنا وجدره
ضيق ياسر عيناه بتوجس وتابع بقلق يغلفة بعض الدهشة
- مرتي!!!!!مالها جمر
هتفت خيرية بحزم
-هي مليحة يا ولدي إطلع بس
لم يسمع ياسر ما تبقي من حديثهما وصعد لأعلي ملهوفاً ولعاً علي محبوبته
فوجد صغيرته تجلس باكية ووالدته الي جوارها تحاول تهدئتها
هتف يسأل في دهشة
-في إيه يا أمة جمر بتبكي ليه
فركت وداد يدها مضطربة وتابعت في توتر
-مفيش حاچة يا ولدي جمر زينة
خبأت عليه.....نعم خبأت هي تعلم كيف يعشق ولدها زوجته....كيف حتي أنه لا يطيق أن يضايقها النسيم فما بال كلمات عمته اللاذعة التي توافق السوط في حدته وتتفوق علي سم الافعي في آلمها
فهتف بها بإستهجان واضح
-لا مش زينة عاد ياما هو أني مبشوفش
ثم سأل زوجته بإستياء
-مين ضايجك يا جمر خبريني
أردفت هي بهدوء فهي تعلم زوجها
-مفيش حاچة يا ياسر أني زينة اها
هتف ياسر بوعيد
-لو مجوليش يا أمة جمر مالها هنزل أعرف من ستي تحت
تمتت وداد في خفوت
-عمتك ضايجتها كالعادة
هبط ياسر لأسفل تحاوطه أعاصيره القمعية
وصرخ بأهل البيت في حنق وحرد
- بصي بجي يا عمتي علشان توبجي كلمة وإنفضينا منيها وأجسم باللي رفع السبع سموات ما هكررها تاني واصل والمرة الچاية هيوبجي فعل
جمر مرتي وأي كلمة تزعلها تزعلني أما بجي بالنسبة للحديت الماسخ بتاع الخلفة وأبصر إيه لو متعرفيش فأنا اللي هعرفك ودلوجت
كل حاچة بإيد ربنا أولاً وثانياً جمر ملهاش أي دخل في الموضوع دا واصل يا عمتي وإياك.....إياك اسمع حد تاني بيتكلم ولا حتي بيلمح للموضوع دا من جريب ولا من بعيد حتي علشان المرة الچاية هاخد مرتي وبتي وهمشي من هنية والكلام دا مش لعمتي بس دا للبيت كلاته
ثم لملم أشلاء عبائته وصعد للاعلي غاضباً
خرجت وداد بعد دخوله مباشرة تاركة فرصة للزوجين في الحديث بعدما أمطرت ولدها بوابل من الدعاء علي نصرته لزوجته وعدم خجله من عدم إنجاب الأولاد
وقف ياسر يرمق زوجته في حب بالغ ممزوج بإشفاق عليها من كلمات عمته التي يعرف جيداً أنها أكثر الماً من لسعات الصوت
ثم توجه ناحيتها في حب وجلس أمامها مجففا دموعها في حنان بالغ
- مكفاكيش بكا عاد
إرتفعت شهقاتها وإرتفع نحيبها ملقية بنفسها بين ذراعيه في آلم وكأنها طفلة صغيرة تحتمي بوالدها تبث له آلامها وأوجاعها
ولما لا فهو قد وعدها بهذا من لحظتهما الأولي سوياً
-أني معرفش بيحاسبوني علي إيه عاد يا ياسر
كيف يعني يحاسبوني علي إرادة ربنا
إحتضنها ياسر بقوة
- خلاص يا قمر عاد متجطعيش جلبي وكفاياكي بكا
ثم تابع ضاحكاً بخيلاء
-إنتِ مشوفتيش چوزك وهو بيديهم الطريحة التمام ......كله علشان عيونك الكحيلة دي يا چميل
تسللت إبتسامة صغيرة خجولة الي شفتيها علي إستحياء فإنقض ياسر يزرع قبلاته علي جانب فمها تلك القبلة التي تسلبها عقلها وتسحب أنفاسها
همس ياسر ببحته الرجولية التي تسلبها لبها وكأنه يريد القضاء علي أخر ما تبقي لها من وعيها
-بجولك إيه هي همس فين عاد
همست قمر بخفوت إثر سهادها
-عند فاطمة
تهللت أساريره وأردف غامزاً
- طيب ما تيچي أجولك كلمة سر
**********************
طرق مهران باب غرفتها في هدوء ودلف يسير الهويني سائلاً بقلق
- خير يا أمة جالولي إنك نادمتي علي
إبتسمت خيرية في حبور وأشارت علي المقعد جوار فراشها
-خير يا ولدي خير متجلجش
أني كنت عاوزاك في موضوع إكده
جلس مهران في أريحية وتمتم بتوجس
- موضوع إيه عاد
تابعت هي بثبات
-أمچد الراوي
تغصن وجه مهران بقليل من الحنق وتمتم في هدوء
- ماله يا أمة ولد الراوي
هتفت خيرية بأمل
- مش كفاينا معادية عاد
تابع مهران بحدة
- وعلي أخر الرمن نوطوا راسنا في الارض لولاد الراوي
هتفت خيرية تستميله بحكمتها
-إنت أعجل من إكده يا ولدي وعارف إن الموضوع مش هيمشي إكده أمچد مغولوطتش والراچل عداه العيب لما راح إستاذن اخوك زين الله يرحمه و زين وافج وإداله الإذن والكلام دا زين اخوك الله يرحمه هو اللي جايله بلسانه
أردف مهران بهدوء لأجل والدته
-خليني أمشي وياكي يا أمة وأجولك إننا عاوزين نتصالحوا طيب وبجيت الغرباوية الي شايفينها عيبة في حجنا ومش هيسمحوا بحاچة زي دي واصل
أردفت خيرية بعتاب
-واحنا من ميتي يا ولدي بنأخر حج علشان كلام حد ،إنت وسليم وياسر تجعدوا معاهم وتخلصوا الموضوع كفايانا عداوة ،كفايانا بجي يا ولدي عاوزة أجابل زين اخوك وأني متطمنة
تمتم بإستنكار
- بعيد الشر عنك يا أماي
إستطردت خيرية بأسي
-أمچد طول عمره ولدي زيه زيك وزي زين الله يرحمه ويعز عليا ولدي الصغير يعادي ولدي الكبير
تنهد بعمق وتمتم بهدوء
- اللي فيه الخير يجدموا ربنا يا أمة
أردفت هي بأمل
- هاخد منك وعد يا ولدي
هتف بدهشة مازحاً
- واااه يا حاچة حاضر كلامك اوامر
ربتت علي كتف ولدها في فخر وتابعت باسمة
-تسلم يا ولدي
************************
في غرفة فاطمة وعبير
هتفت عبير تسأل بمكر
- هسألك سؤال وتچاوبيني عليه وبصراحة يا بنيتي
أردفت فاطمة تسأل في توجس
- جولي يا أمة
أردفت عبير
- لساتك بتحبيه ورايداه
أردفت هي بقهر إمتزج بأسي
-وااااه يا امة بحبه بس!!! دا أني عشجاه دا حتي العشج جليل علي عليه
أردفت عبير بثبات
- يوبجي تسمعي حديتي زين ومتعارضينيش واصل في اللي هجوله
أردفت هي بتوجس
فاطمة: جولي يا أمة أني سمعاكي
*****************************
بعد مرور عدة أيام
كانت مليكة جالسة في حديقة القصر تتناول شايها في هدوء بينما تراقب عيناها طفلها وهو يلهو مع والده في سعاده....... تطرب أذناها وقلبها بسماع صوت ضحكاتهم التي تملأ الارجاء حتي سمعت صوت هاتفها الذي أخرجها من سهادتها
إلتقطته في عدم إهتمام وإبتسمت بعدما رأت أن المتصل عائشة ولا أحد غيرها
تركتهم وإبتعدت قليلاً لتجيب علي هاتفها حتي يتسني لها فرصة الحديث مع رفيقتها بهدوء
أخذا يثرثرا سوياً لبضع ساعات حتي إستمعت عائشة لصوت طفلها يبكي فإستاذنت مليكة التي أردفت بحبور
- بوسيهولي لحد ما أجيلكوا
أردفت عائشة باسمة
- من عيني يا روحي وخلي بالك من نفسك
أغلقت مليكة الهاتف ووقفت تطالع سليم ومراد يلهوان بصخب والضحكة لا تفارق محياهما
زفرت بعمق وتنهدت في آلم راجية من الله يفتح سليم عينياه بقوة ولكن كيف........كيف تطلب منه أن يشاهد أي شئ هي لا تظهر إلا عكسه
وفجاءة إستمعت الي أصوات قادمة من الأشجار خلفها فتسلل قلق عارم الي قلبها و إتجهت نحوه في توتر وتوجس هاتفة في خوف تسأل
-مين اللي هنا
زادت الأصوات والحركات ولكن لم يأتها إجابه
شعرت بالتوجس وكادت أن تعود ناحية الفيلا مرة أخري ولكن فضولها وقلقها تغلب عليها فإقتربت من مصدر الصوت أكثر و أزاحت بعض الشجيرات بيدها.......كانت ترتجف بداخلها وترتعد أوصالها ولكن اللعنة وكل العنة علي فضول الأنثي
فسألت مرة أخري بذعر
-مين اللي هنا
وفجاء لم تدرِ ماذا حدث فقد إنقض عليها شخصاً ما ووضع يده علي فمها وأخذها وتواريا خلف بعض الشجيرات
إتسعت حدقتا مليكة زعراً وأخذت تصرخ ولكن بفم مغلق فلم يسمعها أحد
أخذت تحاول ركله وتحرير نفسها من بين براثن ذلك الغريب الملثم ولكن دون فائدة فقد كان يمسكها بقوة
هَمس بالقرب من أذنها بتهديد بصوت يشبه فحيح الأفعي جعل الخوف يشل جسدها..... ورعدة خفيفة طغت علي جسدها
-أنا هشيل إيدي بس لو سمعتلك صوت إنتِ حرة
أومأت برأسها عدة مرات في حركة وائمت حركة جفناها صعوداً وهبوطاً بقوة في هلع
فأزاح يده بروية من علي فمها وإقترب من أذنها ضاحكاً بسخرية علي ضربات قلبها التي يسمعها من مكانه ثم تابع بسخرية أشد يسالها إن كانت زوجة سليم الغرباوي أم لا
هتفت مليكة بصوت مرتعد وذعر تسأله
-إنت مين وعاوز مني إيه
ضحك بسخرية شديدة
-إنتِ متعرفينيش بس أنا أعرفك ومش لازم تعرفي أنا عاوز منك إيه لأنك هتشوفي بعينك دلوقتي
أومأت برأسها في هلع طالبة منه أن يتركها ويخبرها ماذا يريد منها ولكنها لم تلحظ السكين الذي أخرجها
******************************
الفصل العشرون
وفجاءة طعنها بالسكين الذي يحمله في يده
وإختفي مثلما جاء
خرجت منها صرخة آلم بعدما وضعت يدها علي موضع الطعنة فوجدت الدماء تسيل منه بغزارة
جحظت عيناها هلعاً وهي تكاد تصاب بنوبة ذعر لخوفها من الدماء ولكنها قررت الصمود وهي تتوسل عقلها بالتركيز فقط علي ما يحدث لها الآن حتي بدأت في إبعاد كل تلك الأفكار وغض بصرها عن كل تلك الدماء المتناثرة حولها في ثبات وأخذت تدعو سليم في وهن وآلم
سمع سليم صرختها وشعر بحركة غريبة خلف الشجيرات........إتجه ببصره إلي مكان جلوسها فلم يجدها إعتراه القلق فركض ناحيتها لكي يطمئن وفجاءة وجدها تسقط أرضاً في آلم إنتفض قلبه قبل جسده إثر رؤيته لدمائها الغزيرة تسيل من جسدها وثيابها التي تخضبت بالدماء فركض ناحيتها محتضناً إياها قبل سقوطها واضعاً رأسها علي قدمه وهو يضرب وجنتيها بلطف
هاتفاً بها في وله عاشق معذب عساها تستجيب
يصرخ قلبه هاتفاً بوله لن أسمح لكِ أن تنفصلِ عني حتي لو أردتِ ،أنتِ ملكي ،كنتِ ضائعة مني وقد وجدتكِ ،أريدكِ أن تبقى ملكي طويلاً ملكي إلى الأبد.....
ولكن كل ما تسرب الي لسانه من ذلك الحديث الطويل هو صراخه بهلع
-مليكة مليكة ردي عليا
حاولت أخذ أنفاسها بقوة وهي تحاول تحريك شفتيها التي تخضبت بدمائها بصعوبة لتتحدث ثم فقدت وعيها
ضمها سليم الي جسده صارخاً بالأمن وطلب من أميرة أن تأخذ مراد الي الأعلي كيلا يري مليكة
حمل هو مليكة وركض بها الي سيارته بفزع
واضعاً جسدها الهزيل الملطخ بدمائها علي المقعد الي جانبه ممسكاً بيدها في قوة وحنان في أن واحد......هاتفاً بها في قلق
- مليكة عاوزك تفتحي عيونك متغمضيش يا مليكة
كان يسمع فقط همهمات تأوهاتها فصرخ بها مرة آخري بقلق قد بلغ منه مبلغه
كانت هي تجاهد حتي تبقي زرقاوتيها مفتوحتين ولكنها تشعر بأنهما ثقيلتان وكأن بهما رمل
فقدت الوعي تماما وهدأت تأوهاتها فصرخ بها سليم بخوف كيلا تغلقهما
وصلا الي المستشفي بعد دقائق فحملها ودلف للداخل راكضاً وهو يصرخ بالجميع
-دكتور بسرعة
حملتها منه الممرضات ودلفن الي غرفة العمليات
*************************
خارج الغرفة
جلس سليم علي أحد المقاعد الموجودة واضعاً رأسه بين يديه مفكراً تراها ستفيق أم لا
هبط قلبه الي قدميه حينما راودته فكرة أن تكون إصابتها شديدة الخطورة الي الحد الذي لا تستفيق فيه .......شعر بآلم غريب يجتاح قلبه ثم هز رأسه بعنف فهو لا يحبها.....لا يحبها لا يجب عليه ذلك
بعد عدة ساعات
سمع أصوات حركة كثيرة وهرولة الممرضات وبعض الهرج والمرج
فهب واقفاً بهلع محاولاً أن يوقف إحداهن
صرخ بهلع
-في إيه مراتي إيه اللي بيحصلها جوة
فأخبرته الممرضة أن مليكة قد فقدت الكثير من الدماء ولا يجدوا نفس فصيلتها
هتف برجاء
-أنا o negative خدو كل اللي تحتاجوه بس المهم تفوق
تهللت أسارير الممرضة كثيراً وطلبت منه أن يأتي معها وبالفعل دلف سليم الي غرفة العمليات
وضعوه علي سرير يقابل سريرها ووصلوا بذراعه بعض الانابيب لينقلوا لها الدم سريعا
أخذ يتطلع إليها وهي مُنسدحة علي الفراش في وداعة شديدة لاحول لها ولا قوة......تشبه الملائكة كثيراً علي الرغم من شحوب وجهها الشديد وشفتيها أيضاً ولكن كل ذلك لم يخفي جمالها
وبعد وقت قصير إنتهت العملية
فطمئنه الطبيب كثيراً مُخبراً إياه أنها ستظل في العناية المركزة حتي تمر أول 48ساعة لخطورة مكان الإصابة ثم تنقل بعد ذلك الي غرفة عادية
زفر سليم بأريحية فطلب منه الطبيب أن يستريح ويتناول بعض السوائل حتي يعوض ما تم أخذه
أومأ سليم براسه ولم يعلق وجلس بجوارها حتي يكون الي جوارها حين تستيقظ............سمعها تنادي باسمه تارة وتارة باسم مراد وتارة آخري بوالدها ووالدتها و تارة بذلك العاصم الذي لا يعرف حتي من هو
*************************
في قصر الغرباوية
وتحديداً في صحن القصر كان ياسر يقف مودعاً والداته وجدتة وزوجته لرحيله للقاهرة كي يطمئن علي زوجة ابن عمه
تمتمت قمر في لهفة
-خلي بالك من حالك بس وطمنا علي مليكة الله يخليك أول ما توصل
أومأ ياسر براسه وودعها هاماً بالرحيل فشعرت قمر بأن الدنيا تميد تحت قدميها وبتشوش في رؤيتها
فهتفت في صوت مضطرب متقطع
-إلحجني يا ياسر
إنتفض قلبه قبل جسده حينما سمع صيحة إستنجادها وإحتضنها قبل سقوطها أرضاً
ليصرخ منادياً بإسمها ولكن لا منادي
إندفع الخفير عوض مستدعياً الطبيب ما إن صرخ فيه ياسر آمراً بذلك وهو يحمل قمر صاعداً الدرج في عجالة
إندفعتا خلفه الحاجة خيرية ووداد في وجل وضعها ياسر علي الفراش لاهثاً في وله حقيقي عليها ينادي بإسمها في فزع محاولاً إفاقتها لعلها تستجيب لندائه وعندما لم يجد منها أي إستجابة إندفع محضراً عطره ثم وضع بعضاً منه علي كف يديه وقربه من أنفاس قمر التي بدأت في الإستجابة لتهمهم في وهن محركة رأسها يمنة ويسرة في هدوء
زفر بأريحية .........في نفس اللحظة التي وصل فيها الطبيب علي باب الحجرة
دخل ليفحص قمر فإنسل هو من جوارها تاركاً والدته وجدته مع الطبيب
لم يستطع مداراة قلقه فوقف يدعوا الله وهو يتحرك أمام الباب ذهاباً واياباً
حتي إنفتح باب الغرفة أخيراً علي خروج الطبيب مصحوباً بإندفاع مفاجئ لزغاريد أمه وإبتسامة جدته
وقف تائهاً لا يعلم ماذا يحدث كيف يبتسم ذلك الأحمق وحبة قلبه تعاني
إبتسم الطبيب وتمتم في حبور
-مبروك يا ياسر بيه المدام حامل
تسمر ياسر للحظات مشدوهاً يحملق في الطبيب الذي إتسعت إبتسامته ونقل نظراته لوالدته التي أومات برأسها في إبتسامة يتبعها تاكيداً من جدته
ليهتف ياسر اخيراً
- إنت متاكد يا داكتور من حديتك ديه
ضحك الطبيب بخفة وتابع مشاكساً بمرح
-علي حسب معلوماتي الطبية المتواضعة جداً جداً فأقدر أكدلك كلامي ده
إبتسم ياسر بحرج وتابع معتذراً
-العفو يا داكتور مقصدييش إكده.....
إبتسم الطبيب بحبور وتابع مربتاً علي كتف ياسر
-أهم حاجة دلوقتي هي الراحة التامة للمدام وطبعا مش هوصي الحاجة علي التغذية الكويسة علشان الحمل وكدة
هز ياسر رأسه مؤكداً وهو يطلب من عوض إصطحاب الطبيب للخارج دالفاً هو لغرفته مغلقاً الباب خلفه في سعادة......إقترب من قمر المنسدحة علي الفراش في هدوء وإنحني مقبلاً جبهتها في محبة عارمة
فتحت قمر عيناها وهمست بحب
-مبروك يا ابو عمار
ضمها إليه في سرور بالغ وكأنه يضعها بداخل قلبه
فأغمضت هي عيناها تستنشق رائحته علها ترزق بطفل يشبهه في كل شئ كما تمنت دوماً
************************
بعد عدة ساعات كان قد وصل القاهرة بعدما ترك زوجته علي مضد لأجل سليم فهو يعلم مدي قلقه الأن فهو قد رأي حب مليكة يطل من بين عينيه ولكنه يعلم ابن عمه ورفيقه جيداً فهو يعافر بقوة كيلا يظهر هذا الحب وهو حقاً لا يعرف لماذا
زفر بعمق وهو يتمتم بحنق
-ياخرابي علي المرار الطافح اللي إنت فيه يا ياسر هما يتنيلوا يحبوا وإنت تتجندل علي دماغ اللي خلفوك
***********************
وصل للمستشفي ليجد سليم قابعاً علي أحد المقاعد عيناه خير دليل علي عدم رؤيتها للنوم ولو لعدة دقائق حتي
-طمني يا واد عمي
هتف سليم بصوته العميق في وله وجزع
- الدكتور بيقول إنها بقت كويسة بس هي لسة لحد دلوقتي مفاقتش
ربت ياسر علي كتفه في إشفاق
- إن شاء الله خير يا خيي متجلجش
بس كيف دا حوصل وكيف حد يدخل الجصر عنديك من غير ماحد لا يحس ولا يدرا بيه
هتف سليم بحنق ودهشة
-مش عارف يا ياسر ودا اللي هيجنني دخل إزاي وكان عاوز إيه مادام هو مش جاي للسرقة أصلاً
ربت علي كتفيه في حنو وتابع بهدوء
- أصبر ياواد عمي لما مرتك تفوج ونوبجي نسألوها يمكن اللي عمل إكده جالها أيتها حاچة نعرف منيها هو مين أو حتي كان چاي ليه
تمتم سليم بصبر
-أديني مستني
تمتم ياسر بتوجس
-في خبر إكده أني عارف إنه مش وجته بس لازم تعرفه مش عارف أخبيه عنيك عاد
زم سليم شفتيه وتابع بسخرية
-خير في إيه تاني
إبتسم ياسر ملئ شدقتيه وتابع بفرحة
-له دا خير وكل خير ، جمر مرتي حامل
إبتسم سليم في حبور
-مبروك يا ياسر الف مبروك والله الواحد كان محتاج يسمع أخبار حلوة
تمتم ياسر بهدوء
-لساتني عارف جبل ما أچيك طوالي
ضيق سليم عيناه وتابع موبخاً
- وإيه اللي جابك يا ابني إنت كنت خليك جنب مراتك علشان تاخد بالك منها وتراعيها
إستطرد موبخاً
-والله عيب اللي بتجوله دا ، جمر وياتها أمي والحاچة خيرية والبلد كلاتها لو حبت بس إنتو هنية لحالكوا يوبجي تسكت خالص
ولم يكد سليم أن يتحدث حتي سمعا صوت انثوي
يهتف في دهشة ممزوجة بالقلق
-أستاذ سليم
إلتفتا سوياً علي وقع الصوت في هدوء بينما إقتربت منهم نورسين التي دب القلق لأوصالها
تسأل عن سبب وجودهم
رحب بها سليم بأدب
-د.نورسين أهلاً وسهلاً مليكة تعبانة شوية
تابعت نورسين تسأل عن حالتها في قلق
فقص عليها ما حدث بإقتضاب يخبئ ورائه الكثير والكثير من الغضب
شهقت نورسين بفزع ثم حاولت الإستفسار عن سبب الحدوث فأخبرها سليم بعدم معرفته لأي شئ حتي الآن........فتركتهم هي بعد الإستئذان لتطمئن علي حالتها وتطمئنه قليلا ً
وبالفعل بعد وقت قصير خرجت لتخبره بإفاقتها فهب سليم واقفاً هاتفاً بوله عاشق أضناه القلق وإحترق بنيران الخوف من الفقد والفراق
- أنا عاوز أتطمن عليها
تمتمت نورسين في هدوء تطمئنه وتخبره بألا يحدثها كثيراً كيلا تؤذي جرحها
أومأ سليم برأسه عدة مرات وإتجه مندفعاً لغرفتها يسبقه قلقه وشوقه
وجدها منسدحة علي الفراش في وداعة تبدو بوادر الآلم علي وجهها الذي أضحي شحوبه يماثل شحوب الموتي جلس الي جوارها ممسكاً بيدها في حنو بالغ يتنافي مع قسوته في الأيام السابقة ، كيف لا والحب النقي بنيتي هو من يسكن الوحش الذي بداخل الانسان...
همس برقة بالغة يعتريها قلق شديد سمح له بأن يطل من خضراوتيه
- حمد لله علي سلامتك
همست في وهن شديد يتخلله آلم تحاول جاهدة إخفاؤه
- الله يسلمك ، مراد.... مراد فين
أردف يطمئنها في حبور
- متقلقيش مراد كويس
رفرفت بأهدابها بتلك الحركة الطفولية وكأنها تقول له حسناً ثم غابت عن الوعي مرة أخري
هب سليم واقفاً في هلع وخرج مسرعاً ليحضر الطبيب
- د. نورسين مليكة... مليكة
هتفت نورسين بهلع
- مالها
هتف سليم بجزع
-مش عارف أنا كنت بكلمها وفجاءة لقيتها غمضت عيونها
إبتسمت نورسين في حبور
-متقلقش يا باشمهندس هي كويسة دا بس من البنج والعملية متخافش
زفر سليم بأريحية وأومأ برأسه بمعني حسناً
إستأذنت نورسين ورحلت بعدما طلبت منهم إعلامها إذا إحتاجوا لأي شئ
إبتسم ياسر مشاكساً بعدما خبط علي كتف سليم
-واه واه علي زينة الرچال ، إيه مشندل حالك إكده يا واد عمي
