رواية بقاء الفصل الخامس 5 بقلم رباب حسين

          

رواية بقاء الفصل الخامس 5 بقلم رباب حسين


بدأ حساب جديد، حساب بين ضمير صقر وغضبه الذي يزداد كل يوم حين يتذكر وجه والده وهو يودعه بابتسامة حزينة. 

فقد صقر خلال حياته عدد من أقاربه، عاش حياته في حداد دائم وخوف لا ينتهي، يترقب كل ثانية خبر وفاة أحدًا منهم، حتى هو كاد أن يكون في قائمة المتوفين لولا عمه رفعت.

ترى من سينتصر في هذا الجدال؟


وبالخارج...قضى الهلالي وقت مع ليل ثم تركها لتنام قليلاً بعد أن أكلا معًا في غرفتها.

كانت ليل تبتسم كالعادة؛ ولكن نظر إليها الهلالي وكان يرى بعينيها حزن يسكنهما، ولكن لم يتحدث عنه. 


انتظر بجوارها حتى دخلت ليل في نومٍ عميق ثم تركها وغادر. بعد وقت فتحت عينيها حين سمعت هاتفها، القا المكالمة بصوت نائم متعب. 


ليل : ألو. 


أمل : ليل؛ أخيراً رديتي، إتصلت بيكي إمبارح مردتيش عليا خفت لكون بزعجك، واستنيتك تتصلي متصلتيش، إنتي كويسة؟ 


ليل : أيوه يا ماما، بس عندي برد وكنت نايمة إمبارح مسمعتش التليفون، متزعليش. 


أمل : صوتك باين يا بنتي سلامتك خدتي دوا؟ 


ليل : أيوة يا ماما. 


شعرت أمل أن ليل متعبة وصوتها نائم فقالت : طيب يا ليل روحي نامي وابقي طمنيني عليكي أول ما تصحي. 


ليل : حاضر يا ماما. 


أغلقت الهاتف وعادت للنوم، أما عند أمل فإنها المكالمة وتحدثت مع حسن


أمل : تفتكر صقر ده عملها حاجة؟ 


حسن : ليه بتقولي كده؟ هي صوتها فيه حاجة؟ 


أمل : لا صوتها تعبان ونايم، بس غريب معقول تقعد يوم بحاله متتصلش بيا؟ لولا إنت قولتلي بلاش تتصلي تاني مكنتش قعدت قلقانة لحد دلوقتي. 


حسن : مش شايفة صقر كلم جدي إزاي وقاله بمنتهى البرود. "مش فاضي عريس بقى."


أمل بضيق : أيوة شفته.


حسن : عشان كدة قولتلك سيبيهم على راحتهم. 


أمل : طيب أنا عايزة أشوفها، مش كفاية هنسافر بعد سبوعها واتحرم منها. 


حسن : حاضر بس مش النهاردة طالما تعبانة خليها ترتاح. 


أمل : حاضر. 


كان الهلالي يجلس مع ابنته التي جاءت لتطمئن عليه، فقد انتابها القلق بعد حديثه معها بالأمس فقالت. 


ابتسام : شكلك النهاردة أحسن يا بوي. 


الهلالي بابتسامة : أيوة يا بتي، تصدجي البت كيف العسل، نستني نفسي.... ضحكتني مع إني كنت ناسي طعم الضحك. 


ابتسام بسعادة : كلمتها؟ 


الهلالي : أيوة يا بتي. 


وقص عليها ما حدث صباحاََ وكيف تشاجر مع صقر. 


ابتسام : صجر أتغير جوي، مكنش إكديه، اه طول عمره راسه ناشفة بس مكنش إكديه، الله يسامحهم. 


الهلالي : أنا خايف عليه يا بتي، خايف يخسر حاله، الانتجام عاميه. 


ابتسام : أنا هتحدت معاه يا بوي. 


ذهبت ابتسام إلى صقر في غرفة مكتبه، وطرقت الباب وانتظرت حتى سمعت صوته من الداخل يسمح لها بالدخول. وحين رأها ابتسم وقال. 


صقر : أهلاََ يا عمتي إزيك؟ تعالي اقعدي. 


ابتسام : مش مليحة، يا صجر مزعل جدك ليه عاد؟ 


صقر بنبرة حزينة : مش قصدي، أزعله بس شكلي بزعل الناس كلها. 


ابتسام : واه زعلان إن مراتك زعلانة منيك. 


صقر : لا طبعاََ تولع، أنا قصدي على خالة هنية. 


إبتسام : ومزعل هنية كمان... بتخسر حبايبك ليه يا ولدي، مش كفاية اللي خسرناهم عاد. 


صقر : ما هو من وجع فراق اللي راحو القلب قسي يا عمتي. 


ابتسام : أنا متأكدة إنها فترة وعتروح وترجع لطبيعتك، إعطي نفسك فرصة يا ولدي، حاول تنسى وتعيش حياتك. 


ثم ربتت على كتفه وخرجت من الغرفة، ظل يفكر؛ هل لن يستطيع أن ينفذ خطته مع ليل؟ فلقد أصبحت تحت حماية جده الآن، ولكن أخذ القرار بتعذيبها بطريقة أخرى، سيضغط عليها حتى تخطئ وحينها ستكون بداية انتقامه من عائلتها. 


مر اليوم، إستيقظت ليل وذهبت إلى المرحاض، أخذت حمام ساخن وغيرت ملابسها ونزلت للأسفل، وجدت صقر يخرج من مكتبه، اقترب منها ونظر إليها، كانت تبدو على ما يرام، ولكن لون وجنتيها وأنفها أحمر أثر الأنفلونزا، لا يعلم لما رأها جميلة هكذا، فهي لا تضع أي مساحيق للتجميل، ولكن جمالها الطبيعي يخطف الأنظار، تقدم منها وقال بصوت قوي. 


صقر : صحيح زي القطط بسبع أرواح، حية بتتلون على كل لون، قدرتي تكسبي الهلالي الكبير في صفك، عملتيها إزاي ديه؟


نظرت إلى عينيه ولم تتحدث ثم قال. 


صقر : ماشي هسيبك يومين نقاهة بس متقلقيش، محضرلك مفاجأة تحفة، أعتبريها هدية سبوعك يا..... عروسة. 


قالها باستهزاء ثم هم بالتحرك فقالت ليل : ليه حاسة إن اللي بيتقال غير اللي في عينيك؟ 


التفت إليها بتعجب، وكأنها رأت ذلك الصراع الذي بداخله، فقال. 

صقر : يعني ايه؟ 


ليل : عينيك على أد قوتهم على أد ما أنا مش لاقية فيهم نظرة شر.... ليه بتعمل معايا كده؟ 


صقر : لسه مفهمتيش ليه؟ 


ليل : كل اللي فاهماه إن كل اللي باقي من العيلتين فكرو إن كفاية قتل وموت.... الموت وجعكم كلكم، وأنا وافقت على القرار اللي إتاخد حتى من غير علمي عشان أساعدكم على ده، ليه؟ مش بتساعدني؟ أظن لو الاتفاق باظ إنت كمان هتتأذي، مش خايف على نفسك؟ 


صقر بصدمة : إنتي بتهدديني؟ 


ليل :لا طبعاََ أهددك ليه؟ 


صقر : كويس لأن صقر الهلالي مش بيخاف. 


ليل : مغرور إنت أوي. 


صقر وهو يقترب منها ونزل إلي مستواها : لمي لسانك بدل ما المه بطريقتي، إنتي اه في حماية جدي، بس أقدر أخدك من هنا وأوديكي في شقة لوحدك، وأعمل فيكي كل اللي أنا عايزه. 


تجاهلت ليل ذلك التهديد الذي وجدته لا يحمل شيء من الجدية، فبرغم تلك النبرة القوية والنظرة الحادة، هي تعلم أن صقر يملك قلب كبير، فقد لاحظت ذلك أيضًا في شخصية الهلالي، وعندما تحدثت معه لمست ذلك القلب بداخله، هما يشبهان بعضهما البعض كثيرًا، شخصيتهما حادة الطباع ولكن بالنهاية لا يستطيعان أذية أحد، إذًا كيف قتلا؟ ثم تحدثت بهدوء وهي تنظر داخل عينيه: قولتلك متقربش كده مني هتتعدي. 


نظر لها بتعجب، هل حقاََ تخاف عليه، ثم أردفت. 


ليل : ليه مش عايز تساعدني نوقف بحر الدم ده؟ 


صقر : عشان أنا هوقفه بس بطريقتي، هقطع نسلكم من البلد كلها ويبقى خلص الطار. 


فكرت ليل بوالدها، فرتعش قلبها، يمكنها تتحمل كل ما يفعله صقر فداءًا لعائلتها، ظلت تنظر إلى عينيه وقالت 


ليل : الانتقام وحش، هتدمر نفسك معاهم وهتخسر روحك، ومش هتعرف تنام الليل من كتر الكوابيس، ولا أنت خلاص قتلت مرة فا خسرت نفسك وحبيت القتل؟! 


صمت صقر ثم ذهبت وتركته يقف شاردًا، لا يعلم هل هي حقاََ بريئة هكذا أم تجيد التمثيل، فهي أكيد حية من بيت الثعابين. 


ذهبت ليل إلى المطبخ ووجدت هنية تبكي وحيدة، شعرت بالقلق عليها وذهبت إليها مباشرةً وقالت. 


ليل : خالتي هنية مالك؟ 


قالت هنية ببكاء: أول مرة يا بتي أحس إني غريبة في البيت ديه، أنا عايزة أمشي من إهنيه، بس أروح فين؟! ده أنا عمري راح معاهم، لا إتجوزت و لا خلفت، ربيت صجر وأخته على يدي، مفيش عيل دخل البيت ديه إلا واهتميت بيه، حتى حاتم وعلى وزهرة كلهم ولادي، لكن صجر وجعني، كيف يتحدت معايا إكديه؟


ليل بصوت هادئ لنفسها : بردة صقر هو فيه إيه ؟ 


ثم تحدثت إلى هنية بابتسامة و قالت : متزعليش يا خالتي، وبعدين أدي ولادك زادو واحد ولا مش معتبراني بنتك أنا كمان. 


هنية : لع ربنا عالم حبيتك أول ما شوفتك، وحسيت بطيبة جلبك، كفاية ضحكتك ديه. 


ليل : أنا كنت نازلة أصلاََ أشكرك على رعايتك ليا وأنا تعبانة، تسلمي. 


هنية : على إيه يا بتي المهم إنك طبتي. 


ليل : طيب، ممكن تحضريلي أكل على ما أطلع أجيب حاجة من أوضتي وأنزل، أنا جعانة أوي. 


هنية : من عيوني يا بتي. 


قامت ليل وتبدلت ملامحها إلى الغضب، وهذا لا يحدث كثيراََ، ولكن عندما تغضب لا تستطيع التحكم بفمها أبداً. ذهبت إلى الخارج تبحث عن صقر فلم تجده، فا صعدت إلى غرفته ودخلت إليها دون إذن، وجدته عاري الصدر فلم تبالي فهي في قمة غضبها الآن ولا تعرف ماذا تفعل، ثم اقتربت منه وقالت. 


ليل : إنت إيه! مش همك حد خالص؟ إنت فاكر إنك عشان الكبير خلاص كله تحت رجليك؟ ليه مطلوب مننا نستحمل كل ده، أنا حتي سيباك تعمل كل اللي إنت عايزه فيا وأقول يا بت سيبيه يخرج غضبه فيكي إنتي أحسن ما يأذي حد تاني، جدك مريض مش هاين عليك تتكلم معاه باحترام، حتى جدي الراجل الكبير إتكلمت معاه بمنتهى قلة الذوق، ووصل بيك الأمر إنك تزعل الست الغلبانة اللي ربتك وفنت عمرها في بيتكم وتوصلها إنها تعيط بالشكل ده، ليه بتعمل كده؟ 


كان يسمعها بصمت، وكأن صوت ضميره تجسد أمامه الآن ويحاسبه على ما فعل. ثم تجسد الصراع الذي بداخله الآن إلى واقع أمام عينيه، ورفض كبريائه أن تقوم هي بتوبيخه على أخطائه،في تلك اللحظة لم يصرخ بها، ولكن اقترب منها وقال


صقر : شكلك كده عايزة تجربي الموت على إيدي. 


ليل : كفاية تهديد، إنت أصلاََ أجبن من إنك تقتل بإيدك، حتى عمي بعت واحد يقتله، عمال ترسم نفسك عليا وتهدد وتتوعد وإنت متقدرش تعمل حاجة. 


هنا والغضب تطاير من عين صقر، وقال بصوت مرتفع وقال. 


صقر : إنتي نسيتي نفسك وفعلاََ متعرفيش انتي بتتكلمي مع مين، محدش يجرأ يتكلم معايا كده، أنا ممكن أقطع لسانك دلوقتي ولا حد يقدر يوقفني، وجدي اللي إنتي بتتحامي فيه مش هيقدر يرحمك من تحت إيدي، وعشان تبقي عارفة أنا لما بقتل بقتل بإيدي، شوفي مين اللي قتل عمك، أنا مقتلتوش، أنا لسه مخدتش بطاري، مش قولتلك قبل كده خليكو فاكرين إن الدور عليكم في القتل المرة ديه، لا يا حلوة العكس، الدور عندي أنا، وعرفت هقتل مين، هشربك من نفس الكاس اللي دوقته  أبويا مات على أيدي فا هخلي أبوكي يموت قدام عينيكي، ووريني ساعتها هتفضلي البريئة الطاهرة ولا لأ. 


كانت تسمعه ولا تعرف أين الحقيقة، ثم دفعها على الأرض ونزل إلى مستواها وقال


صقر : الأوضة ديه متدخوليهاش تاني، ديه هتبقى أوضة ضرتك اللي هتيجي قريب هنا، أنا هدفعك تمن كلامك غالي أوي يا بنت بركات، هوريكي صقر الهلالي انتقامه عامل إزاي، هحرق عيلتك كلهم نفر نفر قدام عينيكي أصبري عليا. 


سحب تيشرت من الخزانة ونزل إلى أسفل وخرج من المنزل. أما ليل كانت تنظر إلى أثره وتبكي... نعم، تبكي من أثر كلامه الآن، علمت معنى الخوف لأول مرة، هو يحمل كره وغضب قادر على حرق كل شيء. 

هل فعلاََ لم يقتل عمها؟ هل لم يأخذه بطاره بعد؟ ألهذا قلبه يحترق؟ هنا وشعرت بالندم. ليتها لم تحدثه هكذا، يالها من عادة سيئة، لا تتحكم بما تتفوه به أبداً في وقت الغضب، ولذلك تتجنب الغضب كثيراً. 

ماذا تفعل الآن؟ لقد اشعلت النيران بقلبه أكثر بحديثها الحاد، ماذا تفعل حتى يهدأ؟ يجب عليها أن تفكر في طريقة أخرى في التعامل معه، الجرح أعمق مما كانت تتخيل، روحه تأن من الداخل وهذا ما طغى على ذلك القلب الطيب الذي يملكه، انسابت دموعها ثم قالت برجاء وهي ترفع عينيها إلى السماء. 


ليل : يارب ساعدني. 

والآن عليها أن تكسب صقر بكل الطرق، ماذا ستفعل؟! 

                  الفصل السادس من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا 

تعليقات



<>