رواية بقاء الفصل الرابع عشر 14 بقلم رباب حسين

       

رواية بقاء الفصل الرابع عشر 14 بقلم رباب حسين

... أسير حبك

بقلم الكاتبة : رباب حسين


مهزومة... تائهة كمن سقط في بئر لا قاع له ولا مهرب منه، لم تجد مكان تهرب إليه وسط كل الألم، فتسللت ليل إلى الحديقة الخلفية عبر غرفة المندرة، لا تريد أن يراها أحد تريد أن تبكي لتُخرج كل هذا الألم الذي بقلبها لعل في البكاء ما يجبر ذلك الكسر الذي حدث بقلبها، لم يكفيهم إهانتها وذلها في منزل زوجها، لم يكفيه ظلمه لها دون وجه حق، بل يعينها الآن كأنثى، ليت الألم شخصٌ أمامي فأقتله بيدي كي أرتاح.


جلس صقر في غرفته شارد الذهن، لا يعلم هل ما يفعله صح أم لا؟ تذكر كلام حاتم وشعر أنه حقاً يتسرع بالخطبة، ثم هم بالنهوض وكاد أن يخرج ليذهب إلى ليل، ولكن توقف عند الباب وتذكر أنها تكذب عليه وتهينه وعصت أوامره، وأيضاً تخطيطها للزواج بشخص آخر وهي زوجته وهذا يكفي لأهانة كبريائه أمام نفسه، فتراجع قبل أن يقبض على الباب ويفتح. 


ظل الصراع ينمو بداخله، فبرغم من أنه لم يتحدث معها كثيراً ولكن شعر بالراحة عندما رأها وسمع صوتها، وعلم أن كل ما كان فيه من حزن بسبب أنه قد اشتاق إليها، وكأن روحه عادت إليه عندما رأى عينيها، أغمض عينيه في حزن. 


يا لكَ من قلبٍ غَبي... تَعْشْقُ من يَطْعَنُك

الآنَ وقَد عَصِيتَ الحُبَ قَبْل... تَنْبُضُ لِقُلْبٍ يَطْعَنُكَ الغَدْرُ؟


ثم تذكر وجهها الشاحب، من المؤكد أن هذا الأرهاق بسبب أمه، لم تنفذ أوامره، نزل إليها ليبحث عنها بالأسفل، وجدها تجلس معهم بالبهو، دخل والغضب يتطاير من عينيه

صقر : أمي. 

نهضت جهاد بفزع، فعلمت أن صوته لا يبشر بالخير، فنظر له وقالت بتوتر. 

جهاد : أيوة يا ولدي. 

صقر : ممكن أعرف هو أنا بقيت طرطور في البيت ده من أمتى؟ 

جهاد : ليه بتجول إكديه يا ولدي؟

صقر :عشان كلامي مبقاش يتنفذ. 


خرج الخدم وتجمعو حول البهو متعجبين من غضب صقر ووقفو يشاهدون بصمت، والهلالي يراقب دون تدخل، وكأنه يعلم سبب غضبه. 

جهاد : جولت إيه يا صجر منفذتوش عاد؟ 

صقر :ليل. 

صمتت جهاد ونظرت بعيدًا عن وجهه. 

ثم أردف صقر : هو أنا مش قلت الهدوم اللي هي لابسها ديه تبطل تلبسها؟ وقلت متعملش حاجة في البيت تاني؟ وقولتلك ديه ضيفة عندنا زي ما جدي أمر وواجب علينا ضايفتها؟ أقدر أعرف شكلها عامل كده ليه؟ 

جهاد : وإنت زعلان إكديه عليها كده ليه عاد؟ 

صقر بحزم : عشان ديه تبقي مرات كبير البلد صقر الهلالي، مراتي متمشيش في البلد بلبس زي ده، ولا تروح عند أهلها بالمنظر ده، ولا تخدم في البيت زي الخدامين، ولا تاكل في المطبخ معاهم، ديه مرات الكبير ومقامها من مقامي، وأي حد هيدوس على طرفها أنا اللي هقفله. 


كل هذا تحت أنظار الهلالي الذي يراه ويبتسم، فقد راهن نفسه أن صقر سوف ينتفض لأجلها يومًا ما، وها قد أتى ذلك اليوم، والآن قد تأكد من شكوكه، صقر وقع في غرام ليل. 


نظر حمزه إلى أحلام التي أخفضت نظرها خوفاً من غضب صقر إذا علم ما فعلته أيضاً،

ثم أكمل صقر وهو ينظر لكل من في المنزل 

صقر : أي حد هيغلط فيها تاني يستحمل غضبي. 


ثم تحرك إلى الأعلى، وقام الخدم بالركض نحو المطبخ خوفاً منه،  ثم عادت جهاد لمجلسها بصمت، الابتسامة جالية على وجه الهلالي. 


حمزة : إتإسفي لليل يا أحلام، إنتي خابرة غضب أخوكي وواضح إنها تهمه. 

أحلام : فيه إيه يا أما مش جولتيلي أنه مطيجهاش؟ إيه اللي جد عاد؟! 


أما الهلالي فنظر إلى الفراغ وتذكر. 


فلاش باك. 


عاد صقر متأخرًا من العمل، صعد ليذهب إلى غرفته، ثم توقف أمام غرفة ليل، ظل يتطلع إلى الباب يصارع قلبه، يريد أن يتحدث معها ولكن عقله يرفض، التفت وذهب إلى غرفة الهلالي ووجده نائمًا، جلس بجواره في الظلام و تحدث بصوت هامس. 

صقر : أنا تعبان يا جدي... مش فاهم نفسي. أنا مالي يا جدي؟ ليه مش عارف أبطل تفكير فيها؟ ليه شاغلة بالي؟ ليه مشتاق لها؟ غضبان منها وفي نفس الوقت هموت و أشوفها، أنا خايف يا جدي، أول مرة أحس إني خايف. 


تركه وخرج بعد أن قبل رأسه وهو يتصنع النوم، ثم أغلق الباب بهدوء وفتح الهلالي عينه ونظر إلى باب الغرفة وابتسم. 

عودة من الفلاش باك. 


أحلام : ياااا جدي رحت فين عاد؟ 

انتبه الهلالي لها وقال : موجود يا بتي. هي فين ليل عاد، مش كانت مع صجر ولا لساتها معاه فوج؟ 

جهاد : سخنته عليّ أكيد. 

الهلالي : أنا كنت خابر باللي عتعمليه زين، بس سيبت صجر هو اللي يشوف ويحكم بعينه، عشان خابر زين أن غضبه أجوى من غضبي، وإنتي تستاهلي غضبه. 


أما صقر ظل في غرفته حتى المساء، وجاءت زهرة ومع خالها رفعت وابتسام وأمها سعاد وجلسو بالأسفل، ثم هبط صقر وهو يرتدي بدله كلاسيكية، فظل ينظر إلى ما أعددته ليل له من ملابس من قبل ليخطب بها زهرة، ولكن رفض أن يرتديها، لا يريد أن يهينها أكثر. 


ثم توجه إليهم وبعد تحيتهم جلس معهم 

صقر :أنا أسف طبعاً إني طلبت أن الموضوع يتم هنا يا عمي رفعت، بس لو روحنا كلنا عندكم وحد من البلد عرف هيشك، لكن لو إنتو جيتو هنا محدش هيشك في حاجة. 

ثم نظر إلى سعاد وقال : حضرتك عارفة طبعاً الظروف يا خالة؟  فا اتمنى إن حضرتك متزعليش من الطريقة اللي هيتم بيها الموضوع، بس طبعاً بعد ما الأوضاع تستقر إن شاء الله هاجي ومعايا الحج وأمي كمان.


أنا يا عمي رفعت طالب أيد زهرة بنت أختك قلت إيه؟ 

رفعت : مش هلاجي زيك يا صجر اطمن عليها معاك، وبعدين ده أنت اللي مربيها أكتر مني. 


كل هذا وزهرة تنظر إليه بسعادة وحب، أما الهلالي فكان يطالعه بصمت، كان يتمنى أن يعدل صقر عن فكرة الزواج، ولا يفهم لماذا يصر على الزواج بأخرى وهو يحب ليل؟


صقر : نستني بس حاتم وعلي وبعدين نقرا الفاتحة. 


أما بالخارج ظلت ليل تبكي كثيراً، ثم نهضت وأخذت تتجول بالحديقة. لا تريد الدخول حسب أوامره، ثم وقفت بجانب المنزل تستند على الحائط، تشعر بأنها فقدت معني الحياة، حتى أنها لا تعرف لما هي تعيش الآن؟ فقد فقدت كل شيء وتحطم قلبها، وها هو من أحبته يجلس الآن بجوار غيرها، يطلب يدها للزواج وهي من ينبض له قلبها.

كيف تتحمل أن تراه معها عام كامل؟ من يصدق أن زوجها يتزوج بغيرها بعد أقل من عشرين يوم زواج! 


في هذه الأثناء دخل حاتم ومعه علي من الباب الخارجي، ظل حاتم ينظر حوله كأنه يبحث عنها فهو لم ينساها قط، وكان سعيد أنه سوف يأتي إلى هنا على أمل أن يراها مجدداً،

وقبل أن يدخل المنزل لمحها تستند على الحائط شاردة، ابتسم بسعادة ثم قال. 

حاتم : أدخل يا علي أسبقني وأنا هعمل مكالمة تليفون وأجي. 

علي :طيب متتأخرش عشان مستنينا جوا. 

حاتم : حاضر. 


انتظر حتى يدخل ثم ركض إليها، نظرت إليه ووجدها تبكي مجددًا، عيناها متورمتان من أثر البكاء. 

حاتم : أخيراً لقيتك! وبرده بتعيطي.... طيب قوليلي إنتي مين؟ 


كان يتحدث وهي فقط تنظر إليه ولا تجيبه، ظل يطالعها بحب ويتأمل ملامح وجهها، تعجبت ليل من نظراته، وكاد يتحدث إلا إنه سمع صوت علي وهو يقول. 

علي : يلا يا حاتم بتعمل إيه عندك. 

نظر إليه وقال بصوت مرتفع 

حاتم : جي أهوه. 

نظر إليها وقال: هخرج تاني عشان عايز أسمع رد على أسئلتي. 


كانت تتطلع إليه وهي تشعر بدوار شديد، وأصبحت رؤيتها مشوشة فهي لم تأكل اليوم، ولا تنام جيدًا، وبدأت تشعر بالأعياء الشديد. 


دخل حاتم ثم جلسو جميعاً وقال. 

رفعت : نقرا الفاتحة. 

نظروا إلى صقر الشارد أمامهم، وانتظروا حتى يجيب ولكن لم يتحدث. 

ربت حاتم على كتفه وقال. 

حاتم : صقر... روحت فين؟ 

نظر إليه صقر وهو صامت لا يتحدث كأنه يفكر بأمراً ما، نظر إليه حاتم مطولاً فهم من نظراته أنه يشعر بالتردد. 

جهاد : صجر.... مالك يا ولدي؟ 

نظر إليها ثم صمت قليلاً وتنهد وقال 

صقر : نقرا الفاتحة. 


انتهى الأمر وبدأت المباركات وذهب إلى زهرة وقال

صقر : مبروك يا صغيرة. 

زهرة بخجل وسعادة : الله يبارك فيك. 


جلسو قليلاً معاً وبدأ حاتم كعادته بالهزار مع علي وصقر، ولكن كان صقر لا يبدو على ما يرام، فقرر حاتم أن يبقى معه بعد ذهاب علي وعائلته. 

همو بالذهاب بعد وقت ثم قال. 

حاتم : صقر فيه حاجة في الشغل عايز أتكلم معاك فيها. 

صقر : ماشي خليك متمشيش، أنا كمان عايز أتكلم معاك. 


ودع عمته وزوجها وذهبوا جميعاً، وكاد أن يذهب صقر إلى غرفة المكتب إلا أنه أوقفه صوت. 

الهلالي : فين ليل يا صجر؟ 

نظر إليه صقر مطولاً ثم قال

صقر : أنا قولتلها متنزلش النهاردة تحت. 

الهلالي : واه يعني هي راحت فين؟ 

صقر : هي نزلت بعد ما كلمتها على طول. 

الهلالي : أنا مشفتهاش من وجت ما طلعت عندي. 

صقر : يمكن في المطبخ.... يا خالة هنية. 

خرجت هنية إليه وقالت: نعم يا كبير. 

صقر : ليل معاكي جوا؟ 

هنية : لع من وجت ما جالتلها الحاجة تطلع عنديك مشفتهاش. 

ظهر على صقر القلق، وقال: دورو عليها فوق في أوضتها. 

بحثو عنها ولم يجدوها نزلت هنية وقالت : مش فوج. 

الهلالي : شوفها يا ولدي  في الجنينة. 

خرج صقر سريعاً وأخذ ينادي باسمها وهي لا تجيب، ثم لمحها مستلقية على الأرض، ركض إليها ووجدها فاقدة للوعي وجسدها بارد ووجها شاحب. 

صقر بزعر وقلق : ليل.... ليل.


أخذ يضرب على وجهها ضربات خفيفة حتى تستيقظ ولكن لم تجيبه، فضمها إلى صدره ووضع رأسه على رأسها وأغمض عينيه، ثم حملها ودخل بها إلى المنزل، ركضو جميعاََ إليه عدا حاتم الذي اتسعت عيناه من الصدمة عندما رأها بين ذراعي صقر، وقال فيه نفسه

حاتم : لا مش ممكن.... لا مستحيل، أنا حبيت مرات صقر؟!


ركض كل من في المنزل حتى الخدم خلف صقر؛ الذي أخذ يطلب منهم إحضار الطبيب، وظل حاتم تحت بالأسفل دون حراك فقط ينظر إلى الفراغ. 


وضع صقر ليل بغرفته وطلب من هنية أن تبدل لها هذه الثياب. وقفوا جميعاً بالخارج حتى جاء الطبيب وكشف عليها، ثم خرج إليهم و نظر إلى صقر وقال. 

مصطفى : هي بقالها أد إيه مكلتش؟ 

نظر إلى هنية فقالت: من إمبارح الصبح. 


تطلع إليها وإلى جهاد بغضب وعاد النظر إلى الطبيب وقال. 

مصطفى : واضح كمان أنها مش بتنام كويس. هي بس محتاجة ترتاح وتتغذي وهتبقى كويسة. أنا أديتها دوا يرفع الضغط شوية عشان عندها هبوط، أول ما تفوق ياريت تاكل. 


أومأ له صقر وطلب من فاطمة أن توصل الطبيب وبعد أن ذهب. 

نظر الهلالي إلى جهاد بغضب وقال : لو كنت خابر أن حالتها هتكون إكديه كنت رجعتها لأهلها بإيدي. 

جهاد : ماكنتش خابرة أنها مبتاكلش. 

هنية : كنت بتحايل عليها وهي ترفض، وفي الآخر كانت تاكل لجمة بالعافية، والنهاردة مكالتش واصل وشكلها كان زعلان جوي بعد ما فتحت لأحلام. 


نظر صقر بغضب إلى أحلام التي اختبئت خلف زوجها. 

صقر : حتى إنتي يا أحلام؟ 

الهلالي : عتحاسبهم  على إيه ؟ حاسب نفسك لول، طلبت منيها متنزلش  عشان تخطب براحتك! إيه الجبروت ديه؟! هتروح فين البت، فضلت طول اليوم في البرد برا، شايف وشها كيف؟ إنت أول واحد جسيت عليها، ياما أتحايلت عليك تعاملها زين، وأدي أخرتها. متوجع إيه لما تشوف جوزها عيتجوز عليها جدامها وزواجكو مكملش شهر. 

صقر : أهدى يا جدي أرجوك، مش هستحمل يجرالك حاجة تاني. 

الهلالي : وأنا أستحمل كيف أشوفك ميت جدامي زي أبوك؟! أتحايلت عليك عشان أحميك، وهي جبلت بكل ده عشان تحميك إنت كمان، عملت إنت إيه؟ كسرتها.... ذليتها... خدمتها في بيت زوجها..... أهانتها، فاكر مكنتش عسمع كلامك وزعيجك معاها كل يوم؟!

صقر بحزن : هصلح كل حاجة يا جدي بس عشان خاطري أهدى. 

الهلالي وهو يطرق عكازه بالأرض : لآخر مرة هجولها في البيت ديه، اللي هيمس ليل مرة تانية هطرده من البيت حتى أنت يا صجر. 


ذهب من أمامه، وركضوا جميعاً إلى غرفهم خوفاً من صقر، فهو في قمة غضبه الآن وينظر إليهم جميعاً نظرة تحرقهم. 

وقف أمام الباب وظل يحاول أن يهدأ من روعه ثم دخل، وجدها لا تزال نائمة، جلس بجوارها يتأملها بصمت، وجهها شاحب ولكن جميل، شعرها الأسود كالليل يحيط بوجهها الأبيض، لما يراها بشعرها منذ أن حكمت عليها جهاد بارتداء هذه الثياب البالية والحجاب الأسود. 


تنام كالأطفال، يدعو من قلبه أن تسامحه على ما فعل، فجده محق، كم أهانها وأحزنها؟ كم بكت بسببه؟ يتذكر نظراتها له اليوم؟ شعر بالندم على إتمام الخطبة رغم نداء قلبه أن يتوقف عن هذا العبث، فهو ينبض لها هي ولا يريد غيرها. 

كم شعر بالراحة عندما ضمها إلى صدره لأول مرة، وكأنها ملكته وأسرته في حب مشدد لا يستطيع الهروب منه.


اقترب منها ودنى بوجهه على وجهها، ينظر إليها وكأنه يحفر ملامحها بذاكرته، لم يستطع أن يتحكم مشاعره أكثر من ذلك، فنبض قلبه كان يعلن عن الاستسلام، ثم تنهض وقال بهمس:  بحبك.. 

اعترف أخيراً ولكن من المؤسف أن ليل لم تسمع تلك الكلمة التي انتظرت سماعها طويلًا.

                الفصل الخامس عشر من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا 


تعليقات



<>