رواية جريمة الي المجهول الفصل الرابع عشر 14 بقلم زار
اتجمدت في مكاني.. لا قدرت أصرخ ، لا قدرت اجري عليه ، ولا قدرت حتى أغطي وشي من الخجل.
الصمت بينا كان أطول من الشهور الغبت فيها.
كأن الزمن وقف بينا في اللحظة دي ، وما فضل غير نظرة واحدة بتسأل.. ونظرة ما لاقية رد.
ثواني عدّت ، لكن حسّيتها عمر كامل.
أبوي رمش كم مرة ، كأنه بحاول يتأكد إنه شايفني حقيقة.. وبعدها قال بصوت مكسور.. مرييم!.
قلبي انقبض ، و أنا بسمع صوته بناديني ، حاولت أرد، لكن صوتي خاني.. همست ليه بحِس مخنوق..
أبوي!..
فجأة اتحرك نحوي بخطوات سريعة ، و متلخبطة...
وقف قدامي لحظة ، بعدها مسك وشي بين كفوف يديه ، كأنه بحاول يحفظ ملامحي من جديد.
و بدون كلام.. شدّاني ليه بقوة ، مليانة شوق و خوف.
صوته كان قريب من أذني ، و هو بهمس لي بصوت عالي
الحمد لله! الحمد لله! رجعتي لي.
ما قدرت اتحمل ، دموعي انفجرت بالبكاء ، مسكت في جلابيته بكل قوتي وبكيت ، بكاء شهور كاملة.
سكت شوية ، و قال لي بنبرة عتاب وخوف..
لييه يا مريم؟ ، ليه تختفي كدا؟!
عتابه كسرني أكتر ، و خلاني ابكي ذيادة ، بقيت أهز راسي و أردد ليه.. سامحني يا أبوي.. سامحني.
شدّاني ليه أكتر، كأنه رافض يسمع أي حاجة غير إني قدامه وبس ، و بصوت مخنوق قال لي.. أهم حاجة إنك قدامي وجيتني كويسة!.
دقائق كتيرة مرت ونحن متماسكين ، قلبنا المكان كله بكاء ، كل واحد فينا كان بفرغ وجع شهور طويلة في اللحظة دي.
بعد مسافة هدينا شوية ، و لسه ابوي مُتمسك بي، لكن قبضته خفّت ، بعدها أبعدني شوية ، مسك وشي تاني ، ومسح دموعي بإبهامه ، كان بعاين لي بتركيز كأنه لسه ما شبع مني.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء شديد.
مُحي الدين دخل خطوة ، وقف عند الباب، كأنه ما عايز يقطع اللحظة ، همس بصوت واطي..
آسف!.. بس في إجراءات بسيطة لازم تتم ، أبوي مسكني بشدة، وردّ عليه بحزم.. أنا بمشي معاها!
هزّ راسه وقال بهدوء.. أكيد ح تكون معاها
بعد ما خلصنا ، قال لي...
ممكن نحتاجك تاني ، لو في تطورات جديدة.
أبوي شدّ على يدي ، و عاينت ليه بتوتر..
فردّ بسرعة يطمّئنا ..
لا ما تقلقوا ، بس لو قبضنا على نفيسة ، أو احتجنا نثبت تفاصيل معينة ، ح نتواصل معاك.
سكت لحظة ، وبعدها قال.. وجودك مهم ، لكن ما هسي.
هزّيت راسي ، وأبوي شكره وسلم عليه.
بعدها طلعنا من المكتب ، مشينا في نفس الممر الطويل ، بس المرة دي الإحساس كان مختلف تماماً.
قبل ساعات كنت داخلة بخوف ، وخطواتي تقيلة، ونفسي مقبوض..
لكن هسي وأنا طالعة مع أبوي ، كنت حاسة بحاجة شبه الطمأنينة ، حتى نظرات العساكر البرا..
ما كانت تقيلة زي قبل ، أو يمكن أنا البقيت أشوفها بشكل مختلف.
طلعنا من القسم ، و مجرد ما خطيت برا البوابة ، حسيت لأول مرة من شهور، إني باخد نفس عميق.
العسكري فتح لينا الباب ، وركبنا.
العربية اتحركت ببطء و هي بتبعد من المكان..
ما كنت عارفة أنا ح أمشي وين بالضبط! ، بس عارفة إنو وجوده جنبي ح يقويني و يخلي كل شيء مختلف.
الصمت بينا كان تقيل ، بس المرة دي ، مليان حاجات ما اتقالت.. أبوي التفت علي و سألني بصوت واطي..
إنتِ كويسة ؟ ، قلت ليه.. أيوه
فتح خشمه ، كأنه عايز يقول حاجة ومتردد ...
بعدها قال لي.. سامحيني يا مريم!.
التفتت ليه بسرعة ، ما عرفت اقول ليه شنو.
كمل كلامه بندم حقيقي..
لو كنت قريب منكم ، كان ما حصل دا كله.
هزيت راسي بأسف ، و فجأة مرّ علي شريط اليوم داك.. المطبخ! فتحي! صرخة عمتي! وهي بتقع بعدها انهار كل شيء.
عيوني اتملت بالدموع ، ويدي شدّت ع طرف طرحتي بقوك ، أبوي مسك يدي و همس لي..
ما تفكري كتير! ، وماف زول بلومك على حاجة انتهت.
رغم أنه طمئني وما ضغط علي ، و لا سألني من تفاصيل بس ما كان في طريقة أوقف أفكاري ، كل الذكريات دي رجعت لي ، و فتحت لي وجعي القديم.
بعد لحظات ، سألته بصوت مخنوق.. أمي و ماهر كيف؟
التفت عليّ بسرعة، كأنه ما كان متوقع السؤال.
قال لي ..هم كويسين! بس من يوم ما اختفيتي ، ما خليت ماهر في بيت عمك ، أخدته وجبته معاي البيت.
هزّ راسه كأنه بتذكر تعب الأيام ديك.
سكتنا تاني.
لحظات.. و قطع السكوت ، صوت رنّة تلفونه..
رد بسرعة.. السلام عليكم!.
صوته اتغير شوية و قال.. أيوه! لقيناها..
الحمدلله كويسة.
عرفت إنو دا واحد من أهلنا بسأل مني.
قفل منه ، و ما مرّ وقت طويل.. التلفون رنّ للمرة التانية.
المرة دي صوته كان أهدى.. أيوه! مريم معاي.. كويسة.. لا لا، ما في حاجة.. جايين في الطريق.
كنت سامعة كل حرف ، وكل كلمة كانت بتزيد إحساس غريب جواي.
ناس منتظرين! ، و ناس متلهفين يشوفوني!.
لكن أنا؟!.. ح أواجههم كيف؟ ، فجأة صدري ضاق أكتر
كل الأسئلة رجعت تاني.. ح أقول ليهم شنو؟!..
ح يشوفوني كيف؟ ، ح يصدقوني؟..
فضلنا ماشين و أنا بعاين للطريق ، لغاية ما قربنا من منطقتنا ، و الحي بدأ يظهر ، البيوت و الشوارع البعرفها وكنت بمر بيها كل يوم..
بس كل حاجة كانت غريبة علي ، كأني برجع لمكان.. وأنا ما نفس الزول ، قلبي بدا يدق أسرع ، ومع كل مسافة تقرب ، خوفي كان بذيد.
لغاية ما دخلنا شارع بيتنا ، و شفت ناس الحلة في الشارع ، بتلفتوا للعربية بفضول ، حسيت بانقباض ف قلبي ، خلاني أشد على يدي اكتر.
العسكري خفّف السرعة ، و وقف قدام بيتنا..
عيني وقعت على بابنا ، كان نفسه زي ما خليته ، بس بشعور مختلف..
أبوي نزل وجاء فتح لي الباب قال لي.. انزلي
بلعت ريقي من الخوف ، قلت ليه بصوت واطي...
أنا.. أدخل كيف؟ ، ردّ لي بصوت مُطمئن..
تدخلي.. زي ما إنتِ و انا معاكِ.
مدّ لي يده ، بس قلبي كان بضرب زي الطبل..
اترددت ثواني ، وبعدها مسكت يده و نزلت.
مشيت وراه بخُطى مترددة.
مجرد ما فتح لي الباب ، و خطيت خطوة واحدة ، جوه البيت..
فجأة سمعت صوت مُندفع ، و مليان دهشة.. مرييم!
رفعت راسي ببطء ، كان ماهر.. عيونه فاتحة للآخر كأنه ما مصدق.. جاء جاري علي ، و هو بكورك مريييم! مريم جااات!.
ارتمى فيني ، و لفّ يديه حولي بقوة.. وبقى يبكي..
كنتِ وين؟.. ليه مشيتي خليتيني؟..
ما قدرت انطق حرف واحد ، ضميته علي أكتر و دفنت وشي في شعره ، بكيت معاه بحرقة ، و أنا بتذكر كل دقيقة قضيتها بعيده منه.
رفعت عيوني شوية ، و لقيت ناس واقفين.
عمي محمد وزوجته و نجود مرت أبوي ، وناس خالتو سيدة.. عيونهم مليانة دموع ، كأنهم ما مستوعبين إني قدامهم..
خالتو آمنة جرت علي حضنتني ، و هي بتبكي.. مريم! حمدلله ع السلامة.. بركة جيتي كويسة.
ومن وراها نجود و خالتي سيدة ، مسكوني بنفس اللهفة.. اتحاصرت بينهم ، بالبكاء والإحضار ، وكل زول فيهم كان بحاول يتأكد إني حقيقة ، و إني رجعت مريم زاتها!..
عمي جاء وقف قدامي لحظة ، ضماني عليه.. و
قال لي..حمد لله على السلامة يا مريم، فرحنا برجعتك هزّيت راسي ، و ماقدرت ارفع راسي، كنت مكسوفة منهم شديد.
عمّي قال ليهم.. خلوها ترتاح شوية..
بعدها.. نجود مسكتني من يدي و دخلتني الصالون قعدت في طرف السرير ، و عيوني في الأرض..
الأصوات بدت تزيد برا ، واضح انه الخبر انتشر.
الجيران وصحباتي ، كلهم بدوا يجوا يسلموا علي.
بس المشكلة ما كانت في السلام ، كانت في نظراتهم كأنهم بسألوا بدون كلام.. كنتِ وين؟.. حصل ليك شنو؟!..
فجأة... جات واحدة من الجيران ، سلمت علي و من غير مقدمات قالت لي..
معقولة يا مريم ،كنتي وين؟ و عند ناس منو؟..
في اللحظة دي اتمنيت الأرض تنش وتبلعني... من كمية الإحراج ، ماقدرت ارد ليها، ولا حتى عرفت أرفع ليها عيوني.
نجود دخلت بسرعة ، قالت ليهم بنبرة حاسمة و مُهذبة
يا جماعة خلّوها ترتاح شوية.. بعدين اتكلموا معاها.
الناس سكتوا شوية بس نظراتهم ما وقفت..
للحظة حسّيت إني صغيرة وسط كل العيون دي..
وكأن السؤال دا لسه معلّق فوق راسي ، ما قدرت أستحمل الموقف ، قمت منهم بهدوء ، و دخلت الغرفة ، مجرد ما قفلت الباب ، أخدت نفس طويل كأني كنت شايلة الدنيا كلها على صدري.
و قبل ما استوعب حاجة ، سمعت صوت عالي بنادي..
مريييم! ..
قلبي دقّ بقوة ، للحظة اترددت إني أفتح الباب! ، أو أختفي أكتر.
الصوت بقى أقرب ومستعجل .. وينها؟! وين مريم؟!.
قلت بصوت مذهول.. أمييي؟!.
فجأة.. الباب اتفتح بقوة، وشفت أمي، عيونها وقعت علي وهمست لي.. مريييم!..
جرت علي ، ضمتني وهي بتبكي ، انهرت في حضنها زي الطفلة ، وبكيت معاها.
بعد لحظات ، بعدتني و بقت تعاين في وشي بتركيز، و تاني شدتني بقوة، وبدت تعاتبني بصوت متقطع...
ليه تختفي كدا وتقطعي قلبي؟ ليه يا بتِ؟.
رديت ليها بصوت مخنوق.. سامحيني يا أمي.. اعفي لي، والله غصب عني.
مسكت كتفي بقوة ، وثبتت عيونها فيني..فتحي عمل فيك شنو؟ قولي لي..
ما قدرت أجاوب ليها، هزيت راسي و انا بقول ليها...
ما تسأليني يا أمي.. ما تسأليني.
ردت لي بحزم.. أنا أمك، وبعرفك ما بتأذي زول ، وريني الحصل؟.
دفنت راسي في حضنها ، ورديت ليها بصوت متقطع..
ما كنت عايزة أقتله.. كنت عايزة أبعده مني.
و بعدها.. دخلت في نوبة بكاء.
أمي شدتني ليها بقوة، كأنها بتحاول توقف الكلام ذاته، وبقت تهديني.. ما تبكي وتتعبي نفسك ، ماف زول بلومك!.
في اللحظة دي.. الباب اتفتح ، و دخلت نجود شايلة
صينية أكل و عصير ، ختتهم قدامنا وقالت لينا..
اتفضلوا.. أكلوا!..
أكلت لقمتين ، وتاني ما قدرت أحرك يدي ، بس شلت العصير شربته.
سكتت مسافة... بعدها عاينت لأمي ، اترددت اسئلها مباشرة ، همست ليها بصوت واطي.. عمتي!..
الكلمة وقفت في حلقي ، وما قدرت أكمل..
أمي عاينت لي ، فهمتني بدون ما اشرح.. ردت لي بهدوء.. عمتك كويسة.. ما تشيلي هم و تشتغلي بالك بحاجة هسي.
هزّيت راسي ، و نزلت عيني تحت.
الوقت مرّ بسرعة ، الشمس غابت ، و الواطة بدت تضلم ، طلعت مع أمي الحوش ، وأنا بتفادى ارفع عيوني لأي زول ، اتوضيت بسرعة ورجعت صليت كل الصلوات الفاتتني..
حسّيت بشوية هدوء و طمأنينة.
بعدها.. أمي قالت لي.. تعالي برا ، هنا الجو بدا يسخن.
هزّيت راسي، وطلعت معاها.
لقيت ناس خالي ، وكم زول من أهلي ، أول ما شافوني قاموا بسرعة ، سلموا علي بلهفة ، رديت ليهم بكسوف وصوت وااطي.
دخلت الصالون ، رقدت في أقرب سرير واتغطيت . كنت حاسه بكل تعب الدنيا فيني ، بس لأول مرة من شهور.. أحس إني في مكان آمن.
ما كان في شعور خوف أو ضيق ، كأنه الكابوس انتهى
بديت اغمض عيوني ، بس عقلي كان لسه صاحي..
الأفكار بقت تمر علي ببطء..
وجوه!.. أصوات!.. مواقف!.. كلها كانت بتدور من غير ترتيب.
وفجأة.. إسمه مرّ في بالي ، لثواني بس ، زي ضل سريع ما لحقته ، ولا قدرت أمسكه "أواب".
فتحت عيني نص فتحة ، و سألت نفسي في سري..
هو حاله كيف هسي؟..نساني؟.. واصل حياته كأنه ما حصل شي؟.
سؤال ما لقيت ليه إجابة ، و يمكن ما كنت عايزة أسمع إجابة أصلاً ، اتنهدت بهدوء ، و قلبت وشي للجهة التانية ، شدّيت اللحاف علي أكتر..
عيوني بدت تتقل ، لغاية ما غفيت في النوم.
صحيت الصباح ، لثواني ما عرفت انا وين؟ عاينت حولي ، بعدها رجع كل شيء...
شفت ماهر لابس ملابس المدرسة ، جاء سلم علي و ودعني ، اتذكرت لما كنا بنمشي مع بعض ، حسيت بدموعي رقرقت و مرّ جواي إحساس مليان حنين. وكأنو الحاجة البسيطة دي بقت بعيدة شديد.
اليوم بدا يمر بطريقة غريبة..
سريع ، وبطيء في نفس الوقت ، مكالمات ما بتوقف
أصوات داخلة.. بـ حمدلله على السلامه
و أصوات طالعة ، وهمس نسوان بتكرر باسمي..
مريم؟.. مريم جات؟.. كيف حالها هسي؟
وأنا.. قاعدة بينهم اسمع، بس كأني بعيدة.. مرة أرد بابتسامة أو اكتفي بهزّ راسي ، او اتنقل بين الصالون والغرفة ، عشان ارتاح ، بس ماف راحة كاملة.
مع المساء التعب بدا يغلبني ، قلت أنوم شوية.. يمكن أهرب من الجوطة دي.
وقبل ما تغمض عيني سمعت أصوات بنات برا بسلموا
قلبي خفق للحظات ، الأصوات دي مألوفة لي..
"عُناب وعائشة" ..
سمعت صوت أمي بتقول ليهم.. اتفضلوا.. خشوا ليها جوه.
خبطوا الباب ودخلوا ، شفت عُناب في الأول...
اتسمرت مكانها ، مجرد ما شافتني ، بعدها صرخة و جات مسكتني.. مريييم!.. دي انتِ؟.. الحمدلله يارب!
ما لقيت كلام اقوله ، غير اني ادفن وشي في كتفها ، واتنهد.
جات وراها عائشة مسكتني ، عيونها مليانة دموع و بنفس اللهفة والبكاء والأسئلة..
بكيت بينهم كأني لقيت روحي تاني.
سكتوا لحظة ، ولسه بعاينوا لي كأنهم ما مصدقين..
عناب اتقدمت خطوة ، وبصوت واطي قالت لي..
كنتِ وين يا مريم.. ؟ ، من يوم اختفيتي ما ضقنا للدنيا طعم..
ومن غير مقدمات بدت تلوم نفسها ، انه الحصل بسببها ، قلت ليها.. اهدي يا عُناب! إنتِ ما السبب ما تلومي نفسك.
عائشة مسحت دموعها وقالت..
من يوم الحصل ، واحنا بتفتش عليكِ في كل مكان..
بس ما كان ليكِ أثر ، ما كنا عارفين نعمل شنو تاني..
لما يئسنا..و فكرنا في الأسوء..
قاطعتها بصوت مخنوق..
أنا ما كنت عايزة أختفي ، بس ما كنت قادرة أرجع..
عُناب تاني رجعت تلوم نفسها...
الغلط كله مني ، لو كان رجعت.. قبل ما تكمل كلامها،
فجأة تلفونها رنّ..
رفعته بسرعة عاينت للشاشة ، وردت..
ايوا قاعدة معااي..
بعدها ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت.. ده أواب!..
ما رديت عليها ، بس هزيت راسي..
قالت لي.. عايز يسلم عليك ، جاكم أمس وما قدر يقابلك.. مدت لي التلفون ، بس من غير ما أشعر قلت ليها.. لا.. لا ما عايزة..
قربت التلفون مني أكتر و همست لي بنبرة خفيفة...
اتكلمي عادي.. ما تتكسفي
سمعت صوت نفس بسيط .. وبعدها.. ألو؟
صوته كان بنفس البحة ، كأن الزمن ما مرّ عليه.
سكت لحظة، وبعدها قال.. مريم؟..
ما قدرت أرد عليه بحرف ، وكأنه حبالي الصوتية انقطعت فجأة.
الثواني بقت تقيلة ، وصوته لسه في سمعي ، في
النهاية ، زحيت التلفون بعيد مني ، كأني ما قادرة أتحمّل أكتر.
عُناب شالت التلفون باستغراب و ردت ليه.. أيوه يا أواب..
هسي ما قادرة تتكلم ، لما تهدى برجع ليك.
قفلت الخط بهدوء ، و رجعت عاينت لي..
عائشة قالت لي.. تعب شديد يا مريم!.
من يوم اختفيتي و هو ما ضاق طعم راحة ، يومي يفتش يسأل ، ما خلى مكان ما فات ليه ، قرب يفقد عقله!.
قلبي وجعني عليه ، لكن رغم دا ما حسيت بالراحة ولا حتى بالفرح ، زمان مجرد ما أسمع صوته ، قلبي كان بخفق بسرعة ، كنت بستناه وأفرح بيه من غير سبب.
بس هسي ، ما لقيت الحماس ولا اللهفة! ، كأنو الشعور البربطني بيه.. بهت!.
سألت نفسي في سري .. هو لسه نفس أواب؟ ، ولا أنا البقيت ما نفس مريم؟.
عناب جدعت التلفون ، و جات قعدت جمبي ، بدوا يحكوا لي.. عن الحصل من يوم الحادث ، و شعورهم لما عرفوا اني اختفيت ، والايام الصعبة المرت عليهم، و تحقيقات الشرطة معاهم..
كنت مرة ابتسم ليهم ، ومرة أهز راسي ، ومرة أسرح.
أصواتهم بقت تبعد شوية ، كأنهم قاعدين في مكان تاني.
فجأة رجعت ليهم لما عناب قالت لي.. فاكرة لما كنا بنقعد فوق السطوح؟
عائشة ضحكت وردت.. نقعد نحلم ونتمنى
ولما عُناب ساقتنا جامعتها؟..
حاولت أتكلم معاهم و أقول ليهم أي حاجة ، بس الكلام كان بقيف لي في حلقي.. كأنه الحصل لي ، أكبر من إني اختصره في كلام.
عائشة ختت يدها على كتفي و قالت.. ما تفكري كتير ، المريتي بيه صعب ، بس خليك عارفة انو نحن معاك.
كلامهم طمئني وحسسني انهم لسه.. زي ما هم اخواتي.
سكتنا شوية ، وبعدها الكلام رجع بصورة أخف..
ذكريات ، مواقف قديمة ، و ضحكات بسيطة.
الليل مرّ بطريقة غريبة ، من غير ما نحس بالوقت، لغاية ما سمعنا الأذان.
عُناب قالت بدهشة.. دا الأذان؟!
عائشة ضحكت وقالت... معقولة اتونسنا الوقت دا كله؟!.
بعدها قمنا صلينا ، و رجعنا رقدنا تاني..
المرة دي ، أول ما غمضت عيني ، النوم جاني سريع،
يمكن عشان أول مرة.. أحس إني ما براي.
ما عارفة نمت كم ساعة..
بس صحيت على صوت أمي بتناديني.. قومي يا مريم.. أعمامك جوا.
فتحت عيني براحة ، ورديت ليها باستغراب..
أعمامي؟!.
قمت قعدة في نص السرير ، بحاول أستوعب كلامها.
قالت لي.. قومي غسلي وشك ، واطلعي سلمي عليهم.
هزّيت راسي وقمت.
لقيت عُناب واقفة بتنضف.. سألتها في شنو؟
ردت لي ببساطة.. ماف حاجة.
غسلت وشي ولبست توب ، مشيت بخُطوات مترددة.
دخلت الديوان..
عيني وقعت على فايز أول حاجة ، فجأة حسيت بانقباض في صدري.
ومن الجهة التانية ، شفت عمي محمد وعمي حسن،
و معاهم أبوي..
كلامهم كان خافت، و نظراتهم جادة.
قلت.. السلام عليكم! بصوت واطي.
فايز أول ما شافني ، قام وقف وقال بصوت جاف..
حمد لله على السلامة.
هزّيت راسي بسرعة ، وما قدرت أرفع عيني.
عمي محمد أشار لي... اقعدي يا مريم.
بلعت ريقي.. وقعدت على طرف السرير.
إيدي كانت بترجف بخفة ، و نظري ثابت في الأرض.
عدت لحظة صمت طويلة ، كأنهم كلهم بفتشوا الكلام المناسب.. بس ماف زول بدا!.
رفعت عيني بالغلط ، و ندمت إني رفعتها ، العيون كلها كانت علي.
قطع السكوت صوت عمي حسن...
يا مريم! نحن ما جايين نوجعك.
سكت مسافة وقال.. بس عايزين نعرف الحصل معاكِ شنو بالضبط؟! ، و فتحي مات كيف؟!.. .
