رواية بين طيات الماضي الفصل السابع والعشرون 27 والثامن والعشرون 28 بقلم منة الله مجدي
الفصل السابع والثامن والعشرون
أنهت إعداد الحساء وصعدت لغرفته مرة أخري بعدما تركت مراد مع ناهد
وضعته علي الطاولة القريبة من الفراش ووضعت رأسه في حجرها وهي تمسح علي جبهته برقة بالغة شاعرة بأنها قد إمتلكت الدنيا بين يداها ، تنهدت بعمق وهي تنظر إليه في وجل
كيف إستطاع أن يكسب قلبها الذي أقسمت ألا تعطي مفتاحه لأحد من ابناء آدم!!!
كيف إستطاع أن يتوغل بين طيات روحها وفي ثنايا عقلها بهذه الدرجة
مسحت علي شعره في حنو وقلبها يهاتف قلبه
لقد كنتَ أنت محبوبي آخر الأبواب ، وآخر السُبل وآخر مركب للنجاة وكل الغرق
تنهدت بعمق وهي تدعوا الله أن يشفيه سريعاً وأخذت تطعمه الحساء في رقة بالغة وبعد أن إنتهت من إطعامه بللت قطعة قماش قطنية ووضعتها علي جبهته كي تخفض من درجة حرارته قليلاً وفجاءة سمعت هاتفها يرن فازالت عنه قطعة القماش تلك بعدما دثرته جيداً بالغطاء وخرجت لتجيب عن هاتفها
وما إن فتحت الخط حتي سمعت نورسين تصيح من الهاتف بذعر
- بابا.......بابا يا مليكة
صاحت بها مليكة تحاول تهدئتها والسيطرة علي نوبة الذعر التي تواجهها
- نورسين إهدي أنا مش فاهمة منك حاجة في إيه
تابعت نورسين بإضطراب واضح
- بابا يا مليكة......بابا أمجد
صرخت مليكة بهلع ، لم تجد حتي عقلها كي يمنعها فهو أيضاً كان قلقاً علي والدها
- بابا.....ماله
هتفت نورسين بإضطراب
- بابا تعبان يا مليكة .....تعبان أوي
سقط الهاتف من مليكة وركضت تلتقط مفاتيح سيارتها راكضة للخارج
إصطدمت بها ناهد خارجاً فسألتها في قلق
- مالك يا بنتي رايحة فين كدة
أردفت مليكة لاهثة باضطراب
-بصي يا دادة سليم أمانتك متسيبيهوش لحد ما أجي
ثم إنطلقت في سيارتها ناحية منزل نورسين وهي تفكر ، لا لن يموت ، لن تسمح له بالموت أبداً ليس الان ، لن تسمح له بالموت قبل أن تخبره بكلمات والدتها الأخيرة، لن تسمح له بالرحيل قبل أن تسمح لنفسها بقول تلك الكلمات التي إختزنتها طوال تلك السنوات
لن تتركه يموت قبل أن تبكي علي صدره
قبل أن تلومه ، تخبره بأنها غاضبة منه بشدة لتركها ، الأن فقط إعترفت أنها كانت تنتظر رؤيته مرة أخري ، بل كانت مشتاقة إليه بشدة
لم تعرف حتي كيف وصلت لمنزل نورسين سليمة فقد كادت أن تقوم بمئات الحوادث في الطريق
ركضت للداخل تصرخ مستدعية نورسين في فزع التي وجدتها جالسة في حجرة الإستقبال
أمسكتها مليكة من كتفيها وهزتها وهي تصيح بها في فزع
- مينفعش يموت سامعاني ، مش قبل ما أعاتبه مش هيموت ويسيبني دلوقتي ، كادت أن تنهار حتي وجدت والدها يمسك بها في حنان بالغ متابعاً بتأثر بالغ
- ابوكي أهو قدامك إعملي فيه اللي إنتِ عاوزاه
أرتفعت شهقاتها وهي تدفن نفسها بين ذراعيه تبكي وتنتحب ، بكت كل أيام حرمانها ، حزنها وشقائها ، بكت أيام وحدتها ، بكت يُتمها ، بكت فقدان والدتها وشقيقتها ، بكت حتي جفت دموعها ، بكت حتي إرتوي قلبها ، حتي إلتئمت جروح روحها الغائرة ، بكت حتي طوت تلك الصفحة السوداء من حياتها وللأبد
هدأت تماماً بين ذراعي والدها حتي إستفاقت إستفاقت لنفسها فنهضت واقفة تطالعه في دهشة
- إنتَ......إنتَ.......كويس
ضيقت عيناها وهي تلتفت ناحية نورسين التي أخفضت بصرها سريعاً عن نظراتهه المتسائلة فهتفت غاضبة
- نورسين ا.....
قاطعها عاصم الذي وقف يطالع شقيقته باسماً
- أنا اللي قولتلها يا مليكة
توجهت ناحية شقيقها وأخذت تدفعه للخلف في غضب صابة جام غضبها عليه ، لم تكن تعلم وقتها أ هي تعنفه لأجل تركه لها أم لأجل حالتها في الطريق إلي المنزل
وفجاءة إحتضنها عاصم ليهدئها بين ذراعيه وسمح لها أن تبكي كيفما تشاء
وهي حقيقة لم تدخر جهدها فبعدما ظنت أن دموعها قد جفت عاودت البكاء أكثر من ذي قبل ، فحين يأتي الأمر للبكاء عزيزي لن تجد أفضل من حواء
بعد بضع ساعات من لوم مليكة وعتابها وحتي بكاؤها جلسا سوياً في حديقة الفيلا
سأل أمجد في حيرة
- أنا اللي عاوز أفهمه إتجوزتي سليم إزاي
قصت عليه مليكة تلك الحكاية التي قصها سليم علي عائلته إنهما تقابلا في أحد المؤتمرات وتزوجوا ومراد طفلهم ولم تخبر أي أحد حقيقة مراد
سأل عاصم في لهفة
- طيب وتاليا يا مليكة....
نقلت أنظارها إلي قسمات وجه والدها التي ظهر عليها الشوق والجزع بقوة
أطرقت مفكرة لوهلة تنظم كذبة ما لتخبرهم بها
- أنا هقولكوا بس محدش يعرف باللي هقوله دا
أومأ الكل عدة مرات برأسهم موافقين
- تاليا إتجوزت حازم اخو سليم وماتت هي والبيبي وهي بتولد
أغمضت عيناها بتأثر شديد لتذكرها مظهر شقيقتها ثم تابعت بجدية
- بس محدش من أهل حازم كان يعرف غير سليم لأنه كان خاطب بنوتة في البلد وكان مستني الوقت المناسب علشان يفسخ خطوبته منها ويعلن جوازه بتاليا
أومأ امجد برأسه في حزن وأردف عاصم في آسي بعدما غطي عسليتاه ستار من العبرات -الله يرحمها
أخرجت مليكة هاتفها كي تري والدها وشقيقها صورة لتاليا
ذرف والدها الكثير من العبرات فنهضت مليكة لتحتضنه مخففة عنه ذلك الشعور البغيض الذي يعتريه الآن ، شعور الذنب الذي يكاد يقتله ، شعور بالألم يجثم علي روحه ، يكبلها يمزق قلبه ليحطمه لأشلاء متناثرة
وكيف لا فهي طفلته التي لم يراها ، لم يعرف عن وجودها ، لم يحتضنها ، لم يخبرها كم هي طفلة رائعة ، لم يحظي بفرصته ليراها عروس جميلة ، ليسلمها لذلك الفارس المنتظر الذي سيختطفها منه ولكن في تلك اللحظة قد عزم العقد علي تعويض مليكة، نعم سيعوضها سيعطيها كل الحنان والحب الذي حرمت منه كل تلك الفترة
*************************
عادت مليكة الي منزلها بعد قضاء عدة ساعات في منزل والدها ، عادت إنسانة اخري ، عادت أنسانة تمتلك هوية ، أصبح لها عائلة مرة أخري
إزادت قوةً علي قوتها التي إكتسبتها من حياتها المستقلة
قابلتها ناهد القلقة علي الباب وحينما شاهدتها أردفت بهلع
- كنتي فين يا بنتي ، قلقتيني عليكي وموبايلك مفصول إنتِ كويسة
إحتضنتها مليكة بحبور لتهدئ من روعها
- أنا كويسة يا حبيبتي بس كنت في مشوار مهم وأسفة علشان قلقتك
ثم سألتها علي سليم طمأنتها ناهد كثيراً علي حالته
فتوجهت لغرفته لتقضي بجواره كل الليل بعد تبديل ثيابها والإطمئنان علي مراد
***************************
في صباح اليوم التالي
هاتفتها خيرية لتبارك لها مقابلة والدها وشقيقها فذهلت مليكة بعدما سألت في توجس
- إنتِ عرفتي إزاي يا ناناه
تابعت خيرية باسمة بثقة
- واااه هو ابوكي مخبركيش ولا إيه ، ابوكي وابو سَليم كانوا صحاب أكتر من الاخوات يعني أني اللي مربية ابوكي وهو جالي بعد ما عرف طوالي وبعدين مجاصيصي البيض دول مش بالساهل إكدة يا بنيتي أني كنت حاسة من لما شوفتك إني أعرفك عينيكي مكانتش غريبة واصل
إبتسمت مليكة في حبور وهمت بالتحدث حتي أردفت خيرية
- طبعاً سَليم ميعرفش أيتها حاچة لسة
أردفت مليكة بإضطراب متوجسة
- أيوة يا ناناه أنا لسة مقولتلهوش وهو ميعرفش حاجة
أردفت خيرية بهدوء لتطمئنها
- وأني معرفتش حاچة من الأصل متجلجيش يا بنيتي بس لازم تجوليله في أجرب فرصة
تنهدت مليكة بعمق وهي تردد
- حاضر ....هقوله
****************************
بعد عدة ساعات حضرت مليكة إفطار سليم ودلفت له لتطعمه في هدوء فقد إنخفضت درجة حرارته عن الأمس بعض الشئ ولكنه لا يزال لا يشعر بها فقد كان أحياناً يفتح عيناه قليلاً ليطالها بنظرات غريبة عنها ، خُيل لها أنه حباً ثم يغمض عيناه مرة أخري دون أن يتفوه بحرف ، وأحياناً أخري يهمهم بكلمات غير مفهومة
- مليكة....مراد....حازم...مينفعش...بحبها...كدابة
ولكنها لم تفهم أي شئ مما يقصد
حتي بدأ في استعادة وعيه بعد مرور بضع أيام فقرر الإذعان لمليكة بعدم الذهاب للشركة ومباشرة عمله من المنزل حتي يستعيد عافيته
فهاتفته خيرية لتطمئن عليه وبعد السلامات أردفت هي توصيه علي مليكة
- خليك أمانها ياولدي
أردف سليم بعدم فهم مازحاً
-جصدك إيه يا جاچة عاد
أردفت هي بثبات
- أمانها يا ولدي ، عارف يعني إيه أمان للست ، يعني لما تيچي تطلب منك طلب تطلبه وهي مش خَايفة مهما كانت هيافته يعني لما تجولك علشان خاطري تكون خابرة إنها ورطتك لأنك مش هترفض طلبها ، يعني لما تغلط يا ولدي تحكيلك إنتَ أول واحد مش خوف لع حب وأمان ولما تعمل حاچة چديدة تاخد رأيك فيها وهي واثجة إنك مش هتبخل عليها بيه ، يعني متتمألتش عليها لو توخونت شوي
ولا هتشمت فيها لو فشلت ف حاچة ، يعني تكون أول واحد بترفع ثجتها في حالها ومتحسش بوچودها إلا معاك إنتَ وبس مش العكس ، يعني لما تنام وهي جاعدة من التعب توبجي واثجة إنك هتغطيها ، إنك هتسكت الكل عشان هي ترتاح علشان راحتها تهمك
يعني لما تتعب توبجى عارفه أن حضنك مفتوحلها ، وإنك وجت أزمتها هتجف چنبها حتى لو كنت واخد علي خاطرك منيها
يعني تلاقيك لما تحتاچ تشوفك ، يعني لما أني ولا عمتك ولا أي مخلوج نسألوك مرتك عاملة إيه معاك تجولنا الحمد لله مبسوطين حتى لو فيه مشاكل بينكم وبين بعض ، يعني يا ولدي توبجي صاحبها جبل حبيبها وحبيبها جبل چوزها وچوزها جبل ما تكون أبو ولادها ، تكون سندها ، ضهرها اللي بتتحامى فيه وقبل كل دول ابوها ، ابوها اللي متخافش ولا تتكسف منيه ، صدجني يا ولدي ديه اللي بتدور عليه أي حُرمة في الدنيا و اللي لما تلاجيه بتبيع الدنيا كلاتها علشانه ، لما تلاجيه مش هتنكد عليك ، مش هتنام كل يوم ودموعها على خدها مش هتكره الچواز وانها ست لع والله يا ولدي وشها هينور كل يوم عن اليوم اللي جبله ، هتمشي تتفاخر بيك وتجول ياريت كل الرچالة چوزي مكنش هيبقي فيه حُرمة حزينة واصل ، خليك أمانها ياولدي هتكون سندك طول العمر ، فهمتني عاد ولا لع
لمست كلمات جدته شغاف قلبه وحركت أخر جزء كان يعاند من الإنجراف في تيار حبه لمليكة ولكنه أردف مازحاً
- واااه يا حاچة من ميتي وإنتِ بتجولي شعر
أردفت خيرية باسمة بأسي
- دا مش شعر يا ولدي ده الي سيدي وسيد البلد كلاتها ، چدك الله يرحمه علمهولي طول عمره معايا أكده ، خدني وأنا بت 15 رباني علي يده كان أبويا جبل أي حاچة تانية ، عمره ما جالي كلمة شينه واصل حُبه كان زي الزرعة الصغيرة چوة جلبي اللي كانت بتكبر كل يوم كان بيسجيها حب وإهتمام وأمان فهمت جصدي يا ولدي
أردف سليم باسماً بسهادة
- فهمت يا حبيبتي...... فهمتك
الفصل الثامن والعشرون
جلست مليكة أمام نافذتها في شرود
مضي الليل إلا أقله ولم يبقي إلا أن تنفجر ظلمة الليل عن جبين الفجر ولا تزال هي ساهرة قلقة المضجع تطلب الراحة ولا تجدها تهتف بالغمض ولا تجد سبيل إليه ، يؤرق مضجعها ذلك السليم الذي يشغل تفكيرها بتغيره الجذري معها ،فقد أصبح يحترمها ،يهتم بها ، أصبح لا يخجل من إظهار قلقه وخوفه وحتي حبه ، عَلي وجيفها بإضطراب حينما فكرت ولو لوهلة في إمكانيه حبه لها ، هل يمكنها وبعد كل ذلك الوقت إقناعه بالحب إقناعة بإمكانية برائتها ، رفعت يدها تواسي قلبها الحائر تذكره بثابت من ثوابت القدر والنصيب ، أننا لا نقابل الناس صدفه ، بل من المقدر لهم أن يعبروا طريقنا لسبب ما ، فلعل هذا السبب يكون حباً أو عشقاً ابدياً
خلدت إلي النوم وفي قلبها يتردد سؤال واحد
ومتَى الفُؤاد بِالتَلاقي يَهتنِي؟!
**************************
في قصر الغرباوية
بعد إنتهاء صلاة الفجر خرجت قمر من غرفتها كي تشرب بعض المياة وأثناء مرورها شاهدت نور غرفة فاطمة مُضاء ، إقتربت من الغرفة وفتحت الباب في هدوء فوجدتها جالسة أمام شرفتها تبكي بقوة ولم تشعر بقدميها إلا وهي تقتادها تجاه تلك الفتاة التي تُذكرها بشقيقتها فجلست بجوارها مربتة علي يداها
جففت فاطمة عبراتها وتطلعت إليها شذراً
فإبتسمت قمر في هدوء
- أني مكنتش براجبك ولا حاچة والله أني كنت رايحة أشرب وشوفتك ومش هسألك عاد بتبكي ليه ولا إيه اللي مصحيكي لحد دلوجت ولا هجولك اللي يبكينا نرميه ورا ضهرنا ولا حتي هجولك إن سَليم من الأول مكانش ليكي بس هجولك حاچة واحدة بس يا خيتي الحٌب لو ما حَلاش الدنيا دي كلاتها في عينيك و وجعك فيّ غرام نفسك و جَوَاكي وصَلب ضهرك و روج روحك و عَطَّر دنيتك وفتح نِفسك كمان يوبجى متحبيش يا حبيبتي
برقت عينا فاطمة بألم وهي تطالع قمر الباسمة في حبور ، فحقاً ماذا أخذت هي من حبها لسليم غير الألم وذلك الجرح الغائر الذي خلفته مخالب الخيبة في قلبها اليانع الذي أضحي مريضاً ، غير ذلك الكسر الذي أحدثته خطوات الحب من طرف واحد داخل قلبها المسكين
لم يخلف غير الظلام والإندثار في غياهب الكره والحقد ، نعم هي محقة كل الحق ستنساه وتتخلي عنه ، ستطوي تلك الصفحات من حياتها للأبد وتتمني له السعادة في حياته ومع زوجته التي إختارها
*************************
في الصباح علم عاصم بمرض سليم فأخبر والده وقررا الذهاب لزيارته في منزله وأيضاً الإطمئنان علي شقيقته ورؤية طفلها
وصلا الي المنزل بعد وقت قصير فرحبت بهما ناهد واجلستهما في الحديقة وصعدت لأعلي لإخبار سليم
أردف هو باسماً بأدب
- قوليلهم 10 دقائق ونازل يا دادة
ثم إنصرفت هي باسمة لتخبرهم بما أخبرها سليم وما إن هم هو بالنزول حتي سمع هاتفه يعلن عن قدوم مكالمة آخري من مكالمات العمل التي لا تنتهي
قابلت ناهد مليكة في طريقها للأسفل
فسألت بتوعد
- هو سليم فين يادادة أنا مش لاقياه
أردفت ناهد باسمة
- متقلقيش مراحش الشغل دا بيلبس في أوضته علشان أمجد بيه وعاصم بيه تحت
تهللت أسارير مليكة وركضت للأسفل ومعها مراد
- مين يا مامي
أردفت مليكة باسمة بحماس
- دا جدو يا مراد
ثم توجها ناحيتهما في سعادة فركضت هي لإحتضان والدها بشوق ثم شقيقها
برقت عينا أمجد بسعادة أثر رؤيته لمراد رفع بصره ناحية مليكة وعيناه مليئتان بنظرات التساؤل فأومأت مليكة له برأسها باسمة
نعم يا والدي العزيز هاهو حفيدك الثالث أمامك فحمله بين ذراعيه وهو يحتضنه وعيناه تكاد تنفطر من العبرات فسأله مراد في براءة
- هو إنتَ فعلاً جدو
أومأ له أمجد برأسه عدة مرات فأحتضنه مراد بسعادة ثم هبط من بين ذراعيه وتوجه لوالدته التي إنسابت دموعها تأثراً دون رغبة منها
وإحتضنها بحماس
- مامي أنا عاوز أشكر ربنا علشان لما طلبت منه زي ما قولتيلي إنه يبقي عندي جدو وافق وبعتهولي علي طول
إحتضنته مليكة بقوة بعدما إزدادت عَبَراتها
- نقول الحمد لله يا مراد....الحمد لله
وأخيراً وبعد ذلك المشهد المؤثر أخذ مراد بإيدي جده ليريه حصانه الذي قد اشتراه له والده منذ فترة
أما مليكة فسارا هي وعاصم سوياً يتحدثان في عدة مواضيع حتي باغتها عاصم بالقول باسماً
- الواد مراد دا شبهك إنتِ وسليم أوي دا إنتو لو مظبطينها مش هتطلع كدة
ضحكت مليكة بخفة بينما تابع هو مُتزمراً
- إشمعني أنا عيالي كلهم طالعين حلوين لنوري دا حتي الواد ، الواد الحيلة طالع حلو لأمه
أردفت هي مازحة بين ضحكاتها
- دا بدال ما تحمد ربنا
أردف هو متبرماً بمشاكسة
- قصدك إيه
قرصت مليكة وجنتيه بمزاح
- مقصديش يا روحي دا أنت قمر
فضمها إليه يشاكسها كحركتهما في الطفولة
ولكنه شاهدها ، نعم شاهدها بين ذراعيه يحتضنها رجل غريب ، وفجاءة تدافعت لعقله كل أحلامها وحديثها ، تري هذا هو عاصم الذي تراه في أحلامها ، هل هو من تناديه بإستمرار
أ هذا هو غريمه!!! شعر وقتها بألم قاتل ينشب أظفاره في قلبه ، شعر بألم يجثم علي روحه يكاد أن يسلبها ، أخذ عقله يلعن قلبه ويوبخه فهو من دافع عن تلك الخائنة وتوسط لها
هو من أنكر إدانتها ، هو من قاتل لأجلها بإستماته في تلك المعارك التي كثيراً ما نشبت بينه وبين العقل ،هو الذي ضم روحه الي حلفائها ضد عقله
صرخ عقله موبخاً
- أين أنتَ لما لا أسمع إعتراضك ، لِما فقط أسمع منك أنيناً ، أ تتألم ؟!
نعم ذلك ما تستحق فلقد وقعت كالأبله في نفس الخطأ مرة آخري ، مرة آخري قد خفقت لواحدة آخري من بنات حواء وكأنك لم تتعلم كأنك لم تذق مرارة الخذلان ، كأنك لم تعرف للآلم سبيلا
وفجاءة إرتسم الجمود علي ملامحه مرة أخري متناولاً هاتفه كأنه يتحدث به حتي ينبهما لوجوده
إعتري القلق قلبها حينما رأت لمعه عيناه التي لاحظت وجودها منذ عدة أيام عادت لتنطفأ مرة أخري ، شعرت بتلك البرودة والظلمه تنبعث منها مرة آخري ، لم تعرف وقتها لِما راودها ذلك الشعور بالقلق الذي هيمن علي عقلها وقلبها وجثم علي روحها ، ولكنها رسمت إبتسامة هادئة علي شفتيها وإتجهت ناحية سليم الذي أردف باسماً ولكنه كان ينظر إليها ، نظراته كانت غريبة عنها،أخافتها ، نعم أخافتها وبشدة لم تعرف لما حتي
- أهلاً أهلاً القصر نور ، بقي عاصم الراوي عندنا
أتي أمجد في ذلك الوقت ضاحكاً وفي يده مراد
- لا مش عاصم الراوي لوحده وأمجد كمان لو مفيش إعتراض
إبتسم سليم في هدوء وأردف مُرحباً بأمجد
- لالا دا النهاردة عيد بقي أمجد بيه عندنا مرة واحدة
جلس أمجد ومعه سليم وعاصم ومراد علي أقدام جده أما مليكة فذهبت لتأمر بإحضار بعض المشروبات والمقبلات لهم وظلت بغرفتها بعدما أرسلت رسالة نصية لعاصم تخبره فيها أنها لم تخبر سليم بأنها ابنه أمجد الراوي بعد
************************
بعد عدة ساعات
سمعت صوت سيارة شقيقها تنطلق في هدوء
فوضعت الكتاب الذي كان بيدها وإتجهت خارج الغرفة كي تأخذ مراد الذي وجدته نائماً بين ذراعي سليم
إتجهت ناحيته باسمة في حبور فأعطاها مراد في هدوء ، ولكن أ هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة لا تعرف
وفجاءة أردف بصوته الأجش بنبرة تقطر بروداً تناقضت تماماً مع تلك النيران التي تنبعث من عيناه سرت علي إثرها رجفة في قلبها قبل جسدها
- ودي مراد وتعالي لأوضتي عاوزك
أومأت برأسها في هدوء وقادتها قدماها المرتعدتان في قلق الي غرفة مراد
وضعته في هدوء ثم دثرته طابعة قبلة حانية علي جبهته وإتجهت لغرفة سليم
طرقت الباب في هدوء فأردف هو بجمود سامحاً لها بالدخول فدلفت للداخل تُقدم قدماً وتُؤخر الأخري
ثم أردفت بصوت مرتعد
- كنت عا....
أردف سليم بصوت جهوري هادر وعينان حمراوتان مثل الدم تماماً حتي إنها كادت أن تسقط من خوفها
- إنتِ مرات سليم الغرباوي يا مليكة فاهمة يعني إيه مرات سليم الغرباوي
صرخ بحدة أكثر رافعاً صوته أكثر ليجعلها تنكمش علي نفسها أكثر
-يعني بتاعته هو وبس ومش من حقك بأي شكل من الأشكال مش إنك تخلي راجل يلمسك لا دا إنتِ مينفعش تفكري في راجل تاني أصلاً
-فاكرة قبل ما نتجوز قولتلك إيه
صرخ بقوة أكبر وكأنه مصر علي تحطيم أعصابها أكثر فأنسابت عبراتها بعدما إرتعد جسدها للمرة الثالثة تلك الليلة
-أنا هقولك ،قولتلك إني مش هسمح لأي حد إنه يجي جمب سمعتي بأي شكل من الأشكال
أومأت مليكة برأسها عدة مرات في هلع وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة في البداية من كثرة ما تشعر به خوف فبنيته الضخمة بالإضافة لصوته الجهوري تضيف مشهد الوحش الكاسر لأي شخص وخصوصاً بحجم مليكة
-اااا ....بس.....أنا ....بس أنا معملتش حاجة
ضحك بصخب ضحكة سمعت صداها المرعب يتردد في أنحاء القصر بالكامل أو هكذا خُيل لها من شعورها بالخوف
برقت عيناه كرهاً وإشمئزازاً وهتف بها في سخرية
- ويبقي حضن عاصم الراوي اخوي مش كدة
إعتدلت في وقفتها وبعدما حدقت به دهشة
إذن سر كل ذلك هو عاصم بالتأكيد قد شاهدها وهي تحتضنه
فهتفت تتسائل في هدوء بعدما ضيقت عيناها بتوجس
- إنتَ شوفتني وأنا بحضن عاصم صح
أردف هو بنبرات تقطر حنقاً
- لا و وصلت بيكي القذارة إنك تدخلي مراد في القرف دا وتخليه يخليلك الجو مع عاصم بأنه يلهي أمجد
صرخت به مليكة بحنق وهي ترفع إصبعها مشيرة له في تحذير
- إياك.......أياك تقول كلمة واحدة كمان
رنت ضحكاته في سخرية إمتُزِجَت بالقهر
وأردف بإزدارء
- عارفة أكتر حاجة بتعجبني إيه إنك لسة مكملة في دور البريئة و بتتكلمي بنفس الثقة
صرخت به مليكة غاضبة
- إنتَ متعرفش حاجة أصلاً علشان تتكلم كدة
عاصم دا يبقي اخويا يا سليم......اخويا
رفرف بأهدابه عدة مرات يمثل شعوره بالمفاجاة
- هاه وإيه كمان
زمت مليكة شفتاها بضيق وأردفت حانقة
نعم طفح كيلها من كل شئ ، ستخبره بكل شئ
هو يريد معرفة الحقيقة ، لِما لا ، ستخبره إياها
- إسمع بقي علشان أنا تعبت ، خلاص تعبت
جففت دموعها بعنف وهي تردد بأسي
- أنا اسمي مليكة أمجد محمد احمد سليمان
الراوي ، بنت أمجد الراوي وايسل
كنا أسرة جميلة أوي مكونة من أنا وبابي ومامي وعاصم لأن مامي عرفت إنها حامل في تاليا لما بابي مشي وأنا عمري 8 سنين عرفت إن بابي هياخد عاصم ويسيبنا ، أيوة مشي هددوه يعني
أردفت بسخرية بينما أظلمت عيناها آلماً
- بما إنه عصي تقاليد العيلة وإتجوز واحدة تانية غير اللي كانوا منقينهالوا ورفضوا يقبلوا أمي فإضطر إنه ياخد عاصم ويرجع البلد علشان سلامتنا يعني
أردفت بقهر
-عيشت يتيمة وأبويا عايش ، شفنا بهدلة وقرف من كل الناس ، عرفت يعني إيه وجع ،كسرة نفس وظهر وعيشنا مع مامي لحد ما كان عمري 15 سنة ، لحد ما كنا راجعين من عند حد من قرايبنا و قالولنا إنه بابي لو طلب ياخدنا هيعرف ياخدنا بكل سهولة ،.يومها مامي نزلت بتعيط وخدتنا وساقت العربية وفجاءة وإحنا بنتكلم طلعت عربية وخبطت عربيتنا ، فوقت لقيت عربيتنا مقلوبة بس أنا كنت براها لأن شباكي كان مفتوح ، فوقت لقيت مامي محشورة بسبب الحزام ومتغطية دم وتاليا مغم عليها في الكنبة ورا
روحت أساعد مامي صرخت فيا إني اساعد تاليا الأول
أردفت باكية بقهر
- شيلت تاليا وخرجتها بس ملحقتش أخرج مامي ملحقتهاش العربية كانت إنفجرت بيها قدام عيني ، بعدها فوقت لقيتني في المستشفي وتاليا معايا وروحنا عيشنا مع تيتا سافرنا إسبانيا سوا واشتغلت هناك علشان أصرف علي تاليا ، إشتغلت سكرتيرة للراجل اللي حب أمي زمان ، كان بيعتبرني زي بنته كان بيقولي لو كنت اتجوزت ماتك وجيبنا بنت كانت هتكون شبهك وفي أوقات كنت بشتغل في الأزياء المجال اللي عجب تاليا جداً لحد ما جت الشركة الملعونة اللي قدمت عرض لتاليا إنها تسافر معاهم كذا بلد وتشتغل في مقرها في مصر وفعلاً هي وافقت وسافرت علي الرغم من رفضي علشان خوفي عليها كنت بنزلها بس مش دايماً بس كنت بكلمها كتير جداً لحد ما في يوم كلمتني وقالتلي إنها عاوزاني أنزل وفعلاً دا اللي عملته ولما نزلت .....
إنتحبت بقوة بعدما أردفت بأسي
- قالولي ماتت ، كانت لسة صغيرة
أردف هو بدهشة بعدما برق محاولاً ربط الأحداث ببعضها
- يعني تاليا اللي حازم حكالي عليها تبقي اختك
أومأت هي برأسها في آلم ليتابع هومشمئزاً
- يعني إنتِ ضحكتي علي جوز اختك واتجوزتيه
صرخت به بحنق باكية بقهر
- إنت مش فاهم أي حاجة ولا عمرك هتفهم وانا تعبت والله خلاص تعبت
ثم ركضت مسرعة للخارج تبكي حياتها ، آلمها، قهرها ، إحتياجها،حبها الذي لم تعد تملكه صرخت بقهر عساها تخرج كل ذلك الآلم القابع في قلبها، الجاثم علي روحها....يخنقها
تتسائل في قرارة عقلها لما إستيقظت من ذلك الحلم الوردي الذي إندثر بين ثناياه الألم ،القهر والوجع
ضحكت بقهر ونفسها تردد في آلم
كُنا أقوياء حين مسّنا الحُلُم فأستندنا عليه بكُل قوتِنا و أطمئننا أنهُ أرضٌ لاتخون ، فخَانت فلمْ نفِق إلا عَلى وقع إرتطامنا بالأرض وَوجعِها
اااااه وكم هو مؤلم ذلك الشعور
وجدت قدماها تقتادها الي خارج ذلك القصر تركض مسرعة عساها تتخطي ذلك الوجع تتركه علي قارعة ذاك الطريق وتعود للمنزل خفيفة غير مثقلة بالآلام
وأخيراً أدركت أن علاقتها مع سليم هي فرح إمتُزِج جيداً بالألم حتي كاد أن يغلب عليه طعم الوجع ، فهو قد أتي لحياتها آلم لينقذها من آلم أخر
ألا تعرفين طفلتي إن أسوأ ما قد تحمله لكِ الأيام هو وجع على شكل فرح ، يتقمص فيها الجرح دور المنقذ من جرح آخر ، وحين تطمئن له يصفعك تحت جنح الغفلة ، لا ترى منه ذلك الوجه الرقيق الذي كنت تراه بالبداية ، يسحبك من يدي قلبك إلى سراديب الصمت ، يسلب من وجهك وقلبك تلك الإبتسامات الخفية التي كنت تطلقها على مضد ، يحصل لكِ كل ذلك لسبب وواحد لأنكِ شخصٌ يحلم بأن يعيش حراً من الخيبات ، ولكنها لم تدري كم كانت تتقدم في لحظة الي غياهب تلك الخيبات تتابع الواحدة تلو الأخري علي قلبها ليحطم الباقي القليل منه......
وفجاءة سمعت سليم يدعوها إلتفتت إليه تطالعه باكية بآلم....كم تتمني لو يصدقها
كانت تعتقد أنها حينما تكبر ستكون مع من تحب مترابطان كالعقدة كلما شدت أطرافهما الايام إزدادوا التحاماً.....ولكن ما حدث كان العكس تماماً ، فهما ازدادا تعقيداً ،بُعداً ،تشتتاً وإضطراباً
وفجاءة غشي نورٌ ساطعٌ عيناها وإرتفع بأذناها أصوات أبواق سيارة حتي شعرت بشئ يرتطم بها بقوة حتي جعلها تحلق عالياً ثم تسقط بشدة علي الأرض الخشنة
كان كل ما تراه الأن مشاهد متقطعه هي غير متأكدة منها عدا تلك التي ترتدي فستاناً أبيض تبتسم لها بحنو كعادتها دوماً ، تلك الابتسامة التي لم تفارقها يوماًًً ، نعم والداتها هنا ومعها تاليا ايضاً ااااه كم إشتاقت لهما
نهضت راكضة نحوهما وهي تحتضنهما بقوة ثم أردفت بشوق
- وحشتوني أوي......وحشتوني
أردفت أيسل باسمة بحبور بعدما مسحت علي وجنتها بحنان
- وإنتي كمان يا حبيبتي ، وإحنا جينا علشان ناخدك معانا
أومأت مليكة برأسها في سعادة وهي تحتضن والدتها
- أيوة يا مامي خديني معاكي أنا تعبت هنا لوحدي خدوني معاكوا
