رواية بقاء الفصل السادس والعشرون 26 بقلم رباب حسين
.... لإجلكِ
في أطراف البلد، بمكان مهجور نسبياً، يوجد منزل صغير مكون من طابق واحد، تجلس امرأة في منتصف العقد الثالث، تداعب طفل بلغ عامه الأول، يضحك معها وهي سعيدة بضحكة طفلها.
ثم توقفت عندما طُرق الباب، نظرت له بتعجب ثم ذهبت لترى من الطارق، ثم نظرت إلى طفلها وهي تحمله على ذراعها وقالت بتعجب.
هنا : معجول أبوك نسي المفتاح!
ثم فتحت الباب، وحلت الصدمة عليها عندما رأت زوجة زوجها الأولى أمامها، عرفتها فور رؤيتها؛ ومن لايعلم ابتسام الهلالي!
دخلت ابتسام وهي تنظر للطفل بحزن ولكن تماسكت ودخلت تنظر في أرجاء المنزل، ثم قالت: إنتي بجى مراته ولا عشيجته؟
هنا بدهشة : عرفتي كيف؟!
ابتسام : عيب تسألي سؤال زي ديه، مفيش ست مش عتحس أن جوزها عيخونها.
هنا بتوتر: مراته.
ابتسام : وده ابن رفعت؟
هنا : إيوه.
ابتسام : هو فين؟
هنا: مجاش بجاله يومين، سي رفعت راجل غلبان وعيحبك، بس هو ساعدني لما مكنش حدايا حد يأويني، وكتب عليا وسترني، وكل اللي كان يتمناه عيل من صلبه، لكن إنتي اللي في جلبه، متزعليش منه عاد.
ابتسام بثقة : مش بت الهلالي اللي تجبل تعيش مع ضره.
تركتها ابتسام وذهبت تركض إلى منزل الهلالي.
أما عند صقر، فقد وصل إلى المصنع المهجور، وقابل عزام بالخارج، وذهب معه قناوي، وأحضر أموال في حقيبة سوداء ثم أعطاها لعزام وقال.
صقر : حقك وحق الرجالة.
عزام : تسلم يا كبير.
صقر : لقيتها إزاي؟
قص له عزام ما حدث.
فلاش باك
تخرج فتاة صغيرة من منفذ بيع ملابس في سوهاج، وقد رأها عزام ونظر في الصورة التي أعطاها له صقر، وقال لأحد رجاله،
عزام : هي ديه.
حنفي : نجيبها دلوك؟
عزام : لاه عنمشي وراها عشان نجيب أختها، أكيد عايشة معاها.
تتبعوها حتى ذهبت إلى أحد المنازل المهترئة على حدود قنا، دخلت المنزل وتلثم عزام ولحقو بها.
دخلت المنزل وأغلقت الباب وقالت
سعدية : أنا جيت يا سعيدة، حضريلي الوكل، وخلاص يا ستي سيبت الشغل ديه عشان إنتي خايفة منيه، وهدور على شغل تاني.
خرجت سعيدة من المطبخ وقالت : أحسن اك...
قاطعها إقتحام الرجال المنزل بعد أن كسرو الباب، أخذت تصرخ ولكن لم يغيثها أحد فالمكان مهجور، خدرهم رجال عزام وقال
عزام : خدوهم على العربية بسرعة.
وعادو إلى سوهاج مره أخرى، وكان أحدهم يراقب المكان وهرب فور حدوث ذلك.
عودة من الفلاش باك.
عزام : على ما وصلنا كان الوجت أتأخر، استنيت للصبح واتصلت بيك يا كبير.
صقر : عرفتو مكان أختها إزاي؟
عزام : سألنا الجيران اللي كانو جنب الأوضة اللي عتعيش فيها أختها، واحدة منيهم جالت أنها بتشتغل في محل بتبيع خلاجات للحريم.
صقر : هما فين؟
عزام : جوا يا كبير تعالى أتفضل.
دخل صقر ومعه قناوي، وجد سعيدة وسعدية على كرسيان مقيدان بهما، عندما رأته سعيدة بكت وانهارت خوفاً من صقر. فنظر لها صقر بحدة وقال.
صقر : شيلو البلاستر ده.
نزعوا اللاصق من على فمها هي وأختها، وقالت
سعدية بصوت حاد : إنت عايز منيها إيه؟!
صقر : هتعرفي كل حاجة دلوقتي، ها يا سعيدة هتقولي اللي أنا عايزه ولااااا.
سعيده : يا كبير أنا مخبراش أنا بعمل إيه إهنيه.
صقر بهدوء : هو سؤال واحد. إنتي اللي سميتي عمي حامد؟
ارتبكت سعيدة ونظرت سعدية إليها ثم قالت
سعدية : لاه أختي متعملش إكديه.
صقر بغضب : أنا موجهتلكيش كلام، إخرسي بدل ما أخرسك أنا.
سعيدة : مش اني.... اااا... أنا مليش صالح بالموضوع ديه.
صقر : طيب.... أنا عايزك بس تبصي حواليكي كده، شايفة الرجاله دول... مبيشوفوش ستات كتير، أنا ممكن أسيبهم يتسلوا بأختك شوي. لحد ما اسمع الأجابه اللي أنا عايزها.... عزااااام.
سعيدة بخوف : لاه يا كبير، أحب على يدك.
صقر : إنطقي.
سعيدة : أيوة يا كبير.
ثم بكت وقالت :كان غصباً عني، أختي كانت عتموت، مكنش معايا حج العملية.
سعدية بصدمة: جتلتي يا سعيدة عشان تعالجيني؟!
صقر بحدة : أخرسي بقى، حطو البلاستر على بقها تاني
وضعو البلاستر على فمها ثم قال صقر : مين اللي قالك تعملي كده؟ مين اللي أداكي الفلوس؟
سعيدة : هجولك، بس إوعدني يا كبير أنك تهمل سعدية تمشي من إهنيه.
صقر : إنتي هتتشرطي.... إنطقي.
سعيدة : أحب على يدك، أعمل فيا اللي إنت رايده بس هملها، لو وعدتني هجول، أنا خابرة زين إنك معتخلفش وعدك.
صقر : إنطقي وأنا هسيبها... مين؟
قالت سعيدة وهي ترتعش من الخوف : رفعت.
ظهر الغضب على وجه صقر الذي فقد إحساسه بالعالم الخارجي، وأصبح كل ما حوله يتحرك ببطء، وكأن الزمن قدم توقف من حوله، وظل صامت يحاول أن يستوعب؛ كيف ولماذا؟
ثم ذهب إلى قناوي وقال.
صقر : قناوي..... خد سعيدة ووديها عند الظابط سليم، وخلي أختها تمشي.
ذهب صقر وتركهم، وقاد سيارته عائداً إلى منزله.
كان يرفض أن يصدق حديث سليم، وبالرغم من الشك الذي احتل عقله مؤخرًا إلا أنه كان يتمنى أن يكون رفعت بريء.
في منزل الهلالي، كان يجلس هو وجهاد وأحلام على طاولة الطعام، حتى نزلت ليل، نظرو إليها وهي تنزل دون صقر وقالت.
ليل بهدوء : صباح الخير.
أجابو جميعاً : صباح النور.
جهاد : وينه صجر، عياكل فوج؟
ليل :جاله تليفون من بدري وخرج.
الهلالي : خير يا بتي مجالش فيه إيه؟
ليل : قال إنه لقى سعيدة وخرج زي المجنون، أنا خايفة أوي يا جدي.
الهلالي : لجاها فين وليه مجاليش؟
ليل : معرفش يا جدي.
ثم طُرق الباب بعنف وفتحت هنية الباب، دخلت ابتسام وهي تبكي وركضت نحو الهلالي الذي ما أن رأها بتلك الهيئة انتفض من مكانه واحتضنته على الفور، ربت الهلالي على كتفها وقال بفزع.
الهلالي :خير يا بتي حوصل إيه؟
وقفوا جميعاً حولها حتى نظرت إلى الهلالي وقالت بإنهيار : رفعت أتجوز عليا يا بوي، وخلف كمان.
الهلالي بدهشة : إيه اللي عتجوليه ديه؟ متأكده؟
ابتسام : أيوة يا بوي، من يومين جات عندي جارتي وجالتلي إنها شافت رفعت جوزي معاه واحده وشايلة ولد صغير، وكانو داخلين بيت مطرف في البلد، وعشية معاودش على البيت، مجدرتش استحمل، رحت ولجيتها مرته ومخلف منها ولد كومان يجي عمره سنة.
الهلالي بغضب: وجعت أبوه سودا... وفين هو؟
ابتسام : مخبراش ملجتوش عنديها.
أخذتها ليل في حضنها وأخذت تربت على ظهرها لتهدأ.
كانت أول صدمة تتلقاها العائلة فيما يخص رفعت، وبدأت حقيقته القذرة تظهر أخيرًا، فحتى وإن طال الوقت لابد من ظهور الحقيقة.
ذهب الهلالي ليحضر هاتفه، توقف حين رأى صقر يدخل المنزل ووجهه لا يبشر بخير.
الهلالي بقلق : عملت إيه يا صجر؟
نظر له صقر وعينيه تطلق شرارة الغضب، ثم وقع نظره على ابتسام التي تبكي بأحضان ليل، ذهب ركضاً إليها وأمسكها من ذراعها وقال
صقر : هو فين؟ راح فين المحروس جوزك يا عمتي؟!
ابتسام : مخبراش يا صجر.... إنت عرفت منين؟!
صقر بصدمة : هو إنتي عرفتي؟!
ابتسام : لساتني جايه من عند مرته دلوك.
صقر : مراته! مرات مين؟!
الهلالي : يا ولدي إتحدت معايا أنا، جولي جالتلك إيه المحروجة سعيدة ديه؟!
نظر إلى ثم اقترب من ابتسام وقال
صقر : قالتلي إن جوز عمتي المصون هو اللي قالها تسم عمي حامد.
تجمدت ابتسام مكانها، وقالت : عتجول إيه يا صجر؟
صقر : بقول الحقيقة، أنا أصلاً كنت شاكك فيه وعمال أكذب نفسي، وأقول لا ده أنقذني، لا ده بيعتبرني زي ابنه. لا مش هو، حتى سليم قالي إنه شاكك فيه، البيه كان عايز يخلص علينا واحد واحد عشان إنتي تورثي وهو يكوش على كل حاجة، عرفتي اللعبه القذرة اللي كان بيلعبها؟
أنا هطلع روحه بإيدي بس قوليلي هو فين.
ابتسام : مخبراش، مجاش من عشية.
صقر : ومين مراته التانية ديه؟ قاعدة في أنهي داهية؟!
ابتسام : جاعدة في بيت في طرف الأرض اللي اشتراها هو من كام سنة إكديه.
ذهب صقر من أمامها وعلامات الصدمة واقعة على وجوههم جميعاً، ينظرون إلى بعضهم البعض وكادت قلوبهم تخرج من صدورهم من هول ما سيحدث بعد هذا الخبر، فلن تعود حياتهم كما كانت.
انتبهت ليل إلى صقر الذي يخرج من المكتب ويحمل السلاح بيده، حاولو جميعاً إيقافه وأخذو يصرخون بفزع، أمسك الهلالي صقر من ذراعه وقال.
الهلالي : عتعمل إيه يا صجر؟ فاكر نفسك رايح فين بالسلاح ديه؟ مش هتخرج من إهنيه بيه. هنية أجفلي الباب ديه زين.
نظر لها صقر وقال بنظرة أرعبتها : لو إيدك لمست الباب هقتلك، سيبني يا جدي الكلب ده لازم يموت، مينفعش يفضل عايش أكتر من كده، ده قتل أبويا قدام عيني، قتل ولادك وأخوك، سيبني.
دفع صقر يده وخرج يهرول إلى الخارج، لحقت به ليل وهي تضع الحجاب على رأسها سريعًا، وخرجت لتقف أمامه وقالت : لا يا صقر لا، مش هتخرج من هنا.
صقر : إبعدي عني يا ليل، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدام عيني.
دفعها ثم اقتربت منه مجدداً وقالت وهي تمسك ذراعه وتجذبه نحوها.
ليل : لا مش هسيبك تخرج، أبوس أيدك يا صقر بلاش، مش إنت قولتلي لسه مبدأناش عشان ننهي اللي بينا، أبوس أيدك متروحش.
كانت تتحدث وهو يحاول التملص من قبضتها، وهي تمنعه بكل الطرق، ثم صرخت بالحرس: إقفلو الباب ده.
شد صقر أجزاء السلاح ورفعه في وجههم وقال: سيبو الباب.
إبتعدو جميعاً عن الباب بخوف ورفعو أيديهم إلى أعلى.
وقفت ليل أمام السلاح وقالت : لو هتخرج من هنا عشان تقتله يبقى أقتلني أنا الأول.
زفر صقر وقال: أبعدي عني يا ليل بقولك.
وقف جميع من في المنزل عند الباب يشاهدون ما يحدث، لم يحاول منهم أحد أن يمنعه، فهم على دراية بصقر جيدًا، لا يغير قرار أخذه قط، ظلو يتباعون من بعيد ربما تستطيع ليل أن ترجع صقر عن قراره.
ليل : لا مش هبعد مش هسيبك تضيع نفسك وتضيع كل حاجة يا صقر، إنت مش قاضي عشان تحكم عليه بالموت، ولا حد إداك الحق إنك تنهي حياة بني آم، أنا أستحملت كل اللي حصل معايا هنا من ساعة ما جيت بس عشان مفيش حد يتأذي، لو قتلت يا صقر مش هتشوف وشي تاني، أنا مش هعيش مع واحد قاتل، لو خرجت من الباب ده ورحت قتلته هترجع مش هتلاقيني.
صقر بغضب : إنتي بتهدديني يا ليل؟!
ليل : إفهمها زي ما تفهمها.
ثم أمسكت يده التي بها السلاح رفعت السلاح أمام رأسها وقالت : يا تقتلني أنا الأول، يا تخرج تقتله ومش هتشوف وشي تاني.
بدأت أنفاس صقر تهدأ ثم سحب يده من يدها، وقذف السلاح بعيداً، وسقط على ركبتيه وصرخ بكل ما به من قوة : اااااااااااه.
جثت ليل أمامه، واحتضنت رأسه بين ذراعيها وبكت على حالته، ظلت تحاول أن تهدأ من روعه.
لم يعد يحتمل أكثر، وما يؤلمه حقًا أن بعد فقدانه لوالده؛كان يطمئن قلبه الحزين بأن رفعت بجواره، لن يتركه، والآن أصبح رفعت هو السبب الحقيقي بكل ما مر به منذ الصغر.
صرخت أحلام بألم وهي تمسك بطنها وسقطت أرضاً، صرخت جهاد وجلست بجوارها وحاولت حملها، وذهب صقر يركض إليها وخلفه ليل،
حملها صقر إلى الداخل ثم قال بقلق : ليل تعالي شوفيها.
وضعها صقر على الأريكة وابتعد.
كادت ليل تقترب منها، ثم التفتت إليه وقالت : خليك هنا متمشيش.
صقر : متخافيش. طمنيني عليها الأول.
نظرت ليل إلى الخدم وهن يشاهدون ما يحدث بصمت وقالت: حد يجيب شنطتي من فوق.
أحضرت فاطمة الحقيبة، وذهب صقر إلى جوار عمته التي في حالة صدمة، ودموعها تنساب بصمت وقال.
صقر : إهدي يا عمتي، بس لحد ما الموضوع ده يتحل مفيش خروج من هنا.
ثم ابتعد وتحدث في الهاتف مع الضابط سليم. وقال
صقر : أيوة يا حضره الظابط، سعيدة وصلت عندك؟
سليم : بلغوني إنها في القسم وأنا رايح دلوقتي.
صقر : رفعت جوز عمتي هو اللي حرضها، مفيش داعي تستجوبها.
سليم بخوف : إوعى تكون عملتله حاجة يا صقر.
صقر : لا، أنا عارف ممكن تلاقيه فين.
أخبره صقر بمكان أرضه والمنزل الذي بها، ثم أنهى المكالمة، ووجد ليل تنادي باسمه، ركض إليها بقلق وقال.
صقر : فيه إيه يا ليل مالها؟
ليل : مش سامعة نبض الجنين، أطلب إسعاف فوراً.
أخذت جهاد تصرخ والهلالي يحاول تهدئتها، اتصل صقر بالإسعاف، وذهبو معها إلى المشفى.
إلى متى ستدفع تلك العائلة الألم، وما الذنب الذي اقترفوه ليفقدو كل عزيز وغالي؟
وفي هذا والوقت دخل رفعت إلى منزل هنا وكان يبدو عليه الإرهاق، انتفضت عندما رأته وقالت.
هنا بتوتر : سي رفعت! هي اللي جت إهنيه، وأنا مخبراش عرفت كيف.
رفعت بتعجب : مين اللي جت؟
هنا بارتباك : مراتك.... وعرفت كل حاجة.
حمل رفعت ابنه وقال بذعر : بسرعة لمي خلاجتك وتعالي معايا، لازم نروح من إهنيه.
هنا بتعجب : ليه يا سي رفعت؟
رفعت : صجر لو عرف هيحرج البيت باللي فيه.... جومي.
ذهبت هنا مسرعة وأخذت ثيابها وثياب ابنها وذهبو معاً.
هرب ذلك القاتل قبل القبض عليه بلحظات، فبعد قليل، داهم سليم والعسكر المنزل ولكن وجدوه فارغاً، وقف سليم يفكر، عليه أن يعرف كل الأماكن التي ممكن أن يذهب إليها، فتذكر أخته سعاد، وذهبو إلى منزلها على الفور.
فتح علي الباب، ووجد سليم أمامه ومعه عساكر. فنظر لهم علي بدهشة وقال.
علي : خير يا حضرة الظابط فيه إيه؟
سليم : أنا بدور على خالك رفعت، عندك هنا؟
علي بتعجب : لا.... بس ليه بتدور عليه، حصل إيه؟
سليم : عرفنا إن هو القاتل.
صُعق علي ومن خلفه سعاد التي استمعت إلى كل شيء، وصرخت من خلفه بفزع، واقتربت زهرة منهما بعد أن سمعتها.
علي : جبت الكلام ده منين؟
سليم : سعيدة إعترفت أن هو اللي حرضها على قتل حامد الهلالي.
معالم الصدمة تزداد على وجه علي الذي لم يحرك ساكناً، ونظر إلى الفراغ بشرود، ثم قال.
سليم : آسف يا علي بس لازم أخد والدة حضرتك للتحقيق.
علي بفزع : لا أمي متعرفش حاجة.
سليم : عارف بس لازم أحقق معاها.
أمسكت سعاد ذراع ابنها وقال علي : متخافيش يا أمي، أنا هاجي معاكي، روحي بس غيري هدومك.
ثم نظر إلى سليم وقال : ممكن؟
سليم : طبعاً، إتفضلوا وأنا مستنيكم.
ذهبا للداخل، وأخذت زهرة تبكي وتصرخ، نظر إليها سليم وحاول تهدئتها. وقال
سليم : إهدي يا أنسة، إن شاء الله خير، متقلقيش مامتك هترجع على طول.
زهرة : أمي ملهاش صالح،ديه غلبانة جوي جوي.
سليم : متخافيش، هي هتشهد بس وهمشيها.
خرجت سعاد وهي تبكي وخلفها علي، وذهبا مع سليم في سيارته، وانطلقو إلى قسم الشرطة، شرد علي وعقله يفكر بشيء واحد فقط؛ خالي قتل أبو صقر، يعني أنا وصقر خلاص انتهينا، وأحلام؟!
أغمض عينيه بألم، وانتهى أمله نهائيًا.
ف
برغم زواجها من غيره إلا أن أمله بأن تكون له لم ينقطع داخل قلبه، ومازالت هي الدعوة القائمة داخل قلبه حتى الآن، واليوم قد خسر كل شيء.
أما بالمشفى، كانو يقفون جميعاً أمام غرفة العمليات، يجلس الهلالي على الكرسي ويستند برأسه على عكازه، وجلست ابتسام وجهاد أرضاً يبكيان معاً، وليل تحاول تهدئتهما دون جدوى، وقع نظرها على صقر الذي يستند بظهره على الحائط، يعقد ذراعيه أمام صدره وينظر إلى الفراغ، عقله في صراع مع تفكيره،
ذهبت إليه ليل وقالت : صقر، إهدى شوية، أنا عارفه أن الصدمة شديدة بس مينفعش تضعف دلوقتي، بص علينا يا صقر، كلنا محتاجينك، أرجوك حاول تفوق ونفكر هنعمل إيه؟
نظر إليها صقر بعينيه التي غلب عليهما اللون الأحمر مش شدة الغضب الذي يكتمه داخله، ولم يتحدث.
ليل : إوعى غضبك يعميك يا صقر، إنت متخيل لو عملت حاجة تضرك هنبقى كلنا من غير ضهر، وبعدين أنا خايفة يجرالك حاجة.
صقر : أنا كويس متخافيش.
ليل :طيب تعالى أشوف الجرح وتاخد دوا، أو تعالي نروح لدكتور مصطفى يطمني عليك.
صقر بضيق : سيبيني يا ليل دلوقتي، أنا كويس مش عايز حاجة.
صمتت ليل ونظرت أرضاً، لاحظ صقر حزنها فحرك رأسه يلوم نفسه، ثم أغمض عينيه واعتدل وأمسكها من كتفيها، وقال.
صقر : معلش حبيبتي استحمليني شوية.
ليل : أنا مش زعلانة منك، أنا خايفة عليك، حاسة بيك ومش قادرة أقف أتفرج عليك وإنت كده.
إحتضنها صقر، ثم ابتعد ونظر في عينيها وقال : ليل لازم تمشي من هنا، ارجعي مصر وخدي أبوكي وسيبو البلد كلها لحد ما الأمور تتصلح.
ليل : لا طبعاً مش هسيبك وامشي.
صقر : سليم كلمني وقالي إن رفعت هرب مع مراته وابنه، وجودك هنا فيه خطر عليكي.
ليل : لا الخطر عليك إنت، وأنا مش هقدر أبعد عنك، مش همشي يا صقر.
صقر : لا أنا مفيش خطر عليا خلاص، أكيد رفعت عارف إن عمتي هتطلب الطلاق، وأنا فعلاً هخليها تخلعه، وكده قتلي مش هيفيده بحاجة، لكن هيدور على طريقة تانية ياخد بيها فلوس، وأكيد هيساومني على أي حاجة، وإنتي أكبر نقطة ضعف ليا، هو عارف إني بحبك، مقدرش أسيبك هنا.
ليل : لا يعني لا، إنسى، مش هتحرك من هنا يا أما تيجي معايا.
صقر : مقدرش أسيب البلد، خصوصاََ بعد ما خسرت علي كمان، مقدرش اعتمد على حد.
ليل : مش همشي يا صقر ريح نفسك.
صقر : ليل أنا كان ممكن أبعدك بطرق تانية، بس أنا وعدتك إني مش هخبي عليكي حاجة، ريحيني يا ليل وإمشي.
ليل : لا مش همشي.... وبعدين راحتك بقى في بعدي عنك يا صقر!
احتضنها صقر وقال : أنا خايف عليكي، هموت لو جرالك حاجة.
ليل : وأنا مش هقدر أبعد عنك، متجبرنيش عشان خاطري... خليني هنا.
صقر : عنيدة.
ثم أغلق عينيه وقال : كان المفروض النهاردة يبقى أسعد يوم في حياتي، بس للأسف فرحتي دايماً ناقصة.
ابتعدت ليل عن حضنه وقالت : المهم إن احنا مع بعض.
ابتسم صقر والحزن يكسو ملامح وجهه، ثم انتبهوا إلى خروج الطبيبة من غرفة العمليات، ركض إليها صقر وركضو خلفه جميعاً، وقال
صقر : طمنيني يا دكتورة.
الطبيبه :للأسف الجنين مات في بطنها، تقدرو تستلمو الجثمان لإنه لازم يتدفن.
صرخت جهاد و ابتسام، وأمسكت ليل بذراع صقر وهي تبكي.
صقر : المهم هي.... كويسة؟
الطبيبة :متقلقش حالتها مستقرة، بس لازم طبيب نفسي طبعاً يبقى معاها الفترة ديه.
صقر :هجيبلها دكتور نفسي بس تبقى كويسة.
ليل : أنا ليا زمايل، ممكن أطلب حد منهم يجي يفضل معاها لحد ما تفوق.
صقر : ماشي، بس هي فين دلوقتي؟
الطبيبة : في الإفاقة، وهننقلها على أوضة بعد ما تفوق، عن إذنكم، تعالى معايا يا كبير تستلم الطفل.
الهلالي :بلغ أبوه يا صجر.
صقر : حاضر يا جدي.
جهاد : يا مري.... يا مرك يا بتي، أنا خابرة حمزة عيطلجها، أهله مش عيسكتو واصل.
صقر بغضب : يغور، لو موقفش جنب أختي في اللي هي فيه ده يغور في ستين داهية.
ليل : إهدى يا صقر وكلمه بس الأول.
أخذ صقر نفس عميق وأمسك هاتفه واتصل بحمزة، وأخبره ما حدث وطلب منه الحضور.
ثم شرد بما يحدث حوله، من سيخسر بعد؟!
