
رواية هتلر الفصل الخامس عشر15 بقلم اسماعيل موسي
انطلقت أول رصاصة فمزقت الصمت،وفي اللحظة نفسها جاء صوت هتلر صارخًا دا محمود
لم تكن صرخة خوف بل كانت صرخة معرفة،كأن الاسم وحده أشعل كل ما في المكان
تحرك الرجال فورًا وكانت أجسادهم تعرف ما تفعل دون أوامر طويلة،انتشروا في شكل نصف دائرة يحاولون احتواءه بدلًا من مطاردته،لكن محمود لم يقف مكانه وكان يتحرك مع كل طلقة،كان يغير موقعه قبل أن يصل الرد
انخفض خلف كومة تراب ثم اندفع جانبًا قبل أن تُصب عليه النيران،لم يكن يقاتل بعشوائية بل كان يقاتل بعقل بارد داخل فوضى مشتعلة،كانت كل حركة محسوبة وكل خطوة تهرب من طوق يتشكل حوله،حاول أحدهم الاقتراب من اليمين لكن محمود سبقه،أطلق طلقة واحدة ثم اختفى خلف الظل
بدأ الرجال يفهمون أنه لا يواجههم مباشرة بل يفتتهم
صرخ هتلر مرة أخرى لفوا عليه متسيبوش يتحرك
بدأ الطوق يضيق وكانت خطواتهم تتقدم وأصواتهم تقترب من كل اتجاه،لكن الأرض لم تكن في صالحهم
كان الطريق الصحراوي مفتوحًا لكن محمود انسحب تدريجيًا إلى الخلف
لم يكن انسحابه هروبًا بل كان سحبًا للمعركة إلى مكان يريده كانت كل خطوة للخلف محسوبة حتى تجاوز حدود الطريق
ودخل الرمال،هناك تغير كل شيء
لم تعد هناك حدود واضحة ولا نقاط ثابتة للاختباء،لكنها كانت أرضًا يعرف كيف يستخدمها،أصبحت خطواته أخف وصوته أقل أما هم فكانت حركتهم أثقل والرمال تفضح كل اقتراب،اختفى محمود للحظة وكانت لحظة قصيرة لكنها كافية،توقف أحدهم ينظر حوله في توتر
ثم جاءت طلقة من الخلف فسقط قبل أن ييصرخ
عاد الارتباك وبدأوا يدورون حول أنفسهم يحاولون تحديد موقعه،لكن محمود لم يكن في مكان واحد، كان يتحرك بينهم يضرب ثم يختفي،كلما حاولوا التقدم كانوا يخسرون خطوة
وكلما ظنوا أنهم اقتربوا كان ينسحب إلى نقطة أخرى
لم تعد المعركة مواجهة مباشرة بل أصبحت مطاردة عكسية
كانوا يطاردونه لكنه كان من يتحكم في الاتجاه، بدأ الليل يبتلع كل شيء ببطء،وتحولت الرمال إلى ساحة لا ترحم
وفي وسط ذلك كان صوت أنفاسهم أعلى من صوت الرصاص
أما محمود فكان صامتًا يتحرك وينتظر ويضرب،كأن الصحراء نفسها تقاتل معه
صرخ هتلر بصوت حاد محدش يجرى وراه في الخلاء ارجعوا خدوا ساتر
لكن الأوامر جاءت متأخرة وكان كل شيء قد تغير بالفعل
رجاله الذين كانوا يملؤون المكان تقلصوا إلى أربعة فقط
الارتباك كان واضحًا والفراغ حولهم أصبح أوسع مما يحتمل
شد هتلر فكه وهو ينظر في الظلام، كان يعرف أن المطاردة في الخلاء ليست في صالحهم،وكان يعرف أيضًا أن محمود لن يتركهم بسهولة،لم يكن هناك خيار فدفع أحد رجاله بقوة إلى الأمام، تحرك الرجل رغم خوفه خطوة ثم أخرى
وفي اللحظة التالية اخترقت رصاصة جسده،سقط على الرمال لكن قبل أن يسقط كان قد أعطى ما أراده هتلر
حدد موقع محمود من اتجاه الطلقة،ثبتت عينا هتلر في الاتجاه ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة
همس بهدوء حمد لله على السلامة يا دكتور، التفت بسرعة وعاد صوته حادًا،قال يا عكاشه اترمى ورا الصخرة اللي هناك دى، وأشار بيده نحو كتلة صخرية بارزة وسط الرمال
كان المكان كافيًا ليخفي جسدًا ويمنح زاوية رؤية واضحة
أكمل بصوت منخفض لكنه قاتل متتحركش من وراها مهما حصل، ثم قال ولما يظهر قدامك معاك إذن الموت
كانت كلماته واضحة وهذه لم تعد مواجهة عشوائية
بل أصبحت لحظة صيد،وكانت الفريسة تقترب دون أن تدرى
بدأ هتلر في التراجع خطوة وراء خطوة وهو يطلق طلقات متقطعة تغطي انسحابه
تحرك نحو اتجاه العشة مرة أخرى وكأنه يبحث عن ساتر أخير،كان يظهر ارتباكًا متعمدًا وصوته يعلو كأنه يفقد السيطرة
اندفع نحو الخيمة القشية واحتمى بها وكأنه يهرب من المواجهة
تابعه رجاله بما تبقى منهم وهم يظنون أن القتال انكسر
لكن محمود لم يتحرك خلفهم وظل في مكانه يراقب بصمت
مرت لحظات ثقيلة ثم جاء صوت هتلر من الداخل وهو يصرخ هو مجاش ورانا ليه ؟؟
لم يكن السؤال بريئًا بل كان اختبارًا،وقف محمود في الظل يراقب المشهد بعين ثابتة ولم يبتلع الطعم
كان يعرف أن ما يُعرض أمامه ليس إلا جزءًا من خطة أكبر
همس لنفسه بهدوء من لم يتعلم من أخطائه يستحق نفس الصفعة مرارًا وتكرارًا،تحرك بعد ذلك ببطء شديد وكانت خطواته ثابتة فوق الرمال
أخرج سيجارة وأشعلها بهدوء وسحب نفسًا عميقًا كأن المعركة توقفت للحظة
لم يكن مستعجلًا وكان يعرف أن كل شيء لم ينته بعد
تصاعد الدخان حوله وكانت عيناه ثابتتين نحو العشة
كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد وأنها ستكون مع هتلر نفسه،هتلر الذي ينتظره على بعد أمتار
لكن قبل أن يصل إليه كان هناك أمر يجب أن ينتهي
عكاشه، لم يكن ممكنًا أن يتركه خلفه ولم يكن ممكنًا أن يتجاهل وجوده،ألقى نظرة أخيرة نحو الصخرة ثم تحرك ببطء،كأنه يتجه نحو نهاية محسوبة بدقة.