
رواية لاجلها الفصل التاسع والستون69 بقلم امل نصر
في المشفى، فتح عطوة، عينيه بعد فترة طويلة من النوم، خُيّل إليه فيها أنه استغرق سنواتٍ في غيابة الجب. أخذ يجول بنظراته حوله، متفقداً أجواءً غريبة عما اعتادت عليه عيناه في منزله؛ سقفٌ أبيض شاهق، إنارةٌ خافتة، وأزيز أجهزةٍ طبية منتظم.. اللعنة! أهذه زوجته الحبيبة؟
نورا تجلس بجواره، وقد غلبها النعاس فأسندت رأسها على طرف فراشه. تساءل في سره بذهول: "أأنا عائدٌ من الموت؟". همّ برفع ذراعه كي يربت على كتفها ويوقظها، إلا أن جسده خانه؛ لم يستجب له طرفٌ واحد. حينها فقط، بدأ يستدرك حقيقة وضعه المأساوي. راحت عيناه تجوبان جسده الساكن المغطى بالغطاء الأبيض، فلا يظهر منه سوى يده المغروز بها إبرة المحلول، والأخرى ملتفة بالأربطة الطبية الكثيفة التي تمتد حتى أسفل الكتف، وكأنها قطعة من الجبس الصامت.
— أنت فقت يا عطوة؟!
، دوى الصوت المحبب إلى قلبه، تنتشله من شروده وتؤكد له أنه ما زال على قيد الحياة. سبقت كلماتها شهقة فرحٍ مكتومة، وعيناها تتلألآن بدموعٍ انهمرت كأنها لا تصدق أن الروح قد ردت إليه أخيراً.
ارتمت عليه بلهفةٍ لم تسعها جدران الغرفة، راحت تقبل طرف يده المغروزة بها إبرة المحلول وكأنها تعتذر له عن كل وخزة ألم، وناجته بصوتٍ مخنوق بالعبرات:
— "حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ده أنا روحي كانت ضايعة وما ردت لي غير دلوقت برجوعك، مِتّ وحييت ميت مرة من امبارح من خوفي عليك!"
بدأ الوعي يعود تدريجياً لـ عطوة، ومع كل نبضة وعي كان يشعر بآلامٍ تنهش أنحاء جسده كأنها سياطٌ لا تنتهي. عادت به الذاكرة سريعاً إلى تلك اللحظات المريرة التي مر بها تحت رحمة "عرفان المتوحش"، فنظر لنورا بعينين يكسوهما الذهول والتعب ليباغتها بسؤاله:
— إيه اللي حصل؟ وأنتي وصلتي لي كيف؟ ده أنا قولت الكلاب هتاكل جثتي في الخلا، بعد ما يشبع عرفان ضرب فيا ويخلص عليا ويقتلني!"
انتفضت نورا، وخرجت منها الكلمات كالقذائف وهي تقول بحرقةٍ وغضبٍ سكن عينيها:
— كلب لما ينهش مصارينه هو! والله يا عطوة لو كان حصل، ما كنت سيبته عايش على ظهر الدنيا دقيقة واحدة، ولا كان هيكفيني فيه طلقة تخش قلبه تريحه!"
ارتسم ذهولٌ ترافقه تساؤلاتٌ كبرى على ملامح عطوة المنهكة، وبدأ عقله الذي أضناه التعب ينسج الظنون والهواجس؛ فالمكان كان مقفراً، وعرفان ليس بالرجل الذي يسهل الغفلة عنه. ثبّت نظراته المتعبة في عينيها وأمرها بحزمٍ جاف:
— أنتي اللي لحقتيني من تحت إيده يا نورا؟ طب كيف؟! وعرفتي المكان اللي كنا قاعدين فيه إزاي؟ جاوبي يا نورا.. من غير لف ولا دوران!"
تجمدت الدموع في عيني نورا، وابتلعت غصتها وهي ترى نظرات "الشك" تلمع في عينيه رغم حالته، وكأنه لا يصدق أن نجاته كانت مجرد صدفة أو تدخلاً إلهياً، بل وراءها سرٌ يخشى اكتشافه. تنهدت نورا بأسى، وكأنها تزيح حملاً ثقيلاً عن صدرها، لتجيب عن تساؤلاته وتخمد نيران الشك التي بدأت تنهش رأسه:
— جمعة هو اللي وصلني ليك يا عطوة.
عند سماعه الاسم انتفض رغم ألمه، وزمجر بمرارة:
— جمعة؟! جمعة الخاين!"
هزت نورا رأسها نفياً وقالت بسرعة لتصحح له الصورة: — "لأ.. ما كانش خاين يا عطوة. جمعة كان مجبور، عرفان هو اللي هدده بخطف ولده، يعني مسكه من يده اللي بتوجعه."
توقف عطوة عن الحركة، ورمقها بذهولٍ تام:
— ولده مين؟ أنا مش فاهم حاجة واصل.. هو إيه اللي حصل من ورا ضهري؟" اقتربت منه نورا، وأمسكت يده برفق وهي تحاول تهدئته:
— "أنا هفهمك كل حاجة يا حبيبي .. بس اسمعني للآخر."
بدأت نورا تسرد له الحكاية منذ اللحظة التي أخبرها فيها بسفره، وكيف سيطر الرعب على حواسها وتملّك منها؛ شعرت بقلبها ينبئها بشرٍ مستطير، فاتخذت قرارها عازمةً على اللحاق به. لم تتردد، بل حزمت أمرها وسافرت إلى بلدتهم القديمة، لتبحث عن خيطٍ يوصلها إليه، ولم تجد أمامها سوى جمعة، صديقه الوحيد. رغم علمها بضعف نفسه أمام بريق المال، ومقالبه الحمقاء التي طالما أوقع بها "عطوة" سابقاً، إلا أنها لم تملك بديلاً غيره؛ فجمعة هو الصندوق الأسود لتحركات زوجها، والوحيد القادر على فك شفرة غيابه في تلك البلدة حين وصلت إلى منزله، راحت تطرق الباب بعنفٍ وتكرار، لكن لم يفتح لها أحد؛ بدا البيت صامتاً وكأنه خالٍ من أي أثر للبشر. لم يبقَ أمامها خيارٌ سوى أن تسأل الجيران أو المارة في الزقاق، وبينما كانت تهمُّ بالتحرك، تفاجأت به قادماً من بعيد بملامح يعلوها همٌّ ثقيل، وقد تضاعف ذلك الهمُّ أضعافاً حين اصطدمت عيناه بها تقف أمام داره. أسرع نحوها والذهول يلجم لسانه، ليبادر بسؤالها فور اقترابه:
— نورا؟! أنتي جيتي هنا إمتى؟ وكيف عرفتي طريقي لوحدك؟!"
تجاهلت نورا الإجابة عن استفساراته التي رأتها حمقاء ولا وقت لها، فلم تأتِ من مسافةٍ بعيدة لتتبادل الأحاديث الروتينية؛ بل توجهت إليه بسؤالٍ واحد كان ينهش صدرها، وبنبرةٍ آمرة وقلقة سألته عن زوجها:
— "عطوة فين يا جمعة؟ انطق.. مكانه فين دلوقت؟
ـ يا زين ما اختارتي! ملقيتيش غير الخاين وتسأليه؟" قاطعها عطوة بسخريةٍ مريرة مرسومة على وجهه المنهك، إلا أن نورا باغتته بإجابةٍ خالفت كل توقعاته، وهي تمسح على رأسه بهدوء: ـ
ـ عندك حق تقول كدة، بس اللي أنت ما تعرفوش إن جمعة المرة دي كان مظلوم بجد. عرفان كان مراقب بيتك برجالته، ومن وقت ما رجلك خطت البلد كان عرف بوصولك، فسبقك على جمعة وهدده بخطف الواد الوحيد اللي حيلته من مراته اللي طلقها." توقف عطوة عن الكلام، واتسعت عيناه بذهول بينما تابعت نورا بحماس:
ـ "جمعة اضطر يسايره ويهاوده لحد ما خدك من بيته ومشي بيك للمكان المهجورة، بس وهو بيعمل كدة كان بيخطط لكل حاجة؛ أول ما أمن ولده وبعِده عن إيد عرفان، جري يطلب الرجالة اللي تنجدك ويخلصوك من تحت إيده وأنت بين الحياة والموت، وفي نفس الوقت بلّغ البوليس عشان يلبسه القضية كاملة ويتمسك متلبس بيك.. إلهي ما يطلع منها تاني واصل!" ...........................
على الأرض.. استيقظت لتجد نفسها ممددةً فوق البرد والصلابة، لم يكن يسند رأسها سوى ذراعها المخدر، وسجادة الصالة التي شعرت ببعض وبرها يقتحم فمها الجاف. اعتدلت بسرعة وهي تمسح فمها بتقززٍ وجسدها يرتجف، نظرت حولها بذعرٍ لتجد نفسها في صالة المنزل الساكنة؛ سكونٌ موحش جعلها تشعر وكأن البيت مهجور لا يسكنه غيرها. تأملت النافذة الخشبية التي اخترق ستائرها نور الشمس بقوة، خيوط الضوء كانت تشي بأن الوقت قد تجاوز الظهيرة على الأقل. تخبطت الأسئلة في رأسها المشوش: كيف نامت هنا؟ وماذا حدث؟ وأين كمال وعمله؟ لكن مع أول خاطرٍ مرّ ببالها، تدفقت الذكريات كالسيل الجارف.. تذكرت كل شيء؛ اللحظات المريرة التي عاشتها بسبب "سهوٍ أحمق" منها، وتلك التهمة التي لم ترتكبها من الأساس، لكنها وقفت أمامها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. عادت بذاكرتها إلى ما قبل ساعات.. إلى تلك اللحظة التي انهار فيها كل شيء. حين رفع امامها شريط العلاج وتساءلت بعفوية وعدم تركيز لم تعِ في تلك اللحظة كيف توحشت ملامحه، وكيف انسلخ من رقته لينقلب إلى شخصٍ آخر تماماً لا تعرفه. لم يمهلها لتفهم، بل باغتها بقبضةٍ حديدية اعتصرت شعرها من الخلف، وهو يزمجر بفحيحٍ مرعب:
— "إحنا هنستعبط يا غالية؟ في حد في الدنيا ما يعرفش إيه ده؟ ولا أنتي من كتر مصايبك بقيتي مش مركزة؟ انطقي يا هالة.. الحبوب دي بتاخدي منها من إمتى؟ انطقي وإلا وديني لأكون موريكي العذاب ألوان!"
—"آآآه!
انطلقت منها صرخة وجعٍ غير محتمل، شاعرةً بجمجمة رأسها وكأنها ستقتلع بين يديه القويتين، فأردفت برجاءٍ يقطعه الألم:
ـ "كمال.. شيل إيدك الأول وخلينا نتفاهم.. كمال اسمعني!"
لكن كلماتها كانت كزيتٍ صُبَّ فوق نيران غضبه؛ فبدلاً من أن يلين، زاد عنفه، وأحكم يده الثانية على عنقها يدفعها للخلف بقسوة، حتى تهاوت وسقطت على الفراش بظهرها وهو فوقها كالجبل، يحاصر أنفاسها بنظراته التي لم تعد تحمل سوى الوعيد.
فهدر فيها بصوتٍ زلزل أركان الغرفة، وعيناه تشتعلان بنيران الحقد والخذلان:
— "قولي إنك قرفانة تخلفي مني! قرفانة من الراجل اللي خرجك من قضية كنتي هتلبسيها وترنخي في السجن سنين.. تبقي فيه خدامة لنوسة واللي زيها! رافعة مناخيرك عليا أنا ومش عايزة خلفة مني؟ أنا اللي خليتك بني آدمة وسط أهلك اللي كرهتيهم فيكي بأذيتك، وجعلتك رافعة رأسك وسطهم.. ده جزائي؟! ده جزائي منك يا هالة!
أعماه الغضب عن كل شيء، حتى تضاعف ضغطه على عنقها، ولم يشعر بنفسه وهو يحاصر أنفاسها حتى كادت تروح منها. كانت هالة تترجاه بعينيها التي أغرقتهما الدموع، وصوتها يخرج متحشرجاً، مخنوقاً، بالكاد يُسمع من شدة الاختناق:
— "والله العظيم.. ما قربت منه.. الشريط.. كامل قدامك.. كمال.. اسمعني!"
بصق كلماته في وجهها بسخريةٍ لاذعة، والشرر يتطاير من عينيه:
— "أسمع إيه؟ أسمع عشان أصدق واحدة كدابة زيك؟ وكمان غبية ما بتعرفش تسبكها! هو الشريط الكامل ده ما ينفعش يبقى فيه غيره؟ ولا هو إيه اللي جابه أصلاً وسط هدومك ومخبياه ليه لو مش ناوية تستخدميه؟" كانت هالة تبكي بحرقة مع كل كلمة يلقيها فوق رأسها كالسوط، وجاهدت لتخرج صوتها المبحوح وسط انهيارها:
— "والله العظيم ما في غيره.. دي كانت نيتي من الأول منكرش، بس والله ما قدرت أعملها.. أنا حبيتك يا كمال، وده اللي اكتشفته في الآخر!"
لم يزدها هذا الاعتراف في عينيه إلا قبحاً؛ ففي هذه اللحظة بالذات، بدا له حبها كخديعةٍ أخرى، وكأنها تحاول استعطافه بكلماتٍ واهية لتفلت من العقاب، مما زاد اشتعاله وصاح بها بجنون:
— "دلوقتي حبيبتيني؟ لما اتكشفتِ بقيتي بتحبيني؟ بتمثلي الحب عشان تداري على وساختك!"انتي ايه؟ معندكيش إحساس؟ قلبك دا معمول من ايه الله يخرب بيتك، انا تعبتك منك، تعبت وقرفت
دفعها في الأخيرة ونهض كالملسوع، منتفضاً من جوارها وكأن القرب منها بات يحرقه. كان صدره يعلو ويهبط بإنهاكٍ شديد وهو يتابع بصوتٍ يملؤه الانكسار:
— "كان لازم من الأول أعرف إني دخلت حرب خسرانة.. لا في انتقام نجحت، ولا في إني أغيرك لبني آدمة برضه نجحت! أنا فاشل والبركة فيكي، ضيعتي حتى الجزء اللي كان باقي من حب قديم نحوك.. أنتي لعنة، ولازم أخلص منها!"
مع صرخته الأخيرة التي زلزلت كيانها، ورغم بكائها وانهيارها، لم تستسلم هالة؛ بل حاولت الزحف نحوه مدافعةً عن رمقها الأخير في قلبه، وقالت بنبرةٍ يمزقها الألم، وهي تحاول أن تقبض على تلابيب أي فرصةٍ للنجاة:
— "قسماً بالله.. وحياة بناتي.."
— "متحلفيش!"
صرخ بها مقاطعاً في نوبةٍ من عدم التحمل، وكأنه لم يعد يطيق سماع صوتها، فما بالك بقسمها الغليظ؟ لقد اكتفى من أكاذيبها التي عاش معها طويلاً، ولم يعد في قلبه متسعٌ لتصديق قسَمٍ جديد يُضاف إلى سجلها. أما هي، فقد كانت تترجى منه فقط فرصةً للاستماع، نظراتها تستجديه أن يهدأ لترى بريق الصدق في عينيها. لكنها في تلك اللحظة، واجهت الحقيقة المرة: كيف تثبت براءتها في خطأ كانت تنويه بالفعل؟ وكيف لها أن تعيد ثقته التي لم تجتهد يوماً في بنائها من الأساس؟ لقد كانت صرخته رصاصةً أصابت ما تبقى من آمالها، ووقفت عاجزةً أمام جدار الشك العالي الذي شيدته يداها في علاقتها معه
اهتز رأسها باستسلامٍ ويأس، فقد أدركت أن لا فرصة لها في هذه اللحظة العصيبة، ولا حلَّ أمامها سوى التأجيل حتى تهدأ النيران المستعرة في صدره. فقالت بصوتٍ متهدج:
— "أكيد عندك حق في غضبك، وأنا مش هلومك لو حتى ضربتني.. بس كل اللي بترجاه إنك تسمعني لما تهدى."
رد عليها بفحيحٍ يقطر كرهاً:
— "مفيش 'اسمع' ولا زفت! أنتي بكرة الصبح ترجعي على بيت أهلك، وورقة طلاقك هتوصلك بعدها.. أما أنا..."
— "يا مري! ورقة طلاق مين يا كمال؟ إيه اللي يوصلها لكدة؟!"
صرخت بها وهي تلطم صدرها بكفها، لكنه أبدى جفاءً وحِدّة وهو يسحب سلاحه "الميري" ليدسه في حزامه ويرتدي سترته، متابعاً بحزمٍ مميت:
— "اللي سمعتيه يا برنسيسة.. مش رافضة الخلفة مني؟ أنا بقى قرفان منك ومن سيرتك! وحياة ربنا ماني بايت في نفس البيت دقيقة واحدة في وجودك!"
— "لااااه!"
انتفضت تجري لتلحق بخطواته المسرعة، وقبل أن يفتح باب الشقة، تشبثت بساعده وهي تترجاه بنحيبٍ يمزق القلب:
— "حن عليك يا كمال.. ما تمشيش وتسيبني! أنا استاهل ضرب الجزمة، بس ما تسيبنيش ولا تطلقني.. أبوس على إيدك!" نفض ذراعه بقسوة، رافضاً حتى لمستها التي باتت تثقل كاهله، وصاح بها:
— "ابعدي إيدك عني! بقولك خلاص قرفت منك.. غوري بقى!" دفعها في الأخيرة بقوة أسقطتها أرضاً، فجُرحت شفتاها من أثر الوقعة الصلبة، لكنه لم يأبه ولم تَلن ملامحه أمام ضعفها؛ بل خرج صافقاً الباب خلفه بقوةٍ زلزلت أرجاء المكان، تاركاً إياها تعاني الألم الجسدي والانهيار التام. ظلت تبكي في مكانها وكأنها التصقت بالأرض، حتى غلبها سلطان النوم من فرط الإجهاد. والآن.. تنهض وهي تعي كل شيء، تلعن حظها البائس؛ فلقد أوشكت أن تتغير بعدما فهمت حقيقة مشاعرها، ولكن أخطاء الماضي أبت أن تتركها وشأنها. ومع ذلك، اشتعلت بداخلها قوة مفاجئة؛ لن تستسلم! بحثت عن هاتفها بجنون حتى وجدته، وشرعت في الاتصال بزوجها. في المرة الأولى لم يرد، وفي الثانية أتاها الرد، لكنه لم يكن صوت كمال.. كان صوتاً رسمياً غريباً:
— "ألو.. مين معايا؟" تصلبت ملامحها وهي تسأل بخوفٍ فطري:
— "مين؟.. أهلاً يا حضرة الظابط.. فين كمال؟.. مأمورية إيه؟" سكتت لحظة وهي تستمع للتصريح الأخير عبر الأثير، قبل أن تخرج صرختها مشروخة: — "ماله كمال؟! إيه اللي حصل له؟!"
............................
داخل الجناح الكبير في "المنزل الكبير"، استقرت مزيونة على تختها منذ الأمس بعد عودتها من المشفى، لكن الراحة التي تمنتها كانت بعيدة المنال؛ فالصغيرتان (تالا وتاليا) لم تكفا عن الصراخ المتبادل، وكأنهما في سباقٍ لمنعها من النوم ولو لدقائق. صاحت مزيونة بابنتها الكبرى بنداءٍ يملؤه التعب:
— يا ليلى! تعالي شيلي واحدة منهم يا حبيبتي.. المنتوشتين دول كأنهم جايين مسلّطين عليا، أنا هلكت ونفسي أخطف لي ساعة نوم."
ركضت ليلى ملبية نداء والدتها، وفي يدها زجاجة الرضاعة التي أعدتها، وباليد الأخرى تحمل صغيرها "مؤيد"، الذي اضطرت لوضعه على طرف الفراش بحذر لترفع بدلاً منه إحدى الصغيرتين لترضعها. ولكن، ما إن استشعر الصغير الفراش من تحته وشعر بانسحاب دفء أمه، حتى انطلقت صرخته مدوية كأنه يعلن رفضه لهذا الاستبدال. ارتد الأمر بغضبٍ وتوتر على الجدة التي صاحت:
- "الواد! هتسيبي الواد يصرخ يا ليلى؟!" تطلعت إليها ليلى بحيرةٍ وإرهاق:
— "يا أمه ما أنا هخلص رضعة تالا وهشيله على طول!" ردت مزيونة بنبرة حادة من فرط التعب:
— "ويعني تسيبي الواد يتفلق من الصراخ على ما تخلص المحروسة رضعتها؟!"
زفرت ليلى بضيق وهي تحاول إمساك الزجاجة والصغيرة المتململة:
— "وه! ما هو حرام برضه ما تكملش رضعتها يا أمه.. اصبري لحظة الله يرضى عنك، ده هما دقيقة وهيسكتوا."
في تلك اللحظة، دخل حمزة يتابع جانباً من السجال، بينما كانت صرخات الصغيرين الآخرين تعزف سيمفونيةً زادت من صخب الأجواء وتوترها. وقف يراقب المشهد بابتسامة متعبة وقال:
— "إيه الحكاية؟ العيال دي بتصرخ كدة ليه؟ هو الجناح قلب حضانة ولا إيه؟" التفتت إليه مزيونة بلهفة قائلة: — "تعالى شوف يا حمزة! تعالى شوف بناتك اللي كانهم متسلطين عليا والواد اللي هيتقطع من الصراخ ده!"
— "أشيل معاكم يعني؟ وماله!"
تفوه بها حمزة وقد انعشه المشهد من الداخل رغم انزعاجه القليل من الصراخ؛ فهذا الضجيج هو "عمار" البيت الذي طالما انتظره. هبّ نحو أول من وقعت عليه عيناه، مؤيد الذي كان على طرف الفراش ليرفعه ويحمله بين يديه، إلا أن زوجته نادته باعتراضٍ خبير:
— "لاه يا حمزة، أنت مش هتعرف تسكّته واصل.. خد البت دي وهات لي مؤيد."
امتثل حمزة لأمرها، فاقترب منها وتبادلا "الصغيرة" بـ "مؤيد". وما إن استشعر الصغير حضن جدته حتى استكان فوراً، وبدأت صرخاته تتحول إلى أصوات مرحٍ ومناغاة بلقياها. ضحكت مزيونة وهي تضمه إلى صدرها بقوة، مترجمةً رد فعله بعاطفة الجدة:
— "يا حبيب ستك أنت! شايف يا حمزة بصته عليا؟ كأنه بيقولي كنتي فين من امبارح يا ستو؟ آآه يا نور عيني، والله ما هسيبك تاني واصل!"
بشيءٍ من الغيرة والحنق الطفولي، نظر حمزة إلى التناغم التام بين زوجته وهذا "الصغير المجرم" الذي سرق الأضواء، ثم نقل نظره نحو ليلى التي اندمجت هي الأخرى بسعادة تراقب المشهد. فقرر هو أن يقطع هذا الانسجام بتعقيبه الساخر:
— "شوفي المرة! كل عقلك بمكره وهينسيكي المساكين اللي جنبك.. ما تعقلي شوية يا محروسة، ابن الكلب ده طالع نصيبة أكتر من أمه وأبوه!"
شهقت ليلى بدفاعية ضاحكة وهي تحاول تبرئة نفسها: — "أنا برضه يا عم حمزة؟ طب والله خايبة واللعب ده ما أعرفه واصل، أكيد وارث المكر ده من أبوه.. ومن حضرتك، معلش يعني!"
قالت جملتها الأخيرة بصوتٍ خفيض، لكنه وصل إلى أذني حمزة بوضوح، فغضّ على شفته السفلى رافعاً قبضته في الهواء نحوها بتهديدٍ مزيف، مما جعلها تواصل الضحك. شاركتها مزيونة الضحك، وقالت بشيءٍ من التوازن وهي تهدهد مؤيد:
ـ معلش يا حمزة، بس هو حقه يعمل أكتر من كدة كمان؛ ده بقاله شهور لابد في حضني وهو اللي على الحجر، وفي يوم وليلة يلاقيني انشغلت عنه ومسكت غيره؟ والنعمة ما يحصل أبداً ولا أبعده عني، ده فرحة عيني بعد سنين شوق، وطب وربنا ما حد شجعني ولا طلّع الخوف من قلبي في موضوع الولادة ده غيره.. عشان أقولهالكم بالمفتشر أهه!"
اتسعت عينا حمزة بذهولٍ ممزوج بالغيظ، وصاح مقاطعاً:
— "وه وه! قولي لأمك 'حاس' يا ليلى، بدل ما أعجنها دلوقت! قال هو اللي شال عنها الخوف؟ أمال أنا كان دوري إيه؟ كيس جوافة جنبك يا مرة يا مش معدلة؟"
ضحكت ليلى وهي تردد خلفه الدعابة التقليدية بتمثيلٍ مرح:
— "حااااس يا أمه.. عمي حمزة جاب آخره!" ثم أردفت ليلى موضحةً وهي تنظر إليه:
— "أكيد أنت فاهم قصدها يا عم حمزة، مش أنا اللي هفهمك يعني، دا انت اكتر واحد كنت واقف معاها ." احتفظ حمزة بملامحه العابسة دون إبداء أي استجابة، وظل صامتاً بطريقةٍ جعلت مزيونة تتوجس خيفةً من حقيقة شعوره، فسألته بقلق:
— "حمزة؟ لتكون زعلت بجد؟"
نظر إليها من طرف عينه وهو يداعب الصغيرة ويهدهدها بين ذراعيه بجفاءٍ مصطنع، مما زاد من شكها. شعرت ليلى أن الموقف يحتاج لخصوصية، فقررت المغادرة وقالت مستأذنة:
— "طب أنا هاخد 'تالا' معايا الشقة فوق تكمل رضعتها، وبالمرة أشوف معاذ يمكن محتاج حاجة.. آخد مؤيد معايا يا أمه؟"
— "لاه!"
قالتها مزيونة بحسم رداً على ابنتها، قبل أن تعود لزوجها بنظرةٍ متمعنة محاولةً التوضيح وفك شفرة صمته:
— "حمزة.. أنا بتكلم عن عاطفة الأمومة اللي رجعت لي مع ولادة مؤيد، يعني دي ملهاش دعوة واصل بدعمك ليا ولا وقفتك جنبي.. أنت السند والظهر، وده غلاوته في حتة تانية خالص.
استمع لها ولم يُظهر أي رد فعل سوى أنه تحرك خطوتين ببطء حتى أصبح جوارها تماماً، وفجأةً انجلت ابتسامة متسعة على شفتيه، استفزتها تلك الابتسامة بعد كل ذلك القلق، فدفعته بقبضتها على كتفه بعفوية، لكن صلابة جسده جعلتها هي من تتأوه:
— "آه! يدي كمان وجعتني.. ده أنت غلس قوي يا حمزة!"
قهقه وهو يمسك كفها الصغير ويقبله بحنان، مردداً بلهجته الصعيدية الرخيمة:
— "سلامة اليد الحيلة الحلوة.. حد قالك تضربيني طيب وأنتي عارفة نفسك تعبانة وحيلك مبتوت؟"
نظرت إليه بعتابٍ مشوب بالحب وقالت:
— "ما أنت السبب، وقفت قلبي بمقالبك فيا.. صحيح أنت زعلان يا حمزة؟"
قهقه مجدداً، لكنه هذه المرة مال وقبّل خدها بقوة، قائلاً: — "بذمتك أنا لو زعلان هاجي ألزق فيكي وأبوس الأيادي والخد كمان؟ ما تفهمي بقى يا ولية.. أنا من ساعة ما ولدتي وأنا مش عارف أقعد معاكي لوحدنا دقيقة واصل!"
طالعته بدهشة شديدة وابتسامة عريضة أنارت ملامحها: — "وه يا حمزة! ده أنت طلعت كهين.. يعني كل التمثيلية دي كانت "أونطة"؟"
هز رأسه موافقاً بابتسامة نصر، فعادت تتمايل بدلالٍ وهي تضم مؤيد:
— "وعشان إيه كل ده؟ عشان تقعد جنبي وتلزق فيا؟" ضحك وهو يكمل خلفها بنبرة ذات مغزى:
— "وأبوس اليد.. وأحب على الخد!
"— "يا عيني على روقانك! تمتمت بها مزيونة بذهولٍ لذيذ، وسعادة لا تنكرها وهي ترى أفعاله التي تؤكد شدة تعلقه بها. وعند خاطرٍ مفاجئ، استدركت تسأله بعفوية: — "يعني بجد بتبوسني عادي كدة؟ اللي أعرفه إن الرجالة ما بتطيقش الحريم في الأيام دي واصل.. أنت بقى معندكش الكلام ده؟"
رد حمزة بثقةٍ مطلقة وهو يضمها من كتفيها إليه بخفة وحرص:
— "لاه، معنديش الكلام ده.. أنا أعرف إن الراجل اللي يحب مرته ما يطيقش لحظة تبعد عنه، سواء كانت تعبانة ولا فيها إيه حتى. وأنا بعشق بنت الأحرار والتراب اللي بتمشي عليه، والبنيات اللي جابتهم شبهها.. ولا حتى 'ابن الكلب' اللي قاعد عزول وسطينا دلوقت!"
أشار في كلمته الأخيرة نحو مؤيد، الذي كان يطالعه باستهجان طفولي مضحك وكأنه يرفض اقترابه من جدته. لاحظ حمزة ذلك فتابع بمرح وهو يوجه كلامه لمزيونة:
— "شوفي يا خوي الواد مش طايقني كيف! طب تعرفي بقى إنك عملتي طيب إنك جبتيهم بنات؟ عشان ما يبقاليش ضرة تانية ولا تالتة.. كفاية عليا الضرة اللي في حضنك ده!"
راقبت مزيونة رد فعل الصغير، ورأت العبوس المرتسم على وجهه وكأنه يفهم التحدي، فانطلقت في موجة صاخبة من الضحك، بينما غرق حمزة في تأمل ملامحها التي لم يزدها التعب إلا جمالاً في عينيه.
— "الله يجبر بخاطرك يا حمزة، ضحكتني من قلبي.. ربنا ما يحرمني منك يا رب.
تفوهت بها مزيونة بامتنانٍ صادق، بينما ظل حمزة على وضعه؛ يتأمل وجهها تارة، وقطعة السكر الصغيرة التي يحملها تارة أخرى، ثم يرمق ذلك "المشاكس" الذي تحولت نظراته لعدائية صريحة، مما خلق جواً من العند الجميل والمرح بين الثلاثة. لكن، وكأن القدر يرفض أن تكتمل لحظات الصفو، دوى صوت الباب فجأة بطرقاتٍ عنيفة متلاحقة، وارتفع صوتٌ متوتر يقطر ذعراً من الخارج:
— حمزة! يا حمزة تعالى بسرعة.. عايزينك بره ضروري!"
تلاشت الابتسامة عن وجهه في لمح البصر، وحلّ مكانها قلقٌ فطري، بينما انتفضت مزيونة في فراشها وهي تضغط على "مؤيد" بخوف، وقد استشعرت أن خلف هذا النداء خبرا ليس جيد بالمرة
.............................
فواجعُ الأقدار التي تأتي بلا ميعادٍ ولا إنذار؛ ما أبشعها وما أقساها على النفس!
بخطواتٍ متعجلة متلهفة، كان حمزة يقتحم الرواق المؤدي إلى غرفة العمليات داخل المشفى، يرافقه شقيقاه معاذ وخليفة، ومعهما منصور زوج شقيقتهما. كانت الردهة تعجُّ برجال الأمن ورتبٍ رفيعة في الداخلية منتشرين في كل مكان، وفي زاويةٍ خاصة، كانت صاحبة المصيبة؛ هالة، التي لم يتبين أحدٌ ملامح وجهها وهي تدفنه في صدر والدها الذي كان يضمها بقوة، بينما والدتها تنتحب بجوارها في انكسار. ركض الأربعة نحوهم بعد تبادل تحياتٍ سريعة ومقتضبة مع عدد من أصدقاء "الذي يمكث" خلف الأبواب المغلقة الآن. توجه حمزة نحو عمه متسائلاً بلهفة:
"أنتم جيتوا هنا من إمتى؟!"
أجابه عمه والكلمات تخرج منه بصعوبةٍ بالغة:
— "أول ما اتصلت بينا.. معلش يا ولدي، مقدرتش أستنى حد فيكم، اتصلت بلّغت خليفة وركبت العربية ألحقها عشان أوقف جنبها.. أديك شايف حالتها كيف؟" هنا، انطلقت والدتها بـ "ولولة" شقّت صمت الردهة الثقيل:
— "يا مري يا كمال! يا وجع قلبي عليك يا ولدي.. يا ريتني كنت أنا وأنت لأ يا ضنايا، يارب نجيه يارب.
" زجرها حمزة بنظرةٍ قاسية حازمة كي تصمت؛ فلا وقت للعويل الآن بينما يحتاج هو لفهم الحقيقة من ابنتها. اقترب من "هالة" وهتف بها بصوتٍ منخفض لكنه آمر: — هالة.. ارفعي وشك وكلميني، عايز أعرف مين اللي بلغك بالخبر؟ وإمتى ده حصل اصلا؟!" مرت لحظاتٌ ثقيلة من الصمت، لا يقطعها سوى صوت نحيبها المكتوم وتلاحق أنفاسها، قبل أن تتمكن أخيراً من رفع رأسها إليه. كانت ملامحها شاحبة، ذابلة، وعيناها غارقتان في الدموع وهي تتحدث بصعوبةٍ بالغة:
— "واحد صاحبه.. كان معاه في المأمورية النحس.. قالي إنه اتصاب هو وعسكري كان معاه.. دوكها مات في لحظتها، وكمال..."
توقفت عن الكلام وشهقات البكاء تمزق صدرها بحرقة، قبل أن تتابع بصوتٍ واهن قطع نياط قلوبهم جميعاً:
— "كمال بين إيدين ربنا دلوقت.. عمليته خطيرة يا حمزة، والجرح واعر قوي.. يا مرك يا هالة، يا مرك يا سواد أيامك
— "بس.. فِضيها!"
هتف بها حمزة بحزمٍ يوقف سيل عويلها، حتى لا يصل صوتها إلى الرجال الغرباء والضباط المنتشرين في أرجاء الردهة؛ فسترة بنت عمه في هذه اللحظة أوجبُ من إشفاقه عليها.
وبالرغم من حزمه، إلا أن قلبه كان يعتصر وهو يراها في حالةٍ من الضعف والهوان لم يشهدها عليها من قبل. حالتها تلك استنفرت غريزة الحماية لدى أبناء عمها؛ منصور ومعاذ وحتى خليفة..... خليفة الذي كان زوجها يوماً، وبينها وبينه خلافات السنين ومرارة الماضي، لم يملك أمام هذا المصاب الجلل إلا أن ينحي الضغائن جانباً، ويعاملها بمسؤولية الأخ وشهامة الرجل الصعيدي، مشدداً من أزرها مثلهم تماماً. يا الله! ابنة عمه التي كم عانوا من تعجرفها وغرورها، والتي كانت ترى نفسها فوق الجميع، ها هي الآن يعتصرها الحزن والتمزق خوفاً على رجلٍ لم تكن تحترم صفته كزوجٍ يوماً. يا إلهي.. منذ متى كانت "هالة" تبالي بشيء آخر غير هالة لتنهار بهذه الصورة المفجعة الآن؟ لقد فعلها القدر أخيراً؛ كسر كبرياءها لتدرك في أصعب لحظات حياتها أن من كانت تظنه قيداً، هو في الحقيقة أنفاسها التي تخشى انقطاعها.
....................
قدم إليهم في تلك اللحظات أحد الضباط، ملامحه يكسوها الإرهاق لكنها تحمل فخراً حزيناً. عرّف عن نفسه ماداً يده لحمزة، الذي بادره بالسؤال دون انتظارٍ لمراسم التعارف:
— "السلام عليكم.. أنا الظابط سليم فتوح، حضراتكم تبع الرائد كمال؟"
قبض حمزة على يده بقوة وجيبه ملهوفاً:
— "أيوة إحنا أهله.. طمنا يا ولدي، عايزين نعرف إيه اللي أصابه؟ إحنا هنا زي الأطرش في الزفة من ساعة ما جينا، ومحدش راضي يدينا كلمة مفيدة!"
أجابه الضابط "سليم" بهدوءٍ شديد يحاول فيه امتصاص غضبهم وقلقهم:
— "معلش يا فندم، اتأخرت عليكم.. بس عقبال ما خلصت الإجراءات وسلمت المجرم اللي كان مطلع عيونا بقاله شهور؛ مطاردات وجرايم ما بتخلصش. الحمد لله، بفضل مجهود كمال باشا وشجاعته، قدرنا أخيراً نوصله ونقبض عليه بعد حصار للوكر اللي كان مستخبي فيه هو وعصابته، بس للأسف الخسائر كانت روح جندي بريء، وحضرة الظابط البطل اتصاب في صدره.
— "عند قلبه؟!"
صرخت بها هالة بجزعٍ شقّ سكون المكان، لفتت نظر الضابط وعددٍ لا بأس به من الحاضرين، فسارع بطمأنتها على الفور:
— "في صدره.. في صدره يا فندم. يمكن ده مكمن خطورة العملية دلوقت، حضرتك تبقي مراته؟"
أومأت برأسها وهي تشهق بالبكاء، فتابع مرحباً بنبرة رسمية:
— "يا أهلاً وسهلاً بيكي يا فندم، كمال باشا بطل ويشرف أي حد.
. — "يا باشا خليك معانا في المهم!"
هتف خليفة بخشونة وصوتٍ جهوري قطع مجاملات الضابط، ليستدرك الأخير خطأه ويعود للجدية سريعاً:
ـ "حاضر يا فندم، معاكم أهو.. حضرتك تبقى مين بقا؟" ..........................
طال الانتظار خلف باب الغرفة المغلقة لساعاتٍ ثقيلة كأنها الدهر، حتى خرج أخيراً كبير الأطباء بملامح منهكة، يمسح حبات العرق عن جبينه، ليخبر الجمع الذي التف حوله بلهفةٍ عارمة:
— "اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله.. هو هيخرج يقعد في العناية تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة، ادعوا له إن الأزمة تمر بسلام."
— "يعني لسه فيه خطر على حياته؟!"
هتفت بها هالة للمرة الثانية بصوتٍ متهدج، فالتفتت الرؤوس نحوها بصورةٍ كانت تستفز أبناء عمومتها، لكن لا أحداً يملك لومها في تلك اللحظات الحرجة. ولأنها كانت لافتةً للنظر بطبيعتها، والرجال الغرباء في المشفى لا يعرفون أصولاً ولا تقاليد في غض البصر، كان هذا ما يضاعف من سخطهم
طمأنها الطبيب بكلماتٍ روتينية محفوظة لتهدئتها، وما إن فُتح الباب وخرج "كمال" مسطحاً على "الترولي" يحيط به طاقم التمريض، حتى ركضت هالة بلهفة ونحيبٍ عالٍ هزّ أركان الردهة:
— "كمال! رد عليا يا كمال.. كمال كلمني!"
تمتم حمزة بغيظٍ مكتوم وهو يرى نظرات الفضول تنهش بنت عمه، وحبس رغبته في إزاحتها بيده بقوة، ثم وجه حديثه الصارم نحو عمه:
— "ارفعها وأبعدها الله يرضى عنك يا عمي.. إحنا في مستشفى حكومي ومش ناقصين فضايح من المجنونة دي .
................................
خلف الزجاج البارد، كانت عيناها معلقتين به، تتابع في ذهول كل نَفَسٍ يصعد ويهبط في صدره المثقل بالجراح. كانت الأجهزة المحيطة به تومض بمؤشراتها الحيوية، وكأن نبض قلبها هو المعلق بتلك الأسلاك وليس نبضه هو. لم يرممها التفافُ الجميع حولها، فبرغم وقوف أهلها وإخوتها وبنات عمها بجانبها يشدون من أزرها، إلا أن إحساس الذنب كان ينهش روحها كالنار في الهشيم. كان يقتلها مجرد التفكير في أنه كان سيرحل وهو ساخطٌ عليها، دون أن يدرك حقيقة مشاعرها المكبوتة التي لم تستيقظ إلا في الوقت الضائع. لكن الصفعة الأقوى لضميرها، تجسدت حين شعرت بيدٍ حانية تربت على كتفها، فالتفتت لتصدم برؤية أكثر شخصين ألحقت بهما الأذى: اعتماد، التي كادت أن تفقد حياتها بسبب مكائدها، وليلى التي دبرت لها خطة دنيئة لتدفعها نحو الحمل غصباً عنها بغرض تخريب زواجها. فخاطبتها اعتماد بنبرة هادئة:
— "قلبي عندك يا هالة.. طمنينا، عاملة إيه دلوقت؟" تابعت ليلى بأسفٍ حقيقي:
— "سامحينا إن كنا جينا متأخر، بس والله كنت 'متشندلة' مع أمي والعيال الصغيرين، واعتماد كانت واقفة تستقبل الحريم اللي جايين يباركوا لأمي."
تملكت الصدمة منها، فالاثنتان الآن وبكل نبلٍ، تطلبان منها "السماح" لمجرد تأخرهما، وكأنها لم تخطئ في حقهما يوماً!
وقفت تنظر إليهما بذهول، وكأن طيبتهما سياطٌ تجلد ظهرها؛ فكيف لمن طعنتهما في ظهورهما أن يأتيا ليمسحا دموعها؟ كانت نظرات ليلى الحانية وصوت اعتماد القلق أشد وطأة عليها من رصاصات المأمورية التي أصابت زوجها الراقد الآن تحت رحمة الأجهزة.
لم تحتمل هالة المزيد؛ فجدارُ الكبرياء الذي شيدته لسنوات انهار تماماً أمام فيض نبلهما. وبحركةٍ مفاجئة حملت كل أوجاعها، ارتمت عليهما معاً، تضمهما بذراعيها بقوةٍ كأنها تتشبث بطوق نجاة، وانفجرت في بكاءٍ مريرٍ وهي تردد بصوتٍ متهدج: "أنتوا اللي تسامحوني.. أبوس يدكم سامحوني! حنّ عليكم سامحوني على كل اللي عملته معاكم!"
كانت كلماتها تخرج مخنوقة بالدموع، معلنةً عن توبةٍ ولدت من رحم الفاجعة. في تلك اللحظة، لم تعد هالة هي المغرورة المتعجرفة، بل كانت نفساً منكسرة تبحث عن مأوى في قلوبٍ طالما حاولت هي كسرها، بينما خيّم الذهول الممزوج بالشفقة على وجوه الحاضرين من هذا المشهد الذي لم يتوقعه أحد