رواية هاربة ام خائنة الفصل العاشر10بقلم داليا السيد


رواية هاربة ام خائنة الفصل العاشر10بقلم داليا السيد
خيانات
بالصباح الباكر أخذت حمام وقد استعادت هدوئها وربما اقتنعت أنه على حق وأن الوقت كفيل بعلاج كل الجراح 
ارتدت روب الحمام وخرجت لتراه ما زال على الأريكة ويجيب الهاتف بعصبية واضحة..
مشطت شعرها وهي تحاول أن تفهم سبب عصبيته ولكنها لم تفهم حتى انتهى ونفض الغطاء بغضب وهو ينهض فنظرت له وقالت 
"ماذا حدث ياسين؟"
قال وهو يتجه للحمام وبدت نبرته ساخطة "لابد أن أذهب السخنة مرة أخرى" 
جلست على المقعد دون أن يمنحها فرصة للرد
بينما دخل هو الحمام وأغلق الباب.. 
خلع روبه وقذفه بقوة وهو يهتف "اللعنة عليك سيف أنت وظافر والجميع" 
ارتدت ملابسها وانتظرته حتى خرج وقد حلق ذقنه وجفف شعره واتجه ليرتدي ملابسه وبدا هادئا ظاهريا 
اتجهت إليه ووقفت خلفه وهي ترى ملامحه الجامدة وعيونه التي تعلن عن الغضب
سألته "ماذا حدث؟ أنت غاضب" 
ارتدى قميصه دون أن ينظر إليها غير راغب بأي حديث الآن "هل تتركيني الآن يُسر؟ من فضلك لا أرغب بالحديث" 
أدركت جديته فهزت رأسها بالموافقة، نبرته كانت حازمة غير قابلة للجدال
تحركت لتذهب ولكنه أوقفها "هل تعرفي رأي جينا؟ لابد أن ينتهي الأمر قبل أن أذهب" 
لفت وجهها له لكنه لم يكن ينظر لها فلم تحاول إثارة غضبه أكثر وقالت "حاضر سأفعل" 
ما أن خرجت حتى ضرب الدولاب بيده بقوة والغضب يتملكه أكثر وهو لا يصدق أن ظافر يمكن أن يفعل به ذلك.. 
***
وجدت جينا بغرفتها فتحركت لها وهي تتابع ملامحها المتعبة وقالت "صباح الخير، كيف حالك اليوم؟" 
بدا عليها عدم النوم وتورمت عيونها من البكاء ومع ذلك قالت "بخير" 
جلست يُسر بجوارها ولمست ذراعها بحنان "هل اتخذتِ قرارك؟" 
نظرت لها لحظة وهي تواجه انتظار يُسر ثم منحتها قرارها "نعم يُسر، اتخذت قراري"
وصمتت وهي تنظر للفراغ من حولها وعادت تقول "أنا أوافق على مروان يُسر" 
ابتسمت يسر.. كان الأمر يعجبها حقا فجينا تستحق أن تنال فرصة أخرى بالحياة ومروان يحمل داخله مشاعر رائعة لها
بلا وعي احتضنتها وهي تقول "وأنا سعيدة جدا لأجلك جينا، أنتِ تستحقين السعادة"
احتضنتها جينا هي الأخرى وهي تقول "شكرا يُسر، شكرا لوجودك معي"
ابتعدت لتواجه نظراتها وقالت "هذا من دواعي سروري، أنا واثقة أنكِ لن تندمي جينا، هيا لابد أن أخبر ياسين قبل أن يذهب" 
تحركت للخارج فرأته يخرج فتوقفت وهو يتحرك لها فقالت "هي توافق على مروان" 
رفع أكمام القميص ووضع الجاكيت الصوف حول عنقه وقال وهو يتحرك وهي بجواره "حسنا"
لم ينظر لها والجدية واضحة عليه فقالت "متى ستذهب؟" 
نزلا السلم وقال وذهنه مشغول "فور انتهائي من مروان، لن أوصلك المصنع الرجال ستفعل، لا تتحركي وحدك دون حراسة لم ننتهي من الأمر بعد" 
دخل المكتب وهي معه، فتح درج مكتبه وأخرج لاب توب وقال "هذا لاب لكِ كي يمكنك العمل عليه به كل ما يخص المصنع، ما عليه نسخة مما لدي، بالتأكيد ستضعين كلمة سر لا يعرفها أحد سواكِ" 
دق الباب.. فأغلق الجهاز وأذن 
دخل مروان وأغلق خلفه فقال ياسين "تعالى مروان، كنت سأطلبك لأني لابد أن أرحل للسخنة الآن" 
دخل مروان ولم تتراجع يُسر وياسين يقف أمام مروان الذي قال "هل وصلت لقرار منها؟" 
هز ياسين رأسه وقال بنفس الجدية "نعم، هي توافق على الزواج، ولكن أنا ما زلت أتحفظ على موقف والدتك ولكنها حياتكم" 
ابتسم مروان وتورد وجهه وقال "نقرأ الفاتحة إذن ونحدد موعد لعقد القران والدخلة" 
***
خرج مروان من مكتب ياسين والسعادة واضحة على وجهه ليجد جينا تنظر له..
اتجه إليها وقال بسعادة "لن تندمي جينا، أعدك ألا تندمي، لقد قرأنا الفاتحة واتفقنا على موعد عقد القران، للأسف لابد أن أعود مصر اليوم لأن الاجازة انتهت ولأن ياسين راحل للسخنة، سأهاتفك ونتفق على كل شيء" 
لم تكن سعادتها مكتملة وهي تنطق ببطء "وعمتي؟" 
ابتسم وقال بلا قلق "لا تقلق، لو لم توافق فلن أتراجع عن قراري جينا، أنا أحبك" 
ابتسمت من بين أحزانها والكلمة تمنح قلبها راحة وشفاء من جراح كانت تمزقها 
بينما أخرج هو علبة صغيرة من جيبه وأخرج منها خاتم ذهبي رائع.. جذب يدها ووضع الخاتم بإصبعها ثم رفعها لفمهن ووضع قبلة على ظهر يدها وقال 
"ليذكرك بي بغيابي حبيبتي" 
ثم قبل جبينها وتحركت معه للخارج حتى ركب سيارته ورحل.. 
***
ما أن خرج مروان من المكتب حتى عاد ياسين للمكتب وفتح اللاب مرة أخرى وعبث به ثم أغلقه وقال "كلمة السر الحالية هي..  بدليها بأخرى خاصة بك" 
رن هاتفه فرأى اسم يعرفه.. أغلق الصوت وتحرك تجاهها حتى وقف أمامها وقال "لابد أن أذهب" 
لاح حزن وحيرة بعيونها من طريقته التي تبدلت فجأة وهو لا يمنحها أي شيء عن سبب ما يغضبه بهذا الشكل
قالت باستسلام "انتبه لنفسك ولا تتأخر" 
لم يترك نظراتها وكأن كان يحفظ ملامحها لتصحبه برحلته التي لا يعلم كم سيمضي من الوقت بها
مرر أصابعه على وجنتها بلمسة رقيقة ثم قال "سأفعل وأنتِ أيضا انتبهي لنفسك، يُسر لا تتحركي بمفردك كما أخبرتك، تعرفين كيف تجديني" 
هزت رأسها وقلبها يدق بقوة وصدرها يعلن عن أنفاسها المتلاحقة..
نظر بعيونها نظرة طويلة قبل أن يجذب وجهها له ويضع قبلة رقيقة على شفاها ثم ذهب تاركا إياها بخوف لا تعرف سببه..  
***
بالتأكيد كان الغضب يتملكه وهو يقبض على عجلة القيادة ويمرر يده بشعره محاولا التحكم بنفسه
رن هاتفه بمجرد أن خرج بالسيارة من الفيلا، أجاب على غازي وقال "أنا قادم غازي هل عرفت مكان ظافر؟" 
أجاب غازي بنبرة جادة "نعم، هنا بالفندق" 
ضاقت عيون ياسين وهو يحاول فهم تصرفات أخيها قبل أن يقول "إذن هو لا يعلم أني عرفت بالأمر" 
رد غازي "هذا واضح، هو يتعامل بطريقة عادية جدا، ماذا تريد مني الآن؟" 
ظل صامتا لحظة ثم قال "لا شيء، لا تفعل أي شيء غازي، فقط راقبه ولا تغفل عنه وسيف بالطبع" 
أنهى الاتصال ثم أجرى سواه وقال "ماذا فعلت؟ تمام .. أنا بالطريق نلتقي هناك" 
****
وصلت المصنع ورحب بها عزت ومرت على كل الأقسام تطمئن على سير الأمور ثم استقرت بالمكتب..
كان الأمر صعب بالبداية ولكنها اعتادته مع الوقت، خاصة باليومين التاليين وكان من الجيد ألا تقف أي عقبة بطريقها خاصة وأنه منحها مفاتيح كثيرة كحلول وهي بالأساس كانت تجيد التصرف
عادت إلى البيت بنهاية اليوم الثالث لتجد سيارة غريبة أمام البيت فدخلت لتسمع أصوات بغرفة الضيوف ..
تحركت إليها ودخلت لترى عيون عهد تواجها بابتسامة باردة ..
ظلت ثابتة بمكانها وقد اندفعت صورتها وهي تقبل ياسين إلى ذهنها فأثارت غضبها ولكن صوت الحاج حلمي أعادها إلى الهدوء وهو يقول "عزيزتي يُسر، كم افتقدتك"
ابتسمت وهي تتقدم إليه لترحب به فهي ليست ضعيفة لتختبئ من عدوتها "وأنا أيضا يا عمي، كيف حالك؟" 
جلست بجواره وهي تمنح عهد نظرة باردة كما فعلت عهد ويُسر تقول نبرة فارغة "أهلا عهد" 
هزت عهد رأسها فترنح شعرها معها وقالت "أهلا يُسر" 
جينا كانت ترى التوتر الذي ارتفع بالجو بسبب عهد ويُسر فحاولت تخفيف وطأته وهي توجه كلماتها ليُسر "تأخرتِ اليوم يُسر!؟" 
منحتها يُسر اهتمامها وهي تجيبها "تأخرت السيارات اليوم في نقل البضاعة ولم يمكنني أن أرحل قبل أن أطمئن على ذهاب الجميع"
تدخلت عهد بسخرية "تعملين وسط الرجال؟ وياسين يعرف؟" 
ألقت نظرة قوية تجاهها وقالت ببرود أحرق عهد بمكانها "بالتأكيد يعرف فهو من دربني بنفسه"
لم تبعد عهد التحدي عن عيونها وكأن كلمات يُسر لم تطعنها بقوة فقط قالت "ورحل وتركك؟" 
أجابت يُسر بنفس الهدوء أو البرود "العمل له أولوياته عهد وياسين يمنحني الكثير بعيدا عن العمل" 
لاح الضيق أو الغضب وربما الغيرة على وجه المرأة التي تحاول خطف زوجها منها وهي تقول "بالتأكيد، الزوجة الفاقدة للذاكرة، ألا ترين أنه ليس من حق ياسين أن يضعك أنتِ لأن أحق بذلك؟ بابا شريكه وأنا المالكة" 
تدخل الحاج قائلا "أنتِ لم تباشري أي عمل من قبل عهد لكن يُسر كانت تدير مطعمها" 
قالت عهد بغيظ من والدها وليس فقط من منافستها "ولو بابا، إنه مطعم، مجرد بعض الطعام والشراب وليس مصنع، أموال ورجال" 
تدخلت جينا وهي تمنح عهد كوب العصير "الإدارة الناجحة تصلح بأي مكان عهد ولو يُسر فشلت لما منحها ياسين تلك المكانة" 
لفت خاتم جينا نظر عهد فقالت "ما هذا الخاتم جينا؟ أول مرة أراه، يبدو جديدا!؟" 
ابتسمت جينا وقد كانت تعلم فضول عهد لتلاك الأمور فقالت "نعم، هدية مروان ابن عمتي، لقد خطبني وأنا وافقت وسنعقد القران قريبا إن شاء الله" 
شحب وجه عهد بينما قال العجوز بسعادة "يا له من خبر رائع، مبارك حبيبتي تستحقين كل خير يا ابنتي" 
بدت السعادة بعيون جينا لكن الحقد ملأ عيون عهد..
رن هاتف يسر فرأت اسم زوجها فاستأذنت للخارج دون أن تلفت النظر رغم أن عهد لم يفتها الأمر لكن لم يمكنها فعل شيء
“يبدو أنك سعيد بالسخنة؟"
تهالك على مقعده بالمكتب وقال "سعادة لا يمكنك تصورها يسر، لدرجة أني منذ تركتك لم أذق طعم النوم ولم أخرج من مكتبي" 
صعدت غرفتها وقالت "على الأقل مكالمة واحدة أطمئن عليك" 
أغمض عيونه وأصابعه تعبث بهما وهو يقول "أعلم، ولكن الأمر هنا سيء جدا صدقيني أنا أحارب في عدة جهات ولا أعلم من أين ستأتيني الصفعة القادمة؟ " 
جلست على طرف الفراش وقالت "ماذا يحدث ياسين؟ هل -نت بخطر؟ ألن تخبرني أي شيء؟" 
فتح عيونه وقال "-نا بخير، وربما يمكنني إخبارك ولكن ليس الآن، كيف حال المصنع والعزبة؟" 
أجابت بجدية "لا تقلق، كل شيء على ما يرام، عم إبراهيم أرسل بطلبي وغدا سأذهب لرؤيته أظن بسبب محصول الأرض الوسطى فأنا أحتاجه ولن أبيعه" 
فتح عيونه وهو يمنحها تركيزه وقال "هذا قرار صائب، لن نشتري ولدينا الأفضل، لا تتحركي بمفردك يُسر" 
قلبها يدق لاهتمامه بسلامتها ولسماع صوته، قالت "لا أفعل، ألا أمل بعودتك قريبا؟" 
اعتدل وهو يفتح اللاب وأصابعه تعبث بالأزرار بمهارة وقال "لا أعلم، صدقيني لا أعلم" 
قالت بضيق "عهد تطالب بأن تكون مكاني" 
رفع وجهه وكلماته جذبت انتباهه فردد "عهد؟" 
قالت بغضب مكتوم "هي هنا مع والدها وغاضبة لوجودي بالمصنع" 
ظل صامتا وهلة ثم قال "تعلمين أفكار عهد يسر فهي لن تمنحك أي شيء مميز" 
أجابت وهي تصدق على كلامه "نعم أعلم، هل أنت بخير؟" 
عاد للاب وقال "نعم اهتمي بنفسك يسر ولا تقلقي علي أنا بخير" 
صمتت قليلا ثم قالت "سأفعل" 
أنهت الحديث وشعرت بأنه ليس على ما يرام فكلامه الجاد منحها إحساس بذلك، ولم يرغب بمنحها أي شيء عما يحدث معه 
بدلت ملابسها ونزلت لغرفة الطعام حيث جلس الجميع ورمقتها عهد بنظرة قوية عندما دخلت وقال حلمي "الحاج إبراهيم يستعد لبيع المحصول وياسين ليس موجود" 
لا تعلم لماذا لم تتحدث وجينا ترد "هو يثق به ولا يشترط وجوده" 
نظر حلمي ليُسر وقال "هل ستحضرين البيع يُسر؟" 
نظرت له وتساءلت "ولماذا أفعل عمي؟" 
ضاقت عيون الرجل وقال بعد وهلة "مجرد سؤال يا ابنتي" 
ولكن عهد تدخلت والغيظ واضح على كل ملامحها "ربما تخشى على حياتها من طلق آخر أو رجل يتهجم عليها كذلك الذي هاجمها بالفندق، فحياتها ثمينة جدا" 
حدقت يُسر بها بنظرات غامضة .. 
يُسر لم تخبر أحد عن تلك الواقعة، ولا ياسين فعل، حتى جينا لا تعرف بالأمر
كانت جينا تنظر ليُسر بدهشة وهي تتساءل بلا فهم "فندق!؟ أي فندق؟ وأي رجل!" 
ارتبكت عهد وهي تفر من نظرات يُسر التي لم تتركها ويُسر تكاد تقسم أن عهد تُخفي الكثير وراءها لكنها لا تستطيع معرفة شيء
جينا نادتها مرة أخرى فعادت لها وهي تحاول وقف الأفكار من رأسها وقالت "لا تشغلي بالك جينا، لقد كان مجرد حادث بسيط"  
تدخل حلمي بحديث جديد شغل جينا ولكن يُسر ظلت صامتة وكذلك عهد.. كلا منهما امتلأت بالأفكار ولكن بلا كلمات
بعد العشاء تناول الجميع الشاي وتبادلوا مواضيع عادية قلت فيها كلمات يُسر وبالنهاية رحلوا وعادت هي لغرفتها والأفكار تأكلها وتمنت لو تهاتف زوجها وتبثه شكوكها ولكن انشغاله الواضح منعها
****
دق باب مكتبه ودخل غازي وهو يقول "ظافر الآن بطريقه إليه، الحفل الليلة كما تعلم، ألن تذهب؟" 
لم يبعد عيونه عن اللاب وقال باختصار "لا" 
ظل غازي واقفا ينظر له بدهشة فرفع وجهه إليه لفهم صمته فقال غازي "ستتركه يوقع العقد ويتزوج أخت سيف" 
قال باختصار مرة أخرى وهو يعود للاب "لا" 
جلس غازي وبدا عدم الفهم عليه وهو يسأله بنفاد صبر "وماذا ياسين؟ هل ستخبرني شيء؟" 
انتهى من اللاب وأغلقه وارتد بمقعده والتقى بنظرات الرجل التي امتلأت بالأسئلة وقال بهدوء "لا تقلق، ظافر لن يصل القاهرة وسيعود هنا بعد، حوالي ساعة" 
كان يتأمل ساعته قبل أن ينهض ويتجه للثلاجة ليخرج زجاجة مياه وتناول بعضها ثم قال "حددت الخسارة؟" 
نفخ غازي لحظة وهو يحك جبينه ثم قال "نعم، هذا بخلاف فندق الجولف بالإسكندرية البضاعة لم تصل الفندق أصلا والمدير أرسل بطلب مساعدة" 
عاد للمكتب لكنه لم يجلس وقال "لقد توليت الأمر، أما هنا فبالطبع الرجال لن تستمر كثيرا بعمل لا يعرفون عنه شيء فهل أحضر زيد بدلاء؟" 
هز غازي رأسه بالرفض وقال "ليس بعد، أخبرتك أنه ليس جدير بمكانه" 
دق الباب فأذن ودخل زيد وبدا واثقا من نفسه وهو ينظر لياسين ويقول "لقد وصل الرجال يا فندم، متى ستراهم؟" 
أبعد ياسين الزجاجة ولم ينظر لغازي.. عقله يعمل بلا توقف.. يفهم الرجال جيدا لكن لأول مرة يتم خداعه
لم يبدو على وجهه أي شيء وهو يقول "بعد نصف ساعة زيد، والآن أريدك، غازي هل تتركنا من فضلك؟" 
تراجع غازي باستنكار من تصرف ياسين الذي نظر له بقوة مما جعل وجهه يتبدل.. الخيرة بدت على ملامحه وكاد ينطق بالاعتراض ولكن نظرات ياسين أوقفته بحزم 
نهض وخرج فأغلق زيد الباب والتفت لمواجهة ياسين "تحت أمرك يا فندم"
أمسك ياسين هاتفه وعبث به لحظة ثم رفع رأسه له ليقول "أرسلت لك القوانين الجديدة للفندق، اطبعها واصنع منها عدة نسخ ووزعها على العاملين، والآن أخبرني متى اكتشفت أمر غازي؟" 
ما أن خرج زيد حتى دخل غازي مرة أخرى وياسين كان يتوقعه وهو يرى الغضب ينطق من عيونه ومن صوته وهو يقول 
"والآن ماذا؟" 
رفع ياسين عيونه إليه بهدوء ولم يرد فاقترب غازي من مكتبه ولم يمكنه الصمت أكثر واندفع يقول "أنت منحته اختصاصات أكثر مما يستحق، تبقى أن يحل مكاني" 
تراجع ياسين بمقعده ولم يتركه الهدوء الذي زاد غضب غازي.. ياسين يعرف متى يستعيد مكانه لو تجرأ أحد على مد يده عليه 
"ليس هو من سيحل مكانك غازي" 
للحظة عم الصمت وباللحظة التالية اتسعت عيون غازي عندما فهم كلمات ياسين وتلجم لسانه وتعرق وجهه وهو يتلعثم بالكلمات 
"ماذا؟ ياسين أنت.. لا.. لا تعني ما قلت؟" 
وحل الصمت.. 
وجه غازي شحب.. تعرق.. 
رفع يده لوجهه بحركات لا معنى لها ونظراته زائغة على وجه ياسين بلا فهم
نهض ياسين، أدرك أن الرجل يتهاوى من داخله وهو يستحق.. بينما تحكم هو بغضبه كعادته.. حل الأزمات لا يكون بالغضب ولكن بالعقل
اتجه لغازي حتى وقف أمامه والتقى بنظراته الزائغة والتي حملت معاني كثيرة منها الخوف.. حيرة.. انتظار للحكم 
"هل اعتدت بي المزاح بالعمل غازي؟" 
مسح الرجل حبات العرق من على جبهته براحته وظل ينظر له بلا قدرة على الفرار من مواجهته بوجه شاحب وقال "لكن كيف؟ أنا"
ولم يكمل فوضع ياسين يديه بجيوب بنطلونه وظل محدقا بوجه غازي وقال "أنت ماذا غازي!؟ أنت رجلي الأول؟ ذراعي الأيمن؟ محل ثقتي؟ أليس كذلك؟" 
سقط غازي على المقعد، خانته سيقانه على تحمله..
بل تحمل خيانته لرجل لم يرى منه أي سوء.. نظراته سقطت معه على الأرض بخزي.. كان يعلم أنه يحمل عار ما فعله لذا لم يجرؤ على مواجهة رب عمله الذي من الواضح أن اكتشف الأمر ولا مفر من تحمل النتائج
ابتعد ياسين الذي تخطى مرحلة الصدمة وتعايش مع الواقع بل وفكر بالحل بسرعة وأخذ خطواته بلا تردد "صدقني لم أكن أشك بك لحظة واحدة، ولكن يبدو أن دعوات أبي تحرسني أليس كذلك؟ أبي الذي رشحك لي وطلب مني أن أمنحك ثقتي، وقد فعلت غازي، فلماذا؟" 
انحنى غازي ووضع رأسه بين يديه هاربا من نظرات ياسين التاي كانت تحمل عتاب مؤلم لم يتحمله 
بينما وقف ياسين خلفه، لم يصدق وقت اكتشف خيانته أنهن فعل به ذلك، أراد أن يقتله لولا السنوات التي عمل بها معه بإخلاص وعدم تهور ياسين كرجل تعلم كيف يواجه الأزمات بعقله لا قلبه
همس غازي بصوت باكي، نادم "ضعفت يا ياسين، ضعفت أمام المال، زواج ابنتي الذي كلفني الكثير بطلباتها التي لا تتوقف هي ووالدتها، مشروع حسام ابني، طلبات نيرة زوجتي الثانية وابنها، لم أستطع أن أقاوم إغراء المال" 
عاد ياسين لمكتبه ولم ينظر لغازي.. لا مكان لأي تنازل مع رجل باع كل شيء.. يكفي أنه لن يسجنه 
سقط بجسده على المقعد من ثقل أحزانه وقال "لم أبخل عليك بشيء غازي منحتك أكثر مما تستحق ولم أهتم بقيمة المال بقدر اهتمامي بوجودك معي وإخلاصك لي" 
رفع غازي رأسه والدموع تملأ وجهه والندم واضح بعيونه وخرج صوته واهنا مليء بالرجاء والخزي "وقد كنت محل ثقتك طوال تلك السنوات" 
شبك يديه على مكتبه وأسند ذقنه عليها وهو يواجه الرجل بصوت جمد الدماء بعروقه "لهذا السبب لم أبلغ الشرطة، ولم أنتقم منك، ولن أفعل أي شيء يسيء لسمعتك، سنخبر الجميع أنك استقلت لكبر السن ولك مكافأة نهاية الخدمة صرفت لك شيك بها، لكن قبل أن تذهب لدي سؤال واحد لو ما زال لديك بعض الإخلاص لي" 
لم يرد غازي ولكن عيونه عنت أنه سيفعل أي شيء لرئيسه السابق فقال ياسين "من وراء حوادث زوجتي؟" 
هز غازي رأسه باستنكار والصدق لاح بنظراته وهو يقول بصوت واهن لكن لا كذب به "صدقني لم أعرف وسيف خارج هذا الأمر فهو لا يهتم بحياتك الشخصية ولا بمدام يُسر، كل اهتمامه بالفنادق ورغبته في تكبدك أكبر قدر من الخسائر" 
هز رأسه، هو يعلم ذلك جيدا وكان دائما يتوقع ضربات سيف لكنه لم يتوقع أن تكون من أقرب الناس..
تراجع بمقعده وقال "تمام، أظن أنك بحاجة للراحة، غرفتك لك حتى الصباح يمكنك تسليم كل شيء لزيد، هل لديك أي شيء تريد أن تخبرني به؟" 
هز غازي رأسه بلا تركيز لكنه لم يرحل بصمت بل قال "فقط احذر من سيف، لكن صدقني أنا لو كنت عرفت أي شيء منه لصالحك لأخبرتك به ولكنه كان شديد الحرص معي"
أطرق ياسين برأسه لحظة.. كانت عيونه تغرق بعتمة واضحة منحت غازي لمحة عن الغضب الذي سكن دواخله قبل أن يقول بنبرة مخيفة "بالطبع لابد أن يفعل، لن يثق برجل خان رئيسه غازي هو ليس غبي" 
أخفض غازي رأسه من الخزي الذي يشعر به واكتفى بهذا القدر فنهض بضعف وخرج في صمت بينما أحاط ياسين وجهه بيديه وهو يحاول التحكم بغضبه عندما دق الباب وفتح زيد وهو يقول 
"الرجال يا فندم"
استعاد نفسه بسرعة.. وهز رأسه وزيد يفسح للرجل لتتقدم للداخل
انتهى من لقاء الرجال وحدد اختصاصاتهم.. كانت لهجته حادة وقوية.. لن يتكرر الخطأ مرة أخرى.. لن يقبل بذلك
خرج الرجال وقد فهم كل واحد ما عليه.. انتظر زيد الأوامر فالتفت له ياسين ومنحه أوامره بنفس النبرة قوية والتي تحمل التهديد "لا أريد أي كلمة عن غازي زيد، ولو عرفت أن هناك كلمة وواحدة خرجت، فلن يكون حسابي يسير هل فهمت؟" 
هز زيد رأسه بالموافقة ونبرته عنت فهم الأمر جيدا وقال "نعم يا فندم" 
دق الباب فأذن ياسين ليدخل رجل طويل القامة بأوائل الأربعينات نشيط الحركة جاد الملامح، تقدم وقال "مساء الخير ياسين بيه أعتذر عن التأخير السيارة تعطلت بالطريق" 
ابتسم ياسين وهو يتأمل الرجل الواقف أمامه باحترام وشعر أنه لن يندم على قراره بتعيينه بدلا من غازي
صوته خرج هادئ "نعم، وصلتني رسالتك سيادة العميد تفضل" 
جلس الرجل وياسين من تحدث مشيرا بحركة من رأسه لزيد "هذا مستر زيد مدير الفندق، مستر زيد العميد خطاب وهو وافق على أن يكون مدير أعمالي بدلا من غازي" 
ابتسم زيد ولمعت عيونه على الرجل وهو يرحب به "أهلا يا فندم" 
حياه خطاب بهزة من رأسه والجدية واضحة على كل ملامح وجهه 
ياسين لا يضيع وقت "زيد هل تراجع ما طلبته منك؟ واطلب منهم أن يعدوا غرفة مستر خطاب" 
أجاب زيد "بالطبع يا فندم" 
وتحرك خارجا فانتبه ياسين للعميد الذي ظل هادئا بانتظار الأوامر وياسين منحه اهتمامه "لم أصدق أنك وافقت على العمل معي بل وبدأت العمل بالفعل" 
ابتسم الرجل ولمعت عيناه ببريق الفخر من كلمات ياسين وربما لأنه نال العمل لدى رجل مثل ياسين، الجميع يعرفه جيدا وهو أولهم
"العمل المناسب لا يمكن رفضه مستر ياسين وأنا عرفتك جيدا منذ لقائنا بدبي، لولا وجودك وقتها لماتت ابنتي فأنا مدين لك" 
ابتسم ياسين وظل مضجعا بمقعده دون أن يبدي أي رد فعل بخلاف ابتسامته "ليس دين بل هو قدر، والآن لنكمل العمل فلديك الكثير من المهام تنتظرك وللأسف لن يمكنني تركك ترتاح من السفر وبالبداية أنا لا أحب الألقاب" 
مضى الوقت.. يمنحه كل ما يحتاج لمعرفته حتى انتهى
خرج مع خطاب إلى حمام السباحة بجولة لمعرفة ما تم بخصوص المطعم وأثناء العودة دخل ظافر ورجلان يحيطان به وقد بدا الغضب على ملامحه وهو يقول "ياسين هل تشرح لي ماذا يحدث؟" 
نظر له ياسين ببرود والتمعت عيناه ببريق غاضب كتمه بمهارة ولم يسمح سوى بالهدوء بأن يحتل الساحة ونظراته فقط هي ما امتل-ت بنظرات هزت ظافر دون فهم لسببها 
"سأفعل ظافر، خطاب ارسل الرجل للتنفيذ، لقد سأمت الانتظار" 
أجاب خطاب بطريقة عسكرية واضحة "تمام" 
وأمسك هو فجأة بذراع أخيه ودفعه للداخل حيث مكتبه مرة أخرى وأغلق الباب وقد اكتفى من تمثيل الهدوء أمام الجميع 
التفت ظافر له وهتف بجنون لم يرحل منهن رغم سنوات عمره الكثيرة "هذا يدعى خطف ياسين وأنا لا أسمح لك" 
تحرك ياسين وبكل حركة من جسده معنى واضح لغضبه الذي يستحقه أخيه المتمرد، وقف أمام ظافر بغضب وامتلأت عيناه بالسخط والجنون ونفاذ الصب 
"أبلغ الشرطة عني إذن ظافر لأني لن أتراجع، هيا ماذا تنتظر؟ أن يأتي سيف لينقذك؟ لن يفعل فهو لا يهتم لأمرك كل ما يهمه هو تدميري وتدمير كل من حولي" 
تراجع ظافر وهو لا يفهم شيء.. هو يعلم جيدا أن ياسين لا يغضب بسهولة وهو الآن بقمة غضبه 
ارتجفت شفتاه من مواجهته لياسين وغضبه الذي شحن الجو حولهما بالتوتر وتعثرت كلماته "سيف.. سيف شريكي.. و.. ويهتم بي، لا.. تظن أنك تحوز اهتمام الجميع" 
اقترب ياسين منه وانحنى عليه حتى أحرقت أنفاسه بشرة ظافر ولمس حرارة أخيه النابضة من الجنون الذي تملكه، كان يرى عيونه تلمع بلهيب الغضب وصوته الخارج من بين أسنانه 
"أنا لا أريد اهتمام أحد ظافر، أنا أريد أخي ابن أمي وأبي، أريد ولاءه وأخوته لا خيانته" 
حدق به ظافر وتوقفت الكلمات على طرف لسانه ولم يجد ما يرد به..  

تعليقات



<>