رواية هاربة ام خائنة الفصل الحادي عشر11بقلم داليا السيد


رواية هاربة ام خائنة الفصل الحادي عشر11بقلم داليا السيد

الفصل الحادي عشر
شكوك
توقفت يُسر أمام الحاج إبراهيم بالصباح وهي تمتلئ بالنشاط والعمل يمنحها راحة نفسية غريبة، ثقة ياسين بها منحتها أيضا دفعة قوية وحماسة لا حدود لها 
قالت بجدية "ألا ترى أن ذلك أكثر مما يستحق يا حاج؟" 
ابتسم الرجل وهو يرى لمعان الذكاء بنظراتها ثم أجاب "نعم، معكِ حق يا ابنتي لكن هو الوحيد الذي يدفع نقدي وبدون أقساط" 
هزت رأسها بالموافقة وقد درست الأمر جيدا ولم تجد بديل ومع ذلك تحاول للنهاية "نعم، أنا أريد محصول الأرض الوسطى يا حاج، المصنع بحاجة له" 
وكأنه توقع ذلك فلم يجادلها "كما تشائين، ولكن هل ياسين على علم بذلك؟" 
تحركت معه إلى السيارة وقالت "نعم، هل تريد سيارات لنقله؟" 
التفت لها والجدية بنبرته لا تقل عنها "نعم التكلفة عليكم يا ابنتي، متى سيعود ظافر؟ أرى أن الأمر كثير عليك" 
"ليس كثير يا حاج، أنا أحب العمل فهو ممتع وربما عهد تريد مشاركتي" 
ضاقت عيونه ومنحها كل الاهتمام وهو يردد باستنكار "عهد!؟ لماذا؟ حلمي شريك بنسبة صغيرة لا تتعدى خمسة وعشرين بالمائة فليس له حق بأي إدارة" 
التفتت له والدهشة لمعت بعيونها وظهرت بكلماتها "فقط!؟" 
وقفت وواجهته تنتظر منه تفسير وهو واجها بلا تردد وأجابها "نعم؛ ياسين اضطر لمشاركته عندما أصبحت أحوال الرجل سيئة بسبب بيعه الأرض لسداد مصروفات ابنته وبالطبع لم يملك أكثر من تلك النسبة وياسين يمنحه أرباح أكثر مما يستحق لخاطر صداقته لوالده" 
تنبهت لكلمات الحاج فقالت "من الجيد أن عرفت لأني لن أتحمل تلك المرأة خمس دقائق" 
ابتسم وهو لا يمانعها "كنت أخشى أن يتزوجها فالجميع يعلم بحبها المجنون له" 
احمر وجهها وقالت "وهو لم ينجذب لها مرة؟" 
ضحك وكأنه يدرك غيرتها التي حاولت إخفاءها لكنها زوجة من يتحدث عنه "لم يكن لديه وقت، كان العمل يسرقه ولم يكن يأتي هنا كثيرا فقط وقت مرض والده رحمه الله ومن بعد وفاته اعتاد على التواجد هنا من أجل إخوته والأرض ثم ذلك المصنع، تعقدت حياته كثيرا بالكثير من المسؤوليات" 
هزت رأسها بتفهم وقد منحتها جينا نبذة عن ذلك أيضا "معك حق" 
ابتسم الرجل وربت على ذراعها السليم وقال "ولكن يبدو أنه وجد من يحمل معه بعضا منها، وفقك الله يا ابنتي" 
ابتسمت وقلبها يتمنى أن تكون جديرة بما وضعها به "شكرا يا حاج، اسمح لي" 
عادت للمصنع وأرسلت السيارات وأمضت وقتا مع عزت عندما فتح باب المكتب ورأت عهد تدخل فنهض عزت وهي تدخل وتقول ببرود غريب 
"كان لابد أن أمر لأرى ماذا يحدث بأموالي"
نظر عزت ليُسر التي ظلت صامتة لحظة قبل أن تقول "شكرا أستاذ عزت هل تتفضل وتتركنا؟" 
تحرك الرجل للخارج مغلقا الباب خلفه لتتحرك عهد وهي تتأمل المكتب البسيط قبل أن تقول "يا له من مكتب متواضع" 
لم ترد يُسر عليها.. كانت فقط تتأملها وتنتظر ما أتت لأجله 
التفتت عهد لها وسكنت نظراتها على وجه يُسر الجامد بلا أي تعبيرات ومنحت كلمات لا مجال لها بنظر يُسر "ولكنه يعجبني، يمكنك إيجاد مكان آخر لأني سأتخذ ذلك مكتبا لي" 
تراجعت يُسر بالمقعد ولم تتحرك، كانت تتحلى بالقوة لا الضعف وثقتها لم تهتز "ولكن أنا موجودة بالمكتب ولن أتركه وللأسف المكان لا يتسع إلا لشخص واحد وهو أنا وعلى من يريد شيء إيجاده بنفسه"  
غضبت عهد ويبدو أنها لم تتوقع طريقة يُسر ولا قوتها الواضحة فبخت غضبها بكلماته "أنا لي الحق مثلك وأكثر، لذا ابحثي لك عن مكان آخر" 
ظلت يسر تتمسك بالهدوء، لن تنقاد وراء الغضب فتخسر.. ستهزم تلك المرأة "اسمعي عهد كلانا يعرف لمن الحق في التواجد هنا جيدا، وأنا لا وقت لدي لمناقشة الأمر معك، ارجعي لوالدك وهو سيناقشه معكِ أفضل مني" 
حدقت عهد بها دون أن ترد، ك-نها تحاول البحث عن ردود حتى همست بصوت خافت وغير ثابت "لا أفهم"؟  
نهضت يُسر أخيرا، اختارت مواجهة أقوى، وجها لوجه.. عندما فعلت ووقفت أمامها قالت بصوت ثابت يعكس أنها لن تتنازل عما قالته 
"كما سمعتِ، فقط يبدو أنكِ لا تعرفين من له حق الإدارة! ارجعي لوالدك أو عقود الشراكة وستعرفين أنها من حق ياسين أو من يقم هو بتكليفه بالأمر ولقد كلفني أنا لأني زوجته وأنت تعطليني عن العمل فهل وصلتك الصورة جيدا؟" 
ثار الغضب بكل كيان عهد وخمنت يُسر أنها لم تتفاجأ لأنها انتقت ما رغبت بالرد عليه "زوجته؟ الفتاة التي أحضرها من الجبل ليفضلها علي أنا؟ أنا التي أحببته بكل سنوات عمره وبالنهاية أنتِ أخرجته من حياتك وفقدتِ كل ذكرياتك عنه فهل تظنين أنه سيتغاضى عن ذلك؟" 
ظلت يُسر ثابتة، محاولة ألا تفقد أعصابها من كلمات عهد التي لا تمثل شيء "لقد تغاضى يا عهد وعدت معه، عدت لحياته وبيته وفراشه فهل تخرجي أنتِ من حياته لأن لا وجود لكّ بها أصلا فلو أحبك بيوم لتزوجك" 
احمر وجه عهد وهي تحاول إيجاد رد لهجوم يُسر، ارتدت للخلف وكأن الحقيقة دفعتها بقوة وكلماتها تعثرت على شفتيها "أنتِ تلاعبت به وبمشاعره ولكن بالنهاية سيكشف لعبتك ويدرك أنكِ تريدين أمواله ووقتها سيعود لي، هل تفهمين؟ سيعود لي أنا" 
وتركتها وتحركت للخارج والغضب والدموع تملأ عيونها ويُسر تتابعها دون أن تجد ما تقوله أو تفعله.. 
انتهت من العمل وعادت إلى البيت لتجد جينا بالحديقة تتحدث بالهاتف فجلست حتى انتهت الأخيرة واتجهت إليها وقالت "مروان يريد الزواج بنهاية الشهر ما رأيك؟" 
ابتسمت يُسر بسعادة من أجل جينا فهي تستحق أن تنال حياة جيدة "ولم لا جينا؟ من حقك أن تعيشي السعادة التي لم تعيشيها، مروان يحبك ويريدك" 
ابتسمت جينا وقالت بصدق رغم تورد وجنتيها "نعم وأنا تعلقت به كثير يسر" 
زادت ابتسامة يسر وهي تعرف تلك المشاعر جيدا وتمنت لو أن جينا تستمتع بها "رائع وأين ستقيمين بعد الزواج؟" 
"مروان له شقة خاصة به بالقاهرة، بمجرد عودة ياسين سنذهب لرؤيتها ثم شراء الأثاث" 
صمتت قليلا وتأنت قبل أن تسألها "وعمتك؟" 
زالت ابتسامتها وقد تذكرت الأمر فأجابت "ما زالت على موقفها وأخبرته أنه لو تزوجني فلن تحضر الزفاف ولن تحضر له أي شيء" 
قالت يسر بضيق "لا أفهم موقفها عليها أن تضع ابنتها بمكانك وقتها لن تفكر هكذا، ليست المطلقة امرأة محكوم عليها بالموت، فهي إنسانة ولو فشلت مرة فمن حقها أن تعيش تجربة أخرى وأخرى مثل الرجل تماما فالطلاق ليس ذنبها وحدها" 
هزت جينا رأسها بحزن والكلمات تمس جزء عميق داخلها ويهدئ من مخاوفها، تنفست بعمق وقالت "يعلم الله أني حاولت أن أجعل حياتي مع سليمان ناجحة ولكنه كان لا يستحق ثقتي وحبي" 
ابتسمت يسر وربتت على ذراع جينا وقالت بحنان "انسيه حبيبتي وابدئي حياة جديدة مع من يستحقك ويستحق قلبك" 
ابتسمت جينا بسعادة ولمعت عيونها بلمعان الحب والسعادة، حلمها بحياة مستقرة يخطو خطواته الأولى للتحقق ومن داخلها تتمنى لو يتم على خير
"من الجميل وجود زوجة أخ مثلك بحياتي يُسر، فأنا لم أحظى بأخت أو صديقة وأنت كذلك بالنسبة لي" 
ضحكت وقالت بصدق "وأنا بالطبع محظوظة لوجودك بحياتي جينا وكم سأفتقدك بعد الزواج" 
قالت جينا بجدية لكن بلا انتظار رد من يُسر "سيكون عليكم وقتها الانتقال للقاهرة لنكون سويا" 
لم ترد وهي لا تعلم ماذا تخفي لها الأيام مع زوجها الذي لا تفهم ما يدور برأسه
****
تراجع ظافر أمام كلمات ياسين الغاضبة وعيونه التي تحدق به بقوة وردد بصوت ضعيف "خيانة؟" 
لم يبتعد ياسين وعبرت نظراته عن الغضب المشتعل داخله والذي لم يخرج سوى لأخيه، سبب كل ما يحدث 
بنظره ظافر فتح ثقب بحياة ياسين تسلل سيف منه ليدمر حياته لولا أن ياسين يحسب كل شيء
جز ياسين على أسنانه وهو يرد "بالطبع خيانة، عندما تتواصل من حسابي الخاص الذي اخترقته، مع متعهدي الأغذية الخاصة بالفنادق وتلغي الاتفاق معهم كي نقع بالمصائب واحدة تلو الأخرى، لأهرع أنا إلى سيف لينقذني فماذا تسمي ذلك ظافر؟"
 تجهم وجه ظافر ولم يظن أن ياسين سيكشف أمره وياسين يكمل "أن تضع يدك بيده وتصبح شريكه وأنت تعلم عداوتنا فماذا تسمي ذلك؟ أن تتزوج أخته التي كان لها ملف بالآداب وأنت لا تعلم فماذا تسمي كل ذلك ظافر؟" 
شحب وجه ظافر وتصبب العرق على جبينه والحقائق تتناثر حوله كبلورات تلمع وتضرب عيونه 
دق الباب فاعتدل ياسين وأذن فدخل خطاب ووقف أمام ياسين وملامحه الجامدة لا تمنح أي شيء وهو يقول "لقد وصلت السيارات للفندق بالجولف وبالطبع سيف يبحث عن الأستاذ ظافر بجنون بعد أن فشل حفل الليلة، ماذا بعد ذلك؟"  
صمت ياسين قليلا وهو يفكر قبل أن يخطو أي خطوة.. هكذا اعتاد أن يفعل بكل شيء بحياته وأخيرا قال "أرسل له باقة ورد كبيرة مع كلمات تهنئة خاصة مني بالرفاء والبنين" 
هز خطاب رأسه بلا جدال وقال "حسابك الخاص ما زال مفتوح" 
هز ياسين رأسه دون النظر له وقال "نعم أعلم، سأغلقه ولكن أنتظر حتى تردني كل الرسائل من كل المدراء بعضهم لم يستلم حسابي الجديد" 
نظر خطاب لظافر ثم عاد وقال "عندما تنتهي اطلبني" 
أومأ له برأسه، فخرج خطاب بينما تراجع ياسين لمكتبه وجلس وظافر يتبع خطاب بنظراته قبل أن يسأل أخيه "من هو؟" 
عبث ياسين بأزرار اللاب باهتمام ولم يمنح ظافر نظراته وقال "خطاب.. مدير أعمالي الجديد، عميد سابق بالجيش" 
أطرق ظافر برأسه وقال "عرفت بأمر غازي؟" 
رفع عيونه له والتقى بنظرات الخجل بعيون ظافر مما منحه هدوء أن أخيه ما زال يهتم لأمره، قال "انتظرت أن تفعل أنت ولكنك بعتني من كل النواحي" 
نكس ظافر رأسه، شعوره بالذنب ارتفع داخله.. سيف استطاع محو العقل منه بوقت ما ولكن ياسين يعرف كيف يسترد أخيه
ما زال الحب بينهم كإخوة موجود ولن ينتهي، كما أنه يعلم أن ياسين لا يقبل بتقسيم عزوتهم، يعتبر نفسه الأب 
رد بصوت خافت "دائما كنت الأفضل، تسبقني بكل شيء، بكل يوم كنت أتمنى أن أكون أفضل منك وأخرج من تحت سيطرتك ولكنك لا تقبل بإطلاق حريتي" 
ترك ياسين اللاب ونظر لأخيه بتمعن، لم يفكر بتلك الطريقة أبدا، كل ما في الأمر أنهن يحب إخوته ويرغب بحمايتهم ولكن بلا تعدي على خصوصياتهم 
تحدث بصوت هادئ لكن بنبرة جافة "أنت تعلم أن هذا غير صحيح ظافر، أنا تركت لك الأرض لأني لم أحب الزراعة ولم أنجح بها واتخذت طريق مختلف تماما ولم أفرض نفسي عليك بأي وقت بل على أي أحد، وإنما لدي اعتقاد بأن كل شخص لديه الحرية بحياته يديرها كما يشاء لكن أن تضرني بظهري وتدمر ما عشت عمري أبنيه فهو ما لن أسمح لك به ظافر" 
نظر ظافر له وقال بنفس الغضب "وعهد؟" 
ضاقت عيون ياسين، هذا هو لب الموضوع، خلافهم الأزلي والذي لا ينتهي "أنت تعلم جيدًا الرد ظافر، لا يجب أن نختلف عليها من الأساس، لا هي تستحق مشاعرك ولا أنا أفكر بها، فلي زوجة أحبها ولا أريد سواها وإلى هنا وكف عن تصرفاتك الصبيانية هذه لأني تعبت منها ظافر فلن أتحمل أن أرمم كل ما تهدمه بحياتي" 
نهض ظافر غاضبا، معترضا على انتقادات أخيه ومنحه شعور أنه فاشل، لذا هتف "وماذا ياسين؟ كيف ستعاقبني الآن؟ هل ستلقيني بالسجن؟ أم تجعل رجالك تضربني حتى الموت؟ أم تقذف بي بالصحراء ليلتهمني الضياع؟" 
صمت حل بينهم.. 
وأخيرًا نهض ياسين وتحرك لأخيه حتى وقف أمامه ونظر له بنظرات يعرفها ظافر.. تحمل لوم وعتاب ومنحه كلماته بتأني "هل هذا ظنك بي؟ أني أريد تدمير حياتك؟" 
ابتعد ظافر وهو يخفي دمعة من عيونه فلانت نبرة ياسين وهو يقول "خطأك أنك تسمح للغريب بأن يقف بيننا"
حدق به محاولا كتم ندمه على ما قال وياسين يكمل "سمحت لعهد أن تتلاعب بك وتشكك بي رغم أنك متأكد أني لا أريدها، وسمحت لسيف بأن يخترق حياتك وأنت تعرفه جيدا ووافقت على الإيقاع بي لصالحه لأنه تلاعب بك ونسيت ظافر"
 لمعت عيون ظافر وهو يتابع ياسين بصمت وياسين يكمل "نسيت أننا إخوة ودماءنا واحدة ولن يخاف أحد علينا سوى نحن، لا ظافر، لا أنا سألقيك بالسجن ولا لرجالي ولن أتركك وحدك، بل سأظل معك للأبد حتى لو حاولت قتلي بيوم فلن أرفع يدي لأقتلك لأنك أخي" 
سقطت دمعة من عيون ظافر مسحها وأبعد وجهه وهو يقول "حتى بذلك الموقف تثبت أيضا أنك الأفضل" 
جذبه من كتفه ليعيده أمامه ونظراته هادئة وهو يقول "لست الأفضل بأي شيء ظافر، أنا فقط أخيك الكبير وأحبك ولا أريد أن أخسرك مهما كان الثمن" 
لانت ملامح ظافر وهو يقول "رغم أني كنت سبب بخسارتك وخنت ثقتك" 
قال بنفس الهدوء وهو مقتنع بما يقول "كلنا نخطئ، الأموال يمكن تعويضها فقط الثقة هي التي تؤلم أخي" 
اعتدل ظافر والندم واضح بصوته وملامحه وقال "وهل يمكنك أن تثق بي مرة أخرى رغم ما كان!" 
تراجع ياسين مبتعدا وقال "وهل هناك من هو أجدر من الأخ بالثقة ظافر؟" 
أخفض ظافر رأسه لحظة ثم رفعها وقال "معك حق، ربما نبدأ من جديد ياسين" 
جلس ياسين خلف مكتبه وقال وهو يعود للاب "بالنسبة لي أنا بدأت، الأمر بيدك الآن" 
صمت ظافر قليلا ثم قال "سيف وضع رجل بكل مطبخ عندك لتوصيل أخبارك له" 
رفع نظراته له فاقترب ظافر من المكتب وقال "أنا رأيت الرجال دون أن يعلم سيف وسمعته وهو يتحدث معهم" 
تراجع ياسين بالمقعد وقال "إذن لنخبر سيادة العميد بمهمته التالية يا أخي" 
****
يومان آخران مرا عليها دون أن تراه، مجرد اتصال قصير للاطمئنان وبنهاية الاسبوع اتصل بها بالصباح وهي تتجه للمصنع مع رجاله فأجابت 
“صباح الخير"
ركب سيارته وصوتها هو كل ما أراد أن يسمعه فأجاب "صباح النور، أين أنتِ؟" 
قالت "بالطريق للمصنع" 
ركب خطاب بجواره فقال "حسنا هل عادت عهد؟" 
ظلت نبرتها هادئة، تجيب بنفس الطريقة العملية التي يتحدث بها "لا، أخبرتك بما كان بيننا بالمصنع ومن وقتها لم تعد" 
قاد بهدوء وقال "أنا عائد اليوم للقاهرة والرجال ستأتي بكِ أنتِ وجينا، مروان يريد الذهاب لشقته ولن أعود العزبة ثم أرتد للقاهرة مرة أخرى" 
قالت "الرجال لم تخبرني قبل أن أتحرك" 
قال "نعم، أمامك ثلاث ساعات قبل أن تتحركي يمكنك الانتهاء وتسليم عزت الأمور ولا تنسي أي شيء خاص بك" 
نزلت من السيارة وقالت "لن أنسى، هل أنت بخير!" 
قال بهدوء "نعم، أراكِ بالمساء" 
كانت كلماته باردة وعملية مما جعلها تتساءل عن السبب ولكن نداء عزت جعلها تعود للعمل.. 
وصلت بهم السيارة بالسادسة مساء عندما استقبلتهم سعدية لتأخذ الحقائب وبالطبع لم يصل هو بعد وسرعان ما وصلت سيارة ظافر فاندهشت هي وهي تراه يدخل 
“مساء الخير"
ابتسمت المرأتان وردتا السلام بينما جلس الجميع بالبهو الصغير فقال ظافر "مبروك جينا، ياسين أخبرني" 
أجابت أخته وقد تورد وجهها "شكرا ظافر أتمنى أن أراك بالمثل" 
أبعد وجهه فقالت يسر "هل رأيت ياسين؟" 
هز رأسه بالإيجاب "نعم، كنت معه بالسخنة هو على وصول فقط مر بفندق الجيزة ولن يتأخر" 
ولكن لم يصدق ظافر حيث امتد الوقت للتاسعة عندما نهض الجميع للعشاء دون أمل بحضوره ولكن ما أن جلسوا حتى وجدته يدخل وهو يقول 
"مساء الخير" 
طبع قبلة على جبينها وعلى وجنة أخته وقال "كان اسبوع طويل، كيف حال الجميع؟" 
ابتسمت جينا له بود وحب وأيضا رأفة بحاله وهي تقول "بخير، كيف حالك أنت؟ تبدو كمن خرج من الحرب من لحظات" 
تناول الطعام بهدوء دون النظر لأحد وهو يجيب "أحتاج فقط للنوم" 
قال ظافر بجدية "والطعام، نحن لم نتناول شيء منذ الأمس، أين خطاب؟" 
أجابه وما زال يهتم بالطعام "عاد لبيته ظافر" 
نظرت يُسر له واسم خطاب يجذب انتباها، بينما سألت جينا "خطاب من؟" 
أجاب "بديل غازي جينا، غازي استقال لشعوره بالمرض وكان لابد من بديل والعميد خطاب هو البديل" 
لم تتحدث وإن ظلت تتابع بصمت لاحظه ورمقها بنظراته ولكنها لم ترد نظراته بينما قال ظافر "هو رائع ياسين، لا شيء صعب بالنسبة له" 
صدق ياسين على كلماته "نعم هو كذلك، جينا مروان يريد الذهاب غدا للشقة فما رأيك؟" 
احمر وجهها ولم تنظر له وهي ترد "كما تشاء" 
نظر لزوجته وقال "إذن لنذهب غدا بالخامسة، أخبريه جينا، ألم تحاولي مع عمتي؟" 
رد ظافر "لا داعي من المحاولة ياسين أنت تعرف أفكار عمتك ربما تتراجع عندما تدرك أن سعادة ابنها مع من اختارها قلبه" 
انتهى العشاء وتبادل ياسين وظافر حديث عن العمل فاستأذنت هي وصعدت لغرفتها التي كانت بها أول مرة جاءت هنا بعد الحادث وتحركت للنافذة 
وقفت تتأمل الأنوار حول حمام السباحة ولا شيء يلوح بالأفق أمامها.. ظلام تعيش به يخفي الماضي خلفه وهي تعبت من محولة التذكر بلا فائدة
دق الباب فالتفتت لتراه يدخل، تأملته وقلبها يرتجف داخل صدرها وهو يتقدم حتى وقف أمامها وواجه نظراتها وملامحها الغامضة وسأل "الصمت يلفك اليوم يسر فهل هناك شيء؟"
حاولت الابتسام وهي تبعد عيونها وقد استعادت بعودته آخر لقاء بينهم ولا تعرف كيف ستكون علاقتهم
قالت "لا، لا يوجد شيء، ربما الصداع أصبح مزعج هذه الأيام هناك بعض الأمور أريد مناقشتها معك بالعمل فهل تفضل الآن؟" 
ظل ينظر بوجهها الذي يهرب من مواجهته وقد تمنى لو رأى بعض الشوق بعيونها ولكنها تهرب من مواجهته فلم يعرف السبب
تحركت من أمامه ولكنه أمسكها من ذراعها السليمة وأوقفها باحثا عن عيونها "وجودي ضايقك؟" 
رفعت وجهها إليه بنظرات تمنى أن يصدقها وخرج صوتها خافتا وضعيفا "تعلم أن كلامك غير صحيح، بكل يوم كنت أسألك عن موعد عودتك" 
سألها بنبرة لمست مشاعرها الدفينة فأخرجتها من القاع للسطح وارتجفت شفتاها عندما سمعته "ليس هذا ما تخبرني به عيونك" 
اختنقت أنفاسها من قربه الذي لا يشعرها إلا بالضياع، لا.. بل بالهلاك خاصة عندما ترتجف أقدامها وتتخاذل عن حملها وأدركت من قبضته أنها لابد أن ترد "بل أنت لا تجيد قراءة ما تقول"
مرر أصابعه على وجنتها فزاد ضعفها وتمنت لو تفر من أمامه وإلا ستنطلق لأحضانه بلا مقدمات
انحنى ولمس شفتيها بقبلة رقيقة وهمس "هل تقول أنكِ اشتقت لي يسر؟" 
تنفست بعمق وهي تتلذذ بقبلته ثم فتحت عيونها لترى عيونه تواجها فأخفضت وجهها وهمست "اسبوع ليس قليل ياسين" 
ابتسم وابتعد رغما عنه فما زال لا يريد أن ينالها قبل أن يهدأ قلبه المجروح وإن كان بطريقه للشفاء..
تابعته بضيق وهي تشعر أنه يتلاعب بمشاعرها ولكنها استسلمت لتصرفاته وهو يتحرك لباب جانبي وقال "لا توقظيني إلا بموعد الغداء" 
فتح الباب الفاصل بين غرفتيهم واختفى خلفه وهو يغلقه خلفه بينما جلست هي على المقعد تاركة الدموع تشاركها أحزانها.. 
أمضت الصباح مع جينا ولم يستيقظ ظافر ولا ياسين وقبل موعد الغداء صعدت لغرفته دقت الباب فلم يرد
فتحت ودخلت لترى الغرفة مظلمة ورائحة عطره بالغرفة تحركت للستائر وفتحتها..
 الغرفة رائعة ولكن غرفتها أكبر وأكثر دفء
عادت له ورأته مستلقيا على وجهه ولا يشعر بأي شيء وكالعادة نصفه الأعلى بدون ملابس رغم برودة الجو، تحركت تجاهه وجلست على طرف الفراش وتأملت ملامحه..
كم بدا وسيما حتى وهو نائم.. أما عضلات جسده فبدت ثابتة ولكنها رائعة وتدل على قوة صاحبها، شعره المتناثر على جبينه جعلها تمد أصابعها وتبعدها عن وجهه ثم دون أن تشعر وجدت نفسها تمرر أصابعها على وجهه ..
قلبها تمنى لو تمددت بجواره وهو رفع ذراعيه وجذبها إليه ربما وجدت الراحة ووصلت للأمان بعد الضياع الذي تحيا به
ربتت على ذراعه وهي تنادي باسمه "ياسين، ياسين استيقظ"
ولكنه لم يستيقظ.. حاولت مرة أخرى ولكنه لا يستجيب
ارتدت وهي تتأمله.. غارق بالنوم وكما قال يسقط بالنوم ولا..
وتذكرت.. تذكرت عندما أخبرها أنه يسقط بالنوم ولا يستيقظ إلا بقبلتها.. ليتها تستطيع أن تفعل
ولم لا؟ 
ربما يدرك ويصدق أنها لم ترد سواه وأنها لو كانت امرأة جديدة فهي أيضا أحبته وأرادته
انحنت حتى اقتربت منه ولكنها تراجعت بآخر لحظة..
ماذا لو رفضها أو أهانها؟ 
لا، لن تسامحه أو تسامح نفسها..
نهضت لا تعرف لأين ولكن سرعان ما شعرت بيده تقبض على معصمها ففزعت وهي تلتفت إليه وما زال مغمض جفونه  
جذبها إليه أكثر لتفقد توازنها وتسقط على الفراش بجواره فيعتدل ليسجنها بذراعه ويرفع جذعه ليرى شعرها الذهبي يفترش الفراش ووجها الأبيض يضئ وسطه بعيون تنظر له بفزع يومض باللون الأزرق الجذاب ووجنتين كالورود الحمراء 
ظلت تنظر حتى ذهب فزعها وهتفت بغيظ "أنت تغش ياسين، كنت مستيقظ" 
ابتسم وقال وهو يداعب وجنتها بأصابعه "لم أكن مستيقظ حتى أيقظتني أنفاسك العطرة يُسر، عطرك يخترق الأنفاس ويدفع بالنوم بعيدا بلحظة" 
اقترب منها أكثر ولكنها سحفت من تحت ذراعه ونهضت مبتعدة فسقط على الفراش ضاحكا وقال "من الذي يغش الآن؟" 
حاولت أن توقف ارتجاف جسدها وضعف قلبها وهي تبتعد عنه إلى أقصى مكان وتمنحه ظهرها وقالت "لا أفعل، لابد أن تستيقظ هل نسيت موعدنا مع مروان؟" 
سمعته يقول خلف أذنها "لم أنس" 
وطبع قبلة على عنقها ويده تخترق خصرها لتسجنها بأحضانه وقد شعرت بأنفاسها تضيع وكأنه سرقها منها..
متى نهض وكيف وصل لها دون أ تشعر؟
بلحظة أعادها أمامه دون أن يفلتها وهي تستند على صدره الذي تمنت أن تلمسه، وها هو يمنحها الفرصة ولكن قلبها الواهن لا يساندها 
تبعثرت نظراتها على عضلات صدره بفزع من قربه وذراعه التي تقيدها بقوة وهربت من عيونه ولكنها سمعت صوته يقول "كنتِ تفزعين نفس الفزع عندما أخطف عناق منكِ ونحن غاضبين، كم اشتقت لتلك اللحظات يُسر"
ولم يمكنه أن يقاوم رغبته أكثر وهو ينحني ليقبل شفتيها وهي ترفع ذراعيها لتعانقه دون تراجع وتستجيب لقبلته بقبلة مماثلة ولم يوقفهم سوى طرقات الباب الهادئة 
أبعدها وهي لا تنظر له بل تحاول التقاط أنفاسها الاي سرقتها قبلته، وتحرك وهو يجيب الطارق ويفتح الباب ليرى جينا تقول "ياسين تأخرتم، لم تتناولان الغداء بعد"
لم ترى يُسر بينما أجاب هو "ربع ساعة وسنكون معك جينا، لن نتأخر" 
أغلق الباب ولم تنظر له وهي تتحرك للباب وهو يتابعها بنظراته حتى اختفت خلف الباب بصمت.. 
بالطبع كانت نظرات جينا تعني الكثير وقد ظنت أن العلاقة بينهم عادت لطبيعتها فهربت منها ومن نظراتها..
ارتدت بدلة كحلية رائعة وأنيقة أظهرت مفاتن جسدها وتركت شعرها الطويل على أكتافها وجلست بجواره بالسيارة وجينا معهم وقد تبعهم ظافر بالسيارة فلم يتحدثا إلا بأمور عامة خاصة وأن اتصالاته لم تتوقف.. 
وصلوا للمبني الفاخر بمنطقة جديدة بالجيزة وكان مروان يقف بانتظارهم..
ابتسم لجينا بسعادة بينما شعرت يُسر بزوجها يأخذ يدها فنظرت له ولكنه لم يرد نظرتها فلم تبعد يدها وصعد الجميع للشقة الرائعة حتى الأثاث الذي أخبرها مروان بإمكانية تبديله لو أرادت 
لكنها ما أن تحركت بالمكان وتأملت كل شيء حتى أعجبت به فقد كان جميلا حقا ولم تعترض على شيء
جلس الجميع وفتاة عشرينية قامت بوضع المشروبات وتطرقوا لمواضيع بسيطة واستمتعوا بكل شيء حتى رن جرس الباب وتحركت الفتاة لتفتح
لحظة ورأى الجميع العمة تندفع للداخل بغضب واضح وتهتف بصوت مرتفع "لا، لن يكون، لن تتزوجين ابني يا جينا، لن يكون"
وقف الجميع في حالة من الذهول من دخول المرأة، بينما تحرك مروان ليقف أمامها ويقول بنبرة حاسمة "ماما كفى، هذا لا يصح" 
ولكنها لم تتراجع وهي تقول بنفس الغضب وعيونها تنطق بالغيظ والكراهية "وهل يصح أن تتزوج امرأة مطلقة؟ وعجوز؟ لا، لن يكون، لو كانت جيدة ما طلقها زوجها" 
صوت ياسين القوي أوقفها، لن يقبل بكلمة على أخته حتى ولو كان من عمته "كفى، كلمة أخرى على أختي ولن يوقفني شيء عمتي، أنت تعلمين جيدا من هي جينا" 
نظر له مروان ورأى الغضب بعيونه فقال "اهدأ ياسين، ماما لو سمحتِ توقفي لأن ما تفعليه لن يوقفني" 
صرخاتها كانت مقصودة وهي تقول "بالتأكيد استطاعت أن تأخذك من أمك ولكن لا، لن تتزوجها، على جثتي" 
تحرك ياسين تجاه الباب وهو يقول بغضب "هيا جينا، يُسر، دعونا نذهب" 
ولكن مروان استوقفه برجاء "ياسين من فضلك، أنت تعلم أني لن أتراجع" 
نظرات الغضب بعيون ياسين جعلت يسر تعلم أنه لن يتراجع والعمة تقول بنفس الصوت "اتركه، اتركهم كلهم لن يكون لهم شيء، لن يأخذ أولاد مصطفى مني ابني، لن يكون.. اخرجوا من هنا هيا" 
تراجع الجميع وجينا انهارت بالبكاء ويُسر تحاول أن تهدئ من روعها.. ولكن المرأة استمرت بالصراخ حتى التف الناس خارج باب الشقة 
وفجأة سقطت جينا فاقدة الوعي بلا حركة..
صرخت يُسر باسمها وأسرع الجميع إليها في فزع.. 

تعليقات



<>